🔍
اضغط Esc للإغلاق  •  Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية Uncategorized الأديان والفلسفة الاقتصاد التاريخ التاریخ الإسلامی التكنولوجيا الجغرافيا الرياضة
الرئيسية / التاريخ / حرب إثيوبيا الإيطالية
التاريخ

حرب إثيوبيا الإيطالية

👁 4 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 3/8/2026 ✏️ 6/8/2026
100%

الحرب الإيطالية الإثيوبية الثانية هي حرب استعمارية توسعية شنّتها المملكة الإيطالية الفاشية بقيادة بينيتو موسوليني ضد الإمبراطورية الإثيوبية المستقلة بين عامي 1935 و1936، وتُعد من أبرز الأمثلة التاريخية على عجز النظام الدولي القائم على عصبة الأمم عن ردع العدوان المسلح في عقد الثلاثينيات، وعلى السياسات التوسعية العدوانية التي ميّزت دول المحور قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بسنوات قليلة
[1].
في الثالث من أكتوبر 1935، هاجمت قوات إيطالية يتجاوز عددها مائة ألف جندي الأراضي الإثيوبية من جهتي إريتريا الإيطالية والصومال الإيطالي في آنٍ واحد ودون أي إعلان رسمي مسبق للحرب، في أعقاب حادثة حدودية متعمدة عُرفت بحادثة وال وال أتاحت لروما الذريعة السياسية التي كانت تبحث عنها لتصفية حساب تاريخي قديم يعود إلى هزيمتها المهينة في معركة عدوة عام 1896، وفي الوقت نفسه لتأمين موارد اقتصادية واستراتيجية جديدة لصناعتها الإيطالية المتعطشة للتوسع الإمبريالي. واستخدمت القوات الإيطالية في سياق هذه الحملة العسكرية أسلحة كيميائية محرّمة دوليًا، أبرزها غاز الخردل، ضد المقاتلين والمدنيين على حد سواء في انتهاك صريح لاتفاقيات جنيف، فيما لجأت القوات الإثيوبية في المقابل إلى ممارسات وحشية كاستخدام رصاص دوم دوم المحرّم وتشويه أسرى الحرب. وانتهت الحرب رسميًا بسقوط العاصمة أديس أبابا في 5 مايو 1936 وفرار الإمبراطور هيلا سيلاسي إلى المنفى، إلا أن المقاومة الشعبية المسلحة المعروفة بـ”الأربنيوتش” استمرت قائمة طوال سنوات الاحتلال الإيطالي حتى تحرير البلاد على يد قوات الحلفاء في إطار الحرب العالمية الثانية عام 1941. وقد ألحقت هذه الحرب ضررًا بالغًا ونهائيًا بمصداقية عصبة الأمم التي عجزت عن فرض عقوبات فعالة على إيطاليا، كما دفعت روما إلى التقارب السياسي الوثيق مع برلين النازية، في حين تحوّل خطاب الإمبراطور هيلا سيلاسي الشهير أمام عصبة الأمم في يونيو 1936 إلى أحد أبرز الرموز التاريخية لنضال الشعوب الضعيفة في مواجهة عدوان القوى الكبرى.

معلومات عامة
الاسم الرسمي الحرب الإيطالية الإثيوبية الثانية
أسماء أخرى الحرب الإيطالية الحبشية الثانية؛ أزمة الحبشة (التسمية الدبلوماسية في عصبة الأمم)
التاريخ 3 أكتوبر 1935 – 9 مايو 1936 (الحرب الرئيسية)؛ استمرار حرب العصابات الإثيوبية حتى نوفمبر 1941
الموقع الإمبراطورية الإثيوبية (الحبشة)؛ إريتريا الإيطالية؛ الصومال الإيطالي
السبب المباشر حادثة وال وال الحدودية في 5 ديسمبر 1934
النتيجة انتصار إيطالي؛ ضمّ إثيوبيا وتشكيل مستعمرة أفريقيا الشرقية الإيطالية؛ استمرار مقاومة الأربنيوتش؛ تحرير إثيوبيا على يد الحلفاء عام 1941
الأطراف المتحاربة
الطرف الأول المملكة الإيطالية الفاشية
الطرف الثاني الإمبراطورية الإثيوبية
القادة
قيادة إيطاليا الزعيم بينيتو موسوليني؛ المارشال إميليو دي بونو (القائد الأول للحملة)؛ المارشال بييترو بادوليو (خلفه)؛ الجنرال رودولفو غراتسياني (جبهة الصومال)
قيادة إثيوبيا الإمبراطور هيلا سيلاسي الأول
القوى العسكرية
القوات الإيطالية نحو 100 ألف جندي عند بدء الغزو، ارتفع العدد تدريجيًا مع تعزيزات إضافية وأسلحة جوية وآلية حديثة
القوات الإثيوبية جيش معبأ تعبئة عامة بلغ نحو 500 ألف رجل، غالبيتهم مسلحون تسليحًا بدائيًا بالرماح والبنادق القديمة دون دعم جوي أو مدرعات تُذكر
الخسائر
خسائر إيطاليا تقديرات تتراوح بين 4,300 و9,000 قتيل من الجنود الإيطاليين والمستعمَرين الأفارقة في صفوفها
خسائر إثيوبيا عشرات الآلاف من القتلى العسكريين والمدنيين، إضافة إلى آلاف الضحايا جراء استخدام غاز الخردل والقصف الجوي للمدن والمستشفيات
COSMALORE · الموسوعة العربية

الخلفية والأسباب

الحرب الإيطالية الإثيوبية الأولى ومعركة عدوة

لم تكن أزمة عام 1935 وليدة لحظتها، بل كانت استكمالًا لحساب تاريخي قديم يعود إلى الحرب الإيطالية الإثيوبية الأولى التي خاضتها إيطاليا في تسعينيات القرن التاسع عشر سعيًا لضم الحبشة إلى إمبراطوريتها الاستعمارية الناشئة في القرن الأفريقي؛ فقد منيت القوات الإيطالية في تلك الحرب بهزيمة مهينة وغير متوقعة في معركة عدوة في مارس 1896، حيث تمكن الجيش الإثيوبي من قتل نحو ستة آلاف جندي إيطالي وأسر عدد مماثل تقريبًا، وهي هزيمة اضطرت روما إلى توقيع معاهدة أديس أبابا في أكتوبر من العام نفسه التي اعترفت فيها رسميًا باستقلال إثيوبيا الكامل وحددت حدودها مع إريتريا
[2].
وظلت هذه الهزيمة بالنسبة إلى إيطاليا وصمة تاريخية لم تندمل، إذ كانت إثيوبيا واحدة من اثنتين فقط من الدول الأفريقية اللتين نجحتا في الحفاظ على استقلالهما الكامل في مواجهة موجة التقاسم الاستعماري الأوروبي للقارة الأفريقية في تلك الحقبة، وهو واقع مثّل بالنسبة للنخبة الفاشية الإيطالية التي صعدت إلى الحكم في العشرينيات تذكيرًا دائمًا بإهانة قومية يجب الانتقام منها واستعادة الهيبة الإمبريالية الإيطالية المهدورة من خلالها.

الأطماع الفاشية والسياق الأوروبي

رأى موسوليني في غزو إثيوبيا فرصة مثالية لتحقيق هدفين متشابكين في آنٍ واحد: تحويل اهتمام الرأي العام الإيطالي الداخلي بعيدًا عن الصعوبات الاقتصادية المتراكمة عبر مغامرة عسكرية خارجية محفوفة بالزخم القومي والدعائي، وفي الوقت نفسه تأمين مصدر جديد للمواد الخام الزراعية والمعدنية اللازمة لدعم الصناعة الإيطالية وتوسيع الإمبراطورية الإيطالية في القرن الأفريقي بما يربط مستعمرتيها القائمتين في إريتريا والصومال
[3].
ولم تكن الظروف الدبلوماسية الأوروبية بعيدة عن حسابات موسوليني الاستراتيجية؛ فقد عقد وزير الخارجية الفرنسي بيير لافال ووزير الخارجية البريطاني صمويل هور اجتماعًا مع موسوليني في روما مطلع يناير 1935 أسفر عن اتفاق منح إيطاليا أجزاء من أرض الصومال الفرنسية وأعاد تعريف الوضع القانوني للإيطاليين في تونس الخاضعة للنفوذ الفرنسي، وهو اتفاق فُسّر في حينه على أنه ضوء أخضر غير مباشر منح روما حرية التصرف تجاه إثيوبيا، نظرًا لرغبة باريس ولندن في الحفاظ على إيطاليا حليفًا محتملًا في مواجهة صعود ألمانيا النازية المتنامي
[4].

حادثة وال وال وفشل التحكيم الدولي

تفجرت الشرارة المباشرة للأزمة في الخامس من ديسمبر 1934 عند واحة وال وال الحدودية المتنازع عليها، التي كان الجانبان الإيطالي والإثيوبي يفسران تبعيتها بشكل متناقض استنادًا إلى معاهدة الحدود الموقعة عام 1897؛ فقد كانت المنطقة، التي كانت إيطاليا تسيطر عليها فعليًا منذ عام 1930 رغم تنازعها مع الحدود الإثيوبية المعلنة، مركزًا حيويًا لتجمّع القطعان بسبب وفرة مياهها، وعندما أرسل الإمبراطور هيلا سيلاسي قوة من نحو خمسة عشر ألف جندي للسيطرة على هذه المنطقة الشاسعة والمتباعدة الأطراف، اندلع اشتباك مسلح مباشر بين الجانبين أسفر عن سقوط ضحايا من الطرفين
[5].
وفي مطلع يناير 1935، استغلت إثيوبيا حقها كعضو في عصبة الأمم لرفع شكوى رسمية ومناشدة المنظمة الدولية للتحكيم في الحادثة، إلا أن لجنة التحكيم التابعة للعصبة أصدرت في سبتمبر 1935 قرارًا برّأ كلا الطرفين من المسؤولية المباشرة، في حكم وُصف بأنه دبلوماسي مهادن لم يلب التوقعات الإثيوبية ولم يردع إيطاليا التي كانت قد بدأت فعليًا، وبعد أيام قليلة فقط من الحادثة، بحشد فرقتين عسكريتين كاملتين وإرسال أعداد كبيرة من القوات الإيطالية إلى مستعمرتيها في إريتريا والصومال استعدادًا للحرب الشاملة
[4].

الغزو الإيطالي وبداية الحرب

أمام يقين متزايد بحتمية الحرب، أصدر الإمبراطور هيلا سيلاسي أمرًا بتعبئة عامة وشاملة لجيش الإمبراطورية بأكمله، طالب فيه كل رجل وفتى قادر على حمل الرماح بالتوجه فورًا إلى أديس أبابا، وألزم كل رجل متزوج باستقدام زوجته لإعداد الطعام وغسل الثياب، فيما هدد بالشنق كل من يُعثر عليه متخلفًا في منزله بعد استلام هذا الأمر، وهو نص بدا أقرب إلى استدعاء مجتمعي تقليدي شامل لمملكة من العصور الوسطى أكثر من تعبئة عسكرية حديثة، يعكس بشكل صادم الفارق التقني الهائل بين الجيشين المتحاربين
[1].
وفي ليلة الثاني إلى الثالث من أكتوبر 1935، شنّت القوات الإيطالية بقيادة المارشال إميليو دي بونو غزوها الشامل لإثيوبيا انطلاقًا من إريتريا، بمشاركة قوة أصغر بقيادة الجنرال رودولفو غراتسياني تقدّمت في موازاة ذلك من جهة الصومال الإيطالي جنوبًا، دون أي إعلان رسمي مسبق للحرب
[6].
وفي 15 أكتوبر، استولت القوات الإيطالية على مدينة أكسوم التاريخية ذات الرمزية الدينية والحضارية العميقة لدى الإثيوبيين، إلا أن تقدّم دي بونو ظل بطيئًا وحذرًا بشكل أثار استياء موسوليني الذي كان يطمح إلى انتصار سريع وحاسم يعزز صورته الدعائية أمام الرأي العام الإيطالي والدولي على حد سواء، فقامت القوات الإثيوبية في ديسمبر 1935 بشن هجوم مضاد على الجيش الغازي المتقدم حديثًا، إلا أن جيشها المسلح تسليحًا بدائيًا لم يكن قادرًا على مقاومة الأسلحة الحديثة الإيطالية لفترة طويلة، خصوصًا في غياب أي وسائل اتصال عصرية، حيث اعتمدت القوات الإثيوبية على السعاة المشاة بدلًا من أجهزة الراديو، وهو نقص فادح سمح للإيطاليين بفرض سياج استخباراتي ضيق حال حرمان الفصائل الإثيوبية من معرفة تحركات جيشها بشكل منسق وفعال
[1].

تصعيد القتال واستخدام الأسلحة المحرّمة

بعد أن نفد صبر موسوليني تجاه ما اعتبره تقدمًا بطيئًا للغاية، استبدل في نوفمبر 1935 المارشال دي بونو بالمارشال بييترو بادوليو الذي تبنّى استراتيجية أكثر عدوانية وحسمًا لإنهاء الحرب بأسرع وقت ممكن، واستأنفت القوات الإيطالية بقيادته هجومها الشامل في أوائل مارس 1936، في وقت كانت الحرب قد اتخذت بالفعل طابعًا بالغ الوحشية من الجانبين؛ فقد ارتكبت القوات الإثيوبية جرائم حرب وُثّقت دوليًا شملت استخدام رصاص دوم دوم المحرم بموجب اتفاقيات لاهاي، فضلًا عن تشويه أسرى الحرب الإريتريين المجندين في صفوف الجيش الإيطالي، غالبًا عبر الإخصاء، منذ الأسابيع الأولى لاندلاع القتال
[1].
وردًا على ذلك، وكذلك من أجل تحطيم الروح القتالية الإثيوبية بأسرع وقت ممكن، أمر بادوليو باستخدام غاز الخردل في القصف الجوي للمناطق الإثيوبية في انتهاك صريح وواضح لاتفاقيات جنيف، ولم يُستخدم هذا الغاز السام ضد المقاتلين المسلحين فحسب، بل استُهدف به المدنيون مباشرة أيضًا في محاولة منهجية لكسر معنويات الشعب الإثيوبي بأكمله، فضلًا عن تقارير موثقة عن هجمات إيطالية متعمدة على سيارات الإسعاف ومستشفيات الصليب الأحمر العاملة في مسرح العمليات، وهي هجمات وثّقتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر نفسها في أرشيفها التاريخي ووصفتها بأنها كانت نذيرًا مخيفًا لما ستحمله الحروب المستقبلية من استهداف متعمد للعمل الإنساني المحايد
[6].

معركة ماي تشو وسقوط أديس أبابا

في 29 مارس 1936، قصف الجنرال غراتسياني مدينة هرر الإثيوبية، وبعد يومين فقط حقق الإيطاليون انتصارًا حاسمًا وفاصلًا في معركة ماي تشو، الذي أحبط بشكل نهائي أي قدرة إثيوبية متبقية على تنظيم مقاومة جماعية فعالة في مواجهة التقدم الإيطالي
[1].
وفي ظل هذا الانهيار العسكري المتسارع، أدرك الإمبراطور هيلا سيلاسي استحالة الاستمرار في مواجهة عدو يتفوق عليه تفوقًا تقنيًا حاسمًا بالطائرات والمدفعية الحديثة والأسلحة الكيميائية، فاضطر إلى الفرار إلى المنفى في الثاني من مايو 1936، حاملًا معه 117 صندوقًا من سبائك الذهب استُخدمت لاحقًا لتمويل بلاطه في المنفى وتمويل أنشطة المقاومة الإثيوبية الداخلية
[7].
وفي الخامس من مايو 1936، دخلت قوات بادوليو المنتصرة العاصمة أديس أبابا، وفي اليوم التالي مباشرة أعلن موسوليني رسميًا ضمّ إثيوبيا أرضًا إيطالية، فيما أصبح وقوع البلاد رسميًا تحت الاحتلال الكامل في التاسع من مايو، في خاتمة مؤقتة لاستقلال دام أكثر من قرنين متواصلين كانت إثيوبيا فيهما من بين القلائل الباقية من الدول الأفريقية المستقلة عن الاستعمار الأوروبي
[8].

خطاب هيلا سيلاسي أمام عصبة الأمم وفشل العقوبات الدولية

في الثلاثين من يونيو 1936، ألقى الإمبراطور المخلوع هيلا سيلاسي خطابه التاريخي الشهير أمام الجمعية العامة لعصبة الأمم في جنيف، دافع فيه عن حق بلاده في الاستقلال وندد علنًا باستخدام إيطاليا للأسلحة الكيميائية المحرمة ضد شعبه الأعزل، مطالبًا بتحرك دولي جماعي وحاسم ضد العدوان الفاشي، في خطاب تحوّل لاحقًا إلى مرافعة أيقونية عالمية عن حقوق الشعوب الضعيفة في المساواة والحماية أمام أطماع القوى الكبرى المتغطرسة
[9].
وعلى الرغم من أن عصبة الأمم اعتبرت إيطاليا رسميًا دولة معتدية وقررت في مارس 1936 فرض عقوبات اقتصادية عليها، فإن هذه العقوبات كانت من الضعف وعدم الجدية بحيث لم تستطع أن تردع روما عمليًا أو تحول مسار الحرب على الأرض بأي شكل ملموس، خاصة في ظل تجاهل الدول الكبرى أعضاء العصبة لتطبيقها بشكل كامل وحازم
[10].
وبعد أن باتت السيطرة الإيطالية على إثيوبيا واقعًا مكتملًا، أعلنت عصبة الأمم في منتصف عام 1937 إقرارها الضمني بعجزها الكامل عن استرداد الوضع السابق، فرفعت العقوبات المفروضة على إيطاليا، وهو إقرار بالفشل الدبلوماسي والمؤسسي ألحق ضررًا بالغًا ودائمًا بمصداقية المنظمة الدولية بأسرها، ودفع إيطاليا الفاشية إلى الانسحاب الرسمي من عصبة الأمم والتقارب السياسي المتزايد مع ألمانيا النازية، في مسار مهّد بشكل مباشر لتشكيل محور روما-برلين قبل عامين فقط من اندلاع الحرب العالمية الثانية
[4].

تأسيس أفريقيا الشرقية الإيطالية ومقاومة الأربنيوتش

بعد اكتمال السيطرة العسكرية على البلاد، دمجت السلطات الإيطالية إثيوبيا المحتلة مع مستعمرتيها القائمتين في إريتريا والصومال ضمن كيان استعماري إداري موحد جديد عُرف باسم “أفريقيا الشرقية الإيطالية”، واستمرت إيطاليا تدير هذا الكيان من العاصمة أديس أبابا التي أصبحت عاصمة إقليمية لهذه الإمبراطورية الاستعمارية الموسعة طوال خمس سنوات متتالية
[11].
إلا أن سقوط أديس أبابا واحتلال البلاد رسميًا لم يضع نهاية حقيقية للقتال على الأرض؛ فقد انسحب عدد من القادة العسكريين الإثيوبيين البارزين إلى مناطق نائية متفرقة لإعادة تنظيم صفوفهم، وشكّلوا حركة مقاومة شعبية مسلحة عُرفت بـ”الأربنيوتش”، أي “الوطنيين” بالأمهرية، خاضت طوال الفترة الممتدة من 1936 إلى 1941 حرب عصابات مستمرة ومنهكة ضد قوات الاحتلال الإيطالي، شملت كمائن متكررة وهجمات كر وفر على القوافل والحاميات الإيطالية المتفرقة في عمق الأراضي الإثيوبية
[7].

تحرير إثيوبيا في الحرب العالمية الثانية

لم يدم الاحتلال الإيطالي الكامل لإثيوبيا طويلًا في سياق الصراع العالمي الأوسع الذي اندلع عام 1939؛ فبعد دخول إيطاليا الحرب العالمية الثانية حليفًا لألمانيا النازية، شنت قوات الإمبراطورية البريطانية وحلفاؤها من جنوب أفريقيا والهند البريطانية والسودان وعدد من المستعمرات الأفريقية الأخرى، بدعم مباشر من مقاتلي الأربنيوتش الإثيوبيين المحليين، حملة عسكرية واسعة عُرفت بحملة شرق أفريقيا امتدت بين يونيو 1940 ونوفمبر 1941 بهدف طرد القوات الإيطالية من المنطقة بأكملها
[12].
وبوعد بريطاني صريح بإعادة الإمبراطور المخلوع إلى عرشه، سافر هيلا سيلاسي إلى السودان للتخطيط المباشر لتحرير بلاده وتشكيل قوة إثيوبية غير نظامية مساعدة عُرفت بـ”قوة جيديون”، وفي خضم هذه الحملة العسكرية المتسارعة، حقق الجيش الإثيوبي أول انتصار له باستعادة بيوك في السادس من مارس 1941، قبل أن تتمكن قوات الحلفاء من تحرير العاصمة أديس أبابا نهائيًا في السادس من أبريل 1941، فعاد الإمبراطور إلى مدينته المحررة بعد خمس سنوات كاملة من المنفى القسري، فيما استمرت بعض الحاميات الإيطالية المتفرقة في المقاومة المتقطعة قبل استسلامها التدريجي بحلول نهاية العام نفسه
[13].
وعلى الرغم من توقيع الاتفاقية الأنجلو-إثيوبية في ديسمبر 1944 التي اعترفت رسميًا بالسيادة الإثيوبية الكاملة، ظلت بعض المناطق الإثيوبية تحت إدارة عسكرية بريطانية مؤقتة لسنوات إضافية بعد ذلك، إلى أن اعترفت إيطاليا نفسها رسميًا وبشكل نهائي باستقلال إثيوبيا وتنازلت عن كل مطالبها ومصالحها فيها بموجب معاهدة السلام الموقعة مع إيطاليا عام 1947
[8].

نتائج الحرب وتداعياتها

تجاوزت تأثيرات هذه الحرب حدودها الجغرافية المباشرة لتترك أثرًا عميقًا ومتعدد الأبعاد على المسرح الدولي بأسره؛ فعلى المستوى الدبلوماسي، شكّل فشل عصبة الأمم في ردع العدوان الإيطالي أو حتى تطبيق عقوباتها الخاصة بشكل فعال ضربة قاصمة لمصداقية النظام الأمني الجماعي الذي تأسست عليه المنظمة بعد الحرب العالمية الأولى، وأكدت بشكل قاطع للقوى التوسعية الصاعدة في أوروبا، وعلى رأسها ألمانيا النازية واليابان الإمبريالية، أن المجتمع الدولي لن يقف عمليًا في طريق العدوان العسكري المباشر إذا اقتصر الرد على عقوبات اقتصادية رمزية غير منسقة. وعلى المستوى الإثيوبي والأفريقي الأوسع، تحوّلت تجربة الغزو والاحتلال، وتحديدًا خطاب هيلا سيلاسي الشهير أمام عصبة الأمم، إلى رمز تاريخي بالغ الأهمية لنضال الشعوب المستعمرة من أجل العدالة والمساواة الدولية، وألهمت لاحقًا حركات التحرر الأفريقي في منتصف القرن العشرين، فضلًا عن تأثيرها الثقافي والديني العميق الذي تجلى في نشأة الحركة الراستافارية الجامايكية التي قدّست هيلا سيلاسي نفسه باعتباره شخصية مخلّصة، واستحضرها لاحقًا الموسيقار بوب مارلي في أغنيته الشهيرة “War” المستلهمة مباشرة من نص خطاب الإمبراطور التاريخي
[14].

التصنيف
التاريخ ← الحروب والمعارك ← الحرب الإيطالية الإثيوبية الثانية

التاريخ ← تاريخ القارات ← تاريخ أفريقيا
التاريخ ← العصور التاريخية ← العصر المعاصر
التاريخ ← الوثائق التاريخية ← المواثيق الدولية
التاريخ ← الإبادات والمجازر ← مجازر تاريخية

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
الاتحاد السوفيتي
أضخم تجربة اشتراكية في التاريخ
اتفاقيات جنيف
ميثاق الإنسانية في زمن الحرب
أبرز علماء المسلمين عبر التاريخ
قادة الفكر والحضارة الإسلامية
الإبادة الجماعية في كمبوديا
مجازر الخمير الحمر ١٩٧٥–١٩٧٩
الإمبراطورية البارثية
أعتى خصوم روما في الشرق
إبادة البوسنة والهرسك
جريمة إبادة في قلب أوروبا
🔍