يمتد العصر العباسي من عام 750م حتى عام 1258م، ليشكل ثاني كبرى الدول الإسلامية بعد الدولة الأموية، وأطولها عمراً على الإطلاق. قامت هذه الدولة على أنقاض الحكم الأموي عقب ثورة انطلقت من خراسان عام 747م بقيادة أبي مسلم الخراساني، وانتهت بإعلان أبي العباس السفاح خليفة أول لبني العباس في الكوفة عام 750م، بعد أن هُزم آخر الخلفاء الأمويين مروان الثاني في معركة الزاب الكبير[1]. ونقلت الدولة العباسية مركز ثقلها السياسي والحضاري شرقاً نحو العراق، فأسس الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور مدينة بغداد عام 762م لتصبح عاصمة جديدة للخلافة وقلباً نابضاً لحضارة إسلامية بلغت ذروة ازدهارها العلمي والثقافي خلال القرنين الأولين من عمرها[1]. غير أن هذا الازدهار لم يدم إلى الأبد، إذ شهدت الدولة منذ القرن العاشر الميلادي تراجعاً تدريجياً في سلطتها الفعلية لصالح قوى إقليمية متعاقبة، قبل أن تسقط نهائياً على يد الغزو المغولي الذي دمّر بغداد عام 1258م.
| معلومات عامة | |
| التأسيس | 750م (132هـ) |
| سقوط الدولة | 1258م (656هـ) |
| العاصمة | بغداد (تأسست 762م) |
| مؤسس الدولة | أبو العباس عبد الله السفاح |
| مؤسس بغداد | أبو جعفر المنصور |
| آخر الخلفاء | المستعصم بالله |
| العصر الذهبي | |
| الفترة الذهبية | 750 – 833م تقريباً |
| أبرز الخلفاء | هارون الرشيد، المأمون |
| بيت الحكمة | أسسه المأمون في بغداد، 830م |
| مراحل الانحدار | |
| سيطرة البويهيين | 945م |
| سيطرة السلاجقة | 1055م |
| سقوط بغداد | على يد المغول بقيادة هولاكو خان، 1258م |
الثورة العباسية وتأسيس الخلافة الجديدة
انطلقت الدعوة العباسية بوصفها حركة سياسية ودينية سرية منذ نحو عام 718م، معتمدة على دعاية ماهرة استقطبت بها تأييداً واسعاً في صفوف العرب الشيعة والفرس في إقليم خراسان البعيد عن مركز الحكم الأموي في دمشق. وقد تحولت هذه الدعوة إلى ثورة معلنة عام 747م بقيادة أبي مسلم الخراساني، قبل أن تحسم معركة الزاب الكبير عام 750م مصير الدولة الأموية لصالح العباسيين، فأُعلن أبو العباس السفاح خليفة أول للدولة الجديدة في مسجد الكوفة[1]. ومنذ تأسيسها، تبنّت الدولة العباسية توجهاً سياسياً وحضارياً مغايراً لسابقتها الأموية، إذ حولت وجهتها شرقاً نحو العراق، وسعت إلى بناء هوية إمبراطورية أكثر شمولاً تقوم على الانتماء إلى جماعة المؤمنين عموماً بدلاً من التركيز على العصبية العربية الخالصة التي طبعت العهد الأموي[1].
بغداد: مدينة السلام وقلب العالم الإسلامي
أسس الخليفة أبو جعفر المنصور، ثاني خلفاء بني العباس، مدينة بغداد عام 762م، لتشكل عاصمة جديدة للدولة العباسية أكثر انسجاماً مع توجهها الشرقي الجديد. ونمت هذه المدينة الوليدة بسرعة لافتة حتى أصبحت واحدة من أكبر مدن العالم في زمانها، إذ يُرجَّح أن عدد سكانها بلغ نحو نصف مليون نسمة بحلول عام 800م[1]. وتحولت بغداد إلى مركز تجاري نابض بالحياة، ترسو في موانئها السفن القادمة من الصين والهند وشرق أفريقيا، كما غدت مركزاً فكرياً بارزاً شجّع فيه الخليفة المأمون لاحقاً على ترجمة الأعمال اليونانية القديمة إلى اللغة العربية، وأسس فيها بيت الحكمة الذي ضم مكتبة ومرصداً فلكياً[1]. ولم تقتصر حياة أهل بغداد على الجدية العلمية والتجارية وحدها، بل عرفت المدينة أيضاً وجهاً اجتماعياً حيوياً، إذ كان سكانها يرتادون الحدائق ويستمتعون بأوقات الترفيه العائلي في مطاعم ومقاهٍ وحدائق عامة ازدحمت بالزوار في عطلات نهاية الأسبوع.
بيت الحكمة وحركة الترجمة الكبرى
يُعد بيت الحكمة، الذي أسسه الخليفة المأمون في بغداد عام 830م، الرمز الأبرز للازدهار الفكري الذي ميّز العصر العباسي، إذ استهدف ترجمة ودراسة وتطوير التراث الهلنستي اليوناني وإدماجه ضمن منظومة معرفية إسلامية متكاملة[2]. وقد تزامن قيام هذه المؤسسة العلمية مع صعود بغداد عاصمةً للعالم الإسلامي، فأسهمت في إدماج التراث الفارسي ضمن البلاط العباسي، إلى جانب حفاظها على الإرث اليوناني القديم وإتاحته للباحثين المسلمين. وقد ضم بيت الحكمة نخبة من كبار العلماء، من أمثال الفيلسوف الكندي الذي عُرف بلقب “فيلسوف العرب” وأسهم في تطوير فهم أشعة الضوء وآلية الإبصار، إلى جانب علماء الفلك والميكانيكا الذين طوّروا معارف سابقيهم في مجالات متعددة[2].
عصر هارون الرشيد والمأمون: ذروة الازدهار
بلغت الدولة العباسية أوج قوتها ورخائها الحضاري خلال الفترة الممتدة بين عامي 750 و833م تقريباً، وهي الحقبة التي شهدت خلافة هارون الرشيد ثم ابنه المأمون، إذ حظي كلا الخليفتين برعاية واسعة للعلوم والفنون والترجمة، مما جعل بغداد محوراً لتبادل فكري عالمي غير مسبوق[1]. وقد شهدت هذه المرحلة إنجازات علمية بارزة في مجالات متعددة، أبرزها الرياضيات، حيث ظهر علم الجبر الذي اشتُق اسمه اللاتيني من مصطلح “الجبر” العربي، إلى جانب تطور علم الخوارزميات المرتبط باسم عالم الرياضيات الخوارزمي، فضلاً عن دعم الدولة للصناعة والتجارة اللتين جعلتا من بغداد محطة رئيسية على طريق الحرير[1].
بداية التفكك: نفوذ الأتراك وسيطرة البويهيين
بدأ نفوذ الخلفاء العباسيين الفعلي في التآكل تدريجياً منذ منتصف القرن التاسع الميلادي، مع تصاعد سلطة القادة العسكريين الأتراك داخل بلاط الخلافة، وهو ضعف داخلي مهّد الطريق أمام تدخل قوى إقليمية أكثر تنظيماً. ففي عام 945م، دخل البويهيون، وهم أسرة إيرانية من إقليم الديلم، بغداد، وطالبوا الخليفة المستكفي بالاعتراف بهم حكاماً وحيدين على الأراضي التي بسطوا سيطرتهم عليها، لتبدأ بذلك حقبة امتدت قرابة قرن كامل حُكم خلالها معظم أنحاء الدولة العباسية بواسطة سلالات محلية مستقلة فعلياً عن الخليفة، وإن ظل الأخير يحتفظ برمزيته الدينية[1].
السلاجقة وإحياء هيبة الخلافة الرمزية
في عام 1055م، تمكن السلاجقة الأتراك من فرض سيطرتهم على بغداد، منهين بذلك حقبة النفوذ البويهي، وقد استولوا على ما تبقى من السلطة الزمنية الفعلية للخليفة، لكنهم في المقابل احترموا مكانته الرمزية بوصفه الزعيم الديني الأعلى للمسلمين، بل أسهموا في إعادة شيء من الهيبة لمنصب الخلافة، وبخاصة خلال عهود الخلفاء المسترشد والمقتفي والناصر[1]. وقد نجح الخليفة الناصر، الذي حكم بين عامي 1180 و1225م، في استعادة قدر من الاستقلالية السياسية للخلافة العباسية، مستفيداً من تحالفه مع الخوارزميين للتخلص من آخر سلاطين السلاجقة، غير أن هذا التحالف سرعان ما تحول إلى عداء مفتوح بين بغداد والدولة الخوارزمية الصاعدة.
سقوط بغداد على يد المغول
وصلت جيوش المغول بقيادة جنكيز خان إلى حدود العالم الإسلامي منذ عشرينيات القرن الثالث عشر الميلادي، بعد أن قضت على دولة خوارزم شاه واجتاحت معظم أنحاء إيران الشمالية، وقد نجحت جيوش الخليفة المستنصر في صد هجوم مغولي على العراق العربي في تلك الفترة، كما صمدت بغداد أمام حصار مغولي آخر عام 1245م في عهد ابنه المستعصم[3]. غير أن سلسلة من الفيضانات المدمرة التي ضربت المدينة في أعوام 1243 و1253 و1255 و1256م أضعفت دفاعاتها الطبيعية ورخاءها الاقتصادي وثقة سكانها بقدرتها على الصمود. وفي عام 1258م، طوّقت قوة مغولية ضخمة بقيادة هولاكو خان، حفيد جنكيز خان، مدينة بغداد في مهمة أُرسل خصيصاً لأجلها من منغوليا لإنهاء وجود الدولة العباسية، فسقطت المدينة في العاشر من فبراير 1258م، وأُعدم الخليفة المستعصم بعد سقوطها بوقت قصير[3].
الإرث الحضاري للعصر العباسي
خلّف العصر العباسي، رغم انتهائه المأساوي في بغداد، إرثاً حضارياً هائلاً امتد أثره إلى ما هو أبعد بكثير من حدوده الزمنية والجغرافية، إذ شكّلت حركة الترجمة الواسعة التي احتضنها بيت الحكمة جسراً معرفياً رئيسياً نُقل عبره جزء كبير من التراث اليوناني والفارسي والهندي القديم إلى العالم الإسلامي، قبل أن ينتقل بدوره لاحقاً إلى أوروبا عبر الأندلس وصقلية، مسهماً في تمهيد الطريق أمام النهضة الأوروبية اللاحقة. وحتى بعد سقوط بغداد عام 1258م، ظل اسم الخلافة العباسية يحمل رمزية دينية وسياسية بالغة الأهمية لدى المسلمين السنة من الأندلس غرباً حتى حدود الهند شرقاً، شاهداً على المكانة الفريدة التي احتلتها هذه الدولة في الذاكرة الحضارية الإسلامية.