حروب البلقان هي نزاعان عسكريان متعاقبان دارا في شبه جزيرة البلقان بجنوب شرق أوروبا بين عامي 1912 و1913، أديا مجتمعين إلى تصفية شبه كاملة للوجود العثماني في القارة الأوروبية وإعادة رسم خريطة المنطقة بشكل جذري عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى بسنة واحدة فقط
[1].
في الحرب الأولى، اتحدت أربع دول مسيحية حديثة الاستقلال، هي بلغاريا واليونان وصربيا والجبل الأسود، ضمن تحالف عُرف برابطة البلقان، وألحقت هزيمة ساحقة وسريعة بالدولة العثمانية المثقلة بأزماتها الداخلية، فجردتها من معظم أملاكها الأوروبية ولم تترك لها سوى جزء صغير من تراقيا الشرقية ومدينة أدرنة. أما الحرب الثانية فاندلعت بعد أقل من شهر واحد فقط من توقف القتال الأول، حين هاجمت بلغاريا غير الراضية عن نصيبها من غنائم مقدونيا حليفاتها السابقات في الرابطة، فوجدت نفسها في مواجهة محاصرة من كل الجهات شملت صربيا واليونان والجبل الأسود ورومانيا، بل والدولة العثمانية نفسها التي عادت لانتزاع بعض ما خسرته. وانتهت الحرب الثانية بهزيمة بلغارية قاسية بعد اثنين وأربعين يومًا فقط من القتال، عبر معاهدة بوخارست التي رسّخت خريطة بلقانية جديدة ظلت حدودها شبه ثابتة لعقود لاحقة، فيما تركت الحربان إرثًا من التوترات القومية المتفجرة، وخصوصًا الصربية النمساوية المجرية، ساهم بشكل مباشر في تفجر الأزمة الأوروبية الكبرى لعام 1914.
| معلومات عامة | |
| الاسم الرسمي | حروب البلقان (الحرب البلقانية الأولى والثانية) |
| التاريخ | الحرب الأولى: 8 أكتوبر 1912 – 30 مايو 1913؛ الحرب الثانية: 16 يونيو – 10 أغسطس 1913 (42 يومًا قتالًا فعليًا) |
| الموقع | شبه جزيرة البلقان: مقدونيا، تراقيا، ألبانيا، كوسوفو، شمال بلغاريا |
| السبب المباشر | إعلان الجبل الأسود الحرب على الدولة العثمانية في 8 أكتوبر 1912؛ هجوم بلغاريا على حليفتيها صربيا واليونان في يونيو 1913 |
| النتيجة | خسارة الدولة العثمانية لمعظم أراضيها الأوروبية؛ هزيمة بلغاريا في الحرب الثانية؛ تأسيس دولة ألبانيا المستقلة؛ تمهيد لاندلاع الحرب العالمية الأولى |
| الأطراف المتحاربة | |
| الحرب الأولى | رابطة البلقان (بلغاريا، صربيا، اليونان، الجبل الأسود) ضد الدولة العثمانية |
| الحرب الثانية | بلغاريا ضد صربيا واليونان والجبل الأسود ورومانيا والدولة العثمانية |
| القادة | |
| قيادة رابطة البلقان | الملك بطرس الأول ملك صربيا؛ الملك جورج الأول ملك اليونان؛ القيصر فرديناند الأول ملك بلغاريا؛ الأمير نيقولا الأول أمير الجبل الأسود |
| قيادة الدولة العثمانية | السلطان محمد الخامس؛ ناظم باشا (رئيس أركان الجيش العثماني، اغتيل في يناير 1913) |
| الخسائر والنتائج الإقليمية | |
| خسائر الدولة العثمانية | فقدان أكثر من 80% من أراضيها الأوروبية؛ نزوح نحو 2.5 مليون مسلم من الأراضي العثمانية السابقة |
| نتائج الحرب الثانية | خسارة بلغاريا لمعظم ما حققته في مقدونيا؛ توسع كبير لصربيا واليونان ورومانيا |
الخلفية والأسباب
تراجع الدولة العثمانية وصعود القوميات البلقانية
تعود جذور أزمة 1912-1913 إلى ظاهرة بنيوية أعمق تمثلت في النشوء غير المكتمل لدول قومية مستقلة على الأراضي الأوروبية للدولة العثمانية طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ فقد حققت صربيا مكاسب إقليمية واسعة عقب الحرب الروسية العثمانية بين عامي 1877 و1878، فيما ضمت اليونان إقليم ثيساليا عام 1881، وأدمجت بلغاريا، التي كانت إمارة شبه مستقلة منذ 1878، إقليم روميليا الشرقية المنفصل سابقًا في عام 1885
[2].
ورغم تحقيق هذه الدول الأربع، بلغاريا واليونان والجبل الأسود وصربيا، لاستقلالها الكامل عن السلطنة العثمانية بحلول مطلع القرن العشرين، ظلت عناصر إثنية ضخمة من سكانها وأبناء قومياتها لا تزال خاضعة للحكم العثماني المباشر، خصوصًا في إقليم مقدونيا المتنازع عليه بشدة بين الأطراف الأربعة أنفسهم بسبب تداخل الجماعات السكانية والقومية فيه
[1].
وعزز هذا التراث القومي المتراكم وعي شديد بالثأر التاريخي من الحكم العثماني الطويل، استحضره مؤرخون ووطنيون بلقانيون عبر استذكار معارك تاريخية قديمة كمعركة قوصوه التي وقعت قبل ذلك بخمسة قرون، في خطاب وطني متقد لم يفتأ يغذي العداء الجماعي تجاه الأستانة عبر الأجيال المتعاقبة
[3].
تشكيل رابطة البلقان
تسارعت وتيرة الأحداث عقب الانتصار الإيطالي في الحرب الإيطالية العثمانية بين عامي 1911 و1912، الذي كشف بشكل صارخ مدى الهشاشة العسكرية العثمانية المتفاقمة، فضلًا عن قسوة سياسة التتريك التي انتهجها نظام تركيا الفتاة الجديد وسلسلة من ثلاث ثورات اندلعت في ألبانيا الخاضعة للحكم العثماني، وهي عوامل مجتمعة أقنعت دول البلقان المسيحية بأن الفرصة باتت مواتية لتوسيع نفوذها على حساب إمبراطورية متهالكة آيلة للسقوط
[1].
وبتأثير روسي مباشر وفعّال، سوّت صربيا وبلغاريا خلافاتهما التاريخية وأبرمتا تحالفًا ثنائيًا في مارس 1912، كان موجهًا في الأصل ضد النمسا-المجر، إلا أن بندًا سريًا أضيف إليه حوّل وجهته الرئيسية ليصبح موجهًا ضد الدولة العثمانية، فيما وقّعت صربيا تحالفًا مماثلًا مع الجبل الأسود، ووقّعت بلغاريا تحالفًا مشابهًا مع اليونان، لتكتمل بذلك شبكة المعاهدات السرية المشكّلة لرابطة البلقان
[4].
وقد أُجريت كافة هذه المفاوضات سرًا منذ أواخر عام 1911، فيما اضطرت بلغاريا، في إطار اتفاقها مع صربيا، إلى استغلال قلق بلغراد من القوة العثمانية، لإجبارها على تقديم تنازلات إقليمية واسعة في مقدونيا لصالحها، وهو اتفاق نص على أن تحصل بلغاريا على معظم مقدونيا جنوب خط كريفا بالانكا-أوهريد، فيما يتوسع نفوذ صربيا شمال هذا الخط شاملًا كوسوفو ومنفذًا بريًا إلى الساحل الأدرياتيكي عبر شمال ألبانيا، وهو ترتيب أُجبرت صربيا لاحقًا على التخلي عنه حين أصرت القوى الأوروبية الكبرى على قيام دولة ألبانية مستقلة، الأمر الذي مهّد لاحقًا لانفراط عقد الرابطة بأكملها في ربيع عام 1913
[4].
الحرب البلقانية الأولى
اندلاع القتال وانهيار الجبهة العثمانية
اندلعت الحرب البلقانية الأولى رسميًا في الثامن من أكتوبر 1912، حين أعلن الجبل الأسود الحرب على الدولة العثمانية بعد فشل المفاوضات حول وضع الحدود المتنازع عليها، لتنضم إليه بلغاريا وصربيا في السابع عشر من أكتوبر ثم اليونان في التاسع عشر من الشهر نفسه، بعد أن سلّم سفراء الدول الثلاث الأخيرة إنذارًا مشتركًا للحكومة العثمانية رُفض على الفور
[2].
وقد كشفت المعارك منذ أيامها الأولى عن تفاوت صادم في درجة الجهوزية العسكرية بين الجانبين؛ فقد جاء جيش الدولة العثمانية غير مستعد بشكل كافٍ بعكس جيوش دول البلقان التي تبنّت أحدث الأساليب الحربية وزوّدت نفسها بأفضل الأسلحة المتاحة آنذاك، الأمر الذي أدى إلى انتهاء المعارك بشكل كارثي للجانب العثماني الذي خسر مساحات شاسعة من أراضيه الأوروبية ودُمّر جزء كبير من جيشه في غضون أسابيع قليلة فقط
[5].
وقد بلغ الانهيار العثماني درجة من الكارثية دفعت جميع الأطراف إلى قبول هدنة في الثالث من ديسمبر 1912 وبدء مؤتمر سلام في لندن، إلا أن انقلابًا قاده تنظيم تركيا الفتاة في القسطنطينية في يناير 1913 أدى إلى اغتيال ناظم باشا، رئيس أركان الجيش العثماني، واستئناف الحرب من جديد، التي عاد فيها الحلفاء البلقانيون لتحقيق انتصارات إضافية تمثلت في سقوط مدينة يانينا بيد اليونانيين ومدينة أدرنة بيد البلغار
[6].
معاهدة لندن
وُقّعت معاهدة لندن رسميًا في الثلاثين من مايو 1913، لتضع نهاية رسمية للحرب البلقانية الأولى بعد ثمانية أشهر فقط من اندلاعها؛ ونصت المعاهدة على تنازل الدولة العثمانية عن جميع أراضيها الواقعة غرب خط إينوس-ميدا لصالح دول رابطة البلقان مجتمعة، فخسر العثمانيون أكثر من ثمانين بالمئة من أراضيهم الأوروبية السابقة بضربة واحدة، ولم يبق تحت سيطرتهم سوى جزء صغير من تراقيا الشرقية
[7].
وأعلنت المعاهدة في الوقت نفسه قيام دولة ألبانيا المستقلة، بإصرار صريح من القوى الأوروبية الكبرى التي رفضت السماح لصربيا بالتوسع نحو الساحل الأدرياتيكي عبر الأراضي الألبانية، وهي خطوة لم تُرضِ صربيا التي وجدت نفسها مضطرة للتخلي عن منفذها البحري المنشود، إلا أن أبرز ما خلّفته هذه التسوية لم يكن إنهاء النزاع الإقليمي بل تأجيله فحسب؛ فقد ظلت دول رابطة البلقان منقسمة بشدة حول كيفية توزيع غنائم النصر المشترك، خصوصًا فيما يتعلق بإقليم مقدونيا المتنازع عليه أصلًا، وهو خلاف لم يتأخر طويلًا قبل أن يتفجر حربًا جديدة بين الحلفاء أنفسهم
[8].
الحرب البلقانية الثانية
انهيار رابطة البلقان وهجوم بلغاريا
لم تكن بلغاريا راضية على الإطلاق عن نصيبها النهائي من غنائم الحرب الأولى، فبعد أن كانت قد طمحت إلى الحصول على حصة الأسد من مقدونيا استنادًا إلى تضحياتها العسكرية الكبيرة، اصطدمت برفض حاد من اليونان وصربيا والجبل الأسود اللاتي كنّ يسيطرن فعليًا على أجزاء واسعة من الإقليم المتنازع عليه، فضلًا عن مطالبتها بإقليم مقدونيا الشمالي من صربيا تحديدًا، وهو ما دفع أثينا وبلغراد إلى تشكيل تحالف سري دفاعي مشترك بينهما في الأول من يونيو 1913 تحسبًا لأي هجوم بلغاري محتمل
[7].
وتأكدت مخاوف الحلفاء حين انهارت مفاوضات السلام بين الأطراف البلقانية بشكل كامل في يونيو 1913، فأمر القيصر البلغاري فرديناند الأول، في ليلة التاسع والعشرين إلى الثلاثين من يونيو 1913، قواته بمهاجمة المواقع الصربية واليونانية في مقدونيا دون أي إعلان رسمي مسبق للحرب، في خطوة جعلت بلغاريا، في واحدة من الحالات النادرة في العصر الحديث، تجد نفسها في مواجهة شبه شاملة من كل الجهات الجغرافية المحيطة بها
[1].
معركتا بريغالنيكا وكاليمانجي وانهيار الهجوم البلغاري
حقق الهجوم البلغاري المباغت في أيامه الأولى مكاسب أولية ملحوظة بفضل عنصر المفاجأة، إلا أن القوات اليونانية والصربية المدافعة سرعان ما استعادت تماسكها وشكّلت خط دفاع متين أمام تقدم البلغار الذين تكبدوا خسائر فادحة في معركتي بريغالنيكا وكاليمانجي الطاحنتين
[7].
وشن الجيش الصربي هجومًا مضادًا في الثاني من يوليو نجح في اختراق خط الدفاع البلغاري بشكل عميق، وانضمت إليه القوات اليونانية في اليوم التالي مباشرة، فيما تواصلت الهجمات المضادة المتلاحقة على مدى الأيام التالية بشكل هدّد بتطويق جناح كامل من الجيش البلغاري، ما دفع البلغار في محاولة أخيرة ويائسة لإنقاذ قواتهم من الحصار الكامل إلى شن هجوم متجدد على الخطوط الصربية حقق نجاحًا لحظيًا قبل أن يتوقف الهجوم البلغاري بأكمله بالكامل بحلول العاشر من يوليو 1913
[6].
التدخل الروماني والعثماني وانهيار الموقف البلغاري
في الوقت الذي كانت فيه بلغاريا مستنزفة بالكامل في جبهتي صربيا واليونان المتزامنتين، اجتاز الجيش الروماني، الذي لم يشارك في الحرب الأولى وكان جاهزًا بالكامل دون أي استنزاف سابق، الحدود البلغارية في الحادي عشر من يوليو 1913 وتقدم دون مقاومة تُذكر مباشرة نحو العاصمة صوفيا، في خرق واضح لمعاهدة سلام سابقة بين البلدين
[6].
وفي اليوم التالي مباشرة، انتهزت الدولة العثمانية بدورها انهيار الموقف البلغاري الشامل لتخرق هدنتها مع صوفيا وتدخل تراقيا طمعًا في استعادة بعض ما خسرته في الحرب الأولى، فيما شن اليونانيون والصرب هجومًا عامًا في الخامس عشر من يوليو، واستعاد العثمانيون مدينة أدرنة في الثاني والعشرين من يوليو، ليجد البلغار أنفسهم محاصرين بشكل كامل من خمس جبهات مختلفة في آن واحد، ولم يبق أمامهم خيار سوى الإذعان للأمر الواقع
[9].
وفي الثلاثين من يوليو 1913، أبرمت بلغاريا هدنة لوقف إطلاق النار مع جميع أطراف النزاع، ووُقّعت معاهدة سلام نهائية بين الأطراف المتحاربة في العاشر من أغسطس 1913.
معاهدة بوخارست ونهاية الحرب
بموجب معاهدة بوخارست الموقعة في العاشر من أغسطس 1913، قسّمت اليونان وصربيا الجزء الأكبر من إقليم مقدونيا فيما بينهما، تاركتين لبلغاريا المنهزمة جزءًا صغيرًا فقط من المنطقة التي طالما طمحت للسيطرة عليها بالكامل، فيما حصلت اليونان أيضًا على جزيرة كريت وامتدت سيطرتها لتشمل جنوب مقدونيا، وتوسعت صربيا لتضم إقليم كوسوفو وأجزاء واسعة من شمال ووسط مقدونيا
[6].
وقد اعتُبرت معاهدة بوخارست هذه ذات مغزى تاريخي عظيم بالنسبة لمستقبل دول البلقان بأسرها، إذ ظلت الحدود التي رسمتها ثابتة نسبيًا مع بعض التعديلات الطفيفة لسنوات طويلة لاحقة، وشكّلت بداية فعلية لاكتمال طرد العثمانيين من القارة الأوروبية باستثناء مدينة إسطنبول وجزء صغير متبقٍ من تراقيا، محققة بذلك الهدف القومي الذي سعى إليه أغلب زعماء البلقان طوال القرن التاسع عشر بأكمله، وإن كان هذا الهدف القومي الأصلي قد بات في نهاية المطاف ثانويًا أمام اعتبارات أكبر تمثلت في الحفاظ على توازن القوى الإقليمي والرغبة المتجددة في ضم مزيد من الأراضي لأسباب استراتيجية واقتصادية بحتة
[4].
نتائج الحربين وتداعياتهما
خلّفت حروب البلقان أثرًا جيوسياسيًا عميقًا تجاوز حدود المنطقة نفسها ليطال موازين القوى الأوروبية بأكملها؛ فعلى المستوى العثماني المباشر، مثّلت الحربان ضربة قاصمة ونهائية للحضور العثماني في أوروبا الذي امتد لقرون طويلة، ورافق هذا الانهيار الإقليمي تدفق هائل لنحو مليونين ونصف المليون مسلم نزحوا من الأراضي العثمانية السابقة باتجاه ما تبقى من الدولة، في واحدة من أكبر موجات الهجرة القسرية التي شهدتها أوروبا في تلك الحقبة
[1].
وعلى مستوى موازين القوى الأوروبية الأوسع، خرجت النمسا-المجر، رغم عدم مشاركتها المباشرة في القتال، أضعف نسبيًا من الناحية الاستراتيجية في مواجهة صربيا التي تضخمت أراضيها وقوتها بشكل كبير، الأمر الذي دفع بلغراد إلى الضغط بقوة متزايدة من أجل توحيد الشعوب السلافية الجنوبية تحت رايتها، وهي طموحات قومية صربية متصاعدة أرّقت فيينا بشكل متزايد ومهّدت الأرضية المباشرة لأزمة 1914 التي اندلعت بعد اغتيال ولي عهد النمسا-المجر في سراييفو، لتصبح حروب البلقان بذلك ما وصفها مؤرخون لاحقًا بـ”مقدمة للحرب العالمية الأولى”
[1].