الحرب العالمية الثانية نزاعٌ مسلح كوني اندلع في الأول من سبتمبر عام 1939 باجتياح ألمانيا النازية لبولندا، وامتد حتى الثاني من سبتمبر 1945 بتوقيع اليابان على وثيقة الاستسلام الرسمي على ظهر البارجة الأمريكية USS Missouri في خليج طوكيو، ليكون بذلك أطول وأضخم وأدمى نزاع مسلح عرفته البشرية في تاريخها كله. خاض هذه الحرب ما يزيد على ثلاثين دولة تمثِّل الغالبية العظمى من سكان الأرض، وتوزَّعت ميادين المواجهة على ست قارات ومحيطات ثلاثة، من غابات بورما وجنوب شرق آسيا إلى جزر الأطلسي وشواطئ نورماندي، ومن أعماق الصحراء الأفريقية إلى المدن الروسية المتجمدة والجزر البركانية في المحيط الهادي. تصاعدت جذور هذا النزاع من رحم الحرب العالمية الأولى عبر معاهدة فرساي المجحفة، ثم عبر الأزمة الاقتصادية الكبرى عام 1929، فصعود الأيديولوجيات الشمولية في أوروبا وآسيا: النازية في ألمانيا، والفاشية في إيطاليا، والعسكرية اليابانية الإمبريالية. خلَّفت الحرب ما يتراوح بين سبعين وخمسة وثمانين مليون قتيل، وكان أكثرهم من المدنيين الأبرياء الذين سقطوا تحت وابل القنابل وجحافل المجاعة ومعامل الإبادة المنظَّمة. وفي قلب هذه الحرب وأشد فصولها قتامةً جريمةٌ لا تُوصف: المحرقة النازية التي أودت بحياة ستة ملايين يهودي في آلة إبادة بيروقراطية لم يعرف لها التاريخ نظيراً. وقد رسمت الحرب وخاتمتها وجه العالم الحديث رسماً جذرياً: تأسيس الأمم المتحدة، ودخول العصر النووي، وقسمة العالم إلى قطبين متصارعين في الحرب الباردة، وبدء موجة إنهاء الاستعمار، وإعادة ترتيب الخرائط السياسية على القارات بأسرها.
| الحرب العالمية الثانية | |
| التاريخ | 1 سبتمبر 1939 – 2 سبتمبر 1945 |
| المدة | 6 سنوات و1 يوم |
| النطاق الجغرافي | أوروبا، آسيا، أفريقيا، المحيط الأطلسي والهادي والهندي، المنطقة القطبية الشمالية |
| الأطراف المتحاربة | |
| دول الحلفاء | الاتحاد السوفيتي، الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، الصين، بولندا، وأكثر من 20 دولة أخرى |
| دول المحور | ألمانيا النازية، اليابان الإمبراطورية، إيطاليا الفاشية، المجر، رومانيا، بلغاريا |
| القادة الرئيسيون | |
| الحلفاء | ستالين، روزفلت ثم ترومان، تشرشل، شارل ديغول، شيانغ كاي شيك |
| المحور | أدولف هتلر، بينيتو موسوليني، الإمبراطور هيروهيتو، الجنرال هيديكي توجو |
| الخسائر البشرية | |
| إجمالي الضحايا | 70 – 85 مليون قتيل (التقديرات تتفاوت) |
| الاتحاد السوفيتي | ~27 مليون قتيل |
| الصين | 15 – 20 مليون قتيل |
| ألمانيا | ~7.4 مليون قتيل |
| اليابان | ~3 مليون قتيل |
| بولندا | ~5.8 مليون (20% من سكانها) |
| ضحايا الهولوكوست | ~6 ملايين يهودي، وملايين آخرون من الغجر والمعاقين وغيرهم |
| النتائج | |
| نهاية الحرب في أوروبا | 8 مايو 1945 (يوم النصر في أوروبا VE Day) |
| نهاية الحرب في الباسيفيك | 2 سبتمبر 1945 (يوم النصر على اليابان VJ Day) |
| المآلات | انهيار المحور، الهيمنة الأمريكية السوفيتية، تأسيس الأمم المتحدة، العصر النووي، الحرب الباردة |
الجذور التاريخية والأسباب
إرث معاهدة فرساي
لا يمكن فهم الحرب العالمية الثانية بمعزل عن سلفتها، فقد كان كثير من المؤرخين يعدُّون الحربين العالميتين حرباً واحدة اعتراها استراحة مؤقتة دامت عقدين. ففي يونيو 1919، وقَّعت ألمانيا المهزومة معاهدة فرساي التي فرضت عليها شروطاً بالغة القسوة: خسرت بموجبها 12.5% من مساحتها الإجمالية و12% من سكانها، وحوالي 15% من إنتاجها الزراعي و10% من صناعتها، و74% من إنتاجها من خام الحديد
[1].
علاوةً على ذلك، أُلزمت ألمانيا بسداد تعويضات هائلة للحلفاء قُدِّرت بثلاثة وثلاثين مليار دولار (ما يعادل مئات المليارات بمعايير اليوم)، وخُفِّض جيشها إلى مئة ألف جندي بحظر صريح على امتلاك سلاح جو وغوَّاصات ودبابات. وفرضت المعاهدة على ألمانيا قبول “المادة 231” الشهيرة التي حمَّلتها وحدها المسؤولية الكاملة عن الحرب، وهو ما أسمَّى الجرح الوطني الألماني واستُغِلَّ لاحقاً أبشع استغلال في الخطاب النازي. وقد أثار الاقتصادي الكبير جون ماينارد كينز هذه المخاوف بنباهة لافتة في كتابه “العواقب الاقتصادية للسلام” عام 1919 متنبئاً بأن شروط المعاهدة ستُعيد إشعال أوروبا بعد عقدين، وهو ما تحقَّق حرفياً.
الأزمة الاقتصادية الكبرى وصعود الشمولية
ضاعف الكسادُ الاقتصادي العظيم الذي اجتاح العالم عام 1929 المظالمَ الألمانية المتراكمة وزاد من قابلية المجتمع الألماني لاحتضان الحلول المتطرفة. بلغت البطالة في ألمانيا ذروتها عام 1932 بنحو ستة ملايين عاطل، فيما انهار الاقتصاد الوطني وتآكلت الطبقة الوسطى التي اكتوت بتضخم عقد العشرينيات ثم بركود عقد الثلاثينيات في غضون عقد واحد. في هذه البيئة المشبعة باليأس والإحباط الوطني، وجد الحزب القومي الاشتراكي (النازي) بقيادة أدولف هتلر أرضاً خصبة لتوسيع قاعدته الشعبية؛ فاستغل خطابه الشعوي البارع في تضخيم “طعنة الخيانة” المزعومة للقيادة العسكرية وإلصاق المذلة الوطنية باليهود والماركسيين والبرلمانيين الضعفاء
[2].
وفي يناير 1933، عُيِّن هتلر مستشاراً لألمانيا، فانتهز خلال أشهر قليلة كل أداة ديمقراطية متاحة ليقوِّض الديمقراطية ذاتها ويُرسي حكمه الفردي الشمولي.
ولم تكن الظاهرة الشمولية حكراً على ألمانيا؛ فقد كان بينيتو موسوليني قد أسَّس نظامه الفاشي في إيطاليا منذ عام 1922 معتمداً على خطاب قومي مماثل يُحيي أمجاد روما وينادي بإعادة البحر المتوسط “بحراً إيطالياً”. وفي جنوب شرق آسيا، كانت اليابان الإمبريالية قد اختطَّت منذ عام 1931 مساراً عسكرياً توسعياً بدأ بغزو منشوريا الصينية، وتصاعد ليبلغ الحرب الشاملة على الصين عام 1937 في نزاع أفضى إلى ما بين خمسة عشر وعشرين مليون ضحية صينية حتى نهاية الحرب.
سياسة الاسترضاء وانهيار النظام الجماعي
واجهت بريطانيا وفرنسا طموحاتِ هتلر التوسعية المتصاعدة في البداية بسياسة الاسترضاء (Appeasement)، آملتين في تفادي حرب أخرى دفعت أوروبا فيها ثمناً باهظاً لا تُطيق تكراره. وبلغت هذه السياسة ذروتها في اتفاقية ميونيخ في سبتمبر 1938، حين سمحت بريطانيا وفرنسا لهتلر بضم منطقة السوديت التشيكوسلوفاكية مقابل تعهداته بعدم المزيد من المطالب، ووصف رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشمبرلين بتفاؤل مخادع تلك الاتفاقيةَ بأنها تعني “السلام في زماننا”. بيد أن هتلر سارع في مارس 1939 إلى احتلال ما تبقى من تشيكوسلوفاكيا كاشفاً زيف وعوده، ثم أعلن مطالب صريحة بشأن بولندا مما اضطر بريطانيا وفرنسا إلى تقديم ضمانات رسمية لأمن بولندا، ليتبين أخيراً أن الاسترضاء لم يُفضِ إلا إلى تشجيع المعتدي وتأخير المواجهة الحتمية.
اندلاع الحرب وسيطرة المحور (1939-1941)
غزو بولندا والحرب الوهمية
في الأول من سبتمبر 1939، شنَّ الجيش الألماني عملية “الحالة البيضاء” بغزوه لبولندا مستخدماً تكتيك الحرب الخاطفة (Blitzkrieg)؛ وهو مزيج متناسق من الدبابات المدرعة والمشاة الآلية وسلاح الجو في هجمات سريعة ومركَّزة تُشلُّ خطوط الدفاع المعادية قبل أن تستجمع قواتها. دُكَّت مدن بولندية كاملة في عمق الأراضي دون إنذار مسبق، وبحلول الثامن والعشرين من سبتمبر 1939 سقطت وارسو، لتنتهي المقاومة البولندية المنظمة. وقد زاد من سرعة انهيار بولندا اجتياح الاتحاد السوفيتي لحدودها الشرقية في السابع عشر من سبتمبر 1939 استناداً إلى بروتوكول سري ألحق باتفاقية مولوتوف-ريبنتروب (الميثاق الألماني السوفيتي لعدم الاعتداء) في أغسطس 1939، الذي قسَّم أوروبا الشرقية إلى مناطق نفوذ بين القوتين
[3].
في الثالث من سبتمبر 1939، أعلنت كل من بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا وفاءً بالتزاماتهما تجاه بولندا، بيد أنهما عجزتا عن إغاثتها فعلياً. أُطلق على الأشهر التالية اسم “حرب وهمية” (Phoney War) إذ توقَّف أي نشاط عسكري بري ملموس على الجبهة الغربية، بينما ظلَّت المعارك في عمق البحر حيث أغرقت الغواصات الألمانية (U-boats) أكثر من مئة سفينة تجارية في الأشهر الأربعة الأولى من الحرب وحدها.
سقوط أوروبا الغربية
في أبريل 1940 داهمت ألمانيا الدنمارك والنرويج في وقت واحد، فاستسلمت الأولى في ساعات وخاضت الثانية مقاومةً استمرت أسابيع قبل أن تنهار. وفي مايو 1940، شنَّ الجيش الألماني عملية “المنجل” ليجتاح بلجيكا وهولندا والقوات البريطانية والفرنسية الموزَّعة في أرجائها، ثم يخترق الغابة الكثيفة في منطقة الأردين التي كان الفرنسيون يعدُّونها منيعة على المدرعات، ليصل إلى ساحل القنال الإنجليزي ويُطوِّق أكثر من ثلاثمئة ألف جندي بريطاني وفرنسي عند ميناء دنكيرك. وفي ملحمة بحرية طارئة أُطلق عليها “معجزة دنكيرك”، نجحت بريطانيا في إجلاء 338,226 جندياً عبر القنال الإنجليزي بين السادس والعشرين من مايو والرابع من يونيو 1940، مستخدِمةً في ذلك مئات القوارب المدنية الصغيرة إلى جانب سفن البحرية الحربية
[4].
وفي الثاني والعشرين من يونيو 1940 استسلمت فرنسا ووقَّعت هدنة مذلَّة في عربة القطار ذاتها التي شهدت توقيع الألمان على استسلامهم في 1918، في إيماءة رمزية استعراضية دبَّرها هتلر بعناية.
معركة بريطانيا
أصبحت بريطانيا وحيدة في مواجهة القارة الأوروبية الواقعة كلها تقريباً تحت هيمنة المحور. وبينما كان المتشائمون يرون في الاستسلام أو التفاوض المنفرد مخرجاً، آثر رئيس الوزراء ونستون تشرشل المقاومة الشاملة وأطلق سلسلة خطاباته التاريخية الرنَّانة التي رسَّخت إرادة الشعب البريطاني على الصمود. في صيف وخريف 1940، شنَّ سلاح الجو الألماني (لوفتوافه) موجات متواصلة من الغارات الجوية على بريطانيا بهدف تحطيم قدرات سلاح الجو الملكي البريطاني (RAF) تمهيداً لعملية الإنزال البحري “عملية الأسد البحري”. وخلال المعركة الجوية المعروفة بـ”معركة بريطانيا” (يوليو – أكتوبر 1940)، تمكَّن الطيارون البريطانيون بأعداد أقل وتضحيات جسيمة من صدِّ الهجمات الألمانية، واضطرَّ هتلر في نهاية المطاف إلى تأجيل خطة الغزو البري إلى أجل غير مسمى. وكان التحوُّل الاستراتيجي الحاسم أن ألمانيا أخطأت حين حوَّلت غاراتها من مطارات سلاح الجو الملكي -التي كانت قريبة من الانهيار- إلى قصف المدن الإنجليزية في ما سُمِّي “البليتز”، ومنحت سلاح الجو بذلك متنفساً أتاح له استعادة قدراته.
لن نستسلم أبداً ولن نخضع، سنقاتل في فرنسا، سنقاتل في البحار والمحيطات، سنقاتل في الجو، سنقاتل في الشوارع، سنقاتل في التلال، ولن نستسلم قط.
— ونستون تشرشل، خطاب أمام البرلمان البريطاني، يونيو 1940
الحرب في شمال أفريقيا والبلقان
مدَّت الحرب لهيبها إلى شمال أفريقيا منذ عام 1940 حين حاول الإيطاليون التقدم من ليبيا نحو مصر البريطانية ليعثروا في أول مواجهة جدية لهم بأقل من ثلاثة وثلاثين ألف جندي بريطاني وكومنولث. وسارع هتلر إلى نجدة حليفه موسوليني بإرسال الفيلق الأفريقي تحت قيادة إرفين رومل الذي اشتُهر بلقب “ثعلب الصحراء”، فأدارت قواته المعادلة وشكَّلت لسنتين مصدر تهديد حقيقياً لقناة السويس والنفط الشرق أوسطي. وفي المقابل، خاض البريطانيون وقوات الكومنولث سلسلة معارك مضنية، كان أبرزها معركة العلمين في أكتوبر ونوفمبر 1942 حين حطَّم الجنرال برنارد مونتغومري وقواته من الجيش الثامن قوات المحور في أفريقيا وأجبرتها على الانسحاب الكامل، ليُمثِّل ذلك نقطة تحوُّل رمزية في الحرب على الجبهة الغربية.
توسُّع الحرب عالمياً (1941-1942)
عملية بربروسا: الغزو الألماني للاتحاد السوفيتي
في الثاني والعشرين من يونيو 1941، أطلق هتلر عملية بربروسا؛ وهي أضخم عملية عسكرية برية في تاريخ البشرية، إذ اندفع ثلاثة ملايين وثمانمئة ألف جندي ألماني وحليف على طول جبهة تمتد ألفاً وثمانمئة كيلومتر نحو الأراضي السوفيتية، تدعمهم ثلاثة آلاف دبابة وألفا وخمسمئة طائرة
[5].
كان ستالين قد تلقَّى تحذيرات متعددة من استخباراته وحلفائه بشأن الغزو الوشيك، لكنه أصرَّ على رفضها وآثر الثقة بالميثاق الألماني السوفيتي. وحقَّقت القوات الألمانية في الأسابيع الأولى مكاسب استراتيجية مذهلة: فدمَّرت آلاف الطائرات السوفيتية في مطاراتها، وطوَّقت مئات الآلاف من الجنود السوفيت في “جيوب” ضخمة، وأحرزت تقدماً بلغ ألفي كيلومتر في غضون خمسة أشهر. غير أن الآمال الألمانية في حسم سريع مماثل لما جرى في فرنسا تبخَّرت أمام المقاومة السوفيتية الشرسة والعمق الاستراتيجي الهائل للأراضي الروسية، فضلاً عن الشتاء القارس الذي أنهك القوات الألمانية غير المجهَّزة له إذ لم يُعِدَّ هتلر للحملة مدةً أطول من صيف واحد.
معركة ستالينغراد: نقطة التحوُّل الكبرى
بلغ الصراع على الجبهة الشرقية ذروته في معركة ستالينغراد التي امتدت من أغسطس 1942 حتى الثاني من فبراير 1943، والتي يُجمع المؤرخون على وصفها بأنها أدمى معركة في التاريخ العسكري كله. طوَّقت القوات السوفيتية في عملية “أورانوس” الجيشَ الألماني السادس بأكمله ضمن كمين استراتيجي محكم، وبلغ مجموع الضحايا في هذه المعركة الواحدة قرابة مليون ونصف مليون إنسان، منهم مئة ألف مدني
[6].
استسلم المارشال فريدريش باولوس في الثاني من فبراير 1943 مع ما تبقَّى من أكثر من تسعين ألف جندي ألماني، في أول استسلام جماعي لقائد ألماني برتبة مارشال في التاريخ. وقد رسمت معركة ستالينغراد خطاً فاصلاً لا رجعة بعده: قبلها كانت ألمانيا تتقدم على الجبهة الشرقية، وبعدها كانت في تراجع لن يتوقف حتى سقوط برلين.
هجوم بيرل هاربر ودخول الولايات المتحدة
في السابع من ديسمبر 1941 شنَّت اليابان الإمبريالية هجوماً جوياً مباغتاً على القاعدة البحرية الأمريكية في بيرل هاربر بجزر هاواي، مشاركاً فيه مئة وثمانية وثمانون طائرة انطلقت من حاملات طائرات بحرية في موجتين متعاقبتين. أغرقت الهجمةُ أربع بوارج حربية وألحقت أضراراً بالغة بأربع أخريات، وأتلفت مئة وثمانية وثمانين طائرة على الأرض، وأودت بحياة ألفين وأربعمئة وثلاثة وثلاثين أمريكياً. وفي اليوم التالي، خاطب الرئيس فرانكلين روزفلت الكونغرس طالباً إعلان الحرب في خطاب الدقيقة الواحدة وأربعة وسبعين ثانية الشهير الذي وصف فيه السابع من ديسمبر بأنه “يوم الخزي الذي سيخلده التاريخ”، ودخلت الولايات المتحدة الحرب فأعادت رسم موازين القوى العالمية كلياً
[3].
وقد سارع هتلر في الحادي عشر من ديسمبر إلى إعلان حرب ألمانيا على الولايات المتحدة وهو قرار سيُعدُّه كثير من المحللين واحداً من أفادح أخطائه الاستراتيجية، إذ ضمَّ عملياً أقوى اقتصاد في العالم إلى صف الحلفاء.
المحرقة النازية (الهولوكوست)
تُمثِّل المحرقة النازية أشد فصول الحرب العالمية الثانية ظلاماً، وأكثر جرائمها إثارةً للرعب في ضمير الإنسانية. فبين عامَي 1941 و1945، أقدمت ألمانيا النازية وحلفاؤها ومتعاونوها على إبادة منهجية منظَّمة لما يربو على ستة ملايين يهودي، أي ثلثَي يهود أوروبا، إلى جانب ملايين آخرين من الغجر (الروما) والمعاقين والسلافيين وأسرى الحرب السوفيت والمعارضين السياسيين والمثليين
[7].
بدأ الاضطهاد المنهجي لليهود فور وصول هتلر إلى السلطة عام 1933، وتصاعد تدريجياً: فأصدر النظام النازي عام 1935 “قوانين نورنبرغ العنصرية” التي جرَّدت اليهود من الجنسية الألمانية وحظرت زواجهم من غير اليهود وحوَّلتهم إلى أقلية منبوذة قانونياً. وفي ليلة التاسع من نوفمبر 1938 نُفِّذت “ليلة الكريستال” (Kristallnacht)، حين دُمِّرت مئات الكُنُس وآلاف المحلات اليهودية واعتُقل نحو ثلاثين ألف يهودي في حملة منسَّقة على مستوى الرايخ. ومع اتساع الغزو الألماني لأوروبا، تحوَّل الاضطهاد إلى إبادة جماعية منظَّمة؛ فأُنشئت معسكرات الإبادة التي لم تُبنَ في أصلها للاحتجاز بل للقتل الصناعي بالجملة في غرف الغاز وأفران الحرق.
أقام النظام النازي خمسة معسكرات إبادة مخصَّصة بالكامل لتصفية اليهود بالغاز: شيلمنو (كولمهوف)، وبيلجيتس، وسوبيبور، وتريبلينكا، وأوشفيتز-بيركناو في بولندا المحتلة. وفي معسكر أوشفيتز-بيركناو وحده لقي ما بين مليون ومليون ومئة ألف شخص حتفهم، تسعون بالمئة منهم من اليهود
[8].
وأبادت معسكرات الإبادة الخمسة مجتمعةً ما يقارب مليوني ومئتي وسبعين ألف يهودي، ما يُقارب نصف ضحايا الهولوكوست، فيما قتلت وحدات الإعدام الميدانية (Einsatzgruppen) مئات الآلاف بالرصاص في مجازر ميدانية على امتداد الأراضي السوفيتية المحتلة. وقد أجرى الأطباء النازيون في معسكرات الاعتقال تجارب طبية وحشية على المعتقلين الأحياء دون تخدير أو رحمة، ويُعدُّ الطبيب يوزيف مينغيله الذي عُرف بـ”ملاك الموت” من أبرز هؤلاء المجرمين.
نحن نُشغِّل هنا غرف الغاز على مدار الساعة. وصلنا إلى معدل اثني عشر ألف شخص يومياً.
— روديلف هوس، قائد معسكر أوشفيتز، شهادته أمام محكمة نورنبرغ، أبريل 1946
شهدت محاكمات نورنبرغ (1945-1946) أول تطبيق دولي منظَّم لمبدأ المحاسبة على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، إذ مَثَل أمام المحكمة العسكرية الدولية أربعة وعشرون من كبار قادة النظام النازي، صدر بحق اثني عشر منهم حكم بالإعدام
[9].
وأرست المحاكمات مبادئ قانونية راسخة في القانون الدولي أُودعت لاحقاً في اتفاقيات جنيف والميثاق الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وصارت ركيزة حضارية لا غنى عنها في منظومة حقوق الإنسان الدولية.
انعكاس المدّ وتراجع المحور (1942-1944)
المسرح الهادي: الحرب الجزرية
في الأشهر التالية لهجوم بيرل هاربر، حقَّقت اليابان سلسلة انتصارات خاطفة امتدَّت من هونغ كونغ إلى الفلبين وإندونيسيا وبورما وسنغافورة والجزر الهادية في اجتياح وصف آنذاك بأنه أسرع توسع إمبريالي في التاريخ. بيد أن مجريات الحرب في المحيط الهادي تحوَّلت في يونيو 1942 في معركة ميدواي البحرية حين أغرقت البحرية الأمريكية أربع حاملات طائرات يابانية في معركة واحدة، مُقوِّضةً التفوق الجوي والبحري الياباني بصورة لم تتعافَ منها إمبراطورية طوكيو. اعتمدت الولايات المتحدة بعدها استراتيجية “القفز بين الجزر” (Island Hopping) التي صاغها الجنرال دوغلاس ماك آرثر والأدميرال تشيستر نيميتز، وقضت بتجاوز المعاقل اليابانية الحصينة وقطع خطوط إمدادها عوضاً عن اقتحامها مباشرةً، بحيث تتساقط الواحدة بعد الأخرى دون إراقة دماء لا طائل منها.
الإنزال في نورماندي: يوم D-Day
في السادس من يونيو 1944، نُفِّذت أضخم عملية إنزال بحري مشترك في التاريخ على شواطئ نورماندي الفرنسية. تضمَّنت العملية خمسة آلاف سفينة وقارب، ونحو اثني عشر ألف طائرة، وما يزيد على مئة وخمسين ألف جندي في اليوم الأول وحده. واجه الجنود الأمريكيون على شاطئ أوماها أشرس ردود فعل دفاعية، إذ سقط منهم في الساعات الأولى قرابة ألفي قتيل ومصاب، غير أنهم تمكَّنوا في نهاية اليوم من تثبيت موطئ قدم على الساحل
[10].
فتح الإنزال جبهةً غربيةً ثانية طالما طالب بها ستالين، وأوجد لألمانيا كابوساً استراتيجياً خطيراً: قتالٌ على جبهتين لا تُخفَّف من أيٍّ منهما دون تفاقم الوضع على الأخرى. وبحلول أغسطس 1944 كانت باريس قد تحرَّرت، وبدأ الزحف العام لقوات الحلفاء نحو الحدود الألمانية.
نهاية الحرب في أوروبا (1945)
مع بداية عام 1945، كانت ألمانيا النازية تُحتضَر في كماشة قاتلة: الجيش الأحمر السوفيتي يتقدم من الشرق بعزم لا يلين، وقوات الحلفاء الغربيين تزحف من الغرب والجنوب. في يناير 1945، أطلق الجيش الأحمر هجومه الكبير من نهر الفيستولا، وتقدَّم بسرعة خاطفة مُقاتِلاً في الرابعة والعشرين من أبريل في شوارع برلين ذاتها. وحاول هتلر في محاولة يائسة أن يشعل حريق “الأرض المحروقة” في ألمانيا بأمر جنرالاته بتدمير كل البنية التحتية، بيد أن وزير التسليح ألبرت شبيير رفض تنفيذ الأمر وعمل على إعاقته. في الثلاثين من أبريل 1945، وبينما كان الجيش الأحمر على بُعد خطوات من مخبئه، أطلق هتلر النار على رأسه في قبو مستشاريته تحت الأرض في برلين. وفي الثامن من مايو 1945 وقَّع الممثلون الألمان على وثيقة الاستسلام غير المشروط إيذاناً بانتهاء الحرب في أوروبا وما عُرف بـ”يوم النصر في أوروبا” (V-E Day)
[4].
نهاية الحرب في المحيط الهادي والقنابل الذرية
استمر القتال في المحيط الهادي بشراسة متصاعدة حتى بعد انتهاء الحرب في أوروبا. وكانت الخطة الأمريكية لغزو اليابان (عملية داون فول) تُقدِّر خسائر بشرية كارثية قد تبلغ مليوناً من القتلى الأمريكيين وأضعاف ذلك من اليابانيين، في ضوء ما كشفته معارك إيوجيما وأوكيناوا من شراسة المقاومة اليابانية التي آثرت الهلاك على الاستسلام بشكل شبه مطلق.
في السادس من أغسطس 1945، أسقطت القاذفة الأمريكية B-29 المعروفة بـ”إينولا غاي” القنبلة الذرية “Little Boy” على مدينة هيروشيما الصناعية في غرب جزيرة هونشو، فأسفرت عن مقتل ما بين تسعين ألفاً ومئة وستة وأربعين ألف شخص في الساعات الأولى، فيما قضى آلاف آخرون لاحقاً متأثرين بالإشعاع النووي
[11].
وفي الثامن من أغسطس أعلن الاتحاد السوفيتي الحرب على اليابان وشنَّ هجوماً واسعاً على القوات اليابانية في منشوريا، ثم في التاسع من الشهر ذاته أسقطت الولايات المتحدة قنبلتها الذرية الثانية “Fat Man” على مدينة ناغازاكي، مما أودى بحياة ما بين تسعة وثلاثين ألفاً وثمانين ألف شخص
[12].
وفي الخامس عشر من أغسطس أذاع الإمبراطور هيروهيتو خطابه الصوتي التاريخي معلناً استسلام اليابان، وهو أول خطاب يسمعه الشعب الياباني لإمبراطوره، ووقَّعت اليابان رسمياً على وثيقة الاستسلام في الثاني من سبتمبر 1945.
لا يزال استخدام القنابل الذرية موضع جدل أخلاقي وتاريخي حاد حتى اليوم: يرى المؤيدون أنها أنهت الحرب بسرعة وأنقذت ملايين الأرواح التي كان سيودي بها الغزو البري، في حين يحتجُّ المنتقدون بأن اليابان كانت تستكشف سُبُل الاستسلام قبل إلقاء القنبلتين وبأن استهداف المدنيين بأسلحة جماعية الدمار يمثِّل جريمةً أخلاقية بصرف النظر عن الغاية. ويُضيف بعض المؤرخين بُعداً ثالثاً يتعلق بالمنافسة مع السوفيت: إذ أراد الأمريكيون إنهاء الحرب قبل دخول السوفيت لليابان بوسعٍ تامٍّ حتى لا يُضطرُّوا إلى مشاركتهم إدارة الاحتلال.
الخسائر البشرية والمادية
تتفاوت تقديرات ضحايا الحرب العالمية الثانية تفاوتاً ملحوظاً بحسب المنهجية المتَّبعة وتعريف القتيل، غير أن أغلب المصادر الأكاديمية تقدِّر الإجمالي بما بين سبعين وخمسة وثمانين مليون قتيل، أكثر من ثلثيهم من المدنيين
[13].
تُعدُّ خسائر الاتحاد السوفيتي الأضخم بلا منازع، إذ قضى نحو سبعة وعشرين مليون سوفيتي بسبب الحرب، جندياً ومدنياً، ما يمثِّل قرابة أربعة عشر بالمئة من المجموع الكلي لسكانه آنذاك. وقتل من جنود الجيش الأحمر وحده ما يقارب سبعة ملايين في المواجهة مع القوات الألمانية وحلفائها
[6].
أما الصين فقد خسرت ما بين خمسة عشر وعشرين مليوناً، وهو رقم كثيراً ما غاب عن السردية الغربية الرئيسية للحرب رغم أن الصين كانت تُقاوم الغزو الياباني منذ عام 1937. وخسرت بولندا ما يقارب خمسة ملايين وثمانمئة ألف شخص بما يمثِّل نحو عشرين بالمئة من إجمالي سكانها قبل الحرب، وهو من أعلى النسب بين الدول.
وعلى الصعيد المادي، دمَّرت الحرب مدناً وبنية تحتية على امتداد قارتين بالكامل. قُدِّرت الخسائر الاقتصادية الإجمالية بأرقام فلكية تتجاوز كل مقارنة تاريخية ممكنة. دُمِّرت ورسوف وكوفنتري وبريسلاو ودريسدن وستالينغراد وكييف وعشرات المدن الأخرى تدميراً جزئياً أو شاملاً. وقُدِّرت خسائر دريسدن وحدها في قصف فبراير 1945 بعشرات الآلاف من المدنيين وسط جدل واسع حول الضرورة العسكرية من تلك الغارات
[10].
وشرَّدت الحرب ما يزيد على ستين مليون شخص في أوروبا وآسيا وحدهما، مُولِّدةً أكبر أزمة لاجئين في التاريخ الحديث حتى ذلك الحين.
النتائج والتداعيات
إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية
أعادت الحرب رسم خريطة العالم السياسية رسماً جذرياً. في أوروبا، انكمشت ألمانيا بشكل كبير وقُسِّمت إلى أربع مناطق احتلال بريطانية وأمريكية وفرنسية وسوفيتية، ثم انشطرت لاحقاً إلى دولتين: جمهورية ألمانيا الفيدرالية في الغرب، وجمهورية ألمانيا الديمقراطية في الشرق. وبسطت الاتحاد السوفيتي هيمنته على أوروبا الشرقية كلها تقريباً من بولندا حتى بلغاريا، مُوجِداً ما وصفه تشرشل بـ”الستار الحديدي” الذي قسَّم القارة نصفين لأربعة عقود. في آسيا، خسرت اليابان إمبراطوريتها بالكامل وأُخضعت للاحتلال الأمريكي، فيما استعادت الصين شرعيتها الوطنية قبل أن تستأنف حربها الأهلية بين القوميين والشيوعيين التي انتهت بانتصار ماو تسي تونغ عام 1949.
ميلاد الأمم المتحدة
أفضت فداحةُ الخسائر والتصميمُ على تجنُّب تكرار هذه الكارثة إلى تأسيس الأمم المتحدة في أكتوبر 1945، خلفاً لعصبة الأمم الفاشلة. ضمَّت في بداياتها واحداً وخمسين دولة عضواً، وقُبِّت بمجلس أمن دولي من دائمي العضوية الخمس بحق النقض (الفيتو): الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة وفرنسا والصين. وأصدرت الأمم المتحدة عام 1948 “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” الذي استوحى صياغته بصورة مباشرة من فظائع الحرب وأهوال الهولوكوست. كذلك وُضع عام 1948 الأساس لاتفاقية الإبادة الجماعية التي جرَّمت للمرة الأولى الإبادة الجماعية بوصفها جريمة دولية في حد ذاتها بصرف النظر عن أوقات الحرب أو السلم.
خطة مارشال والحرب الباردة
قدَّمت الولايات المتحدة بموجب خطة مارشال (1948-1952) مساعدات اقتصادية تجاوزت ثلاثة عشر مليار دولار لإعادة بناء اقتصادات أوروبا الغربية المنهكة وإنقاذها من الانهيار الكامل، ومعها -ضمنياً- سدِّ الطريق أمام تمدُّد النفوذ الشيوعي غرباً
[14].
وتحوَّل الحليفان المنتصران الكبيران، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، بسرعة إلى خصمين يديران حرباً باردة متعددة الأبعاد بالأسلحة النووية والنفوذ السياسي والمنافسة الاقتصادية والإيديولوجية. وشكَّل ذلك قطبي النظام الدولي ثنائي القطبية الذي هيمن على العالم حتى سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991. في الوقت ذاته، شكَّلت القوى الأوروبية الغربية عام 1951 “هيئة الفحم والصلب الأوروبية” التي تطوَّرت بمرور الزمن إلى السوق المشتركة ثم إلى الاتحاد الأوروبي، في تجسيد لحلم تحويل تنافس القارة إلى تعاون.
إنهاء الاستعمار وإعادة رسم خريطة آسيا وأفريقيا
كشفت الحرب عن هشاشة القوى الاستعمارية الأوروبية وسرَّعت عملية إنهاء الاستعمار في آسيا وأفريقيا تسريعاً بالغاً. فقد شهدت آسيا بعد عام 1945 موجة استقلال واسعة: الهند عام 1947، وإندونيسيا عام 1945 ثم الاعتراف بها عام 1949، وفيتنام التي انطلق فيها كفاحها ضد الاستعمار الفرنسي، وبقية دول جنوب شرق آسيا. أما في أفريقيا فأتت موجة الاستقلال الكبرى في خمسينيات وستينيات القرن العشرين مدفوعةً بالوعي الحقوقي الذي أذكته الأمم المتحدة والإرهاق الأوروبي في أعقاب الحرب. وفي عام 1948، أُعلن قيام دولة إسرائيل نتيجة مباشرة لمأساة الهولوكوست وقرار التقسيم الأممي 181، في حدث حوَّل مسار الشرق الأوسط وفجَّر نزاعات لا تزال تدوي آثارها حتى الساعة.
العصر النووي
أسدل استخدام القنابل الذرية على هيروشيما وناغازاكي الستارَ على حقبة وبشَّر بأخرى مختلفة اختلافاً جوهرياً في طبيعة الصراع الدولي. فللمرة الأولى في التاريخ أصبح الإنسان يملك أسلحة قادرة على تدمير حضارة بأسرها، وأصبح التوازن الدولي يرتكز في جوهره على ما عُرف بـ”الردع النووي” أو “التدمير المتبادل المؤكَّد” (MAD). وسارع الاتحاد السوفيتي إلى تطوير قنبلته الذرية الأولى عام 1949، ثم اشتركت في النادي النووي المملكة المتحدة وفرنسا والصين، لتصبح منظومة الانتشار النووي أحد أكثر التحديات الاستراتيجية إلحاحاً في تاريخ المجتمع الدولي لأجيال متعاقبة.
الحرب في الذاكرة والثقافة
لم تكن الحرب العالمية الثانية حدثاً تاريخياً بحتاً يتلاشى مع مرور الزمن، بل بقيت حاضرةً بعمق في الوعي الجماعي للشعوب التي عاشتها ومن جاء بعدها. في الأدب والسينما والفن، أنتجت هذه الحرب إرثاً إبداعياً لا يُحصى؛ من رواية “في طريق الغرب لا جديد” لإريك ريمارك إلى روايات ليون يوريس، ومن “شندلرز ليست” لستيفن سبيلبيرغ إلى “بوابة النار الرقيقة” لجيف شارا، وعشرات آلاف الأعمال الأخرى التي حاولت استيعاب اللا مستوعَب وتأريخ اللا قابل للتأريخ. وشيَّدت الدول التي اكتوت بنيران الحرب آلاف النصب والمتاحف التذكارية، من متحف الهولوكوست في واشنطن إلى نصب ستالينغراد في فولغوغراد، ومن مقابر نورماندي إلى نُصُب نصب أوشفيتز القائمة على أرض معسكر الموت. ويبقى الإرث الأعمق للحرب العالمية الثانية ليس في المعارك والأرقام، بل في التحول الجذري الذي أحدثته في مفهوم الإنسانية ومسؤوليتها: فقد وضعت الإنسانية أمام مرآة لم تُريحها، وأثبتت أن التحضُّر والبربرية ليسا نقيضين يتعاقبان على التاريخ بل يمكن أن يتعايشا في مجتمع واحد في زمن واحد، وأن الحضارة لا تُحمى بذاتها بل بالإرادة الدائمة لصونها.
التصنيف
المرحلة الأولى — التسلسل الهرمي الرئيسي:
التاريخ ← الحروب والمعارك ← الحروب العالمية
المرحلة الثانية — التصنيفات المرتبطة:
التاريخ ← الحروب والمعارك ← الحروب العالمية
التاريخ ← الإبادات والمجازر ← الهولوكوست
التاريخ ← العصور التاريخية ← العصر المعاصر
التاريخ ← تاريخ القارات ← تاريخ أوروبا
التاريخ ← تاريخ القارات ← تاريخ آسيا
التاريخ ← الدول والإمبراطوريات ← الإمبراطورية البيزنطية
التاريخ ← الوثائق التاريخية ← المواثيق الدولية
التاريخ ← الثورات والانتفاضات ← الثورات العربية