| بيانات عامة | |
| التاريخ | 26 أغسطس 683م (26 ذو الحجة 63هـ) |
| المكان | حرة واقم، شمال شرق المدينة المنورة |
| السياق | الفتنة الثانية في الخلافة الأموية |
| النتيجة | هزيمة أهل المدينة ونهب المدينة ثلاثة أيام |
| أطراف الحدث | |
| الطرف الأول | الجيش الأموي الشامي |
| قائد الطرف الأول | مسلم بن عقبة المري، بأمر الخليفة يزيد بن معاوية |
| الطرف الثاني | أهل المدينة (الأنصار والمهاجرون الرافضون لبيعة يزيد) |
| قائد الطرف الثاني | عبد الله بن حنظلة الغسيل |
| الخلفية والأسباب | |
| الحدث السابق | مقتل الحسين بن علي في كربلاء، أكتوبر 680م |
| سبب مباشر | رفض أهل المدينة تجديد البيعة ليزيد وطرد عماله من المدينة |
| التداعيات | |
| الخسائر | مقتل عددٍ من الصحابة وحفّاظ القرآن وأهل المدينة، بحسب المصادر التاريخية |
| الحدث اللاحق | حصار مكة ووفاة يزيد المفاجئة في نوفمبر 683م |
تُعرف واقعة الحرة، أو “يوم الحرة” كما وردت في المصادر التاريخية الإسلامية المبكرة، بأنها المعركة التي دارت في السادس والعشرين من أغسطس عام 683م في منطقة حرة واقم الواقعة شمال شرق المدينة المنورة، بين الجيش الأموي الشامي بقيادة مسلم بن عقبة المري، الذي أرسله الخليفة يزيد بن معاوية، وبين أهل المدينة الرافضين لبيعته، من الأنصار وبعض المهاجرين وأبناء الصحابة، بقيادة عبد الله بن حنظلة الملقب بـ”الغسيل”. وتُعد هذه الواقعة إحدى أكثر المحطات إيلامًا في تاريخ الفتنة الثانية التي عصفت بالخلافة الأموية عقب وفاة معاوية بن أبي سفيان عام 680م، إذ انتهت بهزيمة أهل المدينة وسقوط المدينة المنورة بيد الجيش الأموي، الذي أباح لجنوده نهبها لمدة ثلاثة أيام، بحسب أغلب الروايات التاريخية المتوارثة، قبل أن يتجه الجيش نفسه لاحقًا لمحاصرة مكة المكرمة حيث كان عبد الله بن الزبير يتحصن رافضًا بدوره بيعة يزيد.
[1]
الخلفية السياسية: من كربلاء إلى رفض بيعة يزيد
تعود جذور واقعة الحرة إلى الأزمة السياسية العميقة التي أعقبت توليةَ معاوية بن أبي سفيان لابنه يزيد وليًا للعهد، وهي سابقة لم تكن معهودة في تاريخ الخلافة الإسلامية حتى ذلك الحين، إذ اعتاد المسلمون قبل ذلك اختيار الخليفة عبر الشورى أو الترشيح لا عبر التوريث المباشر داخل الأسرة الحاكمة. وقد أثار هذا القرار استياءً واسعًا لدى عددٍ من كبار الصحابة وأبنائهم، وعلى رأسهم الحسين بن علي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير، اللذان رفضا تجديد البيعة ليزيد فور توليه الخلافة عام 680م. وقد أدى هذا الرفض إلى سلسلة أحداثٍ متلاحقة كان أبرزها مقتل الحسين بن علي وأغلب أهل بيته وأصحابه في معركة كربلاء في أكتوبر من العام نفسه، وهو حدثٌ ترك أثرًا عميقًا ودائمًا في الوجدان الإسلامي، وأسهم في تعميق الانقسام المذهبي بين المسلمين لاحقًا.
[1]
وفي أعقاب مقتل الحسين، تصاعدت حالة الاستياء في الحجاز عمومًا والمدينة المنورة خصوصًا تجاه سياسات يزيد وسلوكه الشخصي الذي وصفته المصادر التاريخية الموروثة بالتراخي عن أداء الشعائر وارتكاب المنكرات، وإن كان بعض الباحثين المعاصرين يشيرون إلى أن جانبًا من هذه الروايات قد يعكس تحيزًا سياسيًا لاحقًا ضد الأمويين صيغ في العصر العباسي. وقد بلغت هذه الاحتقانات ذروتها حين أرسل والي المدينة الأموي وفدًا من وجهاء المدينة لزيارة يزيد في دمشق، فعادوا وقد أعلنوا تبرّأهم من بيعته علنًا، مستندين إلى ما شاهدوه من سلوكه الشخصي، وهو ما أشعل فتيل التمرد المباشر.
[4]
اندلاع التمرد في المدينة المنورة
على إثر عودة الوفد المذكور، أعلن أهل المدينة تمردهم الصريح على حكم يزيد، فبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل قائدًا لهم، وأقدموا على خطوةٍ رمزية بالغة الدلالة تمثلت في طرد الأسرة الأموية المقيمة في المدينة والحامية التابعة لها من المدينة، ثم حاصروا من تبقى منهم في دار مروان بن الحكم، قبل أن يشرعوا في حفر خندقٍ دفاعي حول المدينة استعدادًا لمواجهةٍ عسكرية باتت وشيكة. وقد حاول يزيد في البداية احتواء الموقف عبر الوسائل الدبلوماسية والمالية، فأرسل عروضًا وأموالًا لكبار زعماء المدينة سعيًا لثنيهم عن التمرد، إلا أن هذه المحاولات باءت جميعها بالفشل، ما دفعه في نهاية المطاف إلى حسم الأمر عسكريًا.
[4]
الزحف العسكري ومجريات المعركة
جهّز يزيد جيشًا شاميًا كبيرًا، قُدّر عدده في بعض المصادر بنحو عشرة آلاف مقاتل، وعهد بقيادته إلى القائد المخضرم مسلم بن عقبة المري، رغم تقدمه في السن ومرضه الشديد آنذاك، موصيًا إياه بمهلة ثلاثة أيام للتفاوض مع أهل المدينة قبل اللجوء إلى القتال. وقد تحرك الجيش الشامي جنوبًا نحو الحجاز، والتقى في طريقه ببعض الأمويين المطرودين من المدينة الذين أمدّوه بمعلوماتٍ تفصيلية عن استحكامات المدينة الدفاعية ونقاط ضعفها، ثم عسكر أخيرًا عند حرة واقم في أطراف المدينة الشمالية الشرقية، حيث جرت محاولات تفاوضية أخيرة باءت هي الأخرى بالفشل.
[5]
وعند فشل المفاوضات، نشب القتال في السادس والعشرين من أغسطس، وأظهر المدافعون عن المدينة في مستهل المعركة قدرًا من الصمود والتفوق الميداني المؤقت، غير أن التفوق العددي والتنظيمي للجيش الشامي المحترف حسم الموقعة سريعًا لصالحه، إذ انهارت صفوف المدافعين وتشتتوا، بينما لاحقتهم القوات الشامية داخل أزقة المدينة نفسها. وسقط في هذه المعركة عددٌ كبير من وجهاء المدينة وأبناء الصحابة، من بينهم القائد عبد الله بن حنظلة نفسه، فيما تذكر بعض المصادر التاريخية أعدادًا مرتفعة من القتلى شملت عشرات من الصحابة ومئات من حفّاظ القرآن الكريم، وإن كانت هذه الأرقام محل تباينٍ واضح بين المصادر التاريخية المختلفة يستدعي الحذر المنهجي في التعامل معها.
[5]
لقد شكّلت واقعة الحرة صدمةً عميقة في الوعي الإسلامي المبكر، ليس فقط بحجم الخسائر البشرية التي خلّفتها، بل لأنها كانت المرة الأولى التي يُباح فيها جيشٌ يحمل راية الخلافة نهب المدينة التي احتضنت هجرة النبي نفسه.
— يوليوس فلهاوزن، الدولة العربية وسقوطها، ترجمة إنجليزية، جامعة كلكتا، 1927
نهب المدينة وحصار مكة
عقب انتصاره، أباح مسلم بن عقبة لجنوده نهب المدينة المنورة لمدة ثلاثة أيام، بحسب ما أجمعت عليه غالبية المصادر التاريخية الإسلامية المبكرة، وإن تفاوتت هذه المصادر تفاوتًا واسعًا في وصف حجم هذا النهب وطبيعته، حيث ذهبت بعض الروايات المتأخرة إلى تصوير مشاهد قاسية من الانتهاكات طالت حرمة المدينة وأهلها، بينما اكتفت مصادر أخرى أقدم بالإشارة إلى نهب الأموال والممتلكات دون الخوض في تفاصيل إضافية، وهو تباينٌ يعكس على الأرجح تراكم الأدبيات المناهضة للأمويين التي كُتب أغلبها في العصر العباسي اللاحق. وبعد إخضاع المدينة، توفي القائد مسلم بن عقبة في طريقه إلى مكة، فتولى القيادة من بعده الحصين بن نمير السكوني، الذي واصل الزحف نحو مكة المكرمة حيث كان عبد الله بن الزبير قد اتخذ من الكعبة مقرًا لتحصنه، وضرب حولها حصارًا استمر أسابيع طويلة تعرضت خلاله الكعبة المشرفة لأضرارٍ جسيمة، قبل أن ينفض الحصار فجأة إثر وفاة الخليفة يزيد بن معاوية في نوفمبر من العام نفسه.
[1]
المكانة التاريخية للواقعة في الذاكرة الإسلامية
احتلت واقعة الحرة منذ وقوعها موقعًا بالغ الحساسية في الذاكرة التاريخية الإسلامية، وإن تباينت طريقة استحضارها بين المذاهب والمدارس التاريخية المختلفة. ففي التراث السني التقليدي، أُدرجت الواقعة عادة ضمن قائمة “المصائب الكبرى” التي شهدتها الأمة في صدر تاريخها، إلى جانب مقتل الحسين وحصار الكعبة، دون أن يتفق المؤرخون السنة بالضرورة على تحميل يزيد شخصيًا المسؤولية المباشرة الكاملة عن كل تفاصيلها، إذ ذهب بعضهم إلى تحميل قادته الميدانيين جانبًا من هذه المسؤولية. أما في التراث الشيعي، فقد ارتبطت الواقعة ارتباطًا وثيقًا بمجمل السردية المتعلقة بمظالم يزيد بن معاوية، واعتُبرت استمرارًا مباشرًا لسياسة القمع التي بدأت بمقتل الحسين في كربلاء، ودليلًا إضافيًا على عدم شرعية حكمه من منظورهم العقدي.
[4]
ومن الناحية التاريخية الأكاديمية البحتة، يشير عددٌ من المستشرقين والباحثين المعاصرين المتخصصين في تاريخ الدولة الأموية المبكر إلى أن أغلب الروايات التفصيلية المتوفرة عن الواقعة، بما فيها تقديرات أعداد القتلى وتفاصيل النهب، دُوّنت بعد وقوعها بعقودٍ طويلة في سياقٍ سياسي عباسي كانت له مصلحة واضحة في تشويه سمعة الأسرة الأموية المخلوعة، وهو ما يستوجب من الباحث المدقق التعامل مع هذه التفاصيل بحذرٍ منهجي، مع التسليم في الوقت ذاته بوقوع الحدث الأساسي نفسه من هزيمة أهل المدينة ونهبها، باعتباره ثابتًا تاريخيًا لا يتنازعه المؤرخون على اختلاف مشاربهم.
[4]