🔍
اضغط Esc للإغلاق  •  Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية Uncategorized الأديان والفلسفة الاقتصاد التاريخ التاریخ الإسلامی التكنولوجيا الجغرافيا الرياضة
الرئيسية / التاريخ / حركة عدم الانحياز
التاريخ

حركة عدم الانحياز

👁 3 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 4/8/2026 ✏️ 4/8/2026
100%

حركة عدم الانحياز (بالإنجليزية: Non-Aligned Movement، اختصاراً: NAM) منظمةٌ دوليةٌ حكوميةٌ تضمّ مئةً وواحداً وعشرين دولةً نامية وحديثة الاستقلال، نشأت في خضمّ الحرب الباردة بوصفها خياراً ثالثاً رافضاً للانسياق نحو أيٍّ من القطبَين المتصارعَين: الكتلة الغربية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، والكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفيتي.[1] ترتكز الحركة فكرياً على مبادئ السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ومناهضة الاستعمار ورفض القواعد العسكرية الأجنبية وصون حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهي مبادئ نضجت في مؤتمر باندونغ الآسيوي الأفريقي عام 1955م قبل أن تتجسّد في منظومة مؤسسية رسمية في مؤتمر بلغراد عام 1961م.[2] أسّست الحركةَ خمسةُ زعماء تاريخيين باتوا يُعرفون بـ«مبادرة الخمسة»: يوسيب بروز تيتو من يوغوسلافيا، وجمال عبد الناصر من مصر، وجواهر لال نهرو من الهند، وكوامي نكروما من غانا، وسوكارنو من إندونيسيا. ونمت الحركة نمواً لافتاً من ثمانٍ وعشرين دولةً في مؤتمر بلغراد التأسيسي إلى ستٍّ وتسعين دولةً عام 1979م، بما جعلها تمثّل حينئذٍ أكثر من نصف أعضاء الأمم المتحدة، وتحتضن نحو خمسةٍ وخمسين بالمئة من سكان العالم. وعلى الرغم من تراجع دورها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م وانحسار ثنائية القطبين التي كانت المبرّر الوجودي لقيامها، تواصل الحركة انعقادَ قممها وإعلانَ مواقفها من قضايا العالم النامي كتغيّر المناخ والتنمية الاقتصادية والقضية الفلسطينية.[3]

حركة عدم الانحياز
الاسم الرسمي حركة عدم الانحياز (Non-Aligned Movement — NAM)
التأسيس الرسمي سبتمبر 1961م — مؤتمر بلغراد، يوغوسلافيا
البذرة الأولى مؤتمر باندونغ — أبريل 1955م، إندونيسيا
عدد الأعضاء 121 دولة (2024م)
نسبة من الأمم المتحدة نحو ثلثَي أعضاء المنظمة الدولية
نسبة سكان العالم 55% من سكان العالم
الآباء المؤسسون «مبادرة الخمسة»
يوغوسلافيا يوسيب بروز تيتو (1892–1980م)
مصر جمال عبد الناصر (1918–1970م)
الهند جواهر لال نهرو (1889–1964م)
غانا كوامي نكروما (1909–1972م)
إندونيسيا سوكارنو (1901–1970م)
القمم الرئيسية
القمة الأولى بلغراد 1961م — 28 دولة
القمة الثانية القاهرة 1964م — 47 دولة
القمة السادسة هافانا 1979م — 95 دولة
القمة السابعة عشرة كراكاس 2016م
القمة التاسعة عشرة كمبالا، أوغندا، يناير 2024م
الرئاسة الحالية أوغندا (2024–2027م)
COSMALORE · الموسوعة العربية

السياق التاريخي: الحرب الباردة وثنائية القطبين

لا يمكن استيعاب حركة عدم الانحياز بمعزل عن اللحظة التاريخية الاستثنائية التي ولدت في رحمها: عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية المنقسم إلى كتلتين عسكريتين متناحرتَين. فعلى أنقاض النظام الكولونيالي الأوروبي المتهاوي، أفرزت الحرب قطباً غربياً بزعامة الولايات المتحدة يضمّ تحالف حلف الناتو (1949م)، وقطباً شرقياً بقيادة الاتحاد السوفيتي تنتظم داخله دول حلف وارسو (1955م). وكانت كل قوة عظمى تسعى بأساليب شتى إلى استقطاب الدول الحديثة الاستقلال في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية نحو مدارها، سواء بالمساعدات الاقتصادية أو التدخلات العسكرية أو الضغوط الدبلوماسية. وجد قادة دول الجنوب الناهض أنفسهم أمام معضلة حضارية وجودية: الاصطفاف مع هذا القطب أو ذاك يعني إعادة إنتاج منطق التبعية والوصاية الذي عانوه في عهد الاستعمار، ويُقيّد قدرتهم على صياغة سياساتهم الخارجية والداخلية بحرية فعلية.[4] في هذا المناخ، وُلدت فكرة «عدم الانحياز» باعتبارها رفضاً مبدئياً لمنطق الكتل الذي يختزل تعقيد المصالح الوطنية في خانة ثنائية مُبسِّطة. وكان للموروث الاستعماري الطويل دورٌ جوهري في تشكيل هذا الموقف الجمعي؛ إذ جمع قادةَ الجنوب شعورٌ مشترك بأن القوى الغربية لم تتخلَّ فعلياً عن نظرتها التوصائية، وأن الكتلة الشرقية بدورها لا تستثني استغلال التطلعات التحررية لخدمة مصالحها الاستراتيجية. وقد شكّل هذا الوعي المشترك الأرضية الأيديولوجية العميقة لحركة عدم الانحياز قبل أن تتبلور في هياكل مؤسسية رسمية.

مؤتمر باندونغ 1955م: البذرة الأولى

في الفترة الممتدة من الثامن عشر إلى الرابع والعشرين من أبريل 1955م، اجتمع في مدينة باندونغ الإندونيسية ممثلو تسعة وعشرين دولةً آسيويةً وأفريقيةً في مؤتمر تاريخي استثنائي، كان في حدّ ذاته حدثاً رمزياً فارقاً: أول مرة في التاريخ الحديث تجتمع فيه أمم الجنوب لتتداول شؤونها باستقلالية تامة دون وصاية القوى الكبرى.[5] ترأّس المؤتمرَ الرئيس الإندونيسي سوكارنو، وكان بين المشاركين جواهر لال نهرو وجمال عبد الناصر وكوامي نكروما وتشو إن لاي ممثّلاً للصين الشعبية ونروم سينهانوك من كمبوديا وهو شي منه من فيتنام، وغيرهم من الزعماء الذين سيُشكّلون وجه العالم في العقود اللاحقة. أسفر المؤتمر عن إعلانٍ ختامي يضمّ عشرة مبادئ باتت تُعرف بـ«داسا سيلا باندونغ» (Dasasila Bandung) أو «مبادئ باندونغ العشرة»، شملت: احترام السيادة والوحدة الإقليمية لجميع الدول، والمساواة بين جميع الأجناس والأمم، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وحق كل أمة في الدفاع عن نفسها منفردةً أو جماعياً وفق مقتضيات ميثاق الأمم المتحدة، والامتناع عن الانخراط في تدابير الدفاع الجماعي التي تخدم مصالح القوى الكبرى تحديداً، وتسوية النزاعات الدولية بالوسائل السلمية.[6] كانت هذه المبادئ في جوهرها تنضيجاً وتوسيعاً لمبدأ «بانشيل» الخمسة الذي صاغه نهرو وتشو إن لاي في علاقات الهند والصين عام 1954م، والقائم على الاحترام المتبادل وعدم الاعتداء وعدم التدخل والمساواة والتعايش السلمي. وقد شكّلت مبادئ باندونغ الركيزة الأيديولوجية التي ستقوم عليها حركة عدم الانحياز الرسمية بعد ست سنوات، وأعطت دول الجنوب لأول مرة ثقةً بأنها قادرة على التعاون بشروطها الخاصة لا بشروط القوى الكبرى.

الآباء المؤسسون وفلسفة الحركة

يوسيب بروز تيتو والاستقلالية اليوغوسلافية

ربما كان تيتو أكثر مؤسسي الحركة إدهاشاً لكونه حاكم دولة اشتراكية في شرق أوروبا — وهي بيئة يبدو فيها «عدم الانحياز» أمراً مستغرباً — لكنّ سياقه كان فريداً. فقد أخرجت يوغوسلافيا نفسها من الفلك السوفيتي عام 1948م حين رفض تيتو استسلام بلاده لإملاءات ستالين، فصدر بحقه قرار الطرد من الكومنفورم في ما عُرف تاريخياً بـ«الشقاق اليوغوسلافي-السوفيتي» أو «التيتوية». وجد تيتو نفسه في وضع استراتيجي حرج: لم يرغب في الانضواء تحت الجناح الأمريكي الذي لا يثق به هو الآخر، فاستشف في حركة عدم الانحياز فرصةً لإبراز يوغوسلافيا في دور قيادي على المسرح الدولي وتحصينها من الضغطَين معاً.[7] وفي عام 1960م، وجّه تيتو دعوةً رسمية من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى جميع الدول غير المنتسبة إلى الناتو أو حلف وارسو للاجتماع في مؤتمر للـ«محايدين»، معلناً استعداد يوغوسلافيا لاستضافته في بلغراد. وقد أمضى تيتو سنوات صياغة تحالفاته مع نهرو وناصر في اجتماعات طاولة جزر بريوني عام 1956م، حيث تبلورت ملامح المشروع الذي تحوّل إلى مؤتمر 1961م.

جواهر لال نهرو والمفهوم الفلسفي لعدم الانحياز

قدّم نهرو للحركة بُعدها الفلسفي الأعمق، وأطّر مفهوم «عدم الانحياز» على أنه موقف أخلاقي وسياسي قبل أن يكون تكتيكاً دبلوماسياً. لم يكن نهرو يرى في عدم الانحياز موقفاً محايداً يعني التهرّب من الالتزام؛ بل رأى فيه التزاماً بمبدأ أرفع من الانحيازات الآنية القائمة على التوازن العسكري، وهو مبدأ مصالح الشعوب الضعيفة وحق البشرية في السلام وضرورة نزع التسلح والتعاون الدولي. كانت الهند المستقلة حديثاً تحمل ثقلاً تاريخياً وسكانياً ورمزياً جعل منها ثقلاً جاذباً في الحركة، وقد استمدّ نهرو من المعاناة الهندية الطويلة تحت الاستعمار البريطاني مشروعيةَ خطابه المناهض للتبعية بكل أشكالها. وعلى مستوى السياسة العملية، حافظت الهند في عهد نهرو على علاقات مع القطبين معاً، مستقطبةً أحياناً المساعدات الأمريكية والسوفيتية معاً في مشاريع التنمية ذاتها، مما جعلها نموذجاً عملياً لجدوى عدم الانحياز لا مجرد شعار أيديولوجي. ونبع موقف نهرو كذلك من رؤيته السلمية المُلهَمة جزئياً بفلسفة المهاتما غاندي: الإيمان بأن الحوار والتفاوض مستطاع حتى مع الأقوياء، وأن رفع صوت الأمم الصغيرة يُمثّل تصحيحاً أخلاقياً ضرورياً لنظام دولي يميل لصالح الكبار.

جمال عبد الناصر وصوت العروبة في الحركة

أدرج عبد الناصر في الحركة حضوراً عربياً وأفريقياً مدعوماً بزخم شعبي لا مثيل له. فقد كانت أزمة السويس عام 1956م — حين تصدّى ناصر لعدوان ثلاثي من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل وصمد، مستنجداً بالضغط الدولي والرأي العام العالمي — إثباتاً عملياً لأن دولة نامية بإمكانها الصمود في وجه القوى الاستعمارية القديمة دون الارتماء في حضن أيٍّ من القطبَين. ورأى كثيرون في هذا الصمود نموذجاً ملهِماً لما يمكن أن تُحقّقه مجموعة من الدول النامية إذا تضامنت. استضاف ناصر القمة الثانية لحركة عدم الانحياز في القاهرة عام 1964م، واستغل حضوره القوي داخل الحركة لتعزيز قضية فلسطين وإدراجها في صلب أجندتها، فضلاً عن تعميق التضامن الأفريقي-العربي وتوسيع نطاق الحركة نحو القارة السمراء التي كانت لا تزال تخوض معارك استقلالها. مثّل ناصر ببلاغته الخطابية وكاريزما قيادته صوتاً استثنائياً في استقطاب الجماهير الشعبية العربية والأفريقية نحو مبادئ الحركة، وجعل من مصر ركيزةً عربيةً أساسيةً في هذا التجمع الجنوبي الواسع.

مؤتمر بلغراد 1961م: التأسيس الرسمي

في الفترة الممتدة من الأول إلى السادس من سبتمبر 1961م، انعقد في بلغراد أول مؤتمر قمة لرؤساء دول وحكومات الدول غير المنحازة، وأسّس رسمياً حركةً دوليةً جديدة في خضمّ أشدّ فترات الحرب الباردة توتراً. وكانت الأجواء الدولية في أقصى درجات احتقانها: ففي الثالث عشر من أغسطس 1961م — أي قبل أسبوعين فحسب من انطلاق المؤتمر — بدأ الاتحاد السوفيتي تشييد جدار برلين الذي أضحى أبلغ رموز القطيعة الكونية. وكانت أزمة الصواريخ الكوبية تلوح في الأفق، وأمريكا تتأهّب لتصعيد تدخّلها في فيتنام، في مشهد يُنبئ بأن العالم يمضي نحو مواجهات أخطر.[8] جمع مؤتمر بلغراد ثمانياً وعشرين دولةً من آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، ووضع شروطاً خمسةً لعضوية الحركة: أن تكون الدولة قد تبنّت سياسةً مستقلةً قائمةً على التعايش السلمي وعدم الانحياز، ودعم حركات التحرر الوطني، وعدم الانتماء إلى أي تحالف عسكري جماعي في سياق التنافس بين القوى الكبرى، وعدم وجود قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها بناءً على اتفاقيات ثنائية مع قوى كبرى، وأخيراً إذا كانت انتسبت إلى أي حلف عسكري فيجب ألا يكون ذلك في سياق الصراع بين القطبَين. صدر عن المؤتمر «إعلان بلغراد» الذي جدّد الالتزام بنزع التسلح ورفض الاستعمار والتمييز العنصري، كما دعا رؤساء دول الحركة إلى إرسال برقيتَين شخصيتَين إلى كلٍّ من جون كينيدي ونيكيتا خروشوف يطالبانهم فيهما بالتفاوض لا بالمواجهة.

«إن الهدف من تنظيمنا هو ضمان الاستقلال الوطني والسيادة والوحدة الإقليمية وأمن الدول غير المنحازة في نضالها ضد الإمبريالية والاستعمار والاستعمار الجديد والعنصرية وجميع أشكال العدوان والاحتلال والهيمنة الأجنبية، فضلاً عن معارضتها لسياسات القوة الكبرى والسياسات القائمة على الكتل.»
— فيدل كاسترو، إعلان هافانا، مؤتمر حركة عدم الانحياز، 1979م

مسيرة القمم ومراحل التطور

مرحلة التأسيس والنمو (1961–1973م)

في غضون عقد واحد من انطلاقها، تضاعف حجم الحركة تضاعفاً مذهلاً عكس موجة إنهاء الاستعمار التي اجتاحت أفريقيا وآسيا. في القمة الثانية بالقاهرة عام 1964م، بلغ عدد المشاركين سبعاً وأربعين دولةً، وتمحور النقاش حول استكمال إنهاء الاستعمار وعدم الانتشار النووي والدور المتوقّع من الأمم المتحدة في صون السلام. وفي قمة لوساكا (زامبيا) عام 1970م، ضمّت الحركة أربعاً وخمسين دولةً، وأضافت مؤتمراتها إلى أهدافها التسوية السلمية للنزاعات ورفض وجود القواعد العسكرية الأجنبية. وأعطت قمة الجزائر عام 1973م الحركةَ توجيهاً اقتصادياً أوضح، إذ تبنّت مطالبة دول الجنوب بإرساء «نظام اقتصادي دولي جديد» (New International Economic Order) يُصحّح الاختلالات البنيوية في التجارة والتبادل الدولي التي تُثبّت تخلّف دول الجنوب وتدعم ثروة الشمال، وهو مطلب وجد صداه في قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974م.[9]

العصر الذهبي للحركة (1973–1979م)

بلغت الحركة ذروتها التأثيرية وحضورها الدولي الأعمق في النصف الثاني من السبعينيات، حين تقاطعت مصالح دول الجنوب في قضايا اقتصادية وسياسية متعددة ومتشابكة. فقد منحت أزمة النفط عام 1973م دول الجنوب المنتجة للنفط ورقةَ ضغط غير مسبوقة، وأظهرت أن دول العالم النامي يمكنها التأثير الفعلي في المعادلة الاقتصادية العالمية. وفي قمة كولومبو (سريلانكا) عام 1976م، كانت ست وثمانون دولةً تحتشد تحت مظلة الحركة، مما يعني أن أكثر من نصف أعضاء الأمم المتحدة باتوا رسمياً أعضاءً فيها، وهو ما أتاح لها تأثيراً فعلياً في تشكيل مواقف الجمعية العامة الأممية وإصدار قرارات تلتزم بأجندة الجنوب في مسائل إنهاء الاستعمار وحقوق التنمية وإدانة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.[10] كان تصويت دول الحركة في الجمعية العامة عام 1975م على القرار 3379 الذي وصف الصهيونية بأنها شكل من أشكال العنصرية مثالاً بارزاً على هذه القوة التصويتية الجمعية، وإن أثار قرارٌ كهذا جدلاً واسعاً واحتجاجات دولية.

أزمة هافانا والتوتر الداخلي (1979م)

حملت قمة هافانا عام 1979م بذور الأزمة الكبرى للحركة. فقد سعى فيدل كاسترو إلى تقديم الكتلة الاشتراكية «حليفاً طبيعياً» لدول عدم الانحياز، في توجيه واضح يكسر التعادل المبدئي بين القطبَين الذي قامت عليه الحركة. اعترض تيتو بحدّة على هذا التوجه، مؤكداً أن حركة عدم الانحياز «ليست ولن تكون ناقلاً بريدياً ولا احتياطياً لأيٍّ من القوى الكبرى». وبينما كانت القمة لا تزال تتداول أعمالها، غزا الاتحاد السوفيتي أفغانستان في ديسمبر 1979م — التي كانت بالمفارقة الساخرة عضواً في حركة عدم الانحياز — مما ضرب الخطاب الكاسترويي ضربةً مميتة وكشف أن «الحلف الطبيعي» مع المنظومة السوفيتية لا يعني شيئاً أمام براغماتية القوة الكبرى.[11] أفرز هذا الموقف شرخاً داخلياً عميقاً بين «المعسكر الراديكالي» القريب من السوفيت ودول مثل كوبا وليبيا وسوريا، و«التيار المعتدل» الذي آثر الحفاظ على مسافة متوازنة من القطبَين تمثّله الهند ويوغوسلافيا وعدد من دول جنوب شرق آسيا.

الإنجازات والإسهامات الكبرى

دعم حركات التحرر وإنهاء الاستعمار

يُعدّ إسهام حركة عدم الانحياز في تسريع موجة إنهاء الاستعمار إنجازاً تاريخياً موثّقاً. فمنذ قمة بلغراد الأولى عام 1961م، تضمّنت وثيقتها الختامية إدانةً صريحةً للاستعمار ودعماً للتضامن المادي والسياسي والمعنوي مع حركات التحرر الوطني في أفريقيا وآسيا. وقد شكّلت الحركة منصةً جماعيةً لتضخيم مطالب التحرر في المحافل الأممية، إذ كان توحّد مواقف أكثر من نصف أعضاء الجمعية العامة يُتيح تمرير قرارات تضغط على القوى الاستعمارية وتضفي شرعيةً دوليةً على المطالب بالاستقلال. وفي سبعينيات القرن العشرين، أصدرت قمة لوساكا إعلاناً يدعم تحرير جنوب أفريقيا ورودوسيا وموزامبيق وأنغولا، وأعلن مؤتمر الجزائر دعمه للحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. كما أسهمت الضغوط الجماعية لدول الحركة في تشكيل رأي دولي متصاعد ضد نظام الفصل العنصري (Apartheid) في جنوب أفريقيا، وظلّ دعم الحركة للكفاح الأفريقاني الجنوبي عاملاً من عوامل عزل النظام العنصري دولياً وصولاً إلى انهياره عام 1994م.[12]

التأثير في الأمم المتحدة والمطالبة بنظام دولي عادل

أتاحت الكتلة التصويتية الضخمة لحركة عدم الانحياز داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة قدرةً غير مسبوقة على تحديد الأجندات وتمرير القرارات في مسائل جوهرية تتعلق بحقوق الشعوب. وفي مرحلة الذروة، حين بلغ أعضاء الحركة اثنين وتسعين دولةً في مقابل مجمل عضوية أممية بلغت مئةً واثنتَين وخمسين دولةً، كانت الحركة قادرةً على ترجيح مواقف الجمعية العامة في مسائل حساسة متعددة. وكانت أبرز أجنداتها الاقتصادية المطالبة بـ«النظام الاقتصادي الدولي الجديد» الذي أقرّت مبادئه الجمعية العامة عام 1974م، والداعي إلى إعادة توزيع الثروة الدولية وتحسين شروط التبادل التجاري وتسهيل نقل التكنولوجيا إلى دول الجنوب وحق هذه الدول في التحكم بمواردها الطبيعية دون إملاءات خارجية. وعلى الرغم من أن هذا النظام لم يتحقق قط على أرض الواقع، فإن الحركة نجحت في تثبيت هذه المطالب على جدول الأعمال الدولي وتبني صياغات قانونية وأخلاقية تُعطي الدول النامية حججاً في مفاوضاتها التجارية والمالية.[13]

التناقضات الداخلية وحدود الحركة

لم تكن حركة عدم الانحياز بمنأى عن تناقضات جوهرية نقضت أحياناً شرعيتها المبدئية. فمن الناحية العملية، كانت عدة دول عضو تحتفظ بتحالفات عسكرية مباشرة مع أحد القطبَين بينما تنتسب في الوقت ذاته إلى الحركة؛ فكوبا كانت مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالمنظومة السوفيتية، وعدة دول أفريقية تعتمد على المساعدات العسكرية الأمريكية أو السوفيتية. كذلك شهدت الحركة نزاعات مسلحة بين بعض أعضائها أنفسهم — كالحرب الهندية الباكستانية، والحرب الإيرانية العراقية — مما أربك الصورة المثالية لمجتمع السلام الذي تدّعيه. وعلى مستوى آخر، انتقد المحللون أن الحركة أصبحت في بعض مراحلها أقرب إلى منتدى خطابي تصدر منه إعلانات لا إلى هيكل تنسيقي يُترجم المبادئ إلى آليات عمل فعلية، في ظل غياب ميثاق ملزم وسكرتارية دائمة وآليات تنفيذية حقيقية. كما أن قاعدة «الإجماع» التي تحكم قراراتها جعلت من الصعب جداً اتخاذ مواقف جريئة في القضايا الخلافية، إذ كان أي خلاف داخلي كافياً للإفضاء إلى صياغات مطاطة ومبهمة لا ترضي أحداً ولا تُقيّد أحداً.[14]

ما بعد الحرب الباردة: أزمة الهوية والبحث عن دور

أفضى انهيار جدار برلين عام 1989م وتفكّك الاتحاد السوفيتي عام 1991م إلى أزمة هوية حادة للحركة؛ إذ زال ثنائي القطبَين الذي كان المبرّر الوجودي لقيامها. فلمَ عدمُ الانحياز إذا كان ثمة قطب واحد مهيمن؟ وكيف تُعرَّف «الاستقلالية» في عالم أحادي القطب تُحكم فيه الولايات المتحدة سيطرتها على المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومجلس الأمن؟ واجهت الحركة ارتباكاً تنظيمياً وأيديولوجياً واضحاً في التسعينيات، ولاحظ المراقبون تراجعاً ملموساً في مستوى التمثيل في قممها ومحدودية التأثير الفعلي لقراراتها. غير أن صعود مفهوم «الجنوب العالمي» (Global South) وتنامي الوعي بالإخفاقات الاقتصادية لنموذج العولمة النيوليبرالي أعادا الحركةَ تدريجياً إلى الصدارة في مطلع القرن الحادي والعشرين، مع تحوّل اهتمامها من الأولويات الأمنية في عهد الحرب الباردة إلى قضايا التنمية المستدامة والعدالة المناخية وإصلاح منظومة الحوكمة الدولية.[15] وفي أحدث قممها، القمة التاسعة عشرة التي انعقدت في كمبالا (أوغندا) في يناير 2024م تحت شعار «تعميق التعاون من أجل الازدهار المشترك»، تبنّت الحركة «إعلان كمبالا» الذي يُؤكّد من جديد مبادئ السيادة وعدم التدخل، ويُدين العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ويطالب بوقف فوري للنار وفتح الممرات الإنسانية، مما يُثبت أن «القضية الفلسطينية» تبقى بؤرةً محوريةً في مواقف الحركة بعد أكثر من ستة عقود على تأسيسها.

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
أبرز علماء المسلمين عبر التاريخ
قادة الفكر والحضارة الإسلامية
الاتحاد السوفيتي
أضخم تجربة اشتراكية في التاريخ
الإبادة الجماعية في كمبوديا
مجازر الخمير الحمر ١٩٧٥–١٩٧٩
اتفاقيات جنيف
ميثاق الإنسانية في زمن الحرب
الإمبراطورية البارثية
أعتى خصوم روما في الشرق
إبادة البوسنة والهرسك
جريمة إبادة في قلب أوروبا
🔍