🔍
اضغط Esc للإغلاق  •  Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية Uncategorized الأديان والفلسفة الاقتصاد التاريخ التاریخ الإسلامی التكنولوجيا الجغرافيا الرياضة
الرئيسية / التاريخ / الحرب العراقية الإيرانية
التاريخ

الحرب العراقية الإيرانية

👁 7 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 3/8/2026 ✏️ 4/8/2026
100%

اندلعت الحرب العراقية الإيرانية في الثاني والعشرين من سبتمبر عام 1980، حين شنَّ الجيش العراقي بقيادة الرئيس صدام حسين غزواً واسع النطاق على الأراضي الإيرانية، واستمرت المواجهات المسلحة ثماني سنوات متواصلة حتى أغسطس 1988، لتكون بذلك من أطول النزاعات العسكرية في القرن العشرين وأكثرها دموية بعد الحربين العالميتين. أُطلق عليها مسمى “حرب الخليج الأولى” تمييزاً لها عما جاء بعدها، وقد أسفرت عن ما يزيد على مليون قتيل وخسائر مادية تجاوزت أربعمئة مليار دولار أمريكي، فضلاً عن دمار واسع في البنية التحتية والمنشآت النفطية لكلا البلدين. تجذَّرت الحرب في تربة خصبة من التنازعات التاريخية القديمة حول الحدود البرية والمائية وأبرزها شط العرب، وتأججت بفعل الثورة الإيرانية عام 1979 التي أوصلت آية الله روح الله الخميني إلى السلطة وأحدثت زلزالاً في موازين القوى الإقليمية. رأى صدام حسين في هشاشة إيران الداخلية إثر ثورتها فرصةً سانحة للهيمنة على الخليج العربي واستعادة ما وصفه بالحقوق العربية في شط العرب، بيد أن الحرب تحوَّلت سريعاً من غزوٍ خاطف إلى حرب استنزاف مستعرة تخللتها معارك برية ضارية وحروب المدن والناقلات واستخدام العراق للأسلحة الكيميائية في مواجهة القوات الإيرانية والمدنيين الأكراد على السواء. لم تُسفر الحرب عن أي تغيير في الحدود الدولية، وانتهت دون انتصار حاسم لأيٍّ من الطرفين، غير أن آثارها البشرية والسياسية والاستراتيجية رسمت ملامح منطقة الشرق الأوسط لعقود لاحقة.

الحرب العراقية الإيرانية
التاريخ 22 سبتمبر 1980 – 20 أغسطس 1988
المدة 7 سنوات و10 أشهر و29 يوماً
الموقع الحدود العراقية الإيرانية، شط العرب، الخليج العربي
الأطراف المتحاربة
الطرف الأول جمهورية العراق (حزب البعث العربي الاشتراكي)
الطرف الثاني الجمهورية الإسلامية الإيرانية
القائد العراقي صدام حسين، الرئيس والقائد الأعلى
القائد الإيراني آية الله روح الله الخميني، المرشد الأعلى
الداعمون
داعمو العراق المملكة العربية السعودية، الكويت، الأردن، مصر، فرنسا، الاتحاد السوفيتي، الولايات المتحدة (دعم استخباراتي)
داعمو إيران سوريا، ليبيا، كوريا الشمالية (تسليح)
نتائج الحرب
القتلى ما بين 500,000 و1,000,000 قتيل من الجانبين
الجرحى والمعاقون أكثر من 5,000,000
الخسائر المالية أكثر من 400 مليار دولار
نهاية الحرب وقف إطلاق النار بموجب قرار مجلس الأمن 598 (1987)
الوضع النهائي لا تغيير في الحدود الدولية، عودة إلى الوضع السابق
أسماء أخرى حرب الخليج الأولى، الحرب الإيرانية العراقية، القادسية الثانية (تسمية عراقية)
COSMALORE · الموسوعة العربية

الخلفية التاريخية والجذور

لا يمكن فهم الحرب العراقية الإيرانية بمعزل عن تاريخ طويل ومتشعب من التنازعات والتوترات التي أرست أسسها إمبراطوريات ودول سبقت الدولتين المعاصرتين بقرون. فقد كانت المنطقة الحدودية بين بلاد الرافدين والهضبة الإيرانية ميداناً للتنافس بين الدولة العثمانية والإمبراطورية الصفوية منذ القرن السادس عشر، وقد نظَّمت معاهدة أرضروم الأولى عام 1823 ثم الثانية عام 1847 الحدودَ بين الطرفين، مع بقاء شط العرب تحت السيادة العثمانية في جوهره
[1].
وظل النزاع على هذا الممر المائي الحيوي الذي يتشكَّل من التقاء نهري دجلة والفرات ويمتد نحو مئتي كيلومتر قبل صبِّه في الخليج العربي متأجِّجاً على مدى العقود التالية، إذ كانت إيران ترى أن خط الحدود يجب أن يمرَّ عبر خط الثالوك (منتصف القناة الملاحية)، بينما اعتبر العراق أن الضفة الشرقية بأسرها تقع ضمن مياهه الإقليمية استناداً إلى الأعراف العثمانية
[2].
وعلى إثر الانسحاب البريطاني من المنطقة ونضوج الدولتين المستقلتين إيران والعراق، تصاعد هذا النزاع بشكل ملحوظ، وبلغ منتهاه في أزمة 1969-1975 حين أيَّد الشاه محمد رضا بهلوي الحركات الكردية في شمال العراق وفتح الملف الحدودي بصورة حادة، قبل أن تُسوَّى الأزمة مؤقتاً باتفاقية الجزائر في مارس 1975.

وقَّعت إيران والعراق، بوساطة جزائرية، اتفاقية الجزائر عام 1975 التي قضت بترسيم الحدود وفق خط الثالوك في شط العرب، مقابل تعهد إيراني بوقف دعم الأكراد المسلحين في العراق
[2].
كان ذلك انتصاراً دبلوماسياً للشاه أدَّى فعلياً إلى إجبار العراق على التنازل في أهم ملف سيادي، ووصف صدام حسين الاتفاقية في ذلك الحين بأنها ظلم مفروض، بينما قاطع وفد العراق مراسم التوقيع علناً. وقد أفضى هذا الضغن المكبوت إلى جعل الاتفاقية قنبلة موقوتة في علاقات البلدين، إذ لم يستخدم صدام حسين عند توليه السلطة الفعلية عام 1979 سوى فرصة مواتية كي يطويها ويلقيها خلف ظهره.

تداعيات الثورة الإيرانية

أحدثت الثورة الإيرانية في فبراير 1979 التي أطاحت بحكم الشاه وأرست نظام الجمهورية الإسلامية تحت قيادة آية الله روح الله الخميني زلزالاً استراتيجياً ضخماً في المنطقة، وكان لها صدى حاد بصفة خاصة على نظام البعث في بغداد. فمن ناحية أولى، نظر صدام حسين إلى إيران الثورية باعتبارها تهديداً وجودياً، لا سيما أن الخميني ورجال دينه كانوا يرون في العراق ذي الأغلبية الشيعية أرضاً خصبة لتصدير الثورة الإسلامية
[3].
ومن ناحية ثانية، بدأت الحكومة الثورية الجديدة في طهران تدعم علناً تيارات المعارضة الشيعية في العراق وتشجّع على الانتفاض ضد حكومة البعث العلمانية، وهو ما رأى فيه صدام تحرشاً سافراً بالشأن الداخلي العراقي. وقد لجأت بغداد إلى ترحيل عشرات الآلاف من الشيعة العراقيين الذين اعتُبروا ذوي أصول إيرانية، وصعَّدت وتيرة الاغتيالات ضد المعارضة الشيعية، كان أبرزها محاولة اغتيال نائب رئيس الوزراء طارق عزيز في أبريل 1980 التي نُسبت إلى أتباع آية الله محمد باقر الصدر.

رأى صدام حسين أن الفوضى التي خلَّفتها الثورة وعمليات تطهير الجيش الإيراني التي أزاحت آلاف الضباط المدرَّبين، قد أتاحت له فرصة ذهبية لشن ضربة سريعة تُحسم على الفور وتُعيد رسم خريطة النفوذ الإقليمي. وقد أضاف إلى ذلك طموحه في تحقيق هيمنة بلاده على الخليج العربي بوصفه وريث القوة العربية في المنطقة إثر تراجع مصر بعد توقيعها اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978 وعزلها عربياً
[1].
وكانت ثمة دوافع اقتصادية صريحة كذلك، إذ كانت محافظة خوزستان الإيرانية ذات الغالبية العربية والغنية بالنفط تُغري الطموحات العراقية، وكان بعض القوميين العرب يطلق عليها اسم “عربستان” ويطالبون بضمها إلى الأراضي العربية.

مسار الحرب

الاجتياح العراقي وتقدم الجيش (1980)

في السابع عشر من سبتمبر 1980، أعلن صدام حسين في خطاب مثير أمام مجلس النواب العراقي إلغاءه بصورة أحادية الجانب اتفاقيةَ الجزائر لعام 1975، مستنداً إلى زعمه أن إيران قصفت مواقع حدودية عراقية في الرابع من الشهر ذاته، معتبراً ذلك بمثابة إعلان الحرب
[4].
وفي الثاني والعشرين من سبتمبر 1980، شنَّت القوات الجوية العراقية ضربات مفاجئة على عشرة مطارات إيرانية في محاولة لتدمير سلاح الجو الإيراني في عقر داره، مستلهِمةً تجربة الضربات الإسرائيلية في حرب يونيو 1967. بيد أن العملية لم تُحقق أهدافها؛ إذ دُمِّر بعض من البنية التحتية للمطارات دون أن تتكبد القوات الجوية الإيرانية خسائر تُذكر في طائراتها
[5].

توغَّلت القوات البرية العراقية، التي بلغ تعدادها نحو مئة وتسعين ألف جندي
[6]،
عبر الأراضي الإيرانية على طول خط حدودي يمتد نحو ثمانمئة كيلومتر، متقدِّمةً بعمق يتراوح بين عشرين وستين كيلومتراً داخل محافظة خوزستان وغيرها من المناطق الغربية. وكانت الخطة العسكرية العراقية تقوم على الأمل في انتصار سريع في غضون أسابيع قليلة، قبل أن تتمكَّن إيران من إعادة تنظيم قواتها المضطربة. وحاصر العراق مدينة المحمَّرة (خرمشهر) الاستراتيجية ودخل في معارك طاحنة على أسوارها تُعدُّ من أضارى المعارك البرية في الحرب بأسرها، وتُسمى في الرواية الإيرانية “مدينة الدم” تخليداً لضحاياها الكثار. كما حاصر الجيش العراقي مدينة خوزستان وأبادان المعروفة بمصافيها النفطية الضخمة، فيما تمكن من السيطرة على بعض المدن الصغيرة على الحدود. ولم يصدر عن مجلس الأمن الدولي حيال هذه التطورات المتسارعة سوى قرار رقم 479 في الثامن والعشرين من سبتمبر 1980 يدعو فيه الطرفين إلى وقف القتال والتفاوض، غير أن كلا الطرفين أعرض عنه وأهمله
[7].

الصمود الإيراني والمد المعاكس (1981-1982)

على خلاف توقعات بغداد، لم تنهار إيران ولم تستسلم بسرعة، بل تحوَّل الجيش الإيراني الذي اعتُقد أنه أُصيب بالشلل بسبب تطهير كوادره الضابطة إثر الثورة إلى جيش قتالي صلب عبر مزيج من الكوادر الجديدة التي خرَّجتها الثورة وقوات الحرس الثوري (الباسيج) التي أفرزت موجة من المتطوعين الإيديولوجيين المتحمسين. وبمرور عام 1981 وأوائل عام 1982 بدأت الكفة تميل لصالح إيران على الجبهة البرية، وتمكَّنت في فبراير 1982 من استعادة مدينة أبادان وانتزعت مناطق واسعة من قبضة الجيش العراقي
[7].
وشكَّلت استعادة خرمشهر في مايو 1982 نقطة تحوُّل درامية في مسار الحرب؛ إذ رُدَّت القوات العراقية إلى خطوط ما قبل الحرب بحلول يونيو 1982 مستعيدةً إيران جميع أراضيها المحتلة
[4].
في هذه المرحلة، كان بمقدور إيران إنهاء الحرب من موقع قوة نسبية، لكن المرشد الأعلى خميني رفض ذلك وأصرَّ على متابعة الحرب حتى إسقاط نظام البعث وتحقيق “تحرير كربلاء”، مما حوَّل الصراع من حرب دفاعية إلى حرب هجومية جاوزت فيها إيران الحدود الدولية.

التوغل الإيراني وحرب الاستنزاف (1982-1987)

مع العبور الإيراني إلى داخل الأراضي العراقية في يناير 1987 عبر عملية كربلاء 5، دخلت الحرب مرحلة استنزاف مروِّعة. شنَّت القوات الإيرانية موجات متعاقبة من الهجمات البشرية باستخدام أعداد هائلة من المقاتلين والمتطوعين، كثيراً ما تضمَّنت شبان الباسيج القاصرين الذين اعتُقدوا أنهم يُعبِّدون الطريق عبر حقول الألغام بأجسادهم تحت وعود بالشهادة والجنة
[1].
في المقابل، اعتمد العراق خطاً دفاعياً متيناً استعان فيه بأسلحة متطورة حصل عليها من الغرب ومن الاتحاد السوفيتي على حدٍّ سواء، إلى جانب الأسلحة الكيميائية التي باتت ركيزة استراتيجية في منظومته الدفاعية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، أحاطت بالعراق حلقة دعم عريضة؛ فمولَّت كل من المملكة العربية السعودية والكويت جُلَّ نفقاته الحربية، وزوَّدته فرنسا بطائرات متطورة من طراز ميراج وتكنولوجيا عسكرية رفيعة المستوى، بينما أمدَّه الاتحاد السوفيتي بمعدات مدرعة وأسلحة ثقيلة، وأسهمت الولايات المتحدة في دعمه بالمعلومات الاستخباراتية الاستراتيجية والدعم التكنولوجي والديبلوماسي
[8].
أما إيران، فلم تجد سوى سوريا وليبيا في صفِّها من الدول العربية والإقليمية، فكانت معزولة دولياً في مواجهة تحالف دولي وإقليمي عريض.

الأسلحة الكيميائية وجرائم الحرب

يُعدُّ استخدام العراق للأسلحة الكيميائية في هذه الحرب من أبشع ما سجَّله التاريخ العسكري الحديث، إذ وثَّقت فرق التحقيق الأممية المتوجِّهة إلى الخليج خلال ثمانينيات القرن العشرين سبعة استنتاجات منفصلة تثبت استخدام العراق لهذه الأسلحة ضد القوات الإيرانية والمدنيين
[9].
ووجَّه مجلس الأمن الدولي في فبراير 1986 قراره رقم 582 “يأسف” فيه لاستخدام الأسلحة الكيميائية، بيد أن العراق واصل استخدامها دون حساب يُذكر. استُعمل كلٌّ من غاز الخردل ومواد الأعصاب كالسارين والتابون وعامل VX في هجمات موثَّقة عديدة، وطالت هذه الهجمات قوات إيرانية في مواضع متعددة طوال سنوات الحرب.

مجزرة حلبجة

في السادس عشر من مارس 1988 ارتكب الجيش العراقي أكبر هجوم بالأسلحة الكيميائية يستهدف منطقة مأهولة بالمدنيين في التاريخ الحديث، حين شنَّت طائراته قصفاً كيميائياً على مدينة حلبجة الكردية في شمال العراق، مستخدِماً جملةً من العوامل الكيميائية القاتلة بينها غاز الخردل وغاز الأعصاب سارين وتابون وعامل VX
[10].
راح ضحية هذا الهجوم الموحش ما بين ثلاثة آلاف ومئتين وخمسة آلاف مدني، فيما أُصيب ما بين سبعة آلاف وعشرة آلاف شخص آخرين بإصابات بالغة أكثرهم من النساء والأطفال
[11].
وقد دُبِّرت هذه الجريمة في سياق حملة الأنفال العسكرية الشاملة التي أشرف عليها علي حسن المجيد المعروف بـ”الكيماوي”، والتي استهدفت إبادة التجمعات الكردية المسلحة المتعاملة مع إيران والقضاء على الوجود الكردي في مناطق واسعة من شمال العراق.

حلبجة كانت أكثر من مجرد هجوم عسكري؛ كانت رسالة دموية أُريد بها تحطيم الإرادة الكردية إلى الأبد.
— تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش، 1993

وكانت حملة الأنفال قد انطلقت في فبراير 1988 وامتدت حتى أغسطس من العام ذاته، ونُفِّذت على ثماني مراحل متتالية شملت حصار القرى الكردية والقصف بالأسلحة الكيميائية وتهجير السكان قسراً وتدمير أكثر من أربعة آلاف قرية كردية، مما أسفر عن مقتل ما بين خمسين ألفاً ومئة ألف كردي وفق التقديرات
[12].
وفي عام 2010 أصدرت المحكمة الجنائية العراقية العليا حكمها الذي وصف هجوم حلبجة بأنه إبادة جماعية وجريمة ضد الإنسانية، وصدر في العام ذاته حكم بإعدام علي حسن المجيد إثر إدانته بتوجيه الهجوم.

حرب الناقلات والتدخل الدولي

مع تحوُّل المواجهة البرية إلى حرب استنزاف مستعرة لا بادية فيها نهاية، سعى العراق إلى خنق الاقتصاد الإيراني عبر مهاجمة ناقلات النفط وسفن الشحن المتجهة إلى موانئ إيران ومنها، وذلك ابتداءً من مايو 1984. وردَّت إيران بالمثل فاستهدفت السفن المتجهة إلى دول الخليج الداعمة للعراق، فتحوَّل الخليج العربي إلى منطقة حرب بحرية شاملة عُرفت بـ”حرب الناقلات”
[13].
وكان لهذا التصعيد البحري عواقب دولية جسيمة، إذ هدَّد أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية، مما استدعى التدخل المباشر للقوى العظمى.

لجأت الكويت والمملكة العربية السعودية إلى الطلب من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي توفير مظلة حماية لناقلاتهما النفطية، فأعادت الولايات المتحدة تسجيل ناقلات كويتية تحت علمها ودفعت بعناصر من أسطولها البحري إلى مياه الخليج بدءاً من عام 1987 في إطار ما سُمِّي عملية “Earnest Will”. وتطوَّرت المواجهة البحرية الأمريكية الإيرانية حتى بلغت ذروتها في عملية “Praying Mantis” في أبريل 1988، التي خاض فيها البحريتان معارك برية وبحرية وصفها المؤرخون بأنها أكبر اشتباك بحري تخوضه الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية
[14].

وفي الثالث من يوليو 1988 وقعت كارثة إنسانية بالغة الأثر؛ أسقطت طاقم الطراد الأمريكي USS Vincennes طائرة إيرانية مدنية من طراز إيرباص A300 كانت تحمل رحلة الخطوط الجوية الإيرانية 655 بعد أن خلطوها بمقاتلة عسكرية معادية، وأودعت الكارثة بحياة جميع ركابها وطاقمها البالغ عددهم مئتين وتسعين شخصاً
[13].
يرى كثير من المحللين أن هذه المأساة كانت عاملاً حاسماً في اقتناع إيران المنهكة بقبول وقف إطلاق النار، إذ أقنعت القيادة الإيرانية بأن الولايات المتحدة باتت مستعدة للدخول في الحرب إلى جانب العراق مباشرة، وهو سيناريو لم تكن إيران المستنزفة في حالة تجرؤ على مواجهته.

نهاية الحرب ووقف إطلاق النار

أصدر مجلس الأمن الدولي في العشرين من يوليو 1987 قراره رقم 598 بالإجماع، مطالباً الطرفين بوقف فوري لإطلاق النار وانسحاب القوات إلى الحدود الدولية المعترف بها وتبادل أسرى الحرب، وطالباً من الأمين العام بعثَ مراقبين دوليين للإشراف على التنفيذ
[15].
سارع العراق إلى قبول القرار في حين تأخرت إيران، إذ وصف الخميني القبول بقبول من “كأس مسموم”. وجاء في البيان الرسمي للخميني أن قبوله للوقف كان لأجل مصلحة الثورة والإسلام والجمهورية الإسلامية، مشيراً إلى أن هذا الخيار كان أشد مرارةً عليه من السم. وفي السابع عشر من يوليو 1988 أبلغت إيران الأمين العام للأمم المتحدة بقبولها الرسمي للقرار، لتتوقف العمليات العسكرية الفعلية في العشرين من أغسطس 1988
[16].

قبول هذا القرار كان أشد علينا من شرب السم، بيد أننا ارتضيناه في سبيل الله ورضاه وبقاء الثورة.
— آية الله روح الله الخميني، يوليو 1988

انتهت الحرب دون أن يُحقق أيٌّ من الطرفين أهدافه المُعلنة؛ فلم تنتزع إيران إسقاط نظام البعث، ولم يُحكم العراق قبضته على شط العرب أو يُهيمن على الخليج. وقد التزمت بغداد عملياً بالعودة إلى خطوط الحدود الدولية المعترف بها، بما يعني ضمنياً العودة إلى ما يعادل شروط اتفاقية الجزائر التي أراد صدام حسين إلغاءها بدم الآلاف. وقد استأنفت الدولتان العلاقات الدبلوماسية الرسمية بعد سنوات، واستغرق ملف تبادل أسرى الحرب عقوداً من الزمن دون أن يُستكمل بصورة نهائية.

الخسائر البشرية والمادية

تُصنَّف الحرب العراقية الإيرانية بين أكثر النزاعات العسكرية التقليدية دموية في القرن العشرين، إذ تتراوح التقديرات المتعلقة بالقتلى من الجانبين بين نصف مليون ومليون قتيل، ويميل جل الباحثين إلى تقدير المقتولين من الجانبين عند حدود نصف مليون شخص، مع تكبُّد إيران الحصة الأكبر منهم
[1].
وبلغ عدد الجرحى والمعوَّقين من الحرب أكثر من خمسة ملايين شخص، ولو أضفنا ضحايا الأنفال الكردية التي قُدِّرت بما بين خمسين ألف ومئة ألف قتيل، تتضخم الصورة الإجمالية بشكل أكثر مأساوية. وقد لقي مئتان وتسعون مدنياً حتفهم جراء إسقاط الطائرة الإيرانية المدنية عن طريق الخطأ
[13].
وشمل ضحايا الأسلحة الكيميائية في حلبجة وحدها ما بين ثلاثة آلاف ومئتين وخمسة آلاف مدني كردي، وتشير الدراسات اللاحقة إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الإصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية في المناطق المتضررة في سنوات ما بعد الهجوم
[17].

أما الخسائر الاقتصادية فكانت هائلة الحجم؛ فقد قدَّرت بعض المصادر إجمالي الخسائر المالية لكلا البلدين بأكثر من أربعمئة مليار دولار
[18]،
وهو رقم يشمل تكاليف العمليات العسكرية وخسائر البنية التحتية من جسور ومصافٍ نفطية وموانئ ومنشآت صناعية وشبكات طرق ومرافق حضرية طالها الدمار. وقد ترك العراق الحرب غارقاً في ديون ضخمة تجاوزت ثمانين مليار دولار، أكثرها مستحق لدول الخليج الداعمة، وهو ما يُعدُّ من العوامل التي دفعت صدام لاحقاً نحو غزو الكويت عام 1990 في محاولة لإعادة توازن ميزانيته.

الأبعاد الإقليمية والدولية

لم تكن الحرب العراقية الإيرانية معزولةً عن المشهد الدولي الأشمل، بل انعكس عليها بقوة الصراع الأيديولوجي الحاد بين القوتين العظميين في سياق الحرب الباردة، وإن بصورة مقلوبة؛ فقد كانت الولايات المتحدة التي شهدت أزمة الرهائن الإيرانية عام 1979-1981 دافعاً قوياً لموقفها العدائي من طهران، تُسبغ دعمها الاستخباراتي على بغداد وتُمرِّر لها صور الأقمار الاصطناعية التي أسهمت في تحديد مواقع القوات الإيرانية
[8].
وكانت فرنسا تُزوِّد العراق بطائرات من طراز ميراج F1 التي استُخدمت في شن الضربات على ناقلات النفط وفي العمليات البرية. أما الاتحاد السوفيتي فقد وجد نفسه في موضع شبيه بأعدائه الغربيين؛ إذ كان يُورِّد الأسلحة للعراق رسمياً بينما سمح لعدد من حلفائه بإمداد إيران في الخفاء.

على الصعيد العربي، ارتضت معظم الدول العربية أن تصطفَّ خلف العراق خشية المدّ الثوري الإيراني وخطر تصدير الثورة الشيعية، فأمدَّت المملكة العربية السعودية والكويت بغداد بتمويل ضخم، وفتحت الأردن أراضيها وموانئها لإمدادات العراق ، فيما ربطت مصر العراقَ بعقود تسليح وجنود متطوعين. ولم تقف في صف إيران من الدول العربية سوى سوريا الأسد، الخصم القومي البعثي لصدام، وليبيا القذافي، وكلتاهما لأسباب براغماتية وحسابات ضيقة لا بسبب أي تضامن مذهبي حقيقي.

كشفت الحرب أيضاً عن هشاشة منظومة الأمن الجماعي الدولي أمام نزاعات ذات حجم كهذا؛ فقد أخفق مجلس الأمن في وقف الحرب قرابة ثماني سنوات رغم إصداره عدة قرارات، ولم تُنهَ إلا حين أصابت الطرفين حالة استنزاف شامل وخُيِّرت إيران بين قبول التسوية أو مواجهة تحالف أمريكي مباشر. ويرى مؤرخون عديدون أن التدخل الأمريكي المتصاعد في السنة الأخيرة من الحرب كان ركيزة حاسمة في إجبار طهران على القبول بقرار الأمم المتحدة.

الإرث التاريخي والتداعيات

خلَّفت الحرب العراقية الإيرانية آثاراً ستراتيجية عميقة تجاوزت حدود البلدين المتحاربين وأعادت رسم خريطة الشرق الأوسط لعقود. فعلى صعيد العراق، خرج النظام البعثي من الحرب منتشياً بالبقاء دون أن يُهزم رغم أن الحرب لم تُحقق أياً من أهدافها، وقوَّى ذلك من قبضة صدام حسين الداخلية وكرَّس بناء دولة أمنية صارمة رأت في النصر الرمزي بـ”حرب القادسية” -كما سمَّاها الإعلام العراقي- مسوِّغاً لتعزيز الحكم الفردي. بيد أن الديون الهائلة المتراكمة من سنوات الحرب دفعت صدام نحو أزمة غزو الكويت في أغسطس 1990، الذي جرَّ العراق بدوره إلى حرب الخليج الثانية والعقوبات الأممية المُقعِدة التي استمرت عقداً كاملاً.

وعلى صعيد إيران، رسَّخت الحرب الهوية الثورية للجمهورية الإسلامية وشكَّلت مدرسة الصمود والمقاومة التي غذَّت الروايةَ الرسمية للنظام لعقود، كما أبرزت الحاجة إلى بناء قدرات عسكرية ذاتية وردعية نظراً لتجربة العزلة الدولية؛ وهو ما فسَّر في نظر بعض الباحثين المسار الإيراني نحو تطوير برامجها الصاروخية والنووية لاحقاً. وكان الجيش الإيراني الذي أبلى بلاءً حسناً في مرحلة التعافي والمقاومة والهجوم على مدى سنوات قد خرج مؤسسةً راسخة تُكمِّل الحرسَ الثوري في بنية القوة بالجمهورية الإسلامية.

أما على الصعيد الإقليمي الأشمل، فقد كشفت الحرب عن أن الانقسام الطائفي السني الشيعي ليس في حدِّ ذاته محدداً للتحالفات، بل يتداخل مع حسابات المصلحة والنفوذ والأيديولوجيا القومية. كما كشفت أن العالم الغربي كان مستعداً لدعم نظام يستخدم الأسلحة الكيميائية ضد مدنيين -ما دام ذلك يخدم مصالحه الاستراتيجية- وهو ما ألقى ظلالاً قاتمة على مصداقية الحظر الدولي لأسلحة الدمار الشامل وأفضى إلى جدل أخلاقي وسياسي طال أمده. ويبقى ملف الأسرى وعوائل المفقودين من الجانبين ملفاً مفتوحاً يُثقل علاقات البلدين حتى اليوم.

التصنيف

المرحلة الأولى — التسلسل الهرمي الرئيسي:

التاريخ ← الحروب والمعارك ← الحروب العراقية الإيرانية

المرحلة الثانية — التصنيفات المرتبطة:

التاريخ ← تاريخ القارات ← تاريخ آسيا

التاريخ ← الدول والإمبراطوريات ← العراق الحديث

التاريخ ← الحروب والمعارك ← الحروب العالمية

التاريخ ← الإبادات والمجازر ← مجازر تاريخية

التاريخ ← العصور التاريخية ← العصر المعاصر

التاريخ ← الوثائق التاريخية ← المواثيق الدولية

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
الاتحاد السوفيتي
أضخم تجربة اشتراكية في التاريخ
أبرز علماء المسلمين عبر التاريخ
قادة الفكر والحضارة الإسلامية
الإبادة الجماعية في كمبوديا
مجازر الخمير الحمر ١٩٧٥–١٩٧٩
اتفاقيات جنيف
ميثاق الإنسانية في زمن الحرب
الإمبراطورية البارثية
أعتى خصوم روما في الشرق
إبادة البوسنة والهرسك
جريمة إبادة في قلب أوروبا
🔍