حرب الخليج الثانية هي نزاع عسكري دولي واسع النطاق نشب في الفترة الممتدة من 2 أغسطس 1990 إلى 28 فبراير 1991، إثر الغزو العراقي المباغت لدولة الكويت بقيادة الرئيس العراقي صدام حسين، الذي أعلن بعد أيام قليلة من الغزو ضم الإمارة الخليجية الصغيرة بوصفها “المحافظة التاسعة عشرة” التابعة للعراق
[1].
عُرفت هذه الحرب أيضًا بأسماء متعددة من بينها “حرب تحرير الكويت”، و”عملية عاصفة الصحراء” نسبةً إلى الاسم الذي اختارته القيادة الأمريكية للمرحلة القتالية من العملية، في حين أطلقت عليها بغداد رسميًا اسم “أم المعارك”
[2].
وتشكّل على إثر الغزو تحالف عسكري دولي غير مسبوق في حجمه وتنوعه، ضم في النهاية أكثر من ثلاثين دولة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وحظي بتفويض واضح وصريح من مجلس الأمن الدولي عبر سلسلة من القرارات الملزمة قانونًا، أبرزها القرار رقم 678 الذي أجاز “استخدام كل الوسائل اللازمة” لإخراج القوات العراقية من الكويت. وبعد فشل كل المساعي الدبلوماسية في تجنب الحرب، شنّ التحالف حملة جوية مكثفة استمرت نحو ستة أسابيع، تلاها هجوم بري خاطف لم يتجاوز مائة ساعة، تمكن خلالهما من تحرير الكويت بالكامل ودفع الجيش العراقي إلى انسحاب مهين ومدمر. لم تكن الحرب مجرد معركة عسكرية فحسب، بل مثّلت نقطة تحول جوهرية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث وفي النظام الدولي ككل؛ فقد كرّست هيمنة عسكرية أمريكية غير منازَعة على منطقة الخليج العربي الغنية بالنفط، وأطلقت أقسى نظام عقوبات اقتصادية في تاريخ منظمة الأمم المتحدة على العراق استمر أكثر من عشر سنوات، ومهّدت بشكل غير مباشر للانتفاضة الشعبية التي عمّت جنوب وشمال العراق في ربيع عام 1991 وما تلاها من قمع دموي ومناطق حظر جوي، فضلًا عن كونها أول حرب كبرى تُنقل أحداثها مباشرة وعلى الهواء عبر شبكات التلفزة الفضائية مثل سي إن إن إلى ملايين المشاهدين حول العالم، فأعادت تشكيل طريقة تعامل وسائل الإعلام العالمية مع تغطية النزاعات المسلحة.
| معلومات عامة | |
| الاسم الرسمي | حرب الخليج الثانية |
| أسماء أخرى | حرب تحرير الكويت؛ عملية عاصفة الصحراء؛ عملية درع الصحراء؛ أم المعارك (التسمية العراقية الرسمية) |
| التاريخ | 2 أغسطس 1990 – 28 فبراير 1991 (نحو سبعة أشهر، شملت 42 يومًا من العمليات القتالية الفعلية) |
| الموقع | دولة الكويت، جمهورية العراق، شمال شرق المملكة العربية السعودية، مياه الخليج العربي |
| السبب المباشر | الغزو العراقي لدولة الكويت في 2 أغسطس 1990 |
| النتيجة | انتصار التحالف الدولي؛ تحرير الكويت بالكامل؛ انسحاب القوات العراقية؛ فرض عقوبات دولية مشددة على العراق |
| الأطراف المتحاربة | |
| الطرف الأول | تحالف دولي من 34 دولة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ويضم بريطانيا وفرنسا والمملكة العربية السعودية ومصر وسوريا والكويت ودول الخليج وغيرها |
| الطرف الثاني | جمهورية العراق |
| القادة | |
| قيادة التحالف | الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب (القيادة السياسية)؛ الجنرال نورمان شوارزكوف (القائد الميداني للقوات الأمريكية)؛ الأمير خالد بن سلطان آل سعود (القائد المشترك لقوات الحلفاء العرب والإسلاميين) |
| قيادة العراق | الرئيس صدام حسين |
| القوى العسكرية | |
| قوات التحالف | نحو 959,600 جندي، يمثل الأمريكيون منهم حوالي 74% من إجمالي العدد |
| القوات العراقية | تقديرات متفاوتة تتراوح بين 350,000 و630,000 جندي؛ نحو 5,800 دبابة، 5,100 مدرعة، و3,850 قطعة مدفعية |
| الخسائر | |
| قتلى التحالف | نحو 300 قتيل، أغلبهم أمريكيون، بين قتلى معارك وحوادث وإصابات صديقة |
| قتلى العراق العسكريون | تقديرات متباينة بشدة تتراوح بين 8,000 و100,000 عسكري |
| ضحايا كويتيون | أكثر من 1,000 قتيل كويتي خلال سبعة أشهر من الاحتلال |
الخلفية والأسباب
الإرث الاقتصادي للحرب العراقية الإيرانية
شكّلت الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات بين 1980 و1988 الجذر الاقتصادي الأعمق للأزمة التي انفجرت في صيف 1990؛ فقد خرج العراق من تلك الحرب الطويلة والمستنزفة وهو يحمل عبئًا ماليًا هائلًا، حيث قدّر صندوق النقد الدولي حجم الديون العراقية المستحقة للكويت وحدها بنحو ستين مليار دولار، فضلًا عن ديون مماثلة لدول خليجية أخرى ولجهات دولية ساعدت بغداد خلال صراعها مع طهران
[1].
وعلى مدار عام 1989 بأكمله، حاول نظام صدام حسين بشكل متكرر إقناع الكويت التي قدّمت دعمًا ماليًا ولوجستيًا سخيًا للعراق طوال سنوات الحرب بأن تتنازل عن هذه الديون بالكامل، مستندًا في خطابه إلى فرضية أن الحرب العراقية الإيرانية كانت في جوهرها “دفاعًا عن البوابة الشرقية للوطن العربي” حمى دول الخليج بأسرها من هيمنة إيرانية محتملة، وأنه من غير المنطقي أن يُطالَب العراق بسداد فاتورة حربٍ خاضها بالأصل لحماية جيرانه
[3].
غير أن هذه الحجة لم تجد آذانًا مصغية في الكويت، التي تمسّكت بموقفها التقليدي القائم على الفصل الصارم بين المساعدات المالية التي قدّمتها بصفتها قروضًا ثنائية وبين أي التزامات سياسية مفتوحة تجاه بغداد، وهو ما أثار استياءً متصاعدًا في الدائرة المقربة من الرئيس العراقي اعتبرته نوعًا من “نكران الجميل” في وقت كان فيه الاقتصاد العراقي يترنح تحت وطأة الديون الخارجية وتراجع أسعار النفط وضرورة إعادة بناء بنية تحتية مدمرة بالكامل.
الخلاف النفطي وسياسة أوبك
تفاقمت الأزمة الاقتصادية العراقية بشكل حاد بفعل الانهيار الحاد في أسعار النفط العالمية خلال الفترة التي سبقت الغزو مباشرة، وهو انخفاض حمّله صدام حسين بشكل مباشر للكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة، متهمًا الدولتين بتجاوز حصصهما الإنتاجية المتفق عليها داخل منظمة أوبك وإغراق السوق العالمية بكميات إضافية من النفط بهدف، على حد وصفه، خنق الاقتصاد العراقي. وفي اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية عُقد في بغداد في مايو 1990، اتهم الرئيس العراقي الكويت صراحةً بـ”سرقة” النفط من حقل الرميلة الحدودي المشترك عبر تقنية الحفر المائل، مؤكدًا أن هذا الإنتاج الزائد كان يكلّف خزينة بلاده وحدها أربعة عشر مليار دولار سنويًا بسبب انخفاض الأسعار
[1].
وفي محاولة لنزع فتيل التوتر، وافقت الكويت والإمارات في 26 يوليو 1990، قبل أيام قليلة فقط من الغزو، على خفض إنتاجهما النفطي ضمن تسوية رعتها أوبك، إلا أن هذا التنازل المتأخر لم يكن كافيًا لتهدئة الموقف العراقي الذي كان قد تجاوز عمليًا أُطر التفاوض الاقتصادي البحت نحو مطالب سياسية وإقليمية أوسع، وهو ما يكشف أن الخلاف النفطي، على أهميته، لم يكن سوى أحد عوامل أزمة أعمق ومتعددة الأبعاد تراكمت طوال عام 1990 بأكمله.
المطالب الإقليمية والاجتماع الفاشل في جدة
إلى جانب الخلافات الاقتصادية والنفطية، أحيا النظام العراقي بشكل غير مباشر مطالب إقليمية وحدودية قديمة تعود جذورها إلى نزاعات الحدود بين البلدين منذ مطلع القرن العشرين، حين كانت الكويت تُعد قضائيًا تابعًا لولاية البصرة العثمانية قبل أن يُرسَّم أول حدود رسمية لها بموجب الاتفاقية الأنجلو-عثمانية لعام 1913، وهي ترسيمات اعترف بها العراق نفسه رسميًا في أكتوبر 1963
[1].
ومع ذلك، طالب صدام حسين خلال مفاوضاته مع الكويت في الأسابيع التي سبقت الغزو بتأجير جزيرتي وربة وبوبيان الكويتيتين الاستراتيجيتين الواقعتين عند مدخل ميناء أم قصر العراقي، فضلًا عن مطالبته دول الخليج بمنحة مالية مباشرة قدرها عشرة مليارات دولار، في مزيج من المطالب الاقتصادية والاستراتيجية التي تجاوزت ما كانت الكويت مستعدة لتقديمه. وفي آخر أيام يوليو 1990، عُقد اجتماع أخير في مدينة جدة السعودية بين وفد كويتي برئاسة ولي العهد الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح ووفد عراقي برئاسة عزة إبراهيم الدوري، وانتهى الاجتماع دون أي تقدم يُذكر، إذ تمسك الجانب العراقي بمطالبه فيما رفض الجانب الكويتي تقديم أي تنازلات إضافية تتجاوز ما كان قد عُرض سابقًا، وهو الفشل الدبلوماسي الذي مهّد الطريق مباشرة أمام القرار العراقي بالحسم العسكري بعد أيام قليلة فقط.
الغزو العراقي للكويت
في الساعات الأولى من فجر الخميس 2 أغسطس 1990، شنّت القوات العراقية هجومًا مباغتًا وسريعًا على الكويت عبر أربعة محاور رئيسية، بمشاركة قوات تقدّرها مصادر مختلفة بما يتراوح بين عشرين ألفًا ومائة ألف جندي مدعومين بنحو 300 دبابة من فرق النخبة في الحرس الجمهوري العراقي، فيما استيقظ الكويتيون ليجدوا بلادهم محاصرة بالكامل خلال ساعات قليلة من بدء العملية
[4].
ونظرًا للتفاوت الهائل في موازين القوى العسكرية بين الجارتين، لم تتمكن القوات الكويتية الصغيرة نسبيًا من الصمود سوى ساعات معدودة قبل أن يسيطر الجيش العراقي على معظم أراضي البلاد، بينما فرّ أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح وأركان الحكومة وعدد كبير من العائلات الكويتية إلى المملكة العربية السعودية المجاورة، تاركين خلفهم بلدًا بأكمله تحت الاحتلال. وفي خطوة استعراضية، أعلن النظام العراقي عقب الغزو بساعات قليلة تشكيل “حكومة كويتية مؤقتة” برئاسة العقيد علاء حسين علي، زعم الإعلام العراقي الرسمي أنها نتاج “انقلاب عسكري داخلي” أطاح بالأسرة الحاكمة، إلا أن هذه الحكومة الصورية لم تدم سوى أربعة أيام قبل أن يُعلن عن “حلّها لنفسها” وطلبها الانضمام الرسمي إلى العراق، فأصدرت بغداد في 8 أغسطس 1990 قرارًا بضم الكويت بالكامل واعتبارها “المحافظة التاسعة عشرة” من محافظات الجمهورية العراقية، في خطوة لم تحظَ بأي اعتراف دولي وأثارت موجة استنكار عالمية فورية وواسعة النطاق.
الاستجابة الدولية وحشد التحالف
قرارات مجلس الأمن
لم تتأخر الاستجابة الدولية للغزو، فبعد ساعات قليلة فقط من بدء العملية العسكرية العراقية، طالبت الكويت والولايات المتحدة بعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، الذي أصدر في اليوم نفسه قراره رقم 660 شاجبًا الغزو ومطالبًا العراق بالانسحاب الفوري وغير المشروط من الأراضي الكويتية
[1].
وفي 3 أغسطس عقدت جامعة الدول العربية اجتماعًا طارئًا اتخذت فيه موقفًا مشابهًا رغم انقسام واضح بين الدول الأعضاء، ثم أصدر مجلس الأمن في 6 أغسطس قراره رقم 661 الذي فرض حصارًا اقتصاديًا شاملًا على العراق وُصف بأنه من أقسى العقوبات في تاريخ المنظمة الدولية بأكمله
[5].
وفي ظل تصاعد الحشود العسكرية وفشل كل المحاولات الدبلوماسية، تبنّى مجلس الأمن في 29 نوفمبر 1990 قراره الأكثر حسمًا، رقم 678، الذي حدد يوم 15 يناير 1991 موعدًا نهائيًا للانسحاب العراقي وأجاز لقوات التحالف “استعمال كل الوسائل الضرورية” بما فيها القوة العسكرية لتطبيق القرار 660 في حال عدم الامتثال، وهو ما منح العملية العسكرية اللاحقة غطاءً قانونيًا دوليًا غير مسبوق في وضوحه.
تشكيل التحالف الدولي وعملية درع الصحراء
في موازاة المسار الأممي، انطلقت منذ أوائل أغسطس 1990 عملية حشد عسكري ضخمة عُرفت بـ”عملية درع الصحراء”، حيث بدأت الولايات المتحدة بنقل قواتها إلى الأراضي السعودية بناءً على طلب الرياض التي شعرت بتهديد مباشر لأمنها القومي بعد سقوط الكويت، وانضمت إليها تدريجيًا قوات من أكثر من ثلاثين دولة لتشكيل تحالف عسكري متعدد الجنسيات بلغ تعداده الإجمالي في نهاية المطاف 959,600 جنديًا، يمثل الأمريكيون منهم وحدهم نحو 74% من إجمالي العدد
[2].
وعلى الصعيد العربي، أحدث القرار العراقي بالغزو انقسامًا عميقًا وحادًا في صفوف الجامعة العربية لم تشهده المنطقة منذ سنوات طويلة؛ فبينما انضمت مصر وسوريا والمملكة العربية السعودية ودول الخليج إلى التحالف بقوات قتالية فعلية، اتخذت الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية واليمن مواقف متعاطفة مع بغداد أو محايدة رفضت التدخل العسكري الخارجي، في مشهد عكس حجم التصدعات السياسية والإيديولوجية التي كانت تعتمل في النظام العربي. وداخل الولايات المتحدة نفسها، لم يكن قرار خوض الحرب محسومًا بسهولة، فقد صوّت مجلس الشيوخ الأمريكي في 21 يناير 1991 على تفويض استخدام القوة العسكرية بفارق ضئيل نسبيًا، بموافقة 52 عضوًا ورفض 47، وهو ما يعكس حجم الجدل الداخلي الذي صاحب التوجه نحو حرب واسعة النطاق في منطقة بعيدة جغرافيًا
[6].
الحملة الجوية: عملية عاصفة الصحراء
بعد يوم واحد فقط من انتهاء المهلة النهائية التي حددها مجلس الأمن، شنّت قوات التحالف في فجر 17 يناير 1991 حملة جوية ضخمة ومكثفة شملت العراق كله من شماله إلى جنوبه، نفذت خلالها ما يقارب 109,867 غارة جوية على مدى 43 يومًا بمعدل وسطي بلغ 2,555 غارة يوميًا، واستخدمت فيها نحو 88,500 طن من القنابل التقليدية والقنابل الذكية والقنابل العنقودية وصواريخ كروز الموجهة بدقة، وهو ما أدى إلى تدمير واسع النطاق للبنية التحتية العسكرية والمدنية العراقية على حد سواء
[7].
وفي اليوم نفسه الذي بدأ فيه القصف، خرج الرئيس صدام حسين عبر شبكة الإذاعة العراقية الرسمية بخطاب موجّه إلى قواته وشعبه، أعلن فيه بدء ما أسماه “أم المعارك”، في عبارة استحضرت رمزية دينية وقومية في آنٍ واحد:
أم المعارك قد بدأت.
— الرئيس العراقي صدام حسين، خطاب إذاعي، 17 يناير 1991
وقد أثبتت الحملة الجوية للتحالف فعالية ساحقة من الناحية العسكرية البحتة، حيث شلّت في غضون أيام قليلة منظومة الدفاع الجوي العراقية بأكملها وانخفض معدل الطلعات الجوية اليومية للسلاح الجوي العراقي من مستوى ما قبل الحرب البالغ نحو مائتي طلعة يوميًا إلى ما يقارب الصفر بحلول يوم 17 يناير نفسه
[8].
وفي المقابل، حاول العراق توسيع نطاق الصراع جغرافيًا وسياسيًا بإطلاق صواريخ “سكود” أرض-أرض بعيدة المدى على أهداف خارج مسرح العمليات المباشر، فأطلق 43 صاروخًا على المملكة العربية السعودية وعددًا مماثلًا تقريبًا على إسرائيل في محاولة واضحة لاستفزاز رد عسكري إسرائيلي كان من شأنه أن يُحرج الدول العربية المشاركة في التحالف ويهدد بانفراط عقده، إلا أن إسرائيل، بضغط أمريكي مباشر، التزمت بضبط النفس ولم ترد عسكريًا، بينما تولت بطاريات صواريخ “باتريوت” الأمريكية المنتشرة في السعودية والبحرين مهمة اعتراض الصواريخ العراقية، فاعترضت نحو عشرين من أصل ثلاثة وأربعين صاروخًا سكود استهدفت المملكة، أدت ضرباتها غير المعترضة إلى سقوط ثمانية وعشرين قتيلًا
[1].
معركة الخفجي
في ليلة 29 إلى 30 يناير 1991، وبعد نحو أسبوعين من بدء عاصفة الصحراء، فجّر العراق ما اعتُبر في حينه أكبر مفاجأة تكتيكية ثانية بعد ضربات سكود، حين شنّت وحداته البرية هجومًا مباغتًا عبر الحدود السعودية واستطاعت السيطرة بشكل سريع على بلدة الخفجي الساحلية الواقعة في أقصى شمال شرق المملكة العربية السعودية على مقربة من الحدود الكويتية
[9].
وقد رأى بعض المؤرخين العسكريين أن الهدف العراقي من العملية لم يكن تحقيق كسب استراتيجي حقيقي بقدر ما كان محاولة لاستدراج قوات التحالف إلى معركة برية مبكرة يحقق فيها العراق نصرًا دعائيًا ومعنويًا يخفف الضغط النفسي الهائل الذي تسببت فيه أسابيع القصف الجوي المتواصل على المنشآت الحيوية والقوات العراقية المتمركزة على طول الحدود. إلا أن غياب الغطاء الجوي عن القوات العراقية المتقدمة جعلها هدفًا سهلًا لطائرات التحالف التي شنت ضربات جوية كثيفة ومتكررة على طول الطريق المؤدي إلى المدينة، فتمكنت القوات السعودية والقطرية بدعم أمريكي من استعادة السيطرة الكاملة على الخفجي في غضون نحو ست وثلاثين ساعة فقط من بدء الهجوم العراقي. ورغم أن المعركة شكّلت في ظاهرها أول اشتباك بري مباشر بين الجانبين وقدّمت نموذجًا حديثًا واضحًا على القدرة الهائلة للقوة الجوية في دعم العمليات البرية، فإنها أسفرت أيضًا عن خسائر بشرية لافتة في صفوف التحالف، حيث شكّلت قتلى هذه المعركة نحو نصف إجمالي القتلى الأمريكيين الذين سقطوا في الحرب بأكملها، وهو ما يعكس حجم الكثافة النارية التي شهدها هذا الاشتباك المحدود جغرافيًا.
الحرب البرية وتحرير الكويت
بعد أسابيع من الإنهاك المنهجي للقدرات العراقية عبر القصف الجوي، أطلقت قوات التحالف فجر 24 فبراير 1991 الهجوم البري الشامل عبر عدة جبهات متزامنة، شمل التفافًا واسعًا غربًا داخل الصحراء العراقية بالتوازي مع هجوم مباشر على المواقع العراقية المحصّنة غربي الكويت، وتوغلت القوات بسرعة كبيرة داخل الأراضي الكويتية وجنوب العراق في مواجهة دفاعات عراقية أُنهكت بالفعل ولم تعد قادرة على تنظيم مقاومة فعالة. وفي 25 فبراير، أي بعد يوم واحد فقط من بدء الهجوم البري، أعلن العراق رسميًا موافقته على كل شروط الانسحاب من الكويت، في إشارة واضحة إلى الانهيار السريع لقدرة جيشه على الصمود
[5].
وفي 26 فبراير، بدأ الجيش العراقي انسحابًا غير منظم من الكويت بعد أن أضرم النار عمدًا في حقول النفط الكويتية تطبيقًا لسياسة “الأرض المحروقة”، فتشكّل خط طويل من الدبابات والمدرعات وناقلات الجند تزاحم على طول الطريق الرئيسي الرابط بين الكويت والعراق، فكان هدفًا مكشوفًا تمامًا لطيران التحالف الذي قصف هذه الأرتال المتراصة بشكل متواصل، مدمرًا أكثر من 1,500 عربة عسكرية عراقية على هذا الطريق الذي عُرف لاحقًا بـ”طريق الموت”، رغم أن عدد الجنود العراقيين الذين قُتلوا فعليًا في هذه الضربة لم يتجاوز المئتين نظرًا لأن معظمهم تركوا عرباتهم ولاذوا بالفرار راجلين
[1].
وفي 27 فبراير، أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب رسميًا تحرير الكويت بعد مرور مائة ساعة فقط على بدء الحملة البرية، في خطاب موجز ومقتضب أعلن فيه:
الكويت أصبحت محررة، وأن الجيش العراقي قد هزم.
— الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، 27 فبراير 1991
وفي اليوم التالي مباشرة، 28 فبراير 1991، دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ الفعلي، لتُختتم بذلك المرحلة القتالية من الحرب رسميًا، قبل أن تُوضع شروط السلام النهائية بشكل قانوني ملزم في 3 أبريل 1991 عبر قرار مجلس الأمن رقم 687، الذي فرض على العراق وقفًا رسميًا ودائمًا لإطلاق النار، وألزمه بتدمير كل ما يحتفظ به من أسلحة الدمار الشامل النووية والبيولوجية والكيميائية وكل الصواريخ التي يتجاوز مداها 150 كيلومترًا، فضلًا عن إنشاء صندوق دولي خاص لتعويض المتضررين من الغزو والاحتلال، وهو الصندوق الذي ظل العراق يسدد مستحقاته المالية بموجبه حتى استكمل آخر دفعة منها رسميًا في عام 2022.
الكارثة البيئية والإنسانية
تركت الحرب وراءها واحدة من أكبر الكوارث البيئية في التاريخ الحديث، حين شرعت القوات العراقية المنسحبة بدءًا من الأسبوع الثالث من يناير 1991 في ضخ كميات هائلة من النفط الخام مباشرة في مياه الخليج العربي، فتشكّلت أكثر من 128 بقعة نفطية مترامية تسببت في أكبر حادث تسرب نفطي عرفه العالم حتى ذلك الحين، ألحق أضرارًا بيئية بحرية بالغة استمرت آثارها لسنوات طويلة لاحقة
[1].
وبالتوازي مع هذا التلوث البحري، نفّذت القوات العراقية المنسحبة سياسة أرض محروقة شاملة برية، فأشعلت النار عمدًا في أكثر من 727 بئرًا نفطيًا من إجمالي 1,080 بئرًا كويتيًا، ما أدى إلى فقدان نفط وغاز طبيعي تُقدّر قيمته بنحو 120 مليون دولار يوميًا، فضلًا عن تشكّل بحيرات نفطية ضخمة في الصحراء الكويتية وتفكك حاد في بنية التربة نتيجة الخنادق الدفاعية وحقول الألغام الأرضية المزروعة على نطاق واسع
[1].
أما على المستوى الإنساني داخل الكويت نفسها، فقد عاش السكان فترة احتلال استمرت سبعة أشهر كاملة تخللتها انتهاكات واسعة وعمليات نهب منظم للممتلكات العامة والخاصة، في حين تشكلت في المقابل شبكة من لجان المقاومة الشعبية المحلية تكفلت بمهام أساسية كجمع القمامة وتوزيع المياه والرعاية الصحية وسط انهيار شبه كامل للخدمات الحكومية الرسمية
[10].
وأسفر الاحتلال في نهاية المطاف عن سقوط أكثر من ألف قتيل كويتي، فيما بقيت قضية الأسرى والمفقودين الكويتيين الذين لم يُعرف مصيرهم حتى سنوات لاحقة من بعد انتهاء الحرب جرحًا نفسيًا وسياسيًا عميقًا لم يندمل بسهولة في الذاكرة الكويتية الجماعية، ووُصفت من قِبل مؤرخين كويتيين بأنها بقيت “نقطة سوداء” في تاريخ العلاقات بين البلدين لسنوات طويلة بعد التحرير
[4].
نتائج الحرب وتداعياتها
التداعيات على العراق
شكّلت هزيمة الحرب نقطة انكسار استراتيجي عميق للعراق، فقد ظل نظام العقوبات الاقتصادية الدولية المفروض بموجب القرار 661 وما تلاه من قرارات قائمًا ومشددًا لأكثر من اثني عشر عامًا متتاليًا، فانخفض الناتج الإجمالي العراقي إلى ما لا يزيد على ثلث مستواه السابق لعام 1991، بينما أدى الدمار الذي ألحقه القصف الجوي المستمر بمصافي النفط ومحطات توليد الكهرباء ومرافق تنقية المياه إلى تدهور حاد وممتد في جميع الخدمات الأساسية، الأمر الذي ترافق مع وفاة أكثر من مليون طفل عراقي دون سن الخامسة بحسب تقديرات متعددة، نتيجة سوء التغذية وتراجع الرعاية الصحية الناجمين عن استمرار الحصار
[5].
وفي أعقاب مباشر للهزيمة العسكرية الساحقة، انفجرت في مارس 1991 انتفاضة شعبية واسعة شملت محافظات الجنوب ذات الغالبية الشيعية وكذلك المناطق الكردية في الشمال، عُرفت إعلاميًا بـ”انتفاضة آذار”، استغل خلالها معارضو النظام حالة الانهيار العسكري والمعنوي لشن تحركات مسلحة ضد سلطة بغداد المركزية، إلا أن النظام العراقي تمكن من إعادة تجميع ما تبقى من قواته البرية وقمع هذه الانتفاضة بقسوة شديدة في غضون أسابيع قليلة، ما دفع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا إلى الإعلان من جانب واحد عن فرض مناطق حظر طيران فوق الجنوب الشيعي والشمال الكردي بدعوى حماية السكان المدنيين، وهي مناطق حظر استمرت قائمة لسنوات طويلة لاحقة دون أن تحظى صراحة بموافقة أممية رسمية
[11].
وبذلك دخل العراق في عزلة دولية شاملة وممتدة استمرت طوال عقد التسعينيات وما بعده، وضع خلالها الأساس السياسي والعسكري لمرحلة توتر طويلة مع الولايات المتحدة لم تنتهِ إلا بالغزو الأمريكي الكامل للعراق في عام 2003.
التداعيات على الكويت
بالنسبة للكويت، مثّل التحرير بداية لمسار طويل ومعقد من إعادة البناء الوطني، حيث عاد أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح رسميًا إلى وطنه في 14 مارس 1991 بعد أن قادت حكومته أعمالها مؤقتًا من المنفى السعودي طوال فترة الاحتلال
[5].
وتطلّبت عملية إخماد حرائق آبار النفط المئات التي أُشعلت أثناء الانسحاب العراقي تعبئة فرق دولية متخصصة من عدة دول استغرقت أشهرًا طويلة من العمل المتواصل قبل أن يُعلَن عن السيطرة الكاملة على آخر بئر مشتعلة في نوفمبر 1991، في عملية أعيد بناء البنية التحتية النفطية الكويتية خلالها بشكل شامل بفضل الموارد المالية الضخمة التي وفّرتها عائدات النفط بعد التحرير. ومع ذلك، ظلت قضية الأسرى الكويتيين والمفقودين الذين أُخذوا أثناء الاحتلال إلى العراق دون معرفة مصيرهم بشكل كامل تُشكّل جرحًا اجتماعيًا وسياسيًا مفتوحًا تطلّب سنوات طويلة من المساعي الدبلوماسية للتعامل معه جزئيًا، كما استمرت تسوية الملف المالي للتعويضات والديون المستحقة على العراق لصالح الكويت عبر صندوق الأمم المتحدة لسنوات طويلة، حتى سدّد العراق آخر دفعة من هذه التعويضات البالغة 52.4 مليار دولار في فبراير 2022، أي بعد أكثر من ثلاثين عامًا كاملة من انتهاء الغزو
[4].
التداعيات الإقليمية والدولية
على المستوى الإقليمي والدولي الأوسع، استثمر الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب نجاح الحملة العسكرية للتأسيس لرؤية سياسية طموحة وصفها بـ”النظام العالمي الجديد”، تقوم على فرضية أن انهيار الاتحاد السوفياتي المتزامن تقريبًا مع نهاية الحرب يفتح الباب أمام نظام دولي تقوده الولايات المتحدة بصفتها القوة العظمى الوحيدة المتبقية، قادرة على إعادة صياغة العلاقات الدولية وفق منطق التعاون الجماعي المؤسسي بدلًا من الاستقطاب الثنائي الذي ميّز الحرب الباردة
[12].
ومن الناحية العملية، رسّخت الحرب وجودًا عسكريًا أمريكيًا دائمًا وممتدًا في منطقة الخليج العربي استمر متناميًا طوال العقود اللاحقة، وأعادت تشكيل بنية التحالفات الأمنية الخليجية بشكل جوهري لصالح اعتماد أعمق على الحماية الأمريكية المباشرة، في حين تركت الانقسامات العربية التي فجّرتها الأزمة ندوبًا سياسية عميقة استمرت تتفاعل لسنوات طويلة لاحقة داخل النظام العربي. ومن زاوية أخرى، شكّلت هذه الحرب أول نزاع كبير تُغطّى أحداثه مباشرة وعلى الهواء عبر شبكات تلفزيونية فضائية عابرة للحدود مثل سي إن إن، وهو ما أحدث تحولًا جوهريًا في طريقة استهلاك الجماهير العالمية لأخبار الحرب وفي أدوات الدبلوماسية والدعاية العسكرية على حد سواء، ليصبح يُشار إليها لاحقًا في الدراسات الإعلامية بوصفها “أول حرب تلفزيونية” بالمعنى الحديث للمصطلح.
التصنيف
التاريخ ← الحروب والمعارك ← حرب الخليج الثانية
التاريخ ← تاريخ القارات ← تاريخ آسيا
التاريخ ← تاريخ القارات ← تاريخ الوطن العربي
التاريخ ← العصور التاريخية ← العصر المعاصر
التاريخ ← الوثائق التاريخية ← المواثيق الدولية