المقدمة
يُعدّ الاستعمار البريطاني في الهند من أعمق الظواهر الاستعمارية وأكثرها تأثيراً في مسار التاريخ الإنساني الحديث؛ إذ امتدت سلطته قرابةَ ثلاثة قرون متتالية، ابتداءً من وصول سفن شركة الهند الشرقية الإنجليزية إلى شواطئ سورات في مطلع القرن السابع عشر، وانتهاءً بصرخة الاستقلال في منتصف ليل الخامس عشر من أغسطس عام 1947م، حين رُفع العلم الهندي فوق قلعة دلهي الحمراء إيذاناً بميلاد أمة من رحم معاناة طويلة. وقد مرّت هذه الحقبة الاستعمارية بمراحل متعاقبة ومتباينة، بدأت بمطامع تجارية بحتة في عصر التنافس الأوروبي على التوابل والمنسوجات والثروات الشرقية، ثم تحوّلت تدريجياً إلى سيطرة سياسية وعسكرية شاملة أفرزت أعمق تحولات الشبه القارة الهندية على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية.[1]
كانت الهند، قبيل قدوم البريطانيين، تمثّل ما بين 23 و27 بالمئة من الناتج الاقتصادي العالمي وفق تقديرات المؤرخ الاقتصادي أنغس ماديسون، وكانت صناعاتها النسجية الفاخرة وثرواتها الزراعية والمعدنية تجلب التجار من كل أصقاع الأرض.[2] غير أن الانهيار التدريجي للإمبراطورية المغولية في أعقاب وفاة أورنغزيب عام 1707م، وما أعقبه من تشرذم سياسي وصراعات بين الإمارات الهندية المتنافسة، قد وفّر البيئة الملائمة لشركة تجارية إنجليزية صغيرة لتتحول إلى إمبراطورية استعمارية عملاقة. فعلى مدار قرن ونصف من الزمان، راكمت شركة الهند الشرقية البريطانية صلاحياتها العسكرية والإدارية والقضائية، حتى أصبحت حاكمةً فعليةً لأرض تضم مئات الملايين من البشر، قبل أن تنقل سلطتها إلى التاج البريطاني مباشرةً عقب الثورة الهندية الكبرى عام 1857م.[3]
يرصد المؤرخون في هذه الحقبة الاستعمارية الطويلة أنماطاً متكررة من الاستغلال الممنهج، تجلّت في تحطيم الصناعات الهندية المحلية لصالح المنتجات البريطانية، وفرض منظومات ضريبية جائرة أنهكت الفلاح الهندي وأدخلت اقتصاده في دوامة الديون والإفقار، وانتزاع الثروات الطبيعية والزراعية لتُضخّ في شرايين الثورة الصناعية البريطانية، فضلاً عن المجاعات المتتالية التي حصدت الملايين في ظل سياسات استعمارية مقصودة. وفي المقابل، أطلق الشعب الهندي حركة استقلالية استثنائية بقيادة المهاتما غاندي وزعماء آخرين، كانت نبراسها المقاومة السلمية والعصيان المدني، حتى أُجبرت بريطانيا على إنهاء استعمارها عام 1947م، بيد أن الثمن كان تقسيماً مؤلماً أفرز دولتين وخلّف جراحاً لا تزال حاضرة في جسد المنطقة حتى اليوم.[4]
| معلومات عامة | |
| التسمية | الهند البريطانية / الراج البريطاني (British Raj) |
| الفترة الزمنية الكاملة | 1600م – 1947م (347 عاماً) |
| فترة الحكم المباشر للتاج البريطاني | 1858م – 1947م (89 عاماً) [5] |
| الجغرافيا | |
| المساحة الإجمالية | نحو 4.2 مليون كيلومتر مربع |
| العاصمة الأولى | كلكتا / كولكاتا (1858م – 1911م) |
| العاصمة الثانية | نيودلهي (1911م – 1947م) |
| الإدارة والحكم | |
| جهة الحكم الأولى | شركة الهند الشرقية البريطانية (1600م – 1858م) |
| جهة الحكم الثانية | التاج البريطاني / الراج البريطاني (1858م – 1947م) |
| أول حاكم عام بريطاني | روبرت كلايف (Robert Clive) — حاكم البنغال الأول |
| آخر نائب للملك في الهند | اللورد لويس ماونتباتن (1947م) |
| إمبراطورة الهند | الملكة فيكتوريا (لُقّبت بالإمبراطورة عام 1876م) |
| البيانات الاقتصادية | |
| حصة الهند من الاقتصاد العالمي عام 1700م | 27% [2] |
| حصة الهند من الاقتصاد العالمي عام 1947م | 3% فحسب |
| تقديرات الثروة المنقولة إلى بريطانيا | نحو 45 تريليون دولار (بالقيمة الحالية، وفق دراسة باتنايك 2022م) |
| التصدير السنوي المُقدَّر للثروة (1901م) | 300 – 400 مليون جنيه إسترليني سنوياً وفق نظرية ناروجي [6] |
| العملة | الروبية الهندية (Indian Rupee) |
| الأحداث التاريخية المحورية | |
| تأسيس شركة الهند الشرقية | 31 ديسمبر 1600م [3] |
| معركة بلاسي | 23 يونيو 1757م |
| معركة بكسر | 22 أكتوبر 1764م |
| ثورة 1857م (الثورة الهندية الكبرى) | 10 مايو 1857م |
| نقل السلطة إلى التاج البريطاني | 1 نوفمبر 1858م |
| مجزرة جاليانوالا باغ | 13 أبريل 1919م |
| استقلال الهند وتقسيمها | 14–15 أغسطس 1947م |
| أبرز الشخصيات | |
| الفاتح العسكري للبنغال | روبرت كلايف (Robert Clive، 1725–1774م) |
| أول حاكم عام (Governor-General) | وارن هاستنغز (Warren Hastings، 1773–1785م) |
| زعيم الاستقلال | ماهاتما غاندي (Mahatma Gandhi، 1869–1948م) |
| أول رئيس وزراء للهند المستقلة | جواهر لال نهرو (1889–1964م) |
| مؤسس باكستان | محمد علي جناح (1876–1948م) |
| الإرث والتبعات | |
| الدول المنبثقة عن التقسيم | الهند، باكستان (وبنغلاديش لاحقاً عام 1971م) |
| ضحايا المجاعات الكبرى | مجاعة البنغال 1770 (~10 ملايين)، مجاعة البنغال 1943 (~3 ملايين) [7] |
أولاً: الهند قبيل الاستعمار — الازدهار الحضاري والتشرذم السياسي
لكي تُستوعب جذور الاستعمار البريطاني في الهند استيعاباً حقيقياً، لا بد من الوقوف أمام المشهد الذي كانت عليه الشبه القارة الهندية قبل أن تطأها أقدام المستعمر الأوروبي. كانت الهند في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين تحكمها الإمبراطورية المغولية الكبرى، التي أرست حضارة رفيعة المستوى جمعت بين العبقرية المعمارية الباهرة والازدهار التجاري المنقطع النظير. فقد كانت المدن المغولية الكبرى كأكبر آباد (أكبر أحدثها) وسورات ودلهي ومرشد آباد مراكزَ عالمية للتجارة، تُصدّر أجود أنواع المنسوجات الحريرية والقطنية والمنتجات الزراعية إلى أسواق الخليج العربي وأوروبا وجنوب شرق آسيا.[5] وكانت الهند تُمثّل ما يقارب 27 بالمئة من الاقتصاد العالمي عام 1700م، في حين لم تتجاوز حصة بريطانيا آنذاك نسبةَ 3 بالمئة من الناتج الإجمالي للعالم.[2]
غير أن بذور الانهيار كانت قد بدأت تتشكّل منذ أواخر عهد الإمبراطور المغولي أورنغزيب (1658–1707م)، الذي أرهق الخزينة الإمبراطورية بحروب لا تنتهي في الدكن جنوباً، وأثار سخط الهندوس والسيخ والماراثا بسياساته الدينية المتشددة. وما إن وافته المنية عام 1707م حتى انفجرت الإمبراطورية من داخلها؛ إذ تنازع أمراء المغول على العرش، وأسّس الولاة المحليون إمارات شبه مستقلة في البنغال وحيدر آباد وأوده والبنجاب والملبار. وفي عام 1739م، شنّ نادر شاه الأفشاري غارته الشهيرة على دلهي، فنهب خزينتها وحمل معه تاج الطاووس وبعض أعظم جواهر التاج المغولي، ثم تلتها غزوات أحمد شاه دراني المتكررة التي أنهكت ما تبقى من قوة الإمبراطورية.[8] وهكذا تحوّلت الهند من إمبراطورية متماسكة إلى فسيفساء متشرذمة من الحكّام المتنافسين الضعفاء، وكان هذا التشرذم هو الدعوة الضمنية للقوى الأوروبية الطامحة كي تملأ الفراغ.
ولم تكن بريطانيا الدولة الأوروبية الأولى التي مدّت يدها نحو الهند؛ فقد سبقها البرتغاليون الذين أسّسوا أولى تجمعاتهم التجارية على الساحل الهندي مطلع القرن السادس عشر، إذ فتح ألبوكيرك جوا عام 1510م لتتحول إلى مركز ربح استعماري برتغالي لقرون. وجاء بعدهم الهولنديون والفرنسيون والإنجليز، وانخرطوا جميعاً في منافسة محتدمة للسيطرة على خطوط التجارة ومواقع الامتياز التجاري. وكان الصراع الفرنسي-البريطاني هو الأشد حدةً وأوسعه نطاقاً، وسيكون له الأثر الحاسم في تحديد من سيهيمن نهاية المطاف على الشبه القارة.[9]
ثانياً: نشأة شركة الهند الشرقية البريطانية وتأسيسها (1600م)
في آخر يوم من القرن السادس عشر، الحادي والثلاثين من ديسمبر عام 1600م، أصدرت الملكة إليزابيث الأولى ملكة إنجلترا ميثاقها الملكي الشهير لمجموعة من التجار اللندنيين البالغ عددهم 218 تاجراً ومستثمراً، مانحةً إياهم احتكاراً تجارياً على التجارة في المناطق الواقعة شرق رأس الرجاء الصالح وغرب مضيق ماجلان لمدة خمس عشرة سنةً قابلة للتجديد.[3] وُلدت بذلك شركة الهند الشرقية البريطانية (East India Company)، التي كانت تُعرف آنذاك بـ”شركة التجار الإنجليز المتاجرين في جزر الهند الشرقية”، والتي لم يكن أحد يتصور أنها ستتحول يوماً من كيان تجاري متواضع إلى إمبراطورية استعمارية تحكم مئات الملايين من البشر.
كان الدافع الأصلي لتأسيس الشركة تجارياً بامتياز؛ إذ أرادت إنجلترا كسر الهيمنة البرتغالية والإسبانية المزدوجة على التجارة مع الشرق، لا سيما تجارة التوابل التي كانت ذهبَ العصر وأثمنَ بضائعه. كانت حادثة تدمير الأرمادا الإسبانية عام 1588م قد فتحت الطريق أمام التجار الإنجليز للانخراط في المنافسة على أسواق الشرق الأقصى والهند.[10] وجاء أول أسطول للشركة مؤلفاً من خمس سفن برئاسة جيمس لانكستر عام 1601م، توجّه صوب ملقا وسومطرة لجلب التوابل. وسرعان ما أدركت الشركة أن الهند بمنسوجاتها القطنية الفاخرة هي الوجهة الأكثر ربحاً، إذ كانت تلك المنسوجات تُباع في أوروبا بأسعار مرتفعة جداً.
حصلت الشركة عام 1613م على إذن من الإمبراطور المغولي جهانجير لإنشاء أول مركز تجاري لها في سورات على الساحل الغربي للهند، وكان ذلك نقطة البداية الفعلية للتموضع البريطاني في شبه القارة.[4] وبعدها أسّست الشركة سلسلة من المراكز التجارية التي عُرفت بـ”المصانع” (Factories)، لا لأنها تُصنّع شيئاً بل لأنها كانت مقرات العوامل التجاريين (Factors)؛ ففي جنوب الهند أُسّست مدراس (تشيناي الحالية) عام 1639م، وفي الغرب استُحوذت على بومباي (مومباي) عام 1661م ضمن مهر زواج الملكة كاترين الأميرة البرتغالية، وفي الشرق تأسّست كلكتا (كولكاتا) عام 1690م لتصبح الأهم بينها جميعاً والعاصمة المستقبلية للهند الاستعمارية. وهكذا نشأت ثلاث رئاسات (Presidencies) أو مناطق رئيسية للشركة — بومباي ومدراس والبنغال — كل منها تحمل جهازاً إدارياً وعسكرياً خاصاً بها.[11]
وكانت الشركة في بواكيرها تمارس نشاطها التجاري بتوازن واحترام نسبيَّين لسلطة الحكام المحليين، إذ كان ذلك شرطاً أساسياً لاستمرار امتيازاتها التجارية. بيد أن طبيعة الشركة بدأت تتغير تدريجياً مع منتصف القرن السابع عشر، حين أخذت تبني قواتها العسكرية الخاصة والمعروفة بـ”السيبوي” (Sepoys)، وهم جنود هنود يُدرَّبون على الأسلوب الأوروبي في القتال ويخضعون لقيادة ضباط بريطانيين. وقد شكّل هذا التسليح الخاص الانتقال الصامت من شركة تجارية إلى قوة شبه عسكرية قادرة على فرض إرادتها بالقوة.
ثالثاً: التوسع التجاري وبناء مراكز النفوذ — الطريق إلى الهيمنة
على مدار القرن السابع عشر وصدر القرن الثامن عشر، تصاعد النفوذ البريطاني في الهند بوتيرة بطيئة لكن مثابرة، مستفيداً من عوامل متضافرة: ضعف الإمبراطورية المغولية وتصاعد التنافس الأوروبي، لا سيما بين بريطانيا وفرنسا. وكان التنافس الفرنسي-البريطاني على الهند جزءاً من صراع إمبريالي أوسع عُرف بحرب السنوات السبع (1756-1763م)، وهو النزاع الذي يصفه بعض المؤرخين بأنه “أول الحروب العالمية” حقاً، لأنه امتد من أمريكا الشمالية إلى الكاريبي إلى أفريقيا وآسيا. وفي الهند تحديداً، كان الصراع بين المصالح الفرنسية التي يمثلها دوبليه ومن بعده بوسي، وبين المصالح البريطانية التي يمثلها روبرت كلايف.[12]
كانت الشركة البريطانية قد بدأت تتدخل علناً في شؤون الأمراء الهنود منذ مطلع القرن الثامن عشر، مقدّمةً دعمها العسكري لأحد المتنافسين على العرش مقابل امتيازات تجارية وأراضٍ جديدة. وكان هذا الأسلوب نموذجاً متكرراً في توسعها؛ إذ لم تكن تفتح جبهات قتال مباشرة في البداية بقدر ما كانت تُحرّك قطع الشطرنج المحلية لمصلحتها. ومن أبرز تجليات ذلك في منطقة الدكن، حين تدخلت الشركة لدعم أحد المطالبين بحكم حيدر آباد، مما أكسبها موطئ قدم ثابتاً في الجنوب الهندي. وفي الوقت نفسه، كانت المواجهة مع الفرنسيين تتصاعد، وقد دارت معارك حاسمة في منطقة الكرناتيك بالجنوب، انتهت بتراجع النفوذ الفرنسي وتعزيز الموقع البريطاني.[8]
وكان نظام “التسوية الفرعية” أو “التحالف المساعد” (Subsidiary Alliance)، الذي طوّره الجنرال ريتشارد ويلسلي لاحقاً، من أمضى الأدوات الاستعمارية البريطانية؛ إذ كان يقضي بأن يوافق الأمير المحلي على وضع قوات بريطانية داخل أراضيه وإعالتها على نفقته، مقابل حماية بريطانية من أعدائه. وكانت النتيجة الحتمية أن ينفد خزين الأمير في سداد تكاليف تلك القوات، ثم تتولى الشركة ضم أراضيه إذا عجز عن الدفع، ليُصبح الأمير أسيراً في قصره والبريطانيون أسياد مملكته الفعليين. وهكذا انضوت ممالك كبرى كحيدر آباد وميسور وأوده والسيخ تحت هيمنة هذا النظام الخانق.[13]
رابعاً: معركة بلاسي (1757م) — البوابة إلى الإمبراطورية
لا يُبالغ المؤرخون حين يصفون معركة بلاسي بأنها الحدث الذي غيّر وجه العالم؛ فقد كانت هذه المواجهة، التي لم تستمر سوى بضع ساعات في يوم ممطر من أيام يونيو 1757م، هي الشرارة التي أشعلت فتيل الهيمنة البريطانية الشاملة على الشبه القارة الهندية لنحو قرنين من الزمان. وقعت المعركة في قرية بالاشي (Palashi) على ضفاف نهر هوجلي في البنغال، بين جيش شركة الهند الشرقية بقيادة العقيد روبرت كلايف الذي لا يتعدى ثلاثة آلاف جندي بينهم نحو ألفي سيبوي هندي وثمانمئة أوروبي وعشرة مدافع ميدانية فحسب، وجيش نواب البنغال سراج الدولة المؤلف من خمسين ألف محارب بينهم ستة عشر ألف فارس وخمسون مدفعاً تقودها كوادر فرنسية محترفة.[12]
كانت النتيجة المنطقية لمثل هذا التفاوت العددي والتسليحي أن تنتهي المعركة بهزيمة نكراء للبريطانيين، لكن الأمور لم تجرِ وفق المنطق العسكري المجرد؛ إذ كان كلايف قد أحكم خيوط مؤامرة داخلية بالغة الدهاء، محوَرها قائد جيش النواب نفسه مير جعفر، الذي وعده بتنصيبه حاكماً جديداً على البنغال مقابل التخلي عن نواب والوقوف جانباً أثناء المعركة. وقد دعم مير جعفر في مؤامرته عائلة جاغات سيث المصرفية الثرية التي كانت تهاب اضطراب التجارة، فضلاً عن عدد من كبار أمراء البلاط الساخطين على سراج الدولة. كتب المؤرخ المعاصر رانجيت غوها أن حكم الشركة في الهند كان قائماً بالقسر والتواطؤ، وأن ما جرى في بلاسي كان نموذجاً صارخاً لكيفية بناء الإمبراطوريات من الداخل عبر شراء الولاءات.[14]
بدأت المعركة في صباح الثالث والعشرين من يونيو 1757م بتبادل لإطلاق المدفعية، ثم هطل مطر غزير أفسد باروداً نواب البنغال لأنهم لم يغطوا مدافعهم بينما فعل ذلك البريطانيون. وحين ظن النواب أن مدافع العدو هي الأخرى مشلولة، أمر قواته بالتقدم فاصطدمت بوابل من نيران المدفعية البريطانية، وفي تلك اللحظة رفض مير جعفر الانضمام بقواته الغفيرة إلى القتال، مما أثار الهلع في صفوف الجيش وأسقط الروح المعنوية. فرّ سراج الدولة على ظهر جمل سريع ولاحق قواته بالفرار. ووفقاً لتقرير كلايف نفسه، لم يخسر البريطانيون سوى ثمانية عشر قتيلاً، فيما بلغ قتلى النواب نحو خمسمائة.[15]
كسب كلايف معركة بلاسي “بالترويج للخيانة والتزوير”، وإن للحكم البريطاني في الهند “بداية كريهة ولا يزال شيء من ذلك الطعم المر ملتصقاً به حتى الآن.”
— جواهر لال نهرو، اكتشاف الهند (The Discovery of India)، 1946م
كانت النتائج الاقتصادية للمعركة كارثية على البنغال وباهرة لبريطانيا؛ إذ كلّف كلايف مير جعفر مبالغ ضخمة وتنازلات تجارية واسعة: منح الشركة حق التجارة المجانية في البنغال وبيهار وأوريسا، ودفع مئة وثمانين ألف جنيه إسترليني لكلايف شخصياً ليصبح في الثانية والثلاثين من عمره واحداً من أثرى رجال الهند، فضلاً عن ثلاثة ملايين روبية تعويضاً لكلكتا، ومنح ضخمة لضباط الجيش والبحرية. وقد وثّق المؤرخ الاقتصادي بي جي مارشال أن إيرادات الشركة من البنغال ارتفعت أكثر من عشرة أضعاف بين عامَي 1757م و1765م، بينما انهار الإنتاج المحلي وتدهورت الصناعة التقليدية.[14]
خامساً: معركة بكسر (1764م) وحق جباية الضرائب
لم تكن بلاسي وحدها كافيةً لإرساء الهيمنة البريطانية التامة؛ فقد استمر الصراع على سلطة البنغال الفعلية، وتوتّرت العلاقة بين الشركة ومير قاسم خلف مير جعفر، الذي رفض أن يكون أداةً طيّعة ورأى في الشركة خطراً وجودياً على ما تبقى من سيادة البنغال. فتحالف مير قاسم مع نواب أوده شجاع الدولة والإمبراطور المغولي شاه عالم الثاني في مواجهة الشركة، وكانت معركة بكسر في أكتوبر 1764م هي الحسم النهائي لهذا التحالف. رغم أن جيش التحالف كان يضم نحو أربعين ألف مقاتل في مواجهة سبعة آلاف جندي بريطاني، فإن الأداء العسكري المحكم للشركة وتفوقها التكتيكي منحاها النصر الحاسم.[8]
كانت النتيجة الأهم لمعركة بكسر ليست عسكريةً بل إدارية؛ إذ منح الإمبراطور المغولي شاه عالم الثاني الشركةَ حق الديواني (Diwani) أي حق جباية الضرائب والإيرادات في البنغال وبيهار وأوريسا باتفاقية علاهاباد عام 1765م. وكان هذا التحول نقلة نوعية في تاريخ الاستعمار؛ لأن الشركة انتقلت من مجرد كيان تجاري يدفع ضرائب إلى سلطة جابية ضرائب ذات صلاحيات شبه سيادية. وكتب المؤرخ البريطاني نيك روبنز أن منح الديواني كان “اختطافاً للاقتصاد الكامل لإقليم بأسره”، وأنه حوّل الشركة من تاجر إلى حاكم دون أن تتحمل مسؤوليات الحاكم أمام أحد.[3]
سادساً: آليات حكم شركة الهند الشرقية وسياساتها
بعد أن أحكمت شركة الهند الشرقية قبضتها على البنغال، شرعت في بناء جهاز حكمها الاستعماري باستخدام مجموعة من الآليات المتكاملة. وكان وارن هاستنغز، أول حاكم عام رسمي للهند (1773-1785م)، هو من أرسى قواعد الإدارة الاستعمارية المنهجية؛ إذ قنّن القوانين ونظّم جباية الإيرادات وعصرن الإدارة. جاء بعده اللورد كورنواليس (1786-1793م) الذي أدخل نظام التسوية الدائمة (Permanent Settlement) عام 1793م في البنغال وبيهار وأوريسا، وكان نظاماً استعمارياً أثقل كاهل الفلاح الهندي بصورة لم يشهدها التاريخ؛ إذ حدّد معدلات الضرائب الزراعية تثبيتاً دائماً لا يتغيّر، وفرض على ملاك الأراضي (الزمينداريين) تسليم عشرة أحد عشر من الإيراد إلى الشركة، محتفظين بواحد من أحد عشر لأنفسهم.[8]
وكانت التبعات الاجتماعية لهذا النظام مدمّرة؛ فكل زميندار عجز عن سداد الضريبة في موعدها فقد أرضه بالمزاد العلني، في حين أن الفلاحين المزارعين لم يحصلوا على أي ضمان قانوني لحقوقهم في الأرض التي يزرعونها منذ أجيال. وهكذا نشأت طبقة أرستقراطية جديدة من ملاك الأراضي الغائبين الذين يقطنون في المدن ويستأجرون الأرض للفلاحين بشروط جائرة، بينما تدهورت أحوال الزراعة الفعلية وأصبح الفلاح رهينة ديون متراكمة. وفي المناطق التي لم تشملها التسوية الدائمة طُبّق نظام الريوتواري (Ryotwari) الذي تجبي فيه الحكومة الضريبة مباشرةً من كل فلاح، ونظام المهالواري (Mahalwari) الذي يُحمّل القرية بأسرها مسؤولية سداد الضريبة الجماعية.[9]
كذلك استخدمت الشركة سياسة “عقيدة الانضمام” أو “مبدأ التبعية” (Doctrine of Lapse) التي كان أبرز المدافعين عنها اللورد دالهوزي (1848-1856م)؛ وبموجبها كان يُحظر على الأمير الذي لا يملك وريثاً بيولوجياً أن يتبنى وارثاً من أفراد أسرته لتولي الحكم بعد وفاته، وكان يتم ضم إمارته إلى أملاك الشركة مباشرةً. وقد ابتلعت الشركة بهذه الوسيلة إمارات مهمة كساتارا وناغبور وجهانسي وأوده، مما أثار سخطاً واسعاً في صفوف الأمراء الهنود وزرع بذور الثورة القادمة.[1]
سابعاً: الاستغلال الاقتصادي ونظرية الاستنزاف
يُمثّل الاستغلال الاقتصادي الممنهج العمودَ الفقريَّ لأي فهم حقيقي للاستعمار البريطاني في الهند. وقد صاغ الاقتصادي والزعيم القومي الهندي داداباي ناروجي (1825-1917م) نظريته الشهيرة بـ”نظرية الاستنزاف” (Drain Theory) في سلسلة من المحاضرات ابتداءً من عام 1867م ثم جمعها في كتابه المرجعي “الفقر وعدم التزام بريطانيا تجاه الهند” (Poverty and Un-British Rule in India) الصادر عام 1901م، وفيه وثّق كيف أن الحكم البريطاني أدى إلى تحويل منهجي لثروات الهند إلى بريطانيا دون مقابل حقيقي.[6] وقدّر ناروجي أن الاستنزاف السنوي يتراوح بين 300 و400 مليون جنيه إسترليني عام 1901م، أي ما يعادل ربع إجمالي الإيرادات الضريبية الهندية، وأن العبء الضريبي في الهند عام 1886م بلغ 14.3 بالمئة من الدخل الإجمالي مقارنةً بـ6.93 بالمئة فحسب في إنجلترا.
وتتضافر الدراسات التاريخية الحديثة في تأكيد هذه الرواية؛ فقد خلصت دراسة اقتصادية تحليلية لعالمَي الاقتصاد أوتسا وبرابهات باتنايك الصادرة عن مطبعة جامعة كولومبيا عام 2022م إلى أن بريطانيا استخرجت ما يُعادل بالقيمة الحالية نحو 45 تريليون دولار من الهند على مدار سنوات الاستعمار، وهو رقم خيالي يُفسّر جزئياً لماذا تحوّلت بريطانيا خلال تلك الحقبة من دولة صغيرة نسبياً إلى إمبراطورية صناعية كونية. وتراجعت حصة الهند من الاقتصاد العالمي من 27 بالمئة عام 1700م إلى 3 بالمئة فحسب عام 1947م، في حين ارتفعت حصة بريطانيا من أقل من 3 بالمئة عام 1700م إلى أكثر من 9 بالمئة عام 1870م.[2]
وكانت آليات الاستنزاف متعددة ومتشابكة؛ أبرزها ما عُرف بـ”الرسوم المنزلية” (Home Charges)، وهي مدفوعات كانت تُحوَّل سنوياً من خزينة الهند إلى لندن لتمويل رواتب الموظفين البريطانيين في الهند وتكاليف الإدارة الاستعمارية وفوائد الديون المفروضة على الهند نفسها، بلغت بحلول مطلع القرن العشرين أكثر من عشرين مليون جنيه إسترليني سنوياً. يُضاف إلى ذلك تحميل الهند نفقات الحملات العسكرية البريطانية التوسعية خارج حدودها، كحملات أفغانستان وبورما والصين وأفريقيا، في إجحاف فاضح لم يكن للهنود فيه أي رأي.[3]
أما تدمير الصناعات الهندية التقليدية فيُمثّل فصلاً مظلماً آخر من فصول الاستغلال الاقتصادي؛ إذ كانت البنغال وحدها تُعدّ مركزاً عالمياً لصناعة المنسوجات القطنية والحريرية الفاخرة، تحديداً منسوج الموسلين البنغالي الذي كان يُوصف بأنه “نسج الهواء المنسوج”، لدرجة شفافيته ونعومته. غير أن الشركة سعت منذ البداية إلى إغراق الأسواق الهندية بالمنسوجات البريطانية الرخيصة المنتجة بآلات الثورة الصناعية، مع فرض تعريفات جمركية تصل إلى 70-80 بالمئة على الصادرات الهندية إلى بريطانيا في حين تدخل البضائع البريطانية إلى الهند بتعريفات لا تتجاوز 2-3 بالمئة، مما دمر التوازن التجاري تدميراً كاملاً وأجبر ملايين الحرفيين الهنود على الإفلاس والعودة إلى الزراعة في أرض مُثقلة أصلاً بالضرائب.[8]
ثامناً: المجاعات الكبرى — الثمن البشري للاستعمار
تُمثّل المجاعات التي ضربت الهند الاستعمارية إحدى أشد صفحات تاريخ الاستعمار البريطاني قتامةً وإدانةً؛ فبين عامَي 1765م و1947م، شهدت الهند ما لا يقل عن ثلاثين مجاعة كبرى، أودت بحياة ما يتراوح بين خمسة وثلاثين وسبعة وخمسين مليون شخص وفق التقديرات المختلفة. وكان أشد هذه المجاعات إيلاماً مجاعة البنغال الكبرى عام 1770م، التي وقعت بعد خمس سنوات فحسب من توليّ الشركة حق الديواني، وكانت السياسات الضريبية الجائرة وإهمال الحكومة قد دفعا ملايين الفلاحين إلى حافة الهاوية. وقد اعترفت وثائق الشركة الداخلية بأن المجاعة أودت بما بين ثلث ونصف سكان بعض مناطق البنغال، مما يعني وفاة نحو عشرة ملايين إنسان في سنوات معدودة.[3]
وعلى مدار القرن التاسع عشر، تكررت المجاعات بانتظام مرعب كلما تزامنت شُح الأمطار مع السياسات الاستعمارية الجائرة. ففي مجاعة الدكن (1876-1878م) وحدها هلك ما بين ستة وعشرين مليون إنسان وفق بعض التقديرات، وسط إصرار الإدارة البريطانية على مواصلة تصدير الغذاء من الهند في ذروة المجاعة، مدفوعةً بمبادئ الاقتصاد الحر السائد آنذاك والقائل بعدم التدخل في قوانين السوق حتى في أوقات الكوارث الإنسانية. وقد وثّق المؤرخ البريطاني الناقد مايك ديفيس في كتابه الصادر عام 2001م “مجاعات فيكتوريا المتأخرة” أن هذه المجاعات لم تكن كوارث طبيعية بل نتاجاً مباشراً لسياسات استعمارية متعمدة أدت إلى تدمير الاحتياطيات الغذائية المحلية وتهميش قدرات الهنود على الصمود أمام الجفاف.
وكانت الخاتمة المأساوية لهذا المسلسل الدموي مجاعة البنغال عام 1943م، التي أودت بحياة نحو ثلاثة ملايين شخص في واحدة من أكثر حوادث القرن العشرين إيلاماً.[7] ما يجعل هذه المجاعة أشد إدانةً من سابقاتها هو أنها لم تنجم عن قصور في الإنتاج الغذائي بل عن ما يصفه الاقتصادي أمارتيا سن بـ”فشل الاستحقاق”، أي أن الغذاء كان موجوداً لكن الفقراء لم يملكوا القدرة الشرائية للحصول عليه في ظل تضافر عوامل مصطنعة: سياسة الإنكار البريطانية في مناطق الساحل خشية الغزو الياباني التي أدت إلى إتلاف سفن الصيد وموارد الغذاء، وأولوية إمداد القوات العسكرية، والتضخم الجامح، وحظر تصدير الأرز الذي سبق أن أُلغي في توقيت بالغ السوء. وقد كشفت وثائق الحقبة أن رئيس الوزراء ونستون تشرشل رفض طلبات المسؤولين ووزير الهند ليوبولد آمري لإرسال سفن غذاء إلى البنغال، ويُنسب إليه قوله إنه لا يرى ما يبرر “مشاعر القلق” تجاه أقوام “يتكاثرون كالأرانب”، في ما وصفه نواب البرلمان لاحقاً بأنه إهمال جنائي.[16]
تاسعاً: الثورة الهندية الكبرى (1857م) — أول حرب للاستقلال
في العاشر من مايو عام 1857م، اندلع في مدينة ميروت شمال شرق دلهي ما بدأ كتمرد عسكري ضيق النطاق ليتحول بسرعة مذهلة إلى أشمل انتفاضة مسلحة عرفتها الهند في القرن التاسع عشر. قتل الجنود الهنود (السيبوي) في ميروت ضباطهم البريطانيين، ثم ساروا نحو دلهي حيث أعلنوا الإمبراطور المغولي الشيخ الثمانيني بهادر شاه زفر إمبراطوراً على هندوستان، مما أعطى الثورة شرعيةً سياسية ورمزيةً رفيعة المستوى.[4] وسرعان ما امتدت ألسنة الثورة لتشمل مناطق واسعة من شمال الهند ووسطها، وبرزت قيادات استثنائية أصبحت أيقونات وطنية: لكشمي بائي ملكة جهانسي التي دافعت عن مملكتها ببسالة حتى استشهادها في المعركة، ونانا صاهب في كانبور، وتانتيا توبي القائد العسكري الموهوب، وكونوار سينغ الزعيم الثمانيني في بيهار.
كانت الأسباب المباشرة للثورة تتعلق بالكارتريج الجديد لبندقية إنفيلد ذات المقذوف البارز، الذي كان يستلزم عضّ طرفيه قبل وضعه في البندقية، وشاعت الشائعات بأن الدهن المستخدم في تشحيمه مستخلص من شحم الخنزير والبقرة، مما يمس المحرمات الدينية للمسلمين والهندوس على حد سواء. بيد أن هذا السبب لم يكن سوى القشة التي قصمت ظهر البعير؛ إذ كانت جذور الثورة أعمق بكثير: السخط التراكم من سياسة الانضمام القسري للإمارات، والضغائن الاجتماعية المتراكمة من الإصلاحات الثقافية البريطانية التي رآها الهنود تهديداً لهويتهم الدينية والاجتماعية، والإفقار الاقتصادي المتزايد بفعل السياسات الضريبية، والاحتقار العنصري الذي كان يعامل به الضباط البريطانيون نظراءهم الهنود في جيش الشركة.[1]
كان الرد البريطاني على الثورة بالغ القسوة؛ إذ جُنّد مقاتلو البنجاب والسيخ والكوركا الذين لم ينضموا إلى الثورة لقمع مناطق أخرى. ودارت معارك طاحنة في لكناو وكانبور ودلهي وجهانسي، وتفاخر بعض الضباط البريطانيين بأعمال انتقام وحشية لا تزال تُثير الجدل حتى اليوم. وبحلول نهاية عام 1858م كانت الثورة قد أُخمدت بالقوة، وصدر قانون حكومة الهند الذي نقل السلطة من الشركة إلى التاج البريطاني مباشرةً، وصدر قرار إبعاد بهادر شاه زفر إلى رانغون في بورما حيث قضى بقية حياته في المنفى ودُفن هناك بعيداً عن أرض أجداده.[17]
وكانت التبعات السياسية للثورة جذرية وعميقة؛ فقد أعاد البريطانيون هيكلة جيش الهند بزيادة نسبة الجنود الأوروبيين إلى الهنود، وركّزوا على التجنيد من مجتمعات بعيدة جغرافياً ومتباينة إثنياً لمنع التضامن بين الجنود الهنود. كما أُلغيت شركة الهند الشرقية رسمياً وحلّت محلها الإدارة المباشرة لتاج بريطانيا، وأعلنت الملكة فيكتوريا في أول نوفمبر 1858م قيام الراج البريطاني المباشر ووعدت بعدم التدخل في شؤون الأمراء الهنود الذين أبدوا الولاء لبريطانيا، وبتكافؤ الفرص للهنود في الوظائف الحكومية — وعود ستكشف التجربة اللاحقة أن تطبيقها جاء منقوصاً وانتقائياً.[5]
عاشراً: الراج البريطاني — حكم التاج المباشر (1858م – 1947م)
شكّل قانون حكومة الهند الصادر عام 1858م التحوّلَ الرسمي من عصر شركة الهند الشرقية إلى عصر الراج البريطاني المباشر (British Raj)، وهي التسمية المشتقة من الكلمة الهندية “راج” (Raj) التي تعني الحكم والسلطة. وأصبحت الهند بذلك الجوهرةَ الأكثر بريقاً في التاج الإمبريالي البريطاني، وهو الوصف الذي أطلقه بنيامين دزرائيلي رئيس الوزراء البريطاني حين نصّب الملكة فيكتوريا إمبراطورةً على الهند عام 1876م في احتفال مبهر أقيم في دلهي.[1]
تجلّت مظاهر الراج البريطاني في منظومة إدارية بيروقراطية هرمية مركزها نائب الملك (Viceroy) المقيم في كلكتا ثم نيودلهي، وتحته جهاز الخدمة المدنية الهندية (Indian Civil Service – ICS) الذي كان يُطلق عليه البريطانيون بثقة واضحة “الفولاذ الإطاري الذي يُمسك الهند”، ولم يكن يضم في معظم حقبته إلا أقلية ضئيلة جداً من الهنود في مراكزه القيادية. وكانت الهند البريطانية مُقسَّمة إلى ثلاثة مستويات: المناطق التي تحكمها الإدارة البريطانية مباشرةً، والإمارات الهندية (princely states) التي يحكمها أمراء هنود في ظل ولاية بريطانية، وتلك التي تقع ضمن نطاق دفاعي بريطاني دون إدارة مباشرة.[5]
وشيّد البريطانيون في عهد الراج بنية تحتية واسعة كانت لها أهداف استراتيجية واقتصادية في المقام الأول قبل أي اعتبار آخر؛ فشبكة السكك الحديدية التي وصلت إلى نحو 70.000 كيلومتر بحلول منتصف القرن العشرين بُنيت في الأساس لتيسير نقل البضائع الخام من الداخل إلى الموانئ، وتسريع تدفق البضائع البريطانية إلى الأسواق الداخلية، وتسهيل تنقل القوات العسكرية عند الحاجة إلى قمع الانتفاضات. وكانت عقود السكك الحديدية ذاتها تُوقَّع مع شركات بريطانية ومُموَّلة من إيرادات الخزينة الهندية، مما يعني أن الهند كانت تدفع ثمن بناء الأداة الاستعمارية التي تُستغل بها.[18]
حادي عشر: السياسة الثقافية والتعليمية ومشروع الهيمنة الفكرية
لم يكتفِ الاستعمار البريطاني بالسيطرة الاقتصادية والعسكرية، بل سعى بوعي مدروس إلى إعادة هندسة العقل الهندي وإحلال منظومة قيمية وفكرية غربية محل المنظومة الهندية العريقة. وكان الرجل الذي صاغ هذا المشروع بأوضح صياغة هو توماس ماكولاي، العضو في مجلس تشريع الهند، الذي كتب عام 1835م مذكرته الشهيرة في التعليم والتي صارت إحدى الوثائق التأسيسية للإمبريالية الثقافية البريطانية. وقد نصّت هذه المذكرة صراحةً على الهدف من التعليم الإنجليزي في الهند: تكوين “طبقة من الأشخاص هنود في دمائهم ولون بشرتهم، لكن بريطانيو الأذواق والآراء والأخلاق والعقول”، تكون جسراً بين المستعمَرين البريطانيين والكتلة الهندية الغفيرة التي يستحيل تعليمها مباشرةً.
وترتّب على هذه السياسة الثقافية نتائج إشكالية معقدة ولا تزال تُثير الجدل الأكاديمي؛ فمن ناحية أفرزت طبقة من المثقفين الهنود تلقّوا التعليم الإنجليزي فاستوعبوا أدوات الفكر الغربي الحديث كالليبرالية والديمقراطية وحقوق الإنسان، واستخدموها بعد ذلك سلاحاً فكرياً في مواجهة الاستعمار ذاته، وهو ما لاحظه ماهاتما غاندي بتهكّم حين قال إن البريطانيين علّموا الهنود الاحتجاج. ومن ناحية أخرى، أحدث هذا النظام التعليمي فجوة طبقية حادة بين النخبة المتعلمة بالإنجليزية والكتلة الشعبية الواسعة، وساهم في تآكل الموروث الثقافي واللغوي الهندي وتهميش اللغات المحلية في الإدارة والقضاء والتعليم العالي.[13]
وثمة سياسة استعمارية أخرى بالغة الأثر يُشار إليها بـ”فرّق تسُد” (Divide and Rule)؛ إذ عمدت الإدارة البريطانية إلى تعميق الانقسامات الطائفية بين الهندوس والمسلمين بوسائل متعددة، من بينها إجراء الإحصاءات السكانية على أساس ديني عام 1871م مما أضفى طابعاً رسمياً وأكثر حدةً على الهويات الدينية، ودعم حركة الإصلاح الإسلامية التي ساهمت في نشأة مطالب الاستقلالية السياسية المسلمة، وتأسيس المدارس والكليات الطائفية المنفصلة. وقد قرأ المؤرخون في تقسيم بنغال عام 1905م الذي أجراه اللورد كيرزون على أسس طائفية واضحة مثالاً صارخاً على هذه السياسة، وكان من نتائجه إشعال جذوة الوطنية الهندية بدلاً من إطفائها.[1]
ثاني عشر: مجزرة جاليانوالا باغ (1919م) — الندبة الأعمق
في الثالث عشر من أبريل عام 1919م، التقى في حديقة جاليانوالا باغ (Jallianwala Bagh) في مدينة أمريتسار بولاية البنجاب آلافٌ من السكان المدنيين، بعضهم قَدِم للاحتجاج السلمي ضد قانون رولات القمعي (Rowlatt Act)، وبعضهم حضر للاحتفال بعيد بايساكهي (Baisakhi) الهندوسي والسيخي. كانت الحديقة محاطة بجدران عالية لها مدخل واحد ضيق لا يتجاوز عرضه نحو مترين ونصف. وفي الساعة الخامسة وخمس عشرة دقيقةً من مساء ذلك اليوم، دخل العميد العام ريجينالد دايار على رأس قوة عسكرية لم يُعطِها أي تحذير مسبق للتفرق، ثم أمر جنوده بإطلاق النار مباشرةً على الحشد المحتشد بدون توقف حتى نفدت الذخيرة تقريباً.[19]
تتباين الأرقام المتعلقة بضحايا المجزرة بين المصادر البريطانية والهندية؛ فقد أعلن التقرير البريطاني الرسمي مقتل 379 شخصاً وجرح أكثر من 1100 آخرين، في حين ذهب التحقيق الذي أجرته لجنة المؤتمر الوطني الهندي إلى أن عدد القتلى تجاوز ألفاً ومئتي شخص بينهم نساء وأطفال، وتفيد بعض الروايات بأن كثيرين قفزوا إلى البئر الجافة في الحديقة هرباً من الرصاص فماتوا بالتكدس والاختناق.[20] وأثار الحادث صدمةً واسعة حتى في بريطانيا ذاتها، وكان من أشد ما أدهش الرأي العام أن دايار أقرّ في شهادته أمام لجنة التحقيق بأنه لم يُنذر الحشد ولم يُحاول تفريقه، وأنه جاء بغرض التأديب والعقاب.
إن مجزرة جاليانوالا باغ لم تكن فعلاً نابعاً من هياج جنوني بل كانت فرضاً واعياً ومتعمداً للإرادة الاستعمارية.
— مقتبس من مناقشات مجلس العموم البريطاني حول الذكرى المئوية للمجزرة، أبريل 2019م
وصفها حتى ونستون تشرشل بأنها “حدث وحشي”، وحين زار رئيس الوزراء ديفيد كاميرون موقع المجزرة عام 2013م وصفها بأنها “حدث مخزٍ عميقاً في التاريخ البريطاني”، لكنه لم يقدّم اعتذاراً رسمياً. وكان الملك الراحل تشارلز، حين كان أميراً لويلز، قد تجنّب زيارة الموقع في جولته لشبه القارة عام 2016م، مما جدّد الجدل حول رفض بريطانيا الاعتذار الرسمي.[16] وكان أثر المجزرة على مسار الحركة الوطنية الهندية بالغاً؛ إذ دفع ماهاتما غاندي نحو الانخراط الكامل في قيادة الكفاح الشعبي ضد الاستعمار، وجعل مفهوم الإصلاح في ظل الوجود البريطاني يبدو لكثيرين حلماً ساذجاً.
ثالث عشر: الحركة الوطنية الهندية — من الالتماس إلى العصيان
بدأت الوطنية الهندية المنظّمة تتشكّل مع تأسيس المؤتمر الوطني الهندي (Indian National Congress – INC) عام 1885م، الذي دعا إلى إنشائه الإنجليزي ألن أوكتاوين هيوم بتشجيع من ليبراليين بريطانيين. وكان هدفه الأولي تأسيس منتدى للحوار السياسي المدني بين الهنود المتعلمين والإدارة البريطانية، ومطالبة الأخيرة بتوسيع التمثيل الهندي في أجهزة الحكم. وفي بادئ أمره اتّسم المؤتمر بنهج الاعتدال والالتماس، ومن أبرز قياداته المعتدلة داداباي ناروجي وغوبال كريشنا غوخالي اللذان آمنا بإمكانية تحقيق الإصلاح ضمن الإطار البريطاني.[4]
غير أن العقد الأول من القرن العشرين شهد انقسام المؤتمر بين تيار المعتدلين بقيادة غوخالي وتيار المتطرفين بقيادة بال غانغادار تيلاك الذي رفع شعار “السواراج (الحكم الذاتي) حقي وسأنتزعه”. وأطلقت حادثة تقسيم بنغال عام 1905م حركة السواديشي (Swadeshi Movement) للبضائع المحلية التي شكّلت أولى حركات العصيان الاقتصادي المنظّمة ضد البضائع البريطانية. وبحلول عشرينيات القرن العشرين كان ماهاتما غاندي قد أصبح الشخصية المحورية في المشهد الوطني الهندي كله.[21]
كان غاندي (1869-1948م) ظاهرةً فريدة في تاريخ الحركات الوطنية؛ فهو من الجهة الفكرية صاغ فلسفة “الساتياغراها” (Satyagraha) أي قوة الحقيقة أو المقاومة السلمية، المستوحاة من تعاليم هندوسية وبوذية وتأثيرات الفيلسوف الأمريكي هنري ثورو، ومن الجهة العملية نجح في تحويل حركة نخبوية محدودة إلى كفاح شعبي جماهيري ضمّ الفلاحين والحرفيين والنساء. وكانت المحطات الكبرى لنضاله: حركة عدم التعاون (1920-1922م) التي دعا فيها الهنود إلى مقاطعة المؤسسات البريطانية والبضائع والألقاب الرسمية والمحاكم والتعليم الحكومي، وشكّلت أول تجنيد شعبي واسع النطاق في تاريخ الحركة الوطنية. ثم جاءت “مسيرة الملح” (Salt March) عام 1930م إحدى أشهر لحظات الكفاح؛ إذ قاد غاندي مسيرة شعبية على الأقدام لمسافة نحو 390 كيلومتراً لتكسير احتكار الملح البريطاني، في عمل رمزي عميق الدلالة أوصل رسالة العصيان المدني إلى أنحاء العالم كله.[22]
وكانت الحلقة الكبرى الأخيرة في مسلسل العصيان حركة “اخرجوا من الهند” (Quit India Movement) في أغسطس 1942م، حين أعلن المؤتمر الوطني الهندي قراره التاريخي مطالباً بالانسحاب الفوري لبريطانيا من الهند في خضم الحرب العالمية الثانية. وفي خطابه الشهير الذي ألهب الحشود، أعلن غاندي: “الشعار هو إما ننجح وإما نموت، سنحرر الهند أو نموت في محاولة تحريرها”. ردّت بريطانيا باعتقال غاندي ونهرو وعشرات الآلاف من قيادات المؤتمر، ونشرت القوات العسكرية لتفريق الاحتجاجات، وأفادت التقارير بأن الطائرات البريطانية أطلقت رصاصها على بعض الحشود. وفي سياق موازٍ كانت رابطة مسلمي الهند بقيادة محمد علي جناح تتعزز نفوذها مستفيدةً من غياب قيادات المؤتمر المسجونة، وتتصاعد في مطالباتها بإنشاء دولة باكستان الإسلامية المستقلة.[22]
رابع عشر: تقسيم الهند والاستقلال (1947م) — الفرحة والمأساة في آنٍ واحد
أفضى تآكل القدرة البريطانية الاقتصادية إثر الحرب العالمية الثانية، وتصاعد المطالب الوطنية الهندية، وتنامي الضغوط الدولية لا سيما من الولايات المتحدة والأمم المتحدة الناشئة، إلى قرار حكومة عمال كليمنت أتلي بالانسحاب من الهند. وبعث أتلي باللورد لويس ماونتباتن نائباً جديداً للملك في الهند مطلع عام 1947م، بتفويض التفاوض على انتقال السلطة بأسرع وتيرة ممكنة. وكانت الأزمة الطائفية المتصاعدة بين الهندوس والمسلمين، والتي بلغت ذروتها في مذابح كلكتا عام 1946م، تُضغط نحو حل التقسيم لتجنب حرب أهلية شاملة.[21]
أعلن ماونتباتن في يونيو 1947م خطة التقسيم التي تقضي بقيام دولتين مستقلتين: الهند ذات الأغلبية الهندوسية، وباكستان ذات الأغلبية المسلمة المؤلفة من جزأين متفرقين جغرافياً (غرب باكستان وشرق باكستان، والأخيرة ستصبح بنغلاديش عام 1971م). وفي منتصف ليلة الرابع عشر نحو الخامس عشر من أغسطس 1947م رُفع العلم الهندي فوق قلعة دلهي الحمراء، وألقى رئيس الوزراء جواهر لال نهرو خطابه التاريخي الذي افتتحه بعبارته الشهيرة “في منتصف الليل، حين ينام العالم، تستيقظ الهند على الحرية”.[17]
غير أن الاستقلال والتقسيم جاءا مصحوبَين بواحدة من أكبر الفواجع الإنسانية في تاريخ القرن العشرين؛ إذ تهجّر ما بين اثني عشر ومليار وخمسة عشر مليون إنسان في أكبر موجة نزوح جماعي في التاريخ الحديث، فراراً من مناطق أصبحت “الطرف الخطأ” من حدود التقسيم الجديدة التي رسمها المسؤول البريطاني سريل رادكليف خلال أسابيع قليلة دون معرفة وافية بالجغرافيا المحلية والبشرية. وتقدّر أرقام الضحايا من أعمال العنف الطائفي التي اندلعت خلال عملية التقسيم بين مئتي ألف ومليون قتيل، في مذابح متبادلة طالت الهندوس والمسلمين والسيخ على حد سواء. وبقي نزاع كشمير الحدودي دون حل حتى اليوم، محوراً لثلاث حروب هندية باكستانية كاملة وعشرات الأزمات الأمنية المتواترة.[4]
خامس عشر: الإرث الاستعماري — جراح لم تندمل وأسئلة لم تُجَب
لا يزال الإرث الاستعماري البريطاني في الهند مثار نقاش أكاديمي وسياسي حاد على مستوى العالم؛ فمن ناحية يُشير المدافعون عن الإرث الاستعماري إلى أن بريطانيا أرست في الهند بنية مؤسسية قانونية وإدارية شكّلت النواة التي بنت عليها الهند المستقلة دولتها الجمهورية الديمقراطية، وأن شبكة السكك الحديدية ونظام التعليم الحديث ومنظومة القانون المدني والخدمة المدنية كلها مكتسبات لا تُنكر. ومن ناحية مقابلة يرى المنتقدون أن كل هذه “الهدايا” كانت في حقيقتها أدوات استعمارية لخدمة المصالح البريطانية، وأن ثمنها كان انتزاع عشرات التريليونات من الدولارات وإفقار مئات الملايين وسقوط الملايين في المجاعات التي كانت بريطانيا قادرة على تفاديها.[5]
ثمة ندوب استعمارية لا تزال حاضرة وحيّة في منطقة جنوب آسيا؛ أبرزها نزاع كشمير الذي يُمثّل قنبلة موقوتة نووية بين دولتين تمتلكان ترسانات نووية معلنة، وكان جذره الأول في القرار الاستعماري المتسرع الذي ترك مصير الإمارات غير محسوم في خريطة التقسيم. كذلك تنشأ مسألة الحدود المتنازع عليها بين الهند والصين بعضُ جذورها في الرسوم البريطانية التعسفية التي لم تحظَ بموافقة الطرف الصيني. وعلى الصعيد الاقتصادي، لا يزال باحثون اقتصاديون يتساءلون كيف كان سيبدو مسار التنمية الهندية لو بقيت تلك الحصة الكبيرة من الناتج العالمي في الداخل الهندي بدلاً من أن تضخّ في الثورة الصناعية البريطانية.[2]
في السياق المعاصر، تجدّدت مطالبات الاعتذار والتعويض الهندية تجاه بريطانيا، لا سيما مع مناسبات الذكرى المئوية لمجزرة جاليانوالا باغ عام 2019م والذكرى السنوية لتقسيم الهند. وفي عام 2023م، نشر المؤرخ البريطاني شاشي ثارور كتابه الأكثر مبيعاً “إنغلوريا” (Ingloria) الذي دعا فيه بريطانيا إلى الاعتراف بجرائمها الاستعمارية وتقديم تعويض رمزي، ليُعيد إشعال نقاش واسع في المجتمع البريطاني حول كيفية التعامل مع الإرث الاستعماري في المناهج والذاكرة الجمعية. والحقيقة أن تسوية الحسابات مع هذا الإرث لا تزال ناقصة، وما يبدو جلياً أن العلاقة بين الهند وبريطانيا ما زالت تُدار في أحيان كثيرة في ظل صمت مُربك حيال فصول تاريخية لا يمكن تجميلها.[19]