المقدمة
انهيار الاتحاد السوفيتي، أو تفككه، هو الحدث الجيوسياسي الأعظم في النصف الثاني من القرن العشرين وأكثرها تأثيراً على النظام الدولي بأسره؛ إذ يُمثّل نهاية إمبراطورية امتدّت على ستة عشر مليون كيلومتر مربع من شرق أوروبا إلى حدود الصين، وضمّت خمس عشرة جمهورية وأكثر من مئة قومية في بوتقة إيديولوجية واحدة هي الشيوعية الماركسية اللينينية. جاء التفكك الرسمي في السادس والعشرين من ديسمبر 1991، حين أُنزل العلم الأحمر عن قمة الكرملين للمرة الأخيرة ورُفع مكانه العلم الروسي، معلناً بذلك انتهاء كيان سياسي وأيديولوجي وجد في أعقاب ثورة أكتوبر 1917 وعاش قرابة خمسة وسبعين عاماً أثّر بصورة حاسمة في مسار حضارة القرن العشرين بأسره.
لم يكن الانهيار حدثاً مفاجئاً ولا ضربة قدر خارجية، بل كان محصّلةً منطقية لتراكم عوامل بنيوية عميقة تجذّرت على مدى عقود: أزمة اقتصادية مزمنة نجمت عن قصور نموذج التخطيط المركزي وعجزه عن مواكبة التحديات الاقتصادية المتجدّدة، وإفلاس أيديولوجي تدريجي فقد بموجبه الحزب الشيوعي قدرته على تحريك الولاء الشعبي والإيمان التلقائي برسالته، وثقل استنزاف الحرب الأفغانية 1979-1989 التي تحوّلت إلى مستنقع استنزف الأرواح والموارد، فضلاً عن كارثة تشيرنوبيل النووية 1986 التي كشفت تهافت المنظومة السوفيتية أمام العالم، وصولاً إلى الإصلاحات غير المحسوبة العواقب التي أطلقها ميخائيل غورباتشوف تحت عنوانَي “البيريسترويكا” (إعادة البناء) و”الغلاسنوست” (الانفتاح)، والتي فتحت صندوق باندورا من الحريات الجزئية التي لم تلبث أن تحوّلت إلى طوفان وطني قومي اجتاح الجمهوريات من بحر البلطيق إلى جبال القوقاز إلى آسيا الوسطى. وكان الفصل الأخير في مسرحية الانهيار انقلاباً فاشلاً في أغسطس 1991، أطاح في واقع الأمر بالمنظومة التي أُريد إنقاذها، وأفضى إلى اتفاقية “بيلوفيجسكايا بوشا” في الثامن من ديسمبر 1991 التي وضعت نقطة النهاية القانونية لوجود الاتحاد السوفيتي [1].
المعلومات الأساسية
| انهيار الاتحاد السوفيتي | |
| Dissolution of the Soviet Union · 1985–1991 | |
| معلومات أساسية | |
| تاريخ التفكك الرسمي | 26 ديسمبر / كانون الأول 1991 [2] |
| آخر رئيس | ميخائيل غورباتشوف (1985–1991) |
| تأسيس الاتحاد | 30 ديسمبر 1922 |
| مدة الوجود | 69 عاماً (1922–1991) |
| مساحة الاتحاد | 22,402,200 كم² (أكبر دولة في التاريخ) |
| السكان عام 1991 | نحو 294 مليون نسمة |
| أبرز أسباب الانهيار | |
| اقتصادية | الركود والتخطيط المركزي وانخفاض أسعار النفط |
| عسكرية | سباق التسلح والحرب الأفغانية |
| سياسية | إصلاحات غورباتشوف (البيريسترويكا والغلاسنوست) |
| قومية | حركات الاستقلال في الجمهوريات |
| بيئية | كارثة تشيرنوبيل 1986 |
| المحطات الفاصلة | |
| وصول غورباتشوف | مارس 1985 |
| انهيار جدار برلين | 9 نوفمبر 1989 |
| استقلال دول البلطيق | 1990 (إعلان) / 1991 (دولي) |
| الانقلاب الفاشل | 19-21 أغسطس 1991 |
| اتفاقية بيلوفيجسكايا | 8 ديسمبر 1991 |
| استقالة غورباتشوف | 25 ديسمبر 1991 |
| الدول الخلف | 15 جمهورية مستقلة |
الخلفية التاريخية: بنية الاتحاد وعوامل الهشاشة البنيوية
١. الاتحاد السوفيتي: الإمبراطورية الإيديولوجية الحمراء
وُلد الاتحاد السوفيتي من رحم الثورة البلشفية في أكتوبر 1917، واكتمل تأسيسه القانوني في الثلاثين من ديسمبر 1922 حين وقّع ممثلو روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا والقوقاز معاهدةَ الاتحاد. شيّد لينين، ثم ستالين بعده بأساليب بالغة العنف، دولةً إيديولوجية من نوع غير مسبوق في التاريخ: دولة تدّعي أنها تُجسّد مسار التاريخ الحتمي نحو الشيوعية العالمية، وتُدير اقتصاداً مركزياً شاملاً يُلغي الملكية الخاصة ويُحكم قبضته على وسائل الإنتاج كافة. وبلغ الاتحاد ذروة قوته في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين أسهمت مقاومة الجيش السوفيتي في هزيمة ألمانيا النازية بثمن هائل من الأرواح تجاوز 27 مليون قتيل، ثم توسّع النفوذ السوفيتي ليشمل أوروبا الشرقية بأسرها في دول “الديمقراطيات الشعبية” خلف “الستار الحديدي” [3].
بيد أن قوة الاتحاد الظاهرة كانت تُخفي في طياتها هشاشات بنيوية جوهرية: فالنموذج الاقتصادي المركزي كان يُنتج توازناً زائفاً قائماً على القمع والقسر لا على الكفاءة الحقيقية، فيما عاش المواطن السوفيتي في ظل شُحّ مُزمن في السلع الاستهلاكية وتدنٍّ في مستوى المعيشة مقارنةً بالغرب. والقومية المكبوتة في الجمهوريات غير الروسية كانت جمراً تحت رماد القهر في انتظار ريح الإصلاح لتشتعل. وكان سباق التسلح مع الولايات المتحدة يلتهم نسبةً غير محتملة من الناتج القومي الإجمالي، مُثقلاً الاقتصاد بعبء لا طاقة له على حمله على المدى البعيد.
٢. حقبة الركود البريجنيفي: الجمود يتجذّر
تُمثّل حقبة ليونيد بريجنيف (1964-1982) البيئة التي تجذّرت فيها أسباب الانهيار، وهي ما دأب المؤرّخون على تسميتها بـ”حقبة الركود”. بلغ الاقتصاد السوفيتي ذروة نموّه النسبي في الفترة الممتدة بين 1965 و1970، ثم أخذ في الانحسار التدريجي البطيء. كان النظام المركزي يُعاني من عيوب هيكلية مُزمنة: غياب الحافز للابتكار والريادة، وتضخّم البيروقراطية التي عطّلت المرونة والتكيّف، وانعدام آليات السوق التي توجّه التخصيص الكفء للموارد. وكان الاتحاد السوفيتي في نهاية سبعينيات القرن الماضي يستورد القمح من الولايات المتحدة، في مفارقة صارخة تكشف عجز المزارع الجماعية الحكومية عن تأمين الأمن الغذائي لبلد يملك أخصب الأراضي الزراعية في العالم [4].
في هذه الحقبة أيضاً، أطلق بريجنيف “مبدأه” الشهير الذي يُقرّ بحق التدخل السوفيتي في الشؤون الداخلية لأي دولة “اشتراكية” تتعرض فيها الاشتراكية للخطر، وهو المبدأ الذي جسّده التدخل العسكري في تشيكوسلوفاكيا عام 1968 لإخماد “ربيع براغ”. بيد أن هذا التدخل كلّف الاتحاد ثمناً معنوياً وأيديولوجياً فادحاً؛ إذ أبلغ شعوب أوروبا الشرقية أن “الاشتراكية بوجه إنساني” ليست خياراً متاحاً في ظل الوصاية السوفيتية، وزرع بذور الحقد والرفض التي ستُثمر ثورات 1989.
أسباب الانهيار: تحليل متعمّق للعوامل البنيوية
١. الأزمة الاقتصادية: فشل نموذج التخطيط المركزي
يُجمع أغلب المؤرّخين الاقتصاديين على أن الأزمة الاقتصادية كانت الجذر الأعمق لانهيار الاتحاد السوفيتي. فقد كشفت الدراسات الاقتصادية أن الاتحاد كان يُنفق ما يتراوح بين خمسة عشر وخمسة وعشرين بالمئة من ناتجه الإجمالي على الجيش والتسليح، وهو ضعف معدل إنفاق الولايات المتحدة نسبةً إلى حجم الاقتصاد. وقد أفرز هذا الإنفاق العسكري الهائل شُحّاً حاداً في الموارد المخصّصة للسلع الاستهلاكية والخدمات والبنية التحتية المدنية. كان مواطن أمة تملك برنامجاً فضائياً رائداً وترسانة نووية هائلة يجد صعوبةً في الحصول على ثلاجة أو تلفاز أو أحذية ذات جودة مناسبة [5].
في منتصف الثمانينيات، تضافرت صدمتان اقتصاديتان على إضعاف الاقتصاد السوفيتي بصورة بالغة: الأولى كانت الانهيار الحاد في أسعار النفط العالمية عام 1986، الذي قلّص بصورة حادة عائدات الاتحاد من العملة الصعبة التي كان يعتمد عليها اعتماداً شبه كلي في تمويل وارداته. وقدّر المؤرّخ الاقتصادي بادما ديساي أن انخفاض سعر برميل النفط من 30 دولاراً إلى 10 دولارات أعاق مسيرة الاقتصاد السوفيتي إعاقةً بالغة. والثانية كانت التكلفة الاقتصادية لكارثة تشيرنوبيل التي قُدّرت بعشرين مليار روبل، وهو مبلغ ضخم لم يكن الاقتصاد المُثقَل بالنفقات قادراً على استيعابه [6].
وقد وصف المؤرّخ والباحث الأمريكي المتخصص في الشؤون السوفيتية روبرت ستراير أزمة الاقتصاد السوفيتي بأنها كانت أزمة “بنيوية عضوية”، لا مجرد أزمة دورية قابلة للعلاج بالإصلاح الجزئي؛ إذ أن النموذج الاقتصادي بجوهره كان قاصراً عن توليد الابتكار، وعاجزاً عن تخصيص الموارد بصورة كفؤة، وعقيماً في توليد الحوافز الحقيقية للعمل والإنتاج. وكانت نتيجة ذلك مفارقة صارخة لخّصها أحد المراقبين السوفيتيين: “كيف يمكن لأمة لديها فضاؤها الخاص وبرنامجها النووي أن تعجز عن توفير الغذاء الكافي وبناء مساكن لائقة لمواطنيها؟”
٢. الحرب الأفغانية: مستنقع الدماء والموارد
في ديسمبر 1979، أقدم الاتحاد السوفيتي على غزو أفغانستان بعد أن أضحت التوترات السياسية الداخلية بين الشيوعيين الأفغان وفصائل المجاهدين تُهدّد استقرار الوضع في دولة كان موسكو يعتبرها في دائرة نفوذه. خُطّطت العملية كتدخّل محدود وسريع، لكنها تحوّلت إلى حرب استنزاف مديدة دامت عشر سنوات، راح ضحيتها ما بين أربعة عشر وعشرين ألف جندي سوفيتي، فيما أُصيب أكثر من ثلاثة وثلاثين ألفاً بجروح متفاوتة الخطورة [7]. وكان المجاهدون الأفغان يتلقّون دعماً أمريكياً وسعودياً وباكستانياً هائلاً بلغ تقديره ثلاثة وثلاثين مليار دولار إلى أربعين مليار دولار وفق بعض التقديرات، مما أطال أمد الصراع وعمّق استنزافه.
أسهمت الحرب الأفغانية في إضعاف الاتحاد على أصعدة متعددة في آنٍ واحد: اقتصادياً باستنزاف مليارات الروبلات سنوياً في عمليات عسكرية غير منتجة، وبشرياً عبر خسائر جيلٍ من الجنود الشباب الذين أُطلق عليهم “الأفغان”، وأيديولوجياً حيث كشف الإخفاق العسكري في بلد فقير رعوي تهاشش الغرور القوي للمنظومة السوفيتية. كذلك أسهمت تجربة الجنود السوفيتيين في أفغانستان في تعميق حالة خيبة الأمل والإحباط من المؤسسة العسكرية والحكومة، وتحوّل كثير من قدامى محاربي أفغانستان إلى منابر احتجاج اجتماعي في موسكو وسائر المدن الروسية [8].
٣. كارثة تشيرنوبيل: الإخفاق الذي لا يمكن إخفاؤه
في فجر السادس والعشرين من أبريل 1986، انفجر المفاعل رقم 4 في محطة تشيرنوبيل النووية في مدينة بريبيات الأوكرانية السوفيتية، مُطلقاً كميات هائلة من الإشعاع النووي تجاوزت ما أطلقته القنبلة الذرية الأمريكية على هيروشيما بأربعمائة مرة. كان الحادث كارثياً من الناحية البيئية والبشرية، لكنه كان أشدّ فتكاً في تأثيره السياسي والمعنوي على الاتحاد [9]. فقد سارعت السلطات السوفيتية في بادئ الأمر إلى التعتيم على حجم الكارثة بأساليبها المعتادة، وأصدرت أوامرها بالمضي في احتفالات أول مايو في المناطق المتضررة رغم معرفة المسؤولين بمستوى الإشعاع الخطير. بيد أن حجم الكارثة كان أضخم من أن تُخفيه، وكانت الرياح الإشعاعية تتجاوز الحدود نحو شمال أوروبا، مُفضيةً إلى تنبيه دولي أحرج المنظومة السوفيتية أمام العالم.
يرى ميخائيل غورباتشوف نفسه في مذكراته أن تشيرنوبيل كانت نقطة تحوّل حاسمة في مسيرته الإصلاحية؛ إذ أثبت له أن التعتيم والإخفاء سياسة خطيرة عواقبها وخيمة، وأن الانفتاح والشفافية بات ضرورةً وجودية لا مجرد خيار أيديولوجي. لكن تشيرنوبيل كشف أيضاً لجمهور واسع في أوكرانيا وبيلاروسيا والجمهوريات البلطيقية أن المنظومة السوفيتية تستهتر بأرواح مواطنيها، ووفّر تربةً خصبة للحركات الوطنية الاستقلالية. وفي ليتوانيا، على سبيل المثال، حاصر آلاف المتظاهرين محطة إيغنالينا النووية في رد فعل على تشيرنوبيل، مما أشعل بذور الحركة التي أفضت إلى استقلال دول البلطيق [10].
٤. سباق التسلح وإرهاق الاقتصاد
دفع الرئيس الأمريكي رونالد ريغان منذ عام 1981 الاتحادَ السوفيتي نحو تكثيف سباق التسلح برفعه الإنفاق الدفاعي الأمريكي بمقدار الثلث، وإطلاقه مبادرة الدفاع الاستراتيجية (حرب النجوم) عام 1983. وقد وضع ذلك الاتحادَ السوفيتي في موقف بالغ الصعوبة: إذا ماشى الأمريكيين في سباق التسلح فسيُثقل اقتصاده المُتداعي بأعباء لا يحتملها، وإذا أحجم فسيُقرّ بتراجعه الاستراتيجي. وكانت نتيجة هذا الضغط أن الاتحاد السوفيتي كان يُنفق ما يُقدّر بخمسة عشر إلى خمسة وعشرين بالمئة من ناتجه المحلي الإجمالي على الأغراض العسكرية [11]. وقد أقرّ غورباتشوف نفسه عند استقالته صراحةً بأن “عسكرة البلاد أضرّت باقتصادها وبمعنوياتها”.
غورباتشوف والإصلاح الذي لم يتمكّن من السيطرة عليه
١. البيريسترويكا والغلاسنوست: الصواريخ التي دمّرت مُطلقيها
وصل ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة في مارس 1985 بوصفه أصغر أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي سناً (54 عاماً)، بعد موت ثلاثة من قادة الاتحاد في غضون ثلاث سنوات فحسب. كان ذكياً، يقرأ الأزمة البنيوية للاقتصاد السوفيتي، ومدركاً أن الاستمرار على النهج ذاته يعني الانهيار. فأطلق مبادرتين إصلاحيتين كبيرتين: “البيريسترويكا” (إعادة البناء) بوصفها إصلاحاً اقتصادياً يُدخل عناصر السوق جزئياً في الاقتصاد المُخطَّط، و”الغلاسنوست” (الشفافية والانفتاح) بوصفها إصلاحاً سياسياً يُتيح قدراً أكبر من حرية التعبير والانتقاد العلني. وكان هدف غورباتشوف من هذين المساريْن إنقاذ الاتحاد السوفيتي لا تفكيكه، وتحديث الاشتراكية لا إلغاءها [12].
بيد أن ما حدث كان مختلفاً تماماً عما أراد. فالغلاسنوست فتحت الباب أمام نقد لم تستطع السلطة التحكم في وجهته ومداه؛ بدأ كانتقاد لظروف العمل السيئة والفساد الإداري، ثم تصاعد إلى مساءلة المنظومة الاشتراكية ذاتها، ثم إلى المطالبة الصريحة بالديمقراطية والتعددية والانفصال. وكان بإمكان المواطنين الآن أن يقرؤوا في الصحافة عن حجم الفساد في المنظومة السوفيتية، وعن تاريخ ستالين المثقل بالمجازر، وعن التفاوت الفاضح في المعيشة بين المسؤولين والمواطنين العاديين. وكان ذلك يُحوّل خيبة الأمل الصامتة إلى سخط صاخب [13].
أما البيريسترويكا الاقتصادية فقد وقعت بين كرسيَّين في عبارة أحد الباحثين: لم تكن اشتراكيةً شاملة كافية لإصلاح المنظومة المركزية من الداخل، ولم تكن رأسمالية كافية لاستبدالها بنموذج عمل فعّال. وكانت النتيجة تضافر أسوأ ما في النظامين: تعطّلت ميكانيزمات التخطيط المركزي دون أن تحلّ محلّها ميكانيزمات السوق، فانتشر التضخم، وتراجع الإنتاج، وعادت قوائم الانتظار للبضائع الشحيحة تطول من جديد، وغدا البائع الواحد في المتجر الحكومي يشتري السلعة بسعر رسمي منخفض ثم يُعيد بيعها في السوق الموازية بأسعار حرة، مُفرغاً منظومة التسعير الرسمية من محتواها.
٢. الجمهوريات تنتفض: المسألة القومية
كان الاتحاد السوفيتي دولةً متعددة القوميات بصورة استثنائية؛ إذ ضمّ نحو مئة قومية وإثنية، تتحدث لغات متباينة وتحمل هويات ثقافية وتاريخية مختلفة، وكان بعضها قد خضع للإلحاق القسري بالاتحاد أو “الروسة” الثقافية الإجبارية. وحين أتاحت الغلاسنوست هامشاً من الحرية، فإن المسألة القومية كانت الأسرعَ في ملء هذا الهامش والإفادة منه. ففي دول البلطيق (إستونيا ولاتفيا وليتوانيا) التي أُلحقت بالاتحاد قسراً عام 1940 بموجب اتفاقية مولوتوف-ريبنتروب السرية، لم تنطفئ جذوة الاستقلال يوماً [14].
في يونيو 1988، نظّم المتظاهرون في إستونيا ما عُرف بـ”الثورة المغنّية”، وهي تظاهرات حاشدة جمعت مئات الآلاف يُرددون الأناشيد الوطنية الإستونية التي كانت ممنوعة طويلاً. وفي أغسطس 1989، شكّل متظاهرون من دول البلطيق الثلاث سلسلةً بشرية غير منقطعة يدٌ بيد من تالين إلى ريغا إلى فيلنيوس امتدت لألفَي كيلومتر، عُرفت بـ”طريق البلطيق” (Baltic Way)، في واحدة من أعظم مشاهد السلمية الاحتجاجية في القرن العشرين. أعلنت ليتوانيا استقلالها في مارس 1990، ثم تبعتها لاتفيا وإستونيا.
لم يقتصر الانتفاض القومي على دول البلطيق؛ إذ شهدت أوكرانيا وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان وسائر الجمهوريات موجات من المطالبات بالسيادة أو الاستقلال، كثيراً ما اندلعت في رحم صراعات إثنية داخلية كالنزاع بين أرمينيا وأذربيجان على إقليم ناغورنو كاراباخ. وقد واجه غورباتشوف معضلة حقيقية: السماح بهذه المطالبات يعني تفكيك الاتحاد، وقمعها بالقوة يعني الانتهاء بالطغيان الذي جاء ليُصلحه. وكان هامش الخيار أمامه ضيّقاً بصورة مأساوية.
سقوط جدار برلين وانهيار الكتلة الشرقية
١. إعلان غورباتشوف عدم التدخل: لحظة تاريخية
في عام 1988، أعلن غورباتشوف في خطابه أمام الأمم المتحدة أن الاتحاد السوفيتي سيُقلّص حضوره العسكري في أوروبا الشرقية ولن يتدخّل بعد اليوم في شؤون “دول حلف وارسو” الداخلية. كان ذلك إعلاناً بمغادرة “مبدأ بريجنيف” وفتح الباب أمام التحولات في الكتلة الشرقية. وسارعت دول أوروبا الشرقية إلى ملء هذا الفراغ؛ ففي بولندا فازت حركة التضامن بزعامة ليخ فاونسا في أول انتخابات شبه حرة في يونيو 1989. وفي هنغاريا، فتحت الحكومة الإصلاحية الحدود مع النمسا، مما أتاح لمئات الآلاف من الألمان الشرقيين الهروب نحو الغرب في موجة لم يسبق لها مثيل [15].
٢. سقوط جدار برلين: رمزية نهاية الحقبة
في ليلة التاسع من نوفمبر 1989، انهار جدار برلين في مشهد صار الأكثر رمزيةً لنهاية الحرب الباردة وبداية مرحلة ما بعد الثنائية القطبية. أُزيل الجدار الذي فصل برلين الشرقية عن الغربية منذ عام 1961 بصورة تلقائية حين أعلنت حكومة ألمانيا الشرقية بطريقة خاطئة أنها ستسمح بالسفر الحر عبر الحدود “على الفور”. توافد مئات الآلاف على نقاط العبور، وارتبك الحراس وتراخى تطبيق التعليمات، فانكسرت الحواجز الجليدية أمام موجة بشرية جارفة. وفي غضون أسابيع، تواصل انهيار الأنظمة الشيوعية في سائر دول الكتلة الشرقية: تشيكوسلوفاكيا في نوفمبر 1989 (“الثورة المخملية”)، ورومانيا في ديسمبر 1989 (وكانت الأكثر دراماتيكيةً بإعدام ديكتاتورها نيكولاي تشاوشيسكو).
الانقلاب الفاشل وتداعياته الكارثية على الاتحاد
١. انقلاب أغسطس 1991: المحاولة اليائسة لإنقاذ المنظومة
في الثامن عشر من أغسطس 1991، حين كان غورباتشوف في منتجعه بشبه جزيرة القرم مستعداً للتوقيع في اليوم التالي على معاهدة الاتحاد الجديد التي كانت ستُحوّل الاتحاد من فيدرالية صارمة إلى كونفيدرالية مخفّفة تمنح الجمهوريات سيادةً أوسع، قطعت الكهرباء والهاتف عن مقرّه المعزول. وصله وفد من رجاله يُعلمونه بقرار تعليق صلاحياته لأسباب “صحية” وتسليم السلطة للجنة طوارئ حكومية. في الوقت ذاته، تحرّكت الدبابات السوفيتية باتجاه موسكو، وأُعلن في الإذاعة عن تشكيل “لجنة الدولة لحالة الطوارئ” [16].
رفض بوريس يلتسين، رئيس جمهورية روسيا الاتحادية، الانقلابَ رفضاً قاطعاً، وتوجّه إلى مبنى البرلمان الروسي (المعروف بالبيت الأبيض)، حيث صعد على دبابة أمام حشد من أنصاره وألقى خطابه التاريخي معلناً أن ما جرى “انقلاب غير دستوري” ويجب على الشعب الوقوف ضده. أحاطت بالبيت الأبيض جموع حاشدة من موسكوفيين رفضوا العودة إلى حقبة الاستبداد. وكان من المخطّط اقتحام المبنى في ليلة الحادي والعشرين من أغسطس، بيد أن أعضاء “لجنة الطوارئ” ترددوا ثم تراجعوا، وفشل الانقلاب خلال ثلاثة أيام [17].
٢. ما بعد الانقلاب: التفكك المتسارع
على النقيض تماماً مما أراده المنقلبون، أدى فشل الانقلاب إلى تسريع التفكك بصورة كبيرة. فبعد عودة غورباتشوف إلى موسكو معزولاً مُهاناً، وقّع يلتسين مرسوماً بحلّ الحزب الشيوعي في روسيا، وفي الثالث والعشرين من أغسطس أوقف نشاطه رسمياً. استغلّت الجمهوريات الفوضى لإعلان استقلالها الواحدة تلو الأخرى في موجة متتالية: أوكرانيا في الرابع والعشرين من أغسطس، وبيلاروسيا في الخامس والعشرين، ثم كذلك أذربيجان وجورجيا وأرمينيا. وأصبح موقف غورباتشوف كرئيس لاتحاد يتداعى صورياً بلا مضمون.
النهاية الرسمية: اتفاقية بيلوفيجسكايا وإنزال العلم الأحمر
١. اتفاقية بيلوفيجسكايا: شهادة وفاة الاتحاد
في الثامن من ديسمبر 1991، التقى في غابة بيلوفيجسكايا في بيلاروسيا ثلاثة قادة: بوريس يلتسين عن روسيا، وليونيد كرافتشوك عن أوكرانيا، وستانيسلاف شوشكيفيتش عن بيلاروسيا. وقّع الثلاثة بياناً مشتركاً أعلنوا فيه أن “الاتحاد السوفيتي بوصفه موضوعاً من موضوعات القانون الدولي لم يعد موجوداً”. وأُعلن في الوقت ذاته عن تأسيس “رابطة الدول المستقلة” بوصفها إطاراً تعاونياً يجمع الجمهوريات السابقة دون إلزامية اتحادية [18]. تلقّى غورباتشوف الخبر كضربة قاضية: فهو لم يُستشر، ولم يُدعَ إلى التوقيع، بل أُخبر بوقوع الأمر وهو رئيس لاتحاد يُعلن القادة وفاته دون أن يسألوه.
٢. الخامس والعشرون من ديسمبر 1991: اللحظة الأخيرة
في الخامس والعشرين من ديسمبر 1991، الموعد الذي يُحتفل فيه في الغرب بعيد الميلاد، ألقى ميخائيل غورباتشوف خطابه الأخير بوصفه رئيساً للاتحاد السوفيتي، مُعلناً استقالته وتخليه عن منصبه. أبلغ في ذلك الخطاب الأمةَ بأنه يُسلّم صلاحياته الدستورية كافة، بما فيها التحكم في الترسانة النووية، إلى الرئيس الروسي بوريس يلتسين. وفي اليوم التالي، السادس والعشرين من ديسمبر، اجتمع الغرفة العليا لمجلس السوفييت —بعد أن رفض أعضاؤها في الغرفة الدنيا المجيء— وأصدرت تصريحاً رسمياً بحلّ الاتحاد السوفيتي. وكان العلم الأحمر يُخفَض عن قمة الكرملين رسمياً في لحظة بثّتها كاميرات التلفزة العالمي، مُعلنةً بصريةً لنهاية حقبة [19].
لقد وصلنا إلى النقطة التي لم يعد ممكناً فيها مواصلة الطريق القديم. نحن ننتقل إلى مجتمع ديمقراطي. لقد وجدنا الشجاعة لنستدير عن خندق الحرب الباردة، لنطرح الخوف الذي عمّر عقوداً بعيداً من خريطتنا الذهنية.
— ميخائيل غورباتشوف، خطاب الاستقالة، 25 ديسمبر 1991
التداعيات والإرث التاريخي
١. النظام الدولي الجديد: أحادية القطبية الأمريكية
أفرز انهيار الاتحاد السوفيتي نظاماً دولياً جديداً أحادي القطبية تصدّرته الولايات المتحدة الأمريكية قوةً عظمى منفردة. تجلّت هذه الأحادية في حرب الخليج 1991 التي جاءت بالتزامن مع أخريات أيام الاتحاد، وفي تمدّد حلف الناتو شرقاً ليضمّ تدريجياً دول ما كان الحلف الشيوعي. وقد أطلق المحافظون الأمريكيون على حقبة التسعينيات اسم “نهاية التاريخ”، في إشارة إلى الانتصار الحتمي للديمقراطية الليبرالية والرأسمالية، غير أن تطورات العقود اللاحقة أثبتت أن التاريخ لا ينتهي.
٢. روسيا ما بعد السوفيتية: عقد الفوضى والصعود من جديد
ورثت روسيا المقعد الدائم للاتحاد السوفيتي في مجلس الأمن الأممي وترسانته النووية، لكنها ورثت أيضاً اقتصاداً مُدمَّراً وديوناً ضخمة وفوضى اجتماعية عارمة. شهد عقد التسعينيات في روسيا برئاسة يلتسين “علاجاً بالصدمة” الاقتصادية نصح به مستشارون غربيون، وتحوّل إلى كارثة اجتماعية: تراجع متوسط الأعمار، وارتفعت معدلات الوفيات المبكرة بين الذكور، وتحوّلت ملكية الشركات الحكومية الكبرى إلى مجموعة ضيّقة من “الأوليغارشيين” بطرق مثيرة للجدل عبر ما عُرف بـ”برنامج الخصخصة”. وكان الانتقال من الشيوعية إلى الرأسمالية في روسيا تجربةً صادمة للأجيال التي عاشت كامل حياتها في ظل النظام السابق [20].
٣. قراءات متباينة في أسباب الانهيار
تتباين القراءات التاريخية والأكاديمية لأسباب انهيار الاتحاد تبايناً ذا دلالة وعمق. يُركّز المحافظون الأمريكيون على دور الضغط الخارجي: سياسة ريغان في تكثيف سباق التسلح ودعم المقاومة الأفغانية ضد السوفيت. ويذهب المؤرّخ الأمريكي ريتشارد بايبس إلى أن الانهيار كان حتمياً بسبب “الطبيعة الامبريالية” للاتحاد وعجزه البنيوي عن الاستمرار. في المقابل، يرى العالم جوزيف ناي أن “الأسباب الجوهرية كانت داخلية: فشل الاقتصاد السوفيتي وتراجع القوة الناعمة للأيديولوجيا الشيوعية”، وأن دور ريغان كان هامشياً لا جوهرياً. أما غورباتشوف نفسه فكان يرى أن الانهيار كان يمكن تجنّبه لو منحت الجمهوريات فرصة كافية لتجريب الفيدرالية المجدّدة.