🔍
اضغط Esc للإغلاق  •  Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية Uncategorized الأديان والفلسفة الاقتصاد التاريخ التاریخ الإسلامی التكنولوجيا الجغرافيا الرياضة
الرئيسية / التاريخ / أزمة قناة السويس
التاريخ

أزمة قناة السويس

👁 19 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 30/7/2026 ✏️ 4/8/2026
100%

المقدمة

أزمة قناة السويس هي واحدة من أكثر الأزمات الدولية تشابكاً وعمقاً في القرن العشرين، وأشدّها تأثيراً في مسار تاريخ الشرق الأوسط والنظام الدولي في حقبة الحرب الباردة. اشتعلت الأزمة في السادس والعشرين من يوليو عام 1956 حين وقف الرئيس المصري جمال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية، وأعلن أمام حشد شعبي هادر قرار تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية، مُحوّلاً لحظة خطاب واحدة إلى زلزال سياسي هزّ عواصم العالم من لندن وباريس إلى واشنطن وموسكو وتل أبيب. كانت القناة —تلك القناة الملاحية العملاقة التي تربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر والتي افتُتحت عام 1869 بعد عشر سنوات من الحفر— تحت سيطرة بريطانية-فرنسية وثيقة، وكانت تُمثّل العمود الفقري للإمبراطوريات الاستعمارية في مراقبة الطرق البحرية نحو آسيا وإفريقيا.

جاء قرار التأميم رداً مباشراً على إعلان واشنطن ولندن سحب عرض تمويل مشروع السد العالي في أسوان، وهو ما فسّره ناصر تحدياً سياسياً لكرامة مصر يستوجب رداً من الحجم ذاته. غير أن التأميم أشعل فتيل مؤامرة سرية من نوع نادر في تاريخ الدبلوماسية الدولية: اجتمعت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في مدينة سيفر الفرنسية وأبرمت بروتوكولاً سرياً نصّت بنوده على تنفيذ عملية عسكرية مُحكمة لسحق مصر وإسقاط ناصر. وقد نُفِّذت تلك المؤامرة في التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1956 حين هاجمت القوات الإسرائيلية سيناء، ثم أنزل البريطانيون والفرنسيون قواتهم على منطقة القناة. بيد أن الأزمة أفضت إلى مفارقة تاريخية بالغة الأهمية: هُزم المعتدون سياسياً رغم نجاحهم العسكري الأولي، وخرجت مصر منتصرة بضغط أمريكي سوفيتي مشترك، وأُعلنت نهاية الإمبراطورية البريطانية رمزياً حين اضطرّ أنتوني إيدن إلى الاستقالة من رئاسة الوزراء مُذلاً [1].

المعلومات الأساسية

أزمة قناة السويس
Suez Crisis · العدوان الثلاثي 1956
معلومات عامة
تأميم القناة 26 يوليو 1956 – الإسكندرية [2]
الهجوم الإسرائيلي 29 أكتوبر 1956
الإنزال البريطاني-الفرنسي 5-6 نوفمبر 1956
وقف إطلاق النار 7 نوفمبر 1956
الانسحاب الكامل مارس 1957 (إسرائيل)
الأطراف
المعتدون إسرائيل، بريطانيا، فرنسا
الدولة المُعتدى عليها جمهورية مصر العربية
الداعمون لمصر الاتحاد السوفيتي، الولايات المتحدة، الأمم المتحدة
القادة الرئيسيون
الرئيس المصري جمال عبد الناصر
رئيس الوزراء البريطاني السير أنتوني إيدن
رئيس الوزراء الفرنسي غي موليه
رئيس وزراء إسرائيل دافيد بن-غوريون
الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور
بروتوكول سيفر السري
تاريخ التوقيع 24 أكتوبر 1956
مكان التوقيع سيفر، فرنسا
الموقّعون بن-غوريون، موليه، إيدن (بالإنابة)
النتائج
الرابح مصر سياسياً وناصر قومياً
استقالة إيدن يناير 1957
قوة الطوارئ الأممية UNEF (أول قوة دولية لحفظ السلام) [3]
COSMALORE · الموسوعة العربية

الخلفية التاريخية: قناة السويس وإرثها الاستعماري

١. قناة السويس: مشروع القرن التاسع عشر الكبير

إن فهم أزمة قناة السويس في عمقها الحقيقي يستلزم استحضار التاريخ الطويل للقناة ودلالتها الجيوستراتيجية. فقد احتضنت منطقة برزخ السويس حلم التواصل البحري بين شرق العالم وغربه منذ آلاف السنين، ولكنها لم تبلغ هذا الهدف إلا في عهد الخديوي إسماعيل والدبلوماسي الفرنسي فرديناند دي لسبس الذي أشرف على الحفر الضخم الذي استغرق عشر سنوات (1859-1869). وقد افتُتحت القناة رسمياً في السابع عشر من نوفمبر 1869 في احتفالية أسطورية دُعيت إليها ملوك أوروبا وأمراؤها، وأُقيمت دار الأوبرا المصرية تحديداً لهذه المناسبة. بذلك أصبحت القناة شرياناً تجارياً عالمياً لا غنى عنه قلّص مسافة الرحلة بين أوروبا والهند بنحو سبعة آلاف كيلومتر [4].

في عام 1875، وفي ظل أزمة مالية خانقة، اضطرّ الخديوي إسماعيل إلى بيع حصة مصر في أسهم شركة القناة البالغة 44% لبريطانيا مقابل أربعة ملايين جنيه استرليني، مما أعطى لندن موطئ قدم اقتصادي راسخ في القناة. وفي عام 1882، احتلت بريطانيا مصر عسكرياً، وباتت منطقة القناة قاعدة بريطانية ضخمة. وبموجب معاهدة 1936 أُعيد تأكيد الوجود العسكري البريطاني في منطقة القناة لمدة عشرين عاماً، وكان انتهاء هذه المدة قد اقترب حين وصل ناصر إلى السلطة، فضاعف ضغطه على لندن لإجلاء قواتها، وأنجز ذلك عام 1954 بموجب اتفاقية جلاء القوات البريطانية.

٢. ناصر والناصرية: صعود الزعيم القومي

أطاح الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر بالملك فاروق في الثالث والعشرين من يوليو 1952، وسرعان ما تحوّل ناصر من عضو في مجلس القيادة إلى زعيم أوحد بعد تنحيه محمد نجيب عام 1954. كان ناصر مدركاً بعمق أن عظمة مصر لا يمكن أن تُبنى على الدعم الأجنبي المشروط، وأنه لا يمكن أن يُحكم قبضته على السلطة إلا بتحرير السياسة المصرية من أي هيمنة استعمارية اقتصادية أو عسكرية. أدار ناصر سياسةً خارجية تقوم على “الحياد الإيجابي” و”عدم الانحياز” في إطار الحرب الباردة، مؤسساً مع نهرو ونكروما وسوكارنو وتيتو حركة عدم الانحياز. وكان مشروع السد العالي في أسوان هو التجسيد الرمزي الأكبر لحلمه في تطوير مصر باستقلالية تامة.

التمست مصر تمويلاً للسد من البنك الدولي والولايات المتحدة وبريطانيا، وجرت مفاوضات مطوّلة شبه واعدة. بيد أن شراء مصر السلاح من تشيكوسلوفاكيا عام 1955 —وكان سلاحاً سوفيتي الأصل في حقيقته— واعتراف ناصر بجمهورية الصين الشعبية أثارا حفيظة الغرب ودفعاه نحو التراجع. وفي التاسع عشر من يوليو 1956، أعلن وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس سحب العرض الأمريكي لتمويل السد العالي، مُعلّلاً ذلك بـ”سوء الوضع الاقتصادي المصري”، في إهانة دبلوماسية مقصودة لزعيم عريض الكرامة [5].

التأميم: الصرخة من ميدان المنشية

١. خطاب التأميم التاريخي في الإسكندرية

في السادس والعشرين من يوليو 1956، وبمناسبة الذكرى الرابعة لثورة يوليو، وقف ناصر أمام جموع غفيرة في ميدان المنشية بالإسكندرية. كان الخطاب الذي امتدّ لأكثر من أربع ساعات —وتجاوزت كلماته أربعة عشر ألف كلمة— مسرحاً لمهارة ناصر الخطابية وقدرته على شحن الجماهير، إذ أطال الحديث عن تاريخ القناة والهيمنة البريطانية وإساءة أمريكا، قبل أن يُطلق كلمة السر الأعمق تأثيراً في تاريخ التلغراف الاستخباراتي: إذ أحكم كلمة “دي لسبس” إشارةً خفية لقوات الجيش المصري التي كانت تنتظر فتحت منصّات الراديو لتنفّذ الاستيلاء الفوري على مبنى الشركة وإداراتها في بورسعيد والإسماعيلية والسويس. وفي لحظة اكتملت فيها الكلمات والحركة، أعلن ناصر بصوت هادر: “باسم الشعب، أُعلن أن الحكومة المصرية قد أصدرت قرارها بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية” [6].

تفجّر الحشد في ميدان المنشية بهتافات عارمة لم تهدأ دقائق طويلة. وفي الوقت ذاته، كانت الوحدات المصرية المنتشرة عند المنشآت الرئيسية للقناة تُحكم سيطرتها عليها بسلاسة تامة ودون مقاومة. أعلن ناصر أن عائدات القناة —التي قدّر قيمتها بمئة مليون دولار سنوياً— ستُموّل مشروع السد العالي الذي رفضت واشنطن ولندن تمويله، مُصوِّراً التأميم انتقاماً مشروعاً وسيادياً وليس تعدياً على الملكية الخاصة.

٢. مشروعية التأميم: الجدل القانوني الدولي

أكّدت مصر منذ البداية أن قرار التأميم يستند إلى حقها السيادي الكامل في تأميم الشركات الأجنبية العاملة على أراضيها، ووعدت بتعويض المساهمين بالأسعار السوقية لأسهمهم في بورصة باريس قبيل قرار التأميم. وقد أيّدت الغالبية العظمى من دول العالم —ولا سيما دول الكتلة الأفريقية الآسيوية وحركة عدم الانحياز— الموقف المصري معتبرةً التأميم حقاً سيادياً مشروعاً لا يُنازَع. في المقابل، زعمت بريطانيا وفرنسا أن التأميم يُشكّل انتهاكاً للاتفاقيات الدولية المنظّمة لوضع القناة الموقَّعة عام 1888، وأن مصر غير قادرة على إدارة شريان ملاحي دولي بالغ الأهمية [7].

بروتوكول سيفر: المؤامرة السرية التي أدانت نفسها

١. التخطيط للعدوان في الخفاء

كان إنكار بريطانيا وفرنسا أي تنسيق مسبق مع إسرائيل محاولةً يائسة لإضفاء شرعية على عدوان مُخطَّط سلفاً بتفاصيل دقيقة. وقد كشفت الوثائق التاريخية التي رُفعت عنها السرية لاحقاً عن حقيقة مدهشة: فبين الثاني والعشرين والرابع والعشرين من أكتوبر 1956، التقى ممثلو الدول الثلاث في فيلا خاصة في بلدة سيفر (Sèvres) الهادئة بالقرب من باريس. جلس على طاولة التفاوض رئيس الوزراء الإسرائيلي دافيد بن-غوريون ووزير الدفاع الإسرائيلي شمعون بيريز ورئيس الأركان الجنرال موشيه ديان، إلى جانب وزير خارجية فرنسا كريستيان بينو ووزير دفاعها، فيما أناب رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن عنه بتمثيل محدود خشيةً من فضيحة الارتباط العلني بإسرائيل [8].

استغرق التفاوض ثمانية وأربعين ساعة مُضنية بسبب عدم الثقة المتبادل بين الإسرائيليين والبريطانيين. وفي نهاية المطاف، وُقِّع بروتوكول من سبع بنود أفصح عن الخطة بكل تفاصيلها: تشنّ إسرائيل هجوماً على سيناء وتتوجه نحو القناة، فتُصدر بريطانيا وفرنسا إنذاراً للطرفين بالانسحاب عشرة كيلومترات من القناة، وحين ترفض مصر —كما هو متوقع— ينزل الجيشان البريطاني والفرنسي في منطقة القناة بدعوى حماية الملاحة. كان الهدف الحقيقي المُضمَر إسقاط ناصر واسترداد القناة، وليس “الفصل بين المتحاربين” كما ادّعى الإنذار. وأصرّ الإسرائيليون على احتفاظ كل طرف بنسخة موقّعة من البروتوكول ضماناً لتنفيذ الالتزامات، وهي النسخ التي أُخفيت لسنوات قبل أن تُكشف لتُدين أصحابها في سجلات التاريخ [9].

مسار العمليات العسكرية

١. الهجوم الإسرائيلي على سيناء (29 أكتوبر 1956)

في الساعة الخامسة من مساء التاسع والعشرين من أكتوبر 1956، تحرّكت القوات الإسرائيلية بقيادة موشيه ديان في عملية “قادش” الكبرى عبر شبه جزيرة سيناء. كانت المفاجأة تكتيكاً محسوباً: فوجدت القيادة المصرية نفسها في مواجهة هجوم بريّ وجوي مُتناسق، في الوقت الذي كانت تستعد فيه لتسوية سياسية لأزمة القناة لا لحرب. تدفّقت القوات الإسرائيلية عبر ثلاثة محاور نحو القناة، وخلال أربعة وعشرين ساعة من بدء الهجوم كانت الوحدات المتقدمة قد اقتربت بمسافة عشرة كيلومترات من الضفة الشرقية للقناة، واحتلت غالبية شبه الجزيرة خلال أيام [10].

٢. الإنذار البريطاني-الفرنسي ورفض ناصر

في الثلاثين من أكتوبر 1956، وعلى النحو المتّفق عليه في بروتوكول سيفر بدقة مُتناهية، أصدرت حكومتا بريطانيا وفرنسا إنذاراً مشتركاً لمصر وإسرائيل يطالب بوقف القتال وانسحاب كلا الطرفين عشرة كيلومترات من القناة خلال اثنتي عشرة ساعة، مع السماح للقوات البريطانية-الفرنسية باحتلال مدن القناة “لحماية الملاحة”. كانت الهندسة الدبلوماسية مكشوفة لكل ذي عيون: فإسرائيل لم تكن قد وصلت بعد إلى مسافة عشرة كيلومترات من القناة، في حين أن الإنذار يطالب مصر بالانسحاب من ضفاف قناتها على أراضيها السيادية. رفض ناصر الإنذار رفضاً قاطعاً في خطوة توقّعها المتآمرون [11].

٣. القصف وعملية المسكتير (العملية البريطانية-الفرنسية)

في الحادي والثلاثين من أكتوبر، بدأت القوات الجوية البريطانية والفرنسية قصفاً مكثّفاً للمطارات العسكرية المصرية وبنيتها التحتية حول القاهرة والإسكندرية وبورسعيد، في محاولة لتحييد سلاح الجو المصري قبل الإنزال. وكان ناصر قد أصدر أوامره باستقدام الجيش من سيناء لتعزيز الدفاعات في الداخل، وهو قرار أجّج الجدل لاحقاً بين المحللين العسكريين. في الخامس من نوفمبر 1956، نزلت وحدات المظليين البريطانيين والفرنسيين على بورسعيد وبورفؤاد، وتبعها الإنزال البحري في اليوم التالي في عملية عسكرية نُفِّذت بكفاءة عالية على المستوى التكتيكي. بيد أن القوات المتقدمة توقّفت عند الكيلومترات الأولى جنوب بورسعيد منتظرةً ضغطاً دولياً لم يأتِ في صالحها [12].

التدخل الدولي: الضغط الأمريكي والتهديد السوفيتي

١. غضب أيزنهاور: أمريكا في مواجهة حلفائها

كان رد الفعل الأمريكي على العدوان الثلاثي قد بلغ من الحدة حدّاً جعل كثيراً من المراقبين يصفونه بأنه “الأشد غضباً عرفته علاقات واشنطن مع حلفائها”. وجد الرئيس أيزنهاور نفسه أمام عملية عسكرية مُحكمة التخطيط نُفِّذت دون أي استشارة له أو إخطار مسبق، وذلك في خضمّ حملته الانتخابية ضد أديلاي ستيفنسون. كان المنطق الأمريكي يقوم على محور دبلوماسي مزدوج: أولاً، الخشية من أن يُعطي العدوان الغربي ذريعةً للاتحاد السوفيتي للتدخل في الشرق الأوسط، وثانياً، حرص واشنطن على صون صورتها أمام العالم الثالث في لحظة كانت تُدين فيها التدخل السوفيتي في المجر في الوقت ذاته [13].

مارست الولايات المتحدة ضغطاً اقتصادياً مباشراً وغير مسبوق على بريطانيا: هدّدت واشنطن بتجميد الودائع البريطانية في المصارف الأمريكية وحظر تقديم قروض لصندوق النقد الدولي لتغطية عجز الجنيه الإسترليني المتدهور، في حين كانت الخزانة البريطانية تنزف احتياطاتها من العملة الصعبة بمعدلات مقلقة. وكانت لندن مدينة لواشنطن بديون ضخمة من الحرب العالمية الثانية، مما أعطى أيزنهاور رافعةً اقتصادية هائلة. وحين جاء التلويح الأمريكي بتجميد مساعدة صندوق النقد الدولي لبريطانيا إن لم تنسحب، أدرك إيدن أن اللعبة انتهت.

٢. الإنذار السوفيتي النووي: موسكو تهدد لندن وباريس

في الخامس من نوفمبر 1956، أرسل رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي نيكولاي بولغانين رسائل شخصية إلى إيدن وموليه وبن-غوريون وأيزنهاور. وكانت رسالتا لندن وباريس بالغتَا الحدة والصراحة؛ إذ أشارت صراحةً إلى امتلاك الاتحاد السوفيتي صواريخ بالستية قادرة على إيصال رؤوس حربية نووية إلى الأراضي البريطانية والفرنسية، وحذّرت من أن استمرار العدوان قد يُفضي إلى رد “يُستخدم فيه كل أنواع الأسلحة الحديثة”. كان هذا التهديد النووي الصريح يُشكّل حدثاً غير مسبوق في دبلوماسية الحرب الباردة، وأثار موجة من الهلع في لندن وباريس [14]. واللافت أن أيزنهاور لم يطمئن إلى الأهداف السوفيتية وبعث هو بدوره برسالة إلى موسكو يُنبّه فيها من التدخل المباشر، في حين كان يُحكم الضغط على حلفائه للانسحاب.

٣. الأمم المتحدة وقرار وقف إطلاق النار

في الأيام الأولى من نوفمبر، دعا الأمين العام للأمم المتحدة داغ همرشولد إلى انعقاد دورة طارئة لجمعية الأمم المتحدة، وبمبادرة من وزير الخارجية الكندي ليستر بيرسون صدر قرار بتشكيل “قوة الطوارئ الدولية الأولى” (UNEF) لنشرها في منطقة الصراع. وكان هذا أول تجسيد عملي لمفهوم قوات حفظ السلام الأممية في التاريخ. وفي السابع من نوفمبر 1956، قبلت مصر وبريطانيا وفرنسا وقف إطلاق النار، ثم بدأ الانسحاب التدريجي في الأسابيع التالية، وأُعلن في الثاني والعشرين من ديسمبر 1956 خروج آخر جندي بريطاني وفرنسي من مصر، فيما تأخّر الانسحاب الإسرائيلي من غزة وسيناء حتى مارس 1957 تحت ضغط أمريكي مستمر [15].

نتائج الأزمة وتداعياتها البعيدة

١. مصر وناصر: النصر السياسي من رحم الهزيمة العسكرية

على الرغم من أن الأداء العسكري المصري في مواجهة ثلاث جيوش في آنٍ واحد كان محدوداً وعُلّقت القناة أشهراً، فإن مصر خرجت من الأزمة في حالة انتصار سياسي لا يُنكره أحد. أُعيدت السيطرة الكاملة على القناة لمصر، وبدأت ثروة القناة تتدفق فعلاً لخزينة الدولة المصرية لتموّل مشاريع التنمية. أما ناصر فقد تحوّل من زعيم قُطري إلى أيقونة للتحرر القومي العربي والوطني والإفريقي؛ صار اسمه يُرددّ في عواصم القاهرة وبغداد ودمشق وتونس والرباط والجزائر بوصفه البطل الذي تحدّى الاستعمار وانتزع الكرامة من فم الأسود. وقد أسّس انتصار ناصر الرمزي في السويس لموجة قومية عارمة لا تزال تتردد أصداؤها في الوجدان العربي حتى اليوم.

٢. بريطانيا: غروب الإمبراطورية وسقوط إيدن

كانت أزمة السويس بحق “لحظة المسبار” التي أماطت اللثام عن حجم الانكماش في الثقل البريطاني بعد الحرب العالمية الثانية. لم تستطع بريطانيا —وهي التي كانت حتى بالأمس القريب تدير إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس— أن تتجرّأ على عملية عسكرية صغيرة في وجه ضغط أمريكي اقتصادي. استقال رئيس الوزراء أنتوني إيدن في يناير 1957 بحجة أسباب صحية، لكن المؤرّخين أجمعوا على أن سقوطه السياسي كان الأزمة ذاتها التي عجز عن إدارتها. وصف المؤرّخ البريطاني البارز فيرنون بوغدانور إيدن بأنه “آخر رئيس وزراء تصرّف كأن بريطانيا لا تزال قوة عظمى، وأول من اضطرّ للإقرار بأنها لم تعد كذلك” [16].

أسهمت الأزمة في تسريع مسار إنهاء الاستعمار البريطاني والفرنسي في آسيا وأفريقيا؛ إذ أدرك ملفّو الملفات الاستعمارية أن العصر الذي كانت فيه لندن وباريس تتصرفان كأصحاب العالم قد انقضى دون رجعة. واستقلّت غانا عام 1957، وتبعتها موجة من الدول الأفريقية في السنوات التالية في سياق جزئياً هيّأته أزمة السويس.

٣. الحرب الباردة وموازين القوى الدولية

أسهمت أزمة السويس في إعادة رسم معالم الهندسة الجيوسياسية للقرن العشرين: فقد أثبتت بصورة قاطعة أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي هما القطبان المهيمنان على النظام الدولي، وأن بريطانيا وفرنسا تراجعتا إلى مرتبة القوى الإقليمية المتوسطة التي تعمل ضمن فضاء تحدده القوتان العظميان. فتحت الأزمة أيضاً ثغرةً سوفيتية في الشرق الأوسط حيث راحت موسكو تُوسّع علاقاتها مع الدول العربية، ولا سيما مصر وسوريا وبعد ذلك العراق واليمن، في تنافس نفوذ طويل مع واشنطن استمرّ حتى سقوط الاتحاد السوفيتي. كذلك أسّست الأزمة لمفهوم “قوات حفظ السلام الأممية” الذي يمتد تطبيقه حتى يومنا هذا في مناطق النزاع حول العالم.

إننا نُعلن اليوم أن أموالنا قد رُدَّت إلينا. إن الشركة العالمية لقناة السويس مصرية مصرية مصرية. وهيئة التأميم اليوم، في هذه اللحظة، تُدير شركة القناة. إن قناة السويس، التي حفرها المصريون وماتت عليها خمسة وعشرون ألفاً من أبناء مصر، هي ملك لنا.
— جمال عبد الناصر، خطاب التأميم، ميدان المنشية – الإسكندرية، 26 يوليو 1956

٤. الأزمة في المنظور التاريخي الأكاديمي

تتباين التقييمات الأكاديمية لأزمة السويس تبايناً يعكس الزوايا المتعددة للنظر إليها. يُقدّم الباحثون العرب والمصريون الأزمةَ غالباً انتصاراً تاريخياً للسيادة الوطنية في مواجهة الاستعمار، ويرونها نقطة ذروة في تصاعد التيار القومي العربي. في المقابل، يُركّز بعض الباحثين الغربيين على النتائج البعيدة المدى غير المحسوبة: فقد أفضت أزمة السويس إلى مرحلة تدخّل سوفيتي في الشرق الأوسط أسّست لتوترات طويلة، كما أن خروج إسرائيل من الأزمة دون خسائر استراتيجية —مع احتفاظها بحق المرور في خليج العقبة— يُعدّ انتصاراً هادئاً يُغفل عنه في مشهد الانسحاب من سيناء. أما المؤرّخ البريطاني كيث كايل في كتابه الكلاسيكي “السويس” الصادر عام 1991، فيرى أن الأزمة مثّلت “المصير الحتمي لإمبراطورية بُنيت على الوهم بعد الحرب العالمية الثانية“، وأن إيدن كان آخر رجالاتها المدافعين عن وهم لم يعد قائماً.

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
الاتحاد السوفيتي
أضخم تجربة اشتراكية في التاريخ
اتفاقيات جنيف
ميثاق الإنسانية في زمن الحرب
الإمبراطورية البارثية
أعتى خصوم روما في الشرق
أبرز علماء المسلمين عبر التاريخ
قادة الفكر والحضارة الإسلامية
الإبادة الجماعية في كمبوديا
مجازر الخمير الحمر ١٩٧٥–١٩٧٩
الإمبراطورية الأخمينية
أولى الإمبراطوريات العالمية الكبرى
🔍