| استقلال الهند وباكستان 1947 | |
| معلومات عامة | |
| استقلال باكستان | 14 أغسطس 1947 م |
| استقلال الهند | 15 أغسطس 1947 م |
| مدة الاستعمار البريطاني | منذ 1858 م (الحكم المباشر للتاج) |
| الإطار القانوني | قانون استقلال الهند الصادر عن البرلمان البريطاني 18 يوليو 1947 |
| آخر نائب الملك | الأميرال لويس ماونتباتن |
| رئيس وزراء الهند الأول | جواهرلال نهرو |
| أول حاكم عام لباكستان | محمد علي جناح (قائد أعظم) |
| خط رادكليف والتقسيم | |
| راسم الحدود | المحامي البريطاني سيريل رادكليف |
| المدة المُعطاة للتقسيم | 5 أسابيع فقط (يوليو–أغسطس 1947) |
| إعلان الحدود | 17 أغسطس 1947 (بعد الاستقلال بيومين) |
| الإقليمان المُقسَّمان | البنجاب والبنغال |
| التداعيات البشرية | |
| المهجّرون | 12–20 مليون شخص [1] |
| الضحايا | 200,000 – 2,000,000 قتيل (تقديرات متباينة) [2] |
| النساء المختطفات | ما بين 75,000 و100,000 امرأة من الجانبين |
| وصف المؤرخين | أكبر هجرة جماعية في التاريخ الحديث |
| أبرز المحطات السابقة | |
| مجزرة أمريتسار | 13 أبريل 1919 (مقتل أكثر من 350 شخصًا) |
| مسيرة الملح | 12 مارس 1930 م |
| قرار لاهور (المطالبة بباكستان) | 23 مارس 1940 م |
| حركة اغرب منا | أغسطس 1942 م |
| اغتيال غاندي | 30 يناير 1948 م |
في منتصف ليلة الرابع عشر من أغسطس عام 1947 م، وبينما كانت باكستان تُعلن وجودها دولةً مستقلةً في كراتشي بحضور محمد علي جناح الذي أدّى القسم حاكمًا عامًا لها، كان جواهرلال نهرو على منصّة البرلمان الهندي في نيودلهي يُلقي خطابه التاريخي الخالد: “في منتصف الليل، حين ينام العالم، ستصحو الهند على الحرية والحياة”. وكانت من أبلغ فقراته:
“في منتصف الليل، حين ينام العالم، ستُوعى الهند إلى الحياة والحرية. إن لحظةً كهذه تأتي نادرًا في التاريخ، حين نخطو من القديم إلى الجديد، حين تنتهي حقبة وتبدأ حقبة أخرى، حين ينطق الزمن المحبوس في روح أمة منذ أمد بعيد.”
— جواهرلال نهرو، خطاب “موعد مع القدر”، 14–15 أغسطس 1947
كان هذا التحوّل التاريخي الكبير — ميلاد دولتين مستقلتين من رحم شبه القارة الهندية التي خضعت لحكم التاج البريطاني منذ عام 1858 م — من أكثر أحداث القرن العشرين تعقيدًا وتناقضًا في آنٍ معًا: فهو انتصار لحركات وطنية استثنائية عمرها عشرات السنوات، واحتفاء بنهاية أعظم إمبراطورية استعمارية عرفها التاريخ الحديث؛ غير أنه في الوقت ذاته كان أيضًا لحظة التقسيم الأكثر دموية في التاريخ الحديث، إذ تحوّل جنون “خط رادكليف” — الحدود التي رسمها محامٍ بريطاني لم يسبق له أن زار الهند قبل هذه المهمة في خمسة أسابيع — إلى بوابة عبرتها موجات من البشر تُعدّ بالملايين في كلا الاتجاهين وسط حمّام دماء لم تعرفه هجرة في تاريخ الإنسانية [3].
في هذه اللحظة وُلدت الهند الجمهورية العلمانية التعددية الديمقراطية التي قادها نهرو، ووُلدت باكستان — جناحان شرقي وغربي يفصل بينهما أكثر من ألف وستمئة كيلومتر من الأراضي الهندية — التي قادها جناح. وفي هذه اللحظة أيضًا، كان غاندي — أبو الحركة الوطنية وأشهر أوجه المقاومة السلمية في تاريخ البشرية — يعتزل منكسرًا في بنغال، رافضًا حضور الاحتفالات، لأن ما تحقّق بالتقسيم كان مناقضًا لرؤيته كل المناقضة. فبعد خمسة أشهر، اغتاله رصاص متعصب هندوسي رأى في تسامحه مع المسلمين خيانةً للهند.
شبه القارة الهندية تحت الهيمنة البريطانية
أولًا: من شركة الهند الشرقية إلى التاج المباشر
بدأت الهيمنة البريطانية على شبه القارة الهندية تجارةً فاسحت طريقها تدريجيًا للسيطرة السياسية. فمنذ منتصف القرن السابع عشر، أرست شركة الهند الشرقية البريطانية (East India Company) مواطئ أقدامها على السواحل الهندية بذريعة الإدارة التجارية، ثم تحوّلت تدريجيًا إلى قوة سياسية وعسكرية تُخوض الحروب وتُوقع المعاهدات وتُدير الإقليم. وبعد الانتفاضة الكبرى عام 1857 م — التي يُسمّيها البريطانيون “تمرد السيبوي” فيما يُعدّها الهنود أول حرب استقلال — ألغت بريطانيا شركة الهند الشرقية وأعلنت الهند تاجًا ملكيًا مباشرًا عام 1858 م تحت سلطة نائب الملك، وبذلك بدأت “الهند البريطانية” (British Raj) بمعناها الرسمي الكامل [4].
كانت الهند الاستعمارية تجسّد المفارقة الكبرى للإمبراطورية البريطانية: هي “جوهرة التاج” التي احتجّت بريطانيا بحاجة إلى حمايتها لتبرير استعمار نصف العالم، وهي في الوقت ذاته الإقليم الذي مارست فيه بريطانيا من صور الهيمنة الاقتصادية والسياسية والثقافية ما جعل الهنود يُنتجون القطن الخام ويستوردونه قماشًا مصنّعًا بريطانيًا، يُجرَّدون من صناعاتهم التقليدية، ويخضعون لمنظومة قانونية طبقية تضع الأوروبيين فوق الهنود في كل مفصل من مفاصل الحياة.
ثانيًا: سياسة “فرّق تسُد” وبذور الانقسام الطائفي
يذهب كثير من المؤرخين إلى أن السياسة البريطانية المتعمّدة في استثمار التباينات الدينية والطائفية وتعميقها كانت أحد أبرز العوامل التي زرعت بذور الانقسام المستقبلي بين الهندوس والمسلمين. فمن خلال سياسة “فرّق تسُد” التي جرى تطبيقها رسميًا منذ إصلاحات مورلي-مينتو عام 1909 م، جُعلت الدوائر الانتخابية منفصلةً بحسب الطائفة: للمسلمين دوائرهم وللهندوس دوائرهم. وقد رسّخ هذا النظام هوياتٍ طائفيةً سياسية حدّةً لم تكن على تلك الدرجة من الحدة في الحياة الاجتماعية اليومية، إذ حوّل الانتماء الديني من شخصية روحية إلى هوية سياسية جماعية مُكرَّسة بقانون الدولة [5].
كذلك لجأت بريطانيا في أوقات القلاقل السياسية إلى تقوية الرابطة الإسلامية في مواجهة المؤتمر الوطني الهندي حين رأت في ذلك ضمانًا لتوازن القوى المنيع من الوحدة. وقد توضّحت هذه الاستراتيجية في دعم بريطانيا للرابطة الإسلامية إبان الحرب العالمية الثانية بوصفها موازنًا لحزب المؤتمر الذي كان في أوجه القوة والتنظيم. هكذا، أفضت الإدارة الاستعمارية إلى نتيجة بعيدة المدى: أنتجت قوميةً هندوسية وقوميةً مسلمة متوازيتين ومتنافستين في اللحظة التي يمكن فيها للاستعمار الرحيل.
الحركة الوطنية الهندية: من الإصلاح إلى الاستقلال
أولًا: الرابطة الإسلامية والمؤتمر الوطني
تأسّس المؤتمر الوطني الهندي (Indian National Congress) عام 1885 م كمنظمة سياسية تسعى أوّلًا إلى تعميق مشاركة الهنود في إدارة حكم بلادهم ضمن الإطار البريطاني، ثم تطوّرت مطالبه تدريجيًا نحو الحكم الذاتي (Dominion Status) فالاستقلال التام. وإلى جانبه، أُسِّست عام 1906 م الرابطة الإسلامية (Muslim League) التي نادت في البداية بحماية مصالح المسلمين ضمن الإطار الهندي الموحَّد، قبل أن تتحوّل في ثلاثينيات القرن العشرين إلى مطالبة بوطن مستقل للمسلمين. وبين الاثنتين جاءت شخصية غاندي لتُحدث تحوّلًا جذريًا في طبيعة الحركة الوطنية.
ثانيًا: غاندي وفلسفة المقاومة اللاعنفية
وُلد موهانداس كرامشاند غاندي في الثاني من أكتوبر عام 1869 م في بوربندار بإقليم غوجارات الهندي، لأسرة من الطبقة التجارية. درس القانون في لندن وعمل محاميًا في جنوب أفريقيا حيث خاض أولى تجاربه في الكفاح ضد التمييز العنصري ضد الهنود المقيمين هناك. وهناك صقّل فلسفته في المقاومة السلمية التي اختار لها اسمًا من السنسكريتية هو “ساتياغراها” (Satyagraha)، الذي يجمع بين معنيَي الحق والإمساك به: أي تحقيق الحق بالتمسّك به وتحمّل العواقب [6].
حين عاد غاندي إلى الهند عام 1914 م، تحوّل إلى الزعيم الوطني الأبرز خلال سنوات قليلة. استطاع ما لم يستطعه أحد قبله: أن يُحوّل النضال الوطني من حكر على النخبة المتعلمة والوسطى إلى حركة جماهيرية تعبّر عنها القرى الهندية في أعماقها. فرضت مقتلة أمريتسار عام 1919 م — حين فتح الجنرال ريجنالد داير النار على حشد من المحتجزين العُزّل داخل حديقة مغلقة مما راح ضحيتها أكثر من ثلاثمئة وخمسين شخصًا — تحوّلًا عميقًا في موقف غاندي: فأعلن القطيعة مع أي تعاون مع الإدارة البريطانية ودعا إلى المقاطعة الشاملة لمنتجاتها ومؤسساتها وقضائها وخدمتها المدنية [7].
أما أعظم مسيرة في تاريخ النضال السلمي على مستوى العالم فقد كانت “مسيرة الملح” (Salt March) عام 1930 م. كانت الحكومة البريطانية تفرض ضريبة على الملح وتحتكر إنتاجه، مما كان يُثقّل كاهل الفلاح الهندي الفقير. فأعلن غاندي رفضه لهذا الاحتكار وسار مشيًا على قدميه مع أتباعه مسافةً تبلغ مئتين وواحدًا وأربعين ميلًا من أشرمه إلى شاطئ البحر في دانده خلال ست وعشرين يومًا، حيث رفع كفّيه ملتقطًا ملح البحر في رمزية احتجاجية خلّدها التاريخ. أفضى هذا الفعل السلمي البسيط إلى موجة احتجاجية عارمة واعتُقل إثرها غاندي وستون ألف آخرون، في حين أن الصدى الدولي للحادثة زاد من عزلة بريطانيا أمام الرأي العام الغربي ذاته [8].
ثالثًا: محمد علي جناح ونظرية الأمتين
لا يُكشف الطريق إلى فهم تقسيم الهند دون التعمق في شخصية محمد علي جناح (1876–1948 م) وتحوّله السياسي العجيب. فهو الرجل الذي عُرف في شبابه ومطلع حياته السياسية بأنه “سفير الوحدة الهندوسية-الإسلامية” — وهو لقب ألصقته به سيدة هندية بارزة عام 1916 م — وكان يشترك في الرؤية مع غاندي ونهرو في وحدة شبه القارة. كان جناح محاميًا مثقفًا غربي الهوى، يرتدي بدلاته المفصّلة في لندن، ونادرًا ما يدخل المسجد، ومُجيدًا للإنجليزية أكثر من الأردية [9].
غير أن سلسلة من الأحداث السياسية في ثلاثينيات القرن العشرين دفعت جناح نحو موقف أكثر حدّة. ففي انتخابات عام 1937 م، حقّق حزب المؤتمر بزعامة غاندي ونهرو انتصارات ساحقة في معظم المقاطعات، وحين طالبت الرابطة الإسلامية بالمشاركة في ائتلاف حكومي في بعض المقاطعات ذات الأغلبية المختلطة، رفض المؤتمر ذلك. رأى جناح في هذا الرفض مؤشّرًا على أن الأغلبية الهندوسية لن تُحافظ على حقوق الأقليات المسلمة في هند مستقلة موحّدة. تعمّق موقفه المتشدد حتى أعلن في مؤتمر لاهور في الثالث والعشرين من مارس عام 1940 م — المعروف بـ”قرار لاهور” أو “قرار باكستان” — مطالبةً رسمية بإنشاء دولة مستقلة للمسلمين في المناطق ذات الأغلبية الإسلامية شمال غربي وشمال شرقي شبه القارة الهندية، وإن لم يُستخدم اسم “باكستان” رسميًا في نص القرار [10].
وقد نشأت بينه وبين غاندي عداوة شخصية متصاعدة: وصف نهرو جناح بأنه “أوضح مثال على انعدام العقل المتحضر”، فيما أطلق غاندي عليه “مجنونًا” و”عبقرية الشر”. كان التوتر بينهما يتصاعد حتى غدا حضورهما معًا في الغرفة ذاتها أمرًا يكاد يستحيل الترتيب له في الأربعينيات.
رابعًا: حركة “اغرب منا” والحرب العالمية
في أغسطس عام 1942 م، وبينما كانت ألمانيا تقتحم أوروبا واليابان تجتاح آسيا، أطلق غاندي حركة “اغرب منا” (Quit India Movement) مطالبًا بانسحاب بريطاني فوري وكامل من الهند. ردّت بريطانيا باعتقال غاندي ونهرو وآلاف القادة الوطنيين، ووصفت الحركة بأنها خيانة في لحظة الحرب الحرجة. غير أن الحركة أفضت إلى موجة من الانتفاضات الشعبية عبر الريف الهندي، وكشفت عن عجز الإدارة البريطانية عن احتواء الغضب الهندي المتصاعد. وحين انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1945 م ووجدت بريطانيا تحت حكومة حزب العمال مُنهكةً اقتصاديًا وغير راغبة في تحمّل تكلفة الحكم الاستعماري الذي أصبح يستنزفها أكثر مما يُدرّ، تبيّن أن التسوية التاريخية باتت وشيكة.
التقسيم: القرار الأكثر إلحاحًا والأقل استعدادًا
أولًا: ماونتباتن وتقليص الجدول الزمني
في فبراير عام 1947 م، أرسلت بريطانيا الأميرال لويس ماونتباتن نائبًا أخيرًا للملك في الهند بمهمة محددة: إدارة نقل السلطة بشكل منظّم قبل يونيو عام 1948 م. غير أن ماونتباتن — حين أدرك حجم التوترات الطائفية المتصاعدة وأعمال العنف الجماعي بين الطوائف في كل من البنجاب والبنغال — أخذ بخيار أذهل الجميع: ضغّط الجدول الزمني ضغطًا هائلًا وأعلن أن الاستقلال سيكون في الخامس عشر من أغسطس عام 1947 م، أي أقل من ستة أشهر من تاريخ إعلانه وليس ستة عشر شهرًا كما كان مُقررًا [11].
كان القرار ذا منطقين متعارضين: المنطق الأول أن الإسراع يُقلّص المدة التي يمكن أن تشهد فيها التوترات المتصاعدة انفجارًا شاملًا؛ والمنطق الثاني — الذي أثبتته الأحداث مؤلمًا — أن الإسراع لم يُتِح الوقت الكافي للتخطيط لنقل السكان أو توزيع الأصول أو رسم الحدود أو إعداد القوات لمنع أعمال العنف. وقد وصف المؤرخ البريطاني إان تالبوت هذا التسرّع بأنه “أزمة تخطيطية” أفضت إلى إعلان الحدود بعد الاستقلال بيومين.
ثانيًا: سيريل رادكليف — رجل رسم حدود أمتين
في يوليو عام 1947 م، وصل إلى الهند المحامي البريطاني سيريل رادكليف (1899–1977 م) الذي لم يسبق له قط أن زار الهند. اختاره البريطانيون بحجة مثيرة للتأمل: أن جهله بالهند يضمن “حياديته وعدم انحيازه”. أُعطي خمسة أسابيع لرسم حدود بين دولتين تضمان مئات الملايين من البشر، معتمدًا على بيانات إحصاء سكاني يعود لعام 1931 م — أي قبل ستة عشر عامًا — وخرائط غير دقيقة وتضاريس لم يزرها. أشرف على لجنتين: إحداهما للبنجاب والأخرى للبنغال، لكن الانقسامات الحادة بين ممثلي المؤتمر والرابطة الإسلامية في اللجنتين جعلا القرار النهائي يقع على عاتق رادكليف منفردًا [3].
كانت المهمة مستحيلة في طبيعتها: فالبنجاب والبنغال الإقليمان اللذان كان يجب تقسيمهما كانا يضمّان مجتمعات مختلطة دينيًا حيث القرية الواحدة قد تجمع هندوسًا وسيخًا ومسلمين يتشاركون الإرواء والسوق والطريق والمزرعة. رسم رادكليف خطًا اخترق قرى ومزارع وشبكات ري وسكك حديدية وعائلات بعينها، في عملية وصفها المؤرخون بـ”الجراحة المتسرّعة”. واللافت أنه غادر الهند قبل أن يُعلن عن قراراته، وأعطى أتعابه كاملةً إلى الجمعيات الخيرية، ولم يعد إليها قط. وحين سُئل لاحقًا عن تجربته قال: “لو عدت، لن يرحب بي أحد من الجانبين” [12].
أُعلن عن الحدود في السابع عشر من أغسطس عام 1947 م، أي بعد إعلان الاستقلال بيومين. كان هذا التأخير متعمّدًا: أراد ماونتباتن إحكام الاستقلال أوّلًا ثم إعلان الحدود، خشية أن تُثير المظالم الحدودية موجة جديدة من العنف تعيق الاحتفالات. بيد أن إعلان الحدود بعد الاستقلال أحدث ما كان يُراد تفاديه: إذ وجد الملايين أنفسهم فجأةً على الجانب “الخاطئ” من الحدود دون إنذار، في مشهد باتت فيه الفوضى حتمية.
ثالثًا: باكستان المزدوجة — التحدي الجغرافي
أفرز التقسيم نموذجًا جغرافيًا استثنائيًا لدولة في التاريخ الحديث: باكستان التي نشأت على جناحين منفصلين تفصل بينهما أكثر من ألف وستمئة كيلومتر من الأراضي الهندية — باكستان الغربية التي ضمّت كراتشي ولاهور وبيشاور إلى جانب إقليم البنجاب الغربي والسند وبلوشستان والمقاطعة الحدودية الشمالية الغربية، وباكستان الشرقية التي ضمّت الجزء الشرقي من البنغال حيث معظم سكان المسلمين في الشرق. وقد كان هذا الترتيب غير المسبوق جغرافيًا بذرةً لأزمات مستقبلية بلغت ذروتها عام 1971 م حين انفصلت باكستان الشرقية لتُصبح بنغلاديش المستقلة.
كارثة التهجير والعنف الطائفي
أولًا: الهجرة الكبرى — ملايين على الطرقات
فجّر إعلان الاستقلال والتقسيم موجةَ تهجير جماعي لا نظير لها في التاريخ الحديث. بين يوليو وديسمبر عام 1947 م، أي في أشهر قليلة، عبر ما بين اثني عشر وعشرين مليون شخص الحدود في كلا الاتجاهين: هندوس وسيخ يهربون نحو الهند، ومسلمون يهجرون أرضهم باتجاه باكستان. كانت موجة البشر هذه تسير في مجاري نهرية بشرية متعاكسة عبر البنجاب وبنغال في نفس الوقت، في صورة سيمفونية بشرية مؤلمة لم تُوثَّق قريبًا منها إلا في الأدب الروائي لأولئك الذين عاشوها أطفالًا [1].
كانت القطارات تمتلئ بالهاربين حتى الاختناق فوق الأسطح وعلى الأبواب وتحت المقاعد. وكان هذا التكدّس الإنساني يجعلها أهدافًا سهلة للمهاجمين من الضفة الأخرى الذين ينقضّون عليها في المحطات والأنفاق. دخلت مئات الرحلات المحطاتِ الأخيرة وهي تحمل جثث ركابها. يصف مؤرخان بارزان في هذا الشأن — إيان تالبوت وغورهارپال سينغ — الأهوال التي رافقت التقسيم: “ثمة روايات شهادة لا تُحصى عن التشويه والتمثيل بضحايا قُتلوا بأبشع الطرق، وعن أطفال ألقوا من فوق القطارات المتحركة وعن نساء مُنتهكات”.
ثانيًا: أعمال العنف الطائفي — دوّامة الثأر
تشير أدقّ التقديرات التاريخية إلى أن العنف الطائفي الذي أعقب التقسيم مباشرةً أودى بحياة ما بين مئتي ألف ومليوني شخص — التباين الهائل في هذه الأرقام يعكس الفوضى التوثيقية لتلك الحقبة وغياب الضبط المركزي في تتبّع الضحايا [2]. في البنجاب، اندلعت مجازر راوالبيندي في مارس 1947 م التي استهدفت الهندوس والسيخ بصورة رئيسية وحصدت بين ألفين وسبعة آلاف روح، قبل أن تتحوّل الدوّامة وتستهدف المسلمين بموجات ثأرية في الجانب الهندي.
كان كلا الطرفين يفعل الأفظع. وُثّقت جرائم إبادة قرى بأكملها من جانبَي الحدود، وعمليات اختطاف جماعي للنساء وتحويلهن إلى رمزٍ للنصر والهزيمة الطائفية. تُشير الأرقام إلى اختطاف ما بين خمسة وسبعين ألف ومئة ألف امرأة من الجانبين في عمليات تحوّلت فيها المرأة إلى معركة شرف طائفي جماعي. كان الجنرال البريطاني الذي عُيّن قائدًا لـ”قوة حدود البنجاب” المكوّنة من خمسة وخمسين ألف جندي قد أقرّ علنًا بأن هذه القوة كانت “صغيرة جدًا وغير كافية أمام الفوضى”، بمعنى أن الإدارة البريطانية دفعت الزناد ثم تركت البنادق تعمل وحيدة.
ثالثًا: الإرث النفسي — الجرح الذي لم يندمل
وصف المؤرخون الأحداث الإنسانية لتقسيم 1947 م بأنها “كارثة إنسانية حديثة لم تتلقَّ القدر الكافي من التضامن الدولي” — إذ لم تُنشَأ آنذاك أي هيئة دولية لرعاية اللاجئين على غرار ما أُسس لأوروبا في الوقت ذاته. وقد حمل الناجون من هذه الأحداث جروحهم معهم إلى أجيال لاحقة: الأطفال الذين وُلدوا في مخيمات اللاجئين على الجانبين، والعائلات التي انشقّت بين دولتين لم تحمل الحدود بينهما في البداية سوى الألم والحسرة. وتوجد في مكتبات جامعتَي لاهور ونيودلهي اليوم آلاف الشهادات الشفهية لناجين أو أحفاد ناجين، تصف هذه الجلسات المسجّلة بالدموع والصمت والكلمات المتقطعة ما لا يقبل التعبير الكامل.
شخصيات محورية في التاريخ
أولًا: المهاتما غاندي — الأب الرافض لولادة أبنائه
كانت اللحظة الأكثر تعقيدًا ودلالةً في حياة المهاتما غاندي هي لحظة الاستقلال ذاتها: فبينما كانت الهند تحتفل في الخامس عشر من أغسطس بما حلم به طوال عقوده الطويلة من الكفاح، كان غاندي في كلكتا يُصلّي ويصوم رافضًا حضور الاحتفالات. رأى غاندي أن التقسيم “كذبة” تتناقض مع كل ما ناضل من أجله: فقد كان يؤمن بهند موحّدة تتسع لكل أبنائها من هندوس ومسلمين وسيخ وبوذيين ومسيحيين. وقد صدم موقفه كثيرين في كلا الطرفين: الهندوس رأوا فيه تساهلًا مع المسلمين، والمسلمون رأوا في تمسّكه بالوحدة استنكارًا لباكستان [13].
في يناير عام 1948 م، انتقل غاندي إلى نيودلهي حيث أعلن صومًا حتى الموت إن لم تتوقف موجة العنف الطائفي، وفاءً بما وصفه بمهمة “إعادة التوحيد في القلوب”. انتهى صومه حين جاءه قادة من الطائفتين بتعهدات بالسلام. وفي الثلاثين من يناير عام 1948 م — أي بعد خمسة أشهر وأسبوعين فحسب من الاستقلال — كان غاندي في الثامنة والسبعين من عمره يمشي إلى حلقة صلاة مسائية في مقر بيرلا هاوس بنيودلهي، حين اقترب منه ناثورام غودسي — متطرف هندوسي كان يرى في غاندي خائنًا للهندوس بتعاطفه مع المسلمين — وأطلق عليه ثلاث رصاصات من مسافة قريبة. أشارت رواية شهود العيان إلى أن آخر ما نطق به غاندي كان “هيه راما” أي “يا الله”. وفي اليوم التالي، سار مليونان ونصف المليون شخص في موكب جنازته بين دهول الصمت المهيب [14].
ثانيًا: جواهرلال نهرو — مهندس الهند الديمقراطية
تولّى جواهرلال نهرو (1889–1964 م) قيادة الهند المستقلة رئيسًا للوزراء بقي في منصبه حتى وفاته عام 1964 م — إذ يُعدّ أطول رؤساء وزراء الهند حكمًا في التاريخ — ووضع فلسفةً ثلاثية الأبعاد لبناء الدولة الهندية: الديمقراطية البرلمانية، والعلمانية التي تحيّد الدولة عن الطوائف الدينية، واقتصاد مختلط يتدخّل فيه القطاع العام في المشاريع الكبرى. وبتوجيهه، تبنّت الهند دستورًا يُعدّ اليوم من أطول دساتير الدنيا وأكثرها تفصيلًا. أسّس حركة عدم الانحياز مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر والرئيس اليوغسلافي تيتو، وجعل من الهند قوّة دولية فاعلة في الحرب الباردة دون الانحياز لأيٍّ من المعسكرين.
ثالثًا: محمد علي جناح — قائد أعظم بلا وقت
كسب جناح رهانه الكبير في التأسيس لباكستان، غير أنه لم يُمهَل الوقت الكافي لتشييد صرحها. كان يُعاني من مرض السلّ سرًا طوال سنوات كفاحه الأخيرة — ظلّ يُخفيه عن الجمهور لأنه أدرك أن الكشف عنه كان سيُوهن موقفه التفاوضي — وتوفي بعد أقل من عام واحد من استقلال باكستان في الحادي عشر من سبتمبر عام 1948 م. لم يتمكّن من رؤية باكستان التي تخيّلها تكتمل، وترك وراءه صراعًا على القيادة وإرثًا سياسيًا متنازعًا حول طبيعة الدولة التي أراد تأسيسها: هل كان يريد دولةً إسلامية ثيوقراطية أم دولةً وطنية تضمن حرية الضمير لأبنائها مسلمين وغير مسلمين؟ يتشبّث كل فريق سياسي باكستاني بتفسيره الخاص للنية المبهمة للرجل الراحل.
كشمير: الجرح المفتوح إلى اليوم
في خضم تسوية التقسيم، كان على الإمارات الملكية المستقلة — التي كانت تضمّ ما يزيد على خمسمئة مقاطعة وإمارة تحت الهيمنة البريطانية غير المباشرة — أن تختار إلحاق نفسها بالهند أو بباكستان. كان معظمها أتمّ ذلك بسرعة نسبية بحسب الغالبية السكانية والموقع الجغرافي. غير أن إمارة كشمير جاءت استثناءً فجّر أزمة لم تُحسم حتى يومنا هذا: كانت الغالبية العظمى من سكانها مسلمين، لكن مهاراجاها (حاكمها الهندوسي) هاري سينغ كان متردّدًا بين الخيارين، بل راودته أحلام الاستقلال عنهما معًا [3].
في أكتوبر عام 1947 م، تدفّقت قبائل مسلحة من الأراضي الباكستانية الشمالية الغربية نحو كشمير، مما أجبر هاري سينغ على طلب العون العسكري الهندي. اشترط نهرو إلحاق كشمير بالهند قبل إرسال الجيش، فوقّع هاري سينغ وثيقة الإلحاق، وأُرسلت القوات الهندية جوًا. بدأت الحرب الهندية الباكستانية الأولى التي انتهت بوقف إطلاق نار تفاوضته الأمم المتحدة عام 1948 م، وأبقت الإقليم مقسّمًا بين خط وقف إطلاق النار (الذي يُعرف الآن بـ”خط التحكم”) على حاله من غير حسم. خاضت الدولتان من بعدها حربًا أخرى في 1965 م ومواجهة عسكرية ساخنة في كارغيل عام 1999 م. ولا يزال الملف مفتوحًا، تُثيره المصادمات على الحدود والنزاعات الدبلوماسية وتحريكات الديناميكيات النووية، إذ كلا البلدين أعلنا امتلاكهما أسلحة نووية منذ عام 1998 م.
الإرث التاريخي والتداعيات بعيدة المدى
أولًا: الهند — نموذج الديمقراطية في العالم النامي
أسّست الهند المستقلة نموذجًا سياسيًا مثّل إلهامًا وإشكالية في آنٍ معًا. فقد نجحت في إجراء انتخابات ديمقراطية متواصلة منذ عام 1951 م — بما في ذلك انتقال سلمي للسلطة بين الأحزاب الكبرى — وهو إنجاز استثنائي لم يتحقق في كثير من الدول التي نالت استقلالها في المرحلة ذاتها. بيد أن الاستقرار الديمقراطي الشكلي رافقه احتقان اجتماعي دائم: الصراع بين العلمانية والقومية الهندوسية، ومسألة الطوائف والإثنيات المتعددة، والاتساع الهائل في التفاوت الاقتصادي. ولا يزال مشروع نهرو العلماني تحت اختبار سياسي متجدد في ضوء صعود القومية الهندوسية في العقود الأخيرة.
ثانيًا: باكستان — في البحث عن هوية الدولة
عاشت باكستان منذ استقلالها صراعًا دائمًا بين نموذجَي الدولة اللذين يُجسّدان وجهَي إرث جناح: الدولة الإسلامية الدينية والدولة الوطنية التعددية. فمنذ الانقلاب العسكري الأول عام 1958 م تعاقبت أنظمة عسكرية ومدنية بصورة متقطعة لم تُرسَّخ معها قواعد المؤسسات الديمقراطية. وقد أفضت الأزمة مع باكستان الشرقية عام 1971 م — التي طالب سكانها المسلمون البنغاليون الغالبيةً بالاعتراف بالتمثيل الشرعي — إلى أسوأ أزمة وجودية واجهتها باكستان حين تدخّل الجيش الهندي وأُعلن قيام بنغلاديش المستقلة. أعاد هذا الحدث بقوة السؤال: ألا يكفي الإسلام وحده لبناء وحدة الدولة؟
ثالثًا: استقلال الهند الأثر العالمي
تجاوز أثر استقلال الهند وباكستان حدود شبه القارة الهندية ليُحدث أثرًا عالميًا واسعًا. فقد كانت الهند “جوهرة التاج البريطاني” بامتياز، واستقلالها كان أوضح إشارة على أن نهاية الإمبراطورية البريطانية باتت حقيقة لا عودة عنها، فتسارعت موجة الاستقلالات في آسيا وأفريقيا بصورة لم تكن لتحدث بالسرعة ذاتها لولا الانسحاب من الهند. وقد أقرّ المؤرخ البريطاني برنارد بورتر بأن استقلال الهند كان “الضربة القاضية للإمبريالية الغربية في العالم”. كذلك أثبتت فلسفة غاندي اللاعنفية أنها إرث فاق حدود الهند والزمن: أخذ منها مارتن لوثر كينغ في حركة الحقوق المدنية الأمريكية منهجه الأصيل، واستلهمها نيلسون مانديلا في كفاحه ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا [6].
وفي الختام، يبقى استقلال الهند وباكستان درسًا تاريخيًا مزدوجًا: هو نموذج على انتصار الإرادة الشعبية والنضال السلمي في مواجهة القوة الاستعمارية الهائلة؛ وهو في الوقت ذاته تحذير صارخ من مخاطر التسرّع في التقسيم الديموغرافي حين تنتصر الهويات الطائفية على الإنسانية المشتركة. وبين هذين القطبين — قطب الانتصار وقطب التراجيديا — يُستحضر هذا الحدث في أدبيات التاريخ المعاصر وعلم السياسة المقارن والنقاشات الأخلاقية حول استعمار وإنهاء الاستعمار في الفكر الإنساني الراهن.