تأسيسُ الأمم المتحدة — أو United Nations بالإنجليزية، وتُختصر بـUN — هو الحدثُ المؤسّسي الأعظم الذي شهده النظامُ الدولي في القرن العشرين؛ ذلك اليوم الذي وقّعت فيه خمسون أمّةً من أمم الأرض في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية على الميثاق التأسيسي للمنظمة الدولية الجديدة في السادس والعشرين من يونيو/ حزيران عام 1945م، بعد أن أنهكت الحربُ العالمية الثانية البشريةَ بكل ما تملك من موارد الحياة ودمار الفناء. وقد جاء ميلادُ الأمم المتحدة ثمرةً لمسيرةٍ دبلوماسية طويلة ومُضنية بدأت في سنوات الحرب ذاتها، حين أقسم زعماءُ الحلفاء الكبار أن تكون نتيجةُ هذه الكارثة الإنسانية الكبرى هيئةً دولية تقف حارسةً للسلام وحائلةً دون تكرار ما أصاب الحضارةَ الإنسانية من دمارٍ متتالٍ في حربَين عالميتَين خلال ثلاثة عقود متتالية.
[1]
وقد شكّل فشلُ عصبة الأمم — المنظمة الدولية التي نشأت إثر الحرب العالمية الأولى بموجب معاهدة فرساي عام 1919م — الدرسَ التاريخي الأمرَّ الذي استلهم منه المؤسّسون الجدد خلاصةَ تجربتهم في بناء منظومةٍ دولية أكثر متانةً وأوسع تمثيلاً وأقدر على الإلزام والتطبيق. وعلى الرغم من تشابه المبادئ في ظاهرها بين المنظمتَين، كانت الأمم المتحدة مختلفةً في جوهرها من خلال ثلاثة ابتكارات مؤسسية جوهرية: مجلسُ الأمن ذو الصلاحيات التنفيذية الإلزامية، وحقُّ النقض (الفيتو) الممنوح للقوى الكبرى الخمس، والعضويةُ الشاملة الأوسع مما عرفته العصبة. وقد بلغت العضويةُ في الأمم المتحدة خلال عقودٍ متتالية مئةً وثلاثةً وتسعين دولةً بحلول عام 2011م، لتضمَّ في رحابها كلَّ أمم الأرض تقريباً في ظاهرة لا نظير لها في التاريخ الدبلوماسي الإنساني.
[2]
واتّخذ المؤسّسون من مدينة نيويورك مقرّاً دائماً للمنظمة، وإن أبقوا على مكاتب إقليمية في جنيف وفيينا ونيروبي. واعتمدوا سِتَّ لغاتٍ رسمية هي العربية والصينية والإنجليزية والفرنسية والروسية والإسبانية، كما أنشأوا ستةَ أجهزة رئيسية هي الجمعيةُ العامة ومجلسُ الأمن والمجلسُ الاقتصادي والاجتماعي ومجلسُ الوصاية ومحكمةُ العدل الدولية والأمانةُ العامة، وقد تشعّبت عن هذه الأجهزة الرئيسية عشراتُ المنظمات والوكالات والصناديق المتخصصة التي تُغطّي كلَّ جانبٍ من جوانب الحياة الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.
[2]
| معلومات عامة | |
| الاسم الرسمي | الأمم المتحدة (United Nations — UN) |
| نوع المنظمة | منظمة دولية حكومية متعددة الأطراف |
| المقر الرئيسي | نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية |
| مكاتب إقليمية | جنيف (سويسرا)، فيينا (النمسا)، نيروبي (كينيا) |
| اللغات الرسمية | العربية، الصينية، الإنجليزية، الفرنسية، الروسية، الإسبانية |
| التأسيس والمحطات المرجعية | |
| الميثاق الأطلسي | 14 أغسطس 1941م (روزفلت وتشرشل) |
| إعلان الأمم المتحدة | 1 يناير 1942م (26 دولة أولى) |
| إعلان موسكو | 30 أكتوبر 1943م (القوى الأربع الكبرى) |
| مؤتمر دمبارتون أوكس | 21 سبتمبر – 7 أكتوبر 1944م (واشنطن) |
| مؤتمر يالطا | فبراير 1945م (القرم، روسيا) |
| مؤتمر سان فرانسيسكو | 25 أبريل – 26 يونيو 1945م |
| توقيع الميثاق | 26 يونيو 1945م (50 دولة) |
| دخول الميثاق حيّز التنفيذ | 24 أكتوبر 1945م (يوم الأمم المتحدة) |
| الدول الأعضاء الأصليون | 51 دولة (بولندا وقّعت لاحقاً) |
| الهيكل المؤسسي | |
| الأجهزة الرئيسية | الجمعية العامة، مجلس الأمن، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، مجلس الوصاية، محكمة العدل الدولية، الأمانة العامة |
| الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن | الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، الاتحاد السوفيتي (روسيا لاحقاً)، الصين |
| حق النقض (الفيتو) | ممنوح للأعضاء الخمسة الدائمين في القرارات غير الإجرائية |
| أول أمين عام | تريغفي لي (النرويج) — 1946-1952م |
| عدد الأعضاء اليوم | 193 دولة عضو (2024م) |
| المبادئ الأساسية للميثاق | |
| الغاية المُعلنة | صون السلم والأمن الدوليين، تعزيز حقوق الإنسان، تنمية العلاقات الودية بين الأمم |
| المبادئ الحاكمة | المساواة في السيادة، حظر استخدام القوة، حلّ النزاعات سلمياً، عدم التدخل في الشؤون الداخلية |
أولاً: السياق التاريخي — فشل عصبة الأمم وضرورة البديل
لا يمكن استيعابُ تأسيس الأمم المتحدة دون استيعاب الدرس المُرّ المتمثّل في فشل سلَفتها عصبة الأمم التي أُنشئت في أعقاب الحرب العالمية الأولى بموجب معاهدة فرساي عام 1919م. وقد كانت عصبة الأمم في جوهرها مشروعَ الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون الطموح لإقامة نظامٍ دولي تحكمه قواعد القانون بدلاً من موازين القوى، غير أنّها اصطدمت بعقبةٍ كبرى حين رفض مجلسُ الشيوخ الأمريكي المصادقةَ على عضوية بلاده في العصبة، فحُرمت المنظمةُ من أقوى الدول الداعمة لها وأكثرها ثِقَلاً. ومع اعتزال الولايات المتحدة وانسحاب دولٍ كبرى كاليابان وألمانيا وإيطاليا واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية في مراحل متعددة، تقلّصت عصبةُ الأمم إلى هيئةٍ من القوى الأوروبية المتوسطة دون عضوٍ أمريكي ودون آليةٍ فعّالة لتطبيق قراراتها.
[3]
وقد كشف الغزوُ الياباني لمنشوريا عام 1931م وغزوُ إيطاليا الفاشية للحبشة عام 1935م عجزَ عصبة الأمم الكامل عن الردع أو التصدّي للعدوان حين يكون الجاني قوةً كبرى. وحين جاءت الحرب العالمية الثانية وبلغت مديَاتها الفتّاكة ما لم يبلغه أيُّ صراعٍ من قبل — بخمسةٍ وسبعين مليون قتيل وفق أغلب التقديرات الأكاديمية — تحوّل التفكيرُ في بديلٍ أجدى وأمتن إلى ضرورةٍ وجودية لا رفاهيةً سياسية. وقد أجمع المنظّرون ومصمِّمو الهياكل الأمميّة على عِبَرٍ ثلاث مستقاةٍ من تجربة العصبة الفاشلة: أولها ضرورة مشاركة القوى الكبرى جميعاً، وثانيها ضرورة وجود آليةٍ تنفيذية إلزامية بدلاً من التوصيات المعنوية الخالية من الأسنان، وثالثها ضرورة تجاوز البُعد السياسي لأمن الدول إلى مجالات التنمية والرعاية الإنسانية والحقوق.
[4]
ثانياً: الميثاق الأطلسي وبذرة الأمم المتحدة (1941م)
في الرابع عشر من أغسطس/ آب 1941م، وعلى ظهر السفينة الحربية البريطانية «برنس أوف ويلز» الراسية في خليج نيوفاوندلاند الكندي، التقى الرئيسُ الأمريكي فرانكلين روزفلت ورئيسُ الوزراء البريطاني ونستون تشرشل ليُصدرا معاً «الميثاق الأطلسي»، وهو الوثيقةُ التي وضعت الإطارَ الفلسفي والسياسي الأول لما ستغدو عليه الأمم المتحدة. أعلن الميثاقُ رفضَ الأمتَين للتوسع الإقليمي بالقوة، وأكّد حقَّ الشعوب في تقرير مصيرها، ودعا إلى التعاون الدولي الاقتصادي والتحرر من الحاجة والخوف، وإرساء نظام أمنٍ دولي يكفل العيشَ بسلامٍ ضمن حدودها. وكان جوهرُ هذه المبادئ سيتجسّد لاحقاً حرفياً في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة.
[5]
وفي الأول من يناير/ كانون الثاني 1942م، أي بعد ثلاثة أسابيع فقط من الهجوم الياباني المباغت على قاعدة بيرل هاربر ودخول الولايات المتحدة الحرب رسمياً، وقّعت ستٌّ وعشرون دولةً من دول الحلفاء على «إعلان الأمم المتحدة»، الذي كان في جوهره تعهّداً مشتركاً بالاستمرار في القتال ضد دول المحور والتمسّك بمبادئ الميثاق الأطلسي. وقد ابتكر الرئيسُ روزفلت بنفسه تسميةَ «الأمم المتحدة» لتعني الحلفاءَ المتحالفين في وجه المحور، وهو الاستخدام الأول الرسمي لهذا الاسم الذي سيحمله المشروعُ الدولي العظيم لاحقاً. وقد انضمّ إلى الإعلان واحدٌ وعشرون دولةً أخرى تدريجياً بين عامَي 1942 و1945م.
[1]
ثالثاً: إعلان موسكو ومؤتمر طهران — البنية التحتية للفكرة (1943م)
في الثلاثين من أكتوبر/ تشرين الأول 1943م، أصدرت الدولُ الأربع الكبرى — الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد السوفيتي والصين — «إعلان موسكو» الذي مثّل المحطةَ الفارقة الأولى التي تَعهَّدت فيها هذه القوى رسمياً وعلناً بإقامة «منظمةٍ دولية عامة، تقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الدول المحبّة للسلام». وكان هذا الإعلان خطوةً جوهرية تجاوزت الإطارَ العام للميثاق الأطلسي نحو التزامٍ سياسي أكثر تحديداً وإلزاماً. وكانت مشاركةُ الاتحاد السوفيتي حاسمةً بالنسبة إلى المخطِّطين الأمريكيين الذين أدركوا أنّ أيَّ منظمةٍ دولية لن تكون فاعلةً دون أن تضمَّ موسكو عضواً أصيلاً في مؤسساتها.
[6]
وفي ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه، التأمت قمّةُ طهران التي جمعت للمرة الأولى الزعماءَ الثلاثة الكبار روزفلت وتشرشل وستالين في مكانٍ واحد، واتّجه الحديثُ فيها نحو تفصيل الملامح العامة للمنظمة الدولية المرتقبة. وقد أدركت القوى الثلاث أنّ الاتحاد السوفيتي يُشكّل إشكاليةً جوهرية في هذا التصوّر؛ إذ كانت موسكو متشككةً في أن تنتهي المنظمةُ الدولية الجديدة وسيلةً لتطويق نفوذها أو فرض القيم الغربية عليها. وقد دفع ذلك التفاوضَ الأمريكي-البريطاني نحو تنازلاتٍ مقصودة تضمن دومَ الاتحاد السوفيتي عضواً فاعلاً لا خارج الهيكل الجديد.
[7]
رابعاً: مؤتمر دمبارتون أوكس — وضع البنية الهيكلية للأمم المتحدة
بين الحادي والعشرين من سبتمبر والسابع من أكتوبر 1944م، انعقد في مجمع دمبارتون أوكس الفاخر بضاحية واشنطن العاصمة مؤتمرٌ جمع ممثّلي القوى الأربع الكبرى لوضع المخطّط الهيكلي التفصيلي للمنظمة الدولية الجديدة. وعُقد المؤتمرُ على مرحلتَين: الأولى جمعت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد السوفيتي حتى الثامن والعشرين من سبتمبر بسبب التوتّر القائم بين موسكو وطوكيو آنذاك، ثم انضمّت الصينُ في المرحلة الثانية من التاسع والعشرين من سبتمبر حتى السابع من أكتوبر. وقد خرج المؤتمرُ بوثيقة المقترحات الشاملة التي رسمت ملامحَ الهيكل الأممي الجديد بأجهزته الستة الرئيسية.
[5]
وكان أبرزُ ما أُرسي في دمبارتون أوكس تصوّرُ مجلس الأمن الدولي بتركيبته الخاصة من الأعضاء الدائمين وغير الدائمين، غير أنّ المؤتمر اصطدم بعقبةٍ جوهرية عجز عن تجاوزها: آليةُ التصويت ونطاقُ حقّ النقض. فقد أصرَّ الاتحادُ السوفيتي على أن يكون للأعضاء الدائمين حقُّ النقض الشامل المطلق يمتدّ حتى إلى منع مجرّد مناقشة القضايا التي تمسّ أحدَهم، في حين رأى الأمريكيون والبريطانيون أنّ النقض الشامل من هذا النوع سيشلّ المنظمةَ تماماً وسيجعلها أضعف من عصبة الأمم. وقد عُلِّق هذا الخلافُ الجوهري لمؤتمر يالطا.
[8]
خامساً: مؤتمر يالطا — حسم مسألة حق النقض والتوافق النهائي
في فبراير/ شباط 1945م، التأم مؤتمرُ يالطا في منتجع شبه جزيرة القرم الروسية الذي جمع الزعماءَ الثلاثة الكبار: روزفلت وتشرشل وستالين، وكان على رأس أجندته التفاوض على آليات حل النزاعات في مجلس الأمن المرتقب. وبعد مفاوضاتٍ مضنية، توصّل الزعماءُ الثلاثة إلى ما عُرف بـ«صيغة يالطا»: يُحقّ لأيٍّ من الأعضاء الدائمين استخدامُ حقّ النقض لمنع اتخاذ قراراتٍ بشأن المسائل الموضوعية، غير أنّ التصويتَ الإجرائي يحتاج أغلبيةً سبعية من أصل أحد عشر عضواً دون أن يشترط الإجماع. وفي حالات النزاع حين يكون أحدُ أعضاء المجلس طرفاً في الخلاف، يُلتزم العضوُ المعني بالامتناع عن التصويت.
[2]
وقد تضمّن مؤتمرُ يالطا كذلك تسويةً دبلوماسية خاصة طالب بها ستالين تمثّلت في حصول جمهوريتَي أوكرانيا وبيلاروسيا السوفيتيتَين — اللتَين كانتا جزءاً من الاتحاد السوفيتي فعلياً ولم تمتلكا استقلالاً ذاتياً حقيقياً — على مقعدَين مستقلَّين في الجمعية العامة للأمم المتحدة إضافةً إلى مقعد الاتحاد السوفيتي ذاته، مما أتاح لموسكو ثلاثةَ أصواتٍ بدلاً من صوتٍ واحد. وقد قبل روزفلت هذه الاشتراط مقابل موافقة ستالين على إنجاح المنظمة الدولية الجديدة. كما أصدر مؤتمرُ يالطا الدعوةَ الرسمية لانعقاد مؤتمر سان فرانسيسكو التأسيسي في الخامس والعشرين من أبريل 1945م.
[6]
«نحن مصمِّمون على الإسراع في تأسيس منظمةٍ دولية عامة لصون السلم والأمن، مع حلفائنا، في أقرب وقتٍ ممكن… وقد اتفقنا على أن يُدعى مؤتمرٌ للأمم المتحدة للانعقاد في سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة في الخامس والعشرين من أبريل 1945م لإعداد ميثاق هذه المنظمة.»
— الإعلان الختامي لمؤتمر يالطا، روزفلت وتشرشل وستالين، فبراير 1945م
سادساً: مؤتمر سان فرانسيسكو — مخاض الميثاق التأسيسي
في الخامس والعشرين من أبريل/ نيسان 1945م، افتتح مؤتمرُ الأمم المتحدة للمنظمات الدولية في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية أعمالَه في حضور ثمانمئةٍ وخمسين مندوباً يمثّلون خمسين دولةً، إلى جانب مستشارين وفنيين بلغ مجموعهم نحو ثلاثة آلافٍ وخمسمئة شخص، فضلاً عن ألفَي ممثّل من وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني. وقد وُصف المؤتمرُ بأنّه أضخمُ تجمّعٍ دبلوماسي دولي شهده التاريخ حتى ذلك الحين. وقد أطلّ ظلُّ غيابٍ مؤلمٍ على المؤتمر؛ إذ كان الرئيسُ روزفلت صاحبُ الرؤية التأسيسية للمنظمة قد وافته المنيّةُ فجأةً في الثاني عشر من أبريل، أي قبل ثلاثة عشر يوماً فقط من انطلاق المؤتمر، فأسرع الرئيسُ الجديد هاري ترومان إلى التأكيد على المضيِّ في تنفيذ ترتيبات سلفه دون أدنى تأخير.
[9]
تولّت رئاسةَ الجلسات العامة بالتناوب وزراءُ خارجية القوى الأربع الكبرى الراعية للمؤتمر: إدوارد ستيتينيوس عن الولايات المتحدة، وأنتوني إيدن عن المملكة المتحدة، وفياتشيسلاف مولوتوف عن الاتحاد السوفيتي، وتي في سونغ عن الصين. وقد قُسِّمت أعمالُ المؤتمر بين أربع لجانٍ رئيسية تفرّعت عنها اثنتا عشرة لجنةً فنيةً متخصصة، وعُقد لصياغة الميثاق ما يزيد على أربعمئة اجتماع في غضون شهرَين، مما يجعل من هذا المؤتمر تجربةَ صياغة قانونية دولية جماعية لا نظيرَ لها في الحجم والتعقيد في تاريخ العمل الدولي المشترك.
[5]
وكانت أبرز نقاط الخلاف في المؤتمر تدور حول نطاق سلطة مجلس الأمن والتوازن بينه وبين الجمعية العامة؛ إذ سعت الدولُ الصغيرة — ولا سيّما الدول اللاتينية والعربية وكثير من دول أسيا وأفريقيا المشاركة — إلى تقليص صلاحيات النقض وتعزيز دور الجمعية العامة التي تُمثّل فيها جميع الدول على قدم المساواة. وأبدى مندوبو تلك الدول استياءَهم الواضح من هيمنة القوى الكبرى الخمس التي صمّمت المنظمةَ لتُبقيها في قمة هرمها الدولي بحق النقض والعضوية الدائمة في مجلس الأمن. ومع ذلك، خرجت الدولُ الصغيرة من سان فرانسيسكو دون أن تُحقّق شيئاً يُذكر من مطالبها في هذا الشأن، واضطرّت إلى القبول بالبنية التي رسمتها القوى الكبرى.
[3]
سابعاً: توقيع الميثاق ودخوله حيّز التنفيذ
في السادس والعشرين من يونيو/ حزيران 1945م، انتهى مؤتمرُ سان فرانسيسكو من صياغة الميثاق التأسيسي في نصٍّ نهائي أجمع عليه المشاركون بالإجماع، وجرى التوقيعُ عليه من ممثّلي خمسين دولةً في قاعة نصب الحرب التذكاري في مدينة سان فرانسيسكو في مشهدٍ احتفالي بالغ الرمزية. أما بولندا التي لم تُمثَّل في المؤتمر بسبب النزاع على تشكيل حكومتها المؤقتة آنذاك، فقد وقّعت الميثاقَ لاحقاً لتغدو العضوَ الحادي والخمسين في المنظمة. ويُشير الأرشيفُ الأمريكي إلى أنّ النسخة الأصلية الموقَّعة من ميثاق الأمم المتحدة محفوظةٌ في أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية بموجب نص المادة الحادية عشرة بعد المئة من الميثاق ذاته.
[1]
ولم يكن التوقيعُ وحده كافياً لإنشاء المنظمة قانونياً؛ إذ يستلزم دخولُ الميثاق حيّز التنفيذ مصادقةَ الأعضاء الخمسة الدائمين المؤسّسين كافةً، فضلاً عن أغلبية الدول الأصلية الموقِّعة. وقد أنجزت الولاياتُ المتحدة مصادقتَها بسرعةٍ لافتة بعد أن وافق مجلسُ الشيوخ على الميثاق في الثامن والعشرين من يوليو/ تموز 1945م بتسعةٍ وثمانين صوتاً مقابل صوتَين اثنَين فقط، في مشهدٍ يُجسّد كيف استفاد الرئيسُ روزفلت من أخطاء سلفه ويلسون الذي أخفق في إقناع مجلس الشيوخ بالمصادقة على عصبة الأمم. وفي الرابع والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول 1945م — بعد أن صادقت القوى الكبرى الخمس وعشرون دولةً أخرى — دخل الميثاقُ حيّز التنفيذ الرسمي وأعلن عن مولد الأمم المتحدة رسمياً. وقد غدا هذا اليومُ «يوم الأمم المتحدة» الذي تحتفي به المنظمةُ سنوياً.
[6]
ثامناً: الهيكل المؤسسي للأمم المتحدة وفق ميثاق 1945م
نصَّ ميثاقُ الأمم المتحدة على إنشاء ستة أجهزةٍ رئيسية تُشكّل العمودَ الفقري للمنظمة، وإن اختلف دورُ كلٍّ منها وثقلُه في منظومة العمل الدولي. فالجمعيةُ العامة هي الجهازُ التمثيلي الأشمل الذي تلتقي فيه جميع الدول الأعضاء على قدمٍ من المساواة بصوتٍ واحد لكلٍّ منها بصرف النظر عن حجمها أو قوتها أو ثروتها، وهي تختصّ بمناقشة أي مسألةٍ تقع ضمن نطاق الميثاق وإصدار توصياتٍ بشأنها، غير أنّ قراراتها — على عكس قرارات مجلس الأمن — لا تتمتّع بالقوة الإلزامية القانونية في مجال صون الأمن الدولي.
[10]
أما مجلسُ الأمن الدولي فهو «ثقلُ» المنظمة الحقيقي وجهازُها التنفيذي الأقوى؛ ويتألّف من خمسة عشر عضواً: خمسةٌ منهم دائمون وهم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا والاتحاد السوفيتي (روسيا لاحقاً) وجمهورية الصين (الصين الشعبية منذ 1971م)، وعشرةٌ متناوبون تنتخبهم الجمعيةُ العامة لفترات سنتَين. وتتميّز القراراتُ الصادرة عن مجلس الأمن في مجال صون السلم والأمن الدوليَّين بطابعها الإلزامي لجميع الدول الأعضاء وفق المادتَين الخامسة والعشرين والثامنة والأربعين من الميثاق. وقد أُعطي الأعضاءُ الخمسة الدائمون حقَّ النقض (الفيتو) على قراراتٍ غير إجرائية، مما يجعل أيَّ واحدٍ منهم قادراً على تعطيل قرار الأربعة عشر العضو الآخرين.
[2]
ومن بقية الأجهزة الرئيسية، تبرز محكمةُ العدل الدولية المقرّة في لاهاي بهولندا بوصفها الجهازَ القضائي الرئيسي للأمم المتحدة، المؤلَّف من خمسة عشر قاضياً تنتخبهم الجمعيةُ العامة ومجلس الأمن لتسع سنوات. كما تضطلع الأمانةُ العامة بمهمة الإدارة اليومية للمنظمة ويرأسُها الأمينُ العام الذي يُعيَّن بتوصيةٍ من مجلس الأمن وموافقة الجمعية العامة. أما المجلسُ الاقتصادي والاجتماعي فيشرف على وكالاتٍ متخصصة متعددة منها اليونيسكو ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية وغيرها الكثير، ليغدو المنظومةَ التي تدير الشقَّ الإنمائي والإنساني في عمل الأمم المتحدة.
[1]
تاسعاً: مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وأهدافه المُعلنة
تُجسّد ديباجةُ ميثاق الأمم المتحدة — التي بدأت بعبارة «نحن شعوب الأمم المتحدة» — الفلسفةَ التأسيسية للمنظمة الجديدة في صياغةٍ أدبية رفيعة تنطوي على رسالةٍ حضارية أعمق من مجرد وثيقةٍ قانونية. وقد نصّت الديباجةُ على أربعة أهدافٍ جوهرية: صونُ الأجيال القادمة من ويلات الحروب، والتأكيدُ على الإيمان بالحقوق الأساسية للإنسان وكرامته وقيمته والمساواة بين الرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها، وإرساءُ الظروف التي يمكن في ظلّها صون العدل واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات ومصادر القانون الدولي الأخرى، وتعزيزُ الرقي الاجتماعي ورفعُ مستوى الحياة في جوٍّ من الحرية أفسح.
[11]
وعلى صعيد المبادئ الحاكمة للمنظمة المنصوص عليها في المادة الثانية من الميثاق، تبرز ستةُ مبادئ جوهرية: مبدأُ المساواة في السيادة بين جميع الدول الأعضاء بصرف النظر عن حجمها، ومبدأُ الوفاء بالالتزامات الميثاقية بحسن نية، ومبدأُ حلّ النزاعات الدولية بالوسائل السلمية، ومبدأُ الامتناع في العلاقات الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية لأي دولة، ومبدأُ تقديم العون للأمم المتحدة في أي عملٍ تتخذه وفق الميثاق، ومبدأُ عدم تدخّل الأمم المتحدة في المسائل الداخلية لأي دولة. وقد غدت هذه المبادئُ الستة الإطارَ المرجعي الأساسي للقانون الدولي المعاصر.
[10]
عاشراً: الإرث والتحديات — الأمم المتحدة بين الطموح والواقع
أفرز تأسيسُ الأمم المتحدة تحوّلاً عميقاً في بنية النظام الدولي؛ فقد شكّل إطاراً مؤسسياً للتعاون الدولي لم تعرفه البشريةُ من قبل بهذا الشمول وهذه الديمومة. فعلى الصعيد السلمي، أسهمت الأمم المتحدة في منع تصعيد كثيرٍ من النزاعات الإقليمية إلى حروبٍ عالمية شاملة، وأدارت عملياتِ حفظ السلام في أكثر من سبعين منطقةَ نزاعٍ حول العالم منذ تأسيسها. وعلى الصعيد الإنساني، أرسى نظامُ الأمم المتحدة منظومةً قانونيةً وإنسانيةً لا سابق لها تشمل الإعلانَ العالمي لحقوق الإنسان عام 1948م، والاتفاقياتِ الدولية للاجئين والأطفال والمعذَّبين وغيرهم، واتفاقياتِ الأمم المتحدة لقانون البحار والتغير المناخي والتنوع البيولوجي.
[7]
غير أنّ الأمم المتحدة واجهت ولا تزال تواجه تحدياتٍ بنيوية عميقة تجذّرت في طيّات ميثاقها التأسيسي ذاته؛ فحقُّ النقض في مجلس الأمن الذي أُريد به صماماً للأمان ووسيلةً لجعل المنظمة نافذةً بضمان إجماع القوى الكبرى، تحوّل في أحيانٍ كثيرة إلى أداةٍ لشلّ الإجراءات وحماية الحلفاء حتى حين يقترفون انتهاكاتٍ صريحة. وقد استُخدم حقُّ النقض أكثر من مئتَين وتسعين مرةً منذ تأسيس الأمم المتحدة — يمتلك الاتحادُ السوفيتي وروسيا الحصةَ الأكبر منها — مما أعاق المنظمةَ عن الردّ على أزماتٍ كبرى كالعدوان الأمريكي على العراق والتدخّل الروسي في أوكرانيا وغيرهما. وقد دفع هذا الواقعُ كثيراً من المحلّلين والقانونيين والمنتقدين إلى المطالبة بإصلاحٍ شامل لمجلس الأمن يُعيد له توازنَه الحقيقي ويُوسّع دائرةَ تمثيله ليعكس العالمَ في القرن الحادي والعشرين لا في عام 1945م.
[3]
ومع ذلك كلّه، يبقى تأسيسُ الأمم المتحدة — بكل ما رافقه من توافقاتٍ مصلحية وتنازلاتٍ مُكرهة وتناقضاتٍ موروثة — لحظةً تاريخيةً فارقة في تحوّل العلاقات الدولية من سياسة القوة العارية إلى منظومةٍ من القواعد والمؤسسات ولو كانت ناقصةً ومتناقضة. فقد أتاح الإطارُ الأممي للشعوب الصغيرة منبراً يُعبّر عن وجودها، وللقضايا الإنسانية مكاناً تُطرح فيه، وللمجتمع الدولي وسيلةً للتنسيق حيث يُوجد الأطراف تحت سقفٍ مشترك واحد. وبهذا المعنى، يبقى نصُّ الميثاق التأسيسي — رغم كل إخفاقاته وتحدياته — وعداً إنسانياً مفتوحاً لا يزال البشرُ يتطلّعون إلى إنجازه بصورةٍ كاملة في يومٍ آتٍ.
[11]