| بيانات عامة | |
| التسمية | الوحدة الإيطالية (الريسورجيمنتو، أي “النهضة من جديد”) |
| الفترة الزمنية | من مؤتمر فيينا 1815م حتى ضم روما 1870م |
| إعلان المملكة | 17 مارس 1861م |
| اكتمال الوحدة | 1871م بضم روما وجعلها العاصمة |
| الشخصيات المحورية | |
| المنظّر الأيديولوجي | جوزيبي مازيني، مؤسس حركة “إيطاليا الفتاة” |
| الدبلوماسي المحرّك | كافور، رئيس وزراء مملكة سردينيا-بيدمونت |
| القائد العسكري الشعبي | جوزيبي غاريبالدي |
| الملك الموحِّد | فيكتور عمانوئيل الثاني، أول ملوك إيطاليا الموحدة |
| محطات التوسع الإقليمي | |
| 1859م | ضم لومبارديا بعد الحرب الثانية ضد النمسا |
| 1860م | حملة “الألف” وضم مملكة الصقليتين وتوسكانا ودوقيات وسط إيطاليا |
| 1866م | ضم البندقية (فينيتيا) عقب الحرب النمساوية البروسية |
| 1870م | ضم روما والدولة البابوية عقب انسحاب الحامية الفرنسية |
تشير الوحدة الإيطالية، أو ما يُعرف في المصادر الإيطالية بـ”الريسورجيمنتو” أي “النهضة من جديد”، إلى العملية السياسية والعسكرية الطويلة والمعقدة التي أفضت إلى تجميع الدويلات والإمارات الإيطالية المتناثرة، والتي ظلت لقرون طويلة مقسّمة ومتنازعة النفوذ بين قوى محلية ونفوذ أجنبي نمساوي وفرنسي بابوي، في كيانٍ سياسي واحد، تُوّج بإعلان قيام مملكة إيطاليا الموحدة في السابع عشر من مارس عام 1861م، قبل أن تكتمل حدودها النهائية بضم مدينة روما عام 1870م. وقد جمعت هذه الحركة بين ثلاثة تيارات متمايزة لكنها تكاملت في نهاية المطاف، تمثل الأول في الحماس القومي الرومانسي الذي جسّده المفكر والثائر جوزيبي مازيني وحركته “إيطاليا الفتاة”، والثاني في الواقعية الدبلوماسية البراغماتية التي انتهجها كافور رئيس وزراء مملكة سردينيا-بيدمونت، والثالث في البطولة العسكرية الشعبية التي جسّدها القائد جوزيبي غاريبالدي وأتباعه من المتطوعين. وقد شكّلت هذه العملية إحدى أبرز حركات بناء الدولة القومية في أوروبا القرن التاسع عشر، وأثّرت بعمق في إعادة رسم الخريطة السياسية للقارة.[1]
الجذور الفكرية: مازيني وحركة إيطاليا الفتاة
تعود الجذور الفكرية المبكرة لحركة الوحدة الإيطالية إلى فترة ما بعد مؤتمر فيينا عام 1815م، الذي أعاد تقسيم شبه الجزيرة الإيطالية بعد سقوط نابليون إلى مجموعة من الدويلات والإمارات المتناثرة، خاضع أغلبها بشكلٍ مباشر أو غير مباشر لنفوذ الإمبراطورية النمساوية. وفي هذا السياق، برز المفكر الجنوي جوزيبي مازيني بوصفه أحد أبرز منظّري الفكرة القومية الإيطالية، إذ أسس عام 1831م حركة سرية عُرفت باسم “إيطاليا الفتاة”، سعت إلى بعث وعيٍ قومي جامع بين الإيطاليين يتجاوز الانقسامات المحلية والإقليمية الموروثة، ونادت بإقامة دولةٍ إيطالية موحدة ذات نظام جمهوري، انطلاقًا من قناعة مازيني بأن الوحدة الحقيقية للأمة لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل نظامٍ جمهوري يضمن المساواة بين المواطنين كافة.[5]
ورغم أن الطابع السري والراديكالي لحركة مازيني حال دون تحقيق أهدافها المباشرة في الإطاحة بالأنظمة الحاكمة القائمة، فقد نجحت في نشر الفكرة القومية على نطاقٍ واسع بين الطبقات المتعلمة الإيطالية، ولا سيما في مناطق لومبارديا وبيدمونت الشمالية، وشكّلت أرضية فكرية خصبة استثمرها لاحقًا سياسيون أكثر واقعية مثل كافور، وإن ظل مازيني نفسه يشعر بخيبة أملٍ عميقة حين تحققت الوحدة أخيرًا في صورة مملكة دستورية موروثة لا الجمهورية التي طالما حلم بها.[5]
دبلوماسية كافور وتحالف بيدمونت مع فرنسا
مثّل تولي كافور رئاسة وزراء مملكة سردينيا-بيدمونت عام 1852م نقطة تحول محورية في مسار الوحدة الإيطالية، إذ أدرك هذا السياسي المحنك أن مملكته الصغيرة نسبيًا لا تملك القدرة العسكرية الكافية لمواجهة النمسا بمفردها، وأن تحقيق الوحدة يتطلب بالضرورة دعمًا دوليًا خارجيًا. وعلى هذا الأساس، سعى كافور إلى استغلال التنافسات الدولية القائمة لصالح قضيته، فزجّ بمملكته في حرب القرم إلى جانب فرنسا وبريطانيا، وهو ما مكّنه من نيل مقعدٍ في مؤتمر باريس عام 1856م، حيث طرح للمرة الأولى “المسألة الإيطالية” على طاولة الدبلوماسية الأوروبية الكبرى، مسلطًا الضوء على ما اعتبره تهديدًا للاستقرار الأوروبي ناجمًا عن الهيمنة النمساوية على أجزاء واسعة من شبه الجزيرة.[3]
وقد توّج كافور هذه الجهود الدبلوماسية بعقد تحالفٍ سري مع الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث، استهدف استفزاز النمسا لدخول حربٍ يمكن من خلالها انتزاع لومبارديا وفينيتيا من قبضتها. وبالفعل، اندلعت الحرب الإيطالية الثانية ضد النمسا عام 1859م، وحققت القوات الفرنسية البيدمونتية المشتركة انتصاراتٍ عسكرية ملموسة، غير أن نابليون الثالث فاجأ حليفه بتوقيع هدنةٍ منفردة مع النمسا دون التشاور الكامل مع كافور، وهو ما أثار غضب الأخير ودفعه إلى تقديم استقالته احتجاجًا، قبل أن يعود إلى السلطة لاحقًا ليواصل مسيرة التوحيد عبر ضم دوقيات وسط إيطاليا إلى مملكة بيدمونت، في مقابل تنازله عن إقليمي سافوي ونيس لفرنسا كثمنٍ لهذا الدعم.[3]
حملة الألف وتحرير جنوب إيطاليا
في مايو عام 1860م، وبينما كان كافور منشغلًا بترسيخ مكاسبه الدبلوماسية في الشمال، أطلق القائد الثوري جوزيبي غاريبالدي مبادرةً عسكرية جريئة عُرفت في التاريخ بـ”حملة الألف”، إذ أبحر على رأس ألف متطوعٍ مسلح تقريبًا من مدينة جنوة باتجاه جزيرة صقلية، التي كانت لا تزال خاضعة لحكم مملكة الصقليتين البوربونية. وبفضل مزيجٍ من البراعة العسكرية في حرب العصابات والدعم الشعبي المحلي المتنامي لقضية الوحدة، نجح غاريبالدي في السيطرة على صقلية بالكامل خلال أسابيع معدودة، قبل أن يعبر مضيق ميسينا إلى البر الإيطالي الجنوبي، ويواصل زحفه شمالًا حتى دخل مدينة نابولي منتصرًا في سبتمبر من العام نفسه، منهيًا بذلك عمليًا حكم الأسرة البوربونية التي استمرت قرونًا في جنوب إيطاليا.[4]
وقد أثار هذا النجاح العسكري الشعبي المتسارع قلقًا واضحًا لدى كافور، الذي خشي أن يتحول زخم غاريبالدي الثوري، المشبع بأفكارٍ جمهورية مازينية، إلى قوةٍ سياسية بديلة تهدد مشروعه القائم على الملكية الدستورية البيدمونتية الأكثر اعتدالًا. ولهذا السبب، بادر كافور إلى إرسال قوات بيدمونتية نظامية جنوبًا عبر الدولة البابوية لضمان دمج مكاسب غاريبالدي ضمن إطار المملكة الموحدة تحت قيادة الملك فيكتور عمانوئيل الثاني، وليس ضمن جمهوريةٍ مستقلة منفصلة. وقد استجاب غاريبالدي في نهاية المطاف لهذا الطلب، فتنازل طواعيةً عن سلطته الديكتاتورية المؤقتة على الأراضي التي حررها لصالح الملك، في لقاءٍ رمزي شهير جمع بينهما في مدينة تيانو، معلنًا بذلك انتصار الرؤية البيدمونتية الملكية على الطموح الجمهوري المازيني.[4]
لقد كان غاريبالدي، بصدقه الفطري وبساطته السياسية النادرة، أفضل من يعرف كيف يخاطب الجماهير برسالة الوطنية الجديدة، وكان إسهامه كأداة دعائية للوحدة لا يقل أهمية عن انتصاراته العسكرية ذاتها.
— دينيس ماك سميث، كافور، دار وايدنفلد ونيكولسون، 1985
إعلان المملكة الموحدة عام 1861م
بعد سلسلة هذه التطورات المتلاحقة، اجتمع أول برلمانٍ إيطالي موحد في مدينة تورينو، عاصمة مملكة بيدمونت السابقة، وأعلن رسميًا في السابع عشر من مارس عام 1861م قيام مملكة إيطاليا الموحدة تحت تاج فيكتور عمانوئيل الثاني، الذي حمل لقب “ملك إيطاليا بنعمة الله وإرادة الأمة”. غير أن هذه المملكة الوليدة لم تكن بعد مكتملة الحدود الجغرافية التي يتصورها القوميون الإيطاليون، إذ ظلت خارج نطاقها إقليم فينيتيا الشمالي الشرقي الخاضع للنمسا، ومدينة روما نفسها التي كانت لا تزال جزءًا من الدولة البابوية المحمية بحاميةٍ فرنسية، وهو ما جعل هذين الإقليمين محور اهتمام القوميين الإيطاليين خلال العقد التالي، تحت مسمى “إيطاليا غير المحررة”.[1]
اكتمال الوحدة: ضم فينيتيا وروما
تحقق ضم إقليم فينيتيا إلى المملكة الإيطالية عام 1866م، إذ استغلت إيطاليا اندلاع الحرب النمساوية البروسية بعقد تحالفٍ مع بروسيا ضد النمسا، ورغم الأداء العسكري الإيطالي المتواضع في هذه الحرب، فقد استفادت إيطاليا من الانتصار البروسي الحاسم لتحصل على الإقليم عبر التسوية السياسية النهائية للحرب. أما الخطوة الأخيرة والحاسمة نحو اكتمال الوحدة، فتمثلت في ضم مدينة روما نفسها، والتي ظلت محمية بقوةٍ عسكرية فرنسية حتى اندلاع الحرب الفرنسية البروسية عام 1870م، حين اضطرت فرنسا إلى سحب حاميتها من روما لمواجهة التهديد البروسي المباشر على أراضيها. واستغلت الحكومة الإيطالية هذا الفراغ فورًا، فأرسلت قواتها للاستيلاء على روما في سبتمبر 1870م، لتُضم المدينة رسميًا إلى المملكة، وتُعلن في العام التالي عاصمةً نهائية لإيطاليا الموحدة، بعد أن كانت مدينة فلورنسا قد تولت هذا الدور المؤقت منذ عام 1865م.[7]
الإرث التاريخي لحركة التوحيد
خلّفت حركة الوحدة الإيطالية إرثًا تاريخيًا معقدًا ومتعدد الأبعاد، إذ نجحت من الناحية السياسية في إنهاء قرونٍ طويلة من التجزئة الإقليمية وتأسيس دولةٍ قومية موحدة على النمط الأوروبي الحديث، غير أنها في الوقت ذاته لم تنجح في تحقيق الاندماج الاجتماعي والاقتصادي الكامل بين شمال البلاد المتقدم صناعيًا وجنوبها الأكثر تخلفًا زراعيًا وفقرًا، وهي فجوةٌ تاريخية معروفة في الأدبيات الإيطالية باسم “المسألة الجنوبية”، ظلت تُلقي بظلالها على السياسة الإيطالية لعقودٍ طويلة تالية. كما أن الطابع النخبوي لعملية التوحيد ذاتها، التي أُديرت أساسًا عبر تحالفات دبلوماسية بين نخبٍ ملكية وأرستقراطية محدودة، وليس عبر مشاركةٍ شعبية واسعة كما تصورها مازيني في البداية، تركت تساؤلاتٍ تاريخية مستمرة حول مدى تجذّر الهوية القومية الإيطالية الموحدة فعليًا لدى عامة السكان في العقود الأولى التي تلت إعلان المملكة.[7]