يمثل العصر الأموي، الممتد من عام 661م حتى عام 750م، أول عهد خلافة وراثية في تاريخ الإسلام، وثاني الدول الكبرى التي حكمت العالم الإسلامي بعد عهد الخلفاء الراشدين. تأسست هذه الدولة على يد معاوية بن أبي سفيان، والي الشام الذي استطاع، عقب اغتيال الخليفة علي بن أبي طالب وتنازل ابنه الحسن عن الخلافة عام 661م، أن يوحّد الجسد السياسي للأمة الإسلامية تحت سلطته المنفردة، ناقلاً مركز الحكم من الكوفة إلى دمشق التي ظلت عاصمة الدولة الأموية طوال عهدها[1]. وقد شهد هذا العصر، الذي حكم خلاله أربعة عشر خليفة، توسعاً جغرافياً غير مسبوق امتد من الأندلس غرباً إلى حدود الهند شرقاً، إلى جانب برنامج طموح لتعريب الإدارة والعملة على يد الخليفة الخامس عبد الملك بن مروان، ونهضة معمارية تركت آثاراً خالدة كقبة الصخرة والجامع الأموي بدمشق، قبل أن ينتهي هذا العصر عام 750م بثورة عباسية أطاحت بآخر خلفائه مروان الثاني.
| معلومات عامة | |
| التأسيس | 661م (41هـ) |
| النهاية في المشرق | 750م (132هـ) |
| العاصمة | دمشق |
| عدد الخلفاء | أربعة عشر خليفة |
| مؤسس الدولة | معاوية بن أبي سفيان |
| آخر خلفاء المشرق | مروان بن محمد (مروان الثاني) |
| الفروع الحاكمة | |
| الفرع السفياني | 661 – 684م |
| الفرع المرواني | 684 – 750م |
| الامتداد الجغرافي | |
| أقصى امتداد غربي | شبه الجزيرة الأيبيرية (الأندلس) |
| أقصى امتداد شرقي | إقليم السند في الهند |
| اللغة الرسمية | العربية (منذ إصلاحات عبد الملك بن مروان) |
| أبرز الإنجازات | |
| العمارة | قبة الصخرة، الجامع الأموي بدمشق |
| الإدارة | تعريب الدواوين وسك العملة العربية |
تأسيس الحكم الوراثي وانتقال العاصمة إلى دمشق
وُلد العصر الأموي من رحم أزمة سياسية عميقة أعقبت اغتيال الخليفة علي بن أبي طالب وتنازل ابنه الحسن عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان في صلح عُرف تاريخياً بعام الجماعة. وقد أحدث معاوية قطيعة جوهرية مع تقاليد الحكم التي سبقته حين حصل خلال حياته على بيعة لابنه يزيد بولاية العهد، متجاوزاً بذلك آلية الاختيار التقليدية القائمة على الشورى القبلية، ومرسياً بذلك مبدأ التوارث الأسري في الحكم الإسلامي لأول مرة[2]. ونقل معاوية العاصمة من الكوفة إلى دمشق، التي تحولت خلال العقود التالية إلى مركز إشعاع سياسي وإداري وثقافي لدولة امتدت رقعتها الجغرافية عبر ثلاث قارات.
من الفرع السفياني إلى الفرع المرواني
لم يدم الفرع السفياني من الأسرة الأموية طويلاً، إذ أفضت وفاة يزيد الأول عام 683م ثم معاوية الثاني عام 684م إلى حرب أهلية أنهت هذا الفرع تماماً، لتنتقل الخلافة بعد ذلك إلى مروان بن الحكم الذي بويع خليفة في دمشق وسط حروب قبلية متجددة، مؤسساً بذلك الفرع المرواني الذي حكم الدولة الأموية حتى سقوطها[2]. وحين تولى عبد الملك بن مروان الخلافة عام 685م خلفاً لأبيه، كانت القوى المناوئة للحكم الأموي لا تزال قوية، وفي مقدمتها القبائل العربية الشمالية التي كانت تتحصن بقيادة زعيمها زفر في شمال الشام والعراق، وهو ما استلزم منه سنوات من العمل السياسي والعسكري الدؤوب لإعادة توحيد الدولة تحت سلطته[3].
عبد الملك بن مروان وبرنامج التعريب الشامل
يُعد عبد الملك بن مروان، خامس خلفاء بني أمية، الشخصية الأكثر تأثيراً في صياغة الملامح المؤسسية للدولة الأموية، إذ أعاد تنظيم الجهاز الإداري للدولة وعزز مركزيته بصورة غير مسبوقة، واعتمد اللغة العربية لغة رسمية للإدارة في جميع أنحاء الإمبراطورية بدلاً من اللغتين الفارسية واليونانية اللتين ورثتهما الدولة عن الإدارتين الساسانية والبيزنطية السابقتين[2]. كما استحدث عملة عربية جديدة استعاضت بها الدولة عن العملات البيزنطية والساسانية المقلَّدة التي كانت متداولة سابقاً، في خطوة عكست طموحاً واضحاً لصياغة هوية سياسية واقتصادية إسلامية مستقلة[2]. وقد اتسم أسلوب عبد الملك في الحكم بقدر لافت من المركزية الشخصية، إذ تخلى عن سياسة التشاور مع مجلس المستشارين التي درج عليها من سبقه، وحصر جميع القرارات المصيرية بيده مباشرة، مع الاحتفاظ بحس سياسي بالغ الدقة مكّنه من ترضية القبائل العربية الشمالية في الشام رغم استياء القبائل الجنوبية من ذلك[4].
التوسع الجغرافي من الأندلس إلى السند
شهد العصر الأموي، وبخاصة في عهد عبد الملك بن مروان ومن خلفه من الخلفاء المروانيين، موجة توسع عسكري هائلة حملت جيوش الدولة إلى أقاصي الشرق والغرب على حد سواء؛ إذ اجتاحت الجيوش الإسلامية إقليمي مكران والسند في الهند، بينما تمكنت الحاميات الخراسانية في آسيا الوسطى من فتح بخارى وسمرقند وخوارزم وفرغانة وطشقند[2]. وفي الاتجاه المعاكس غرباً، بلغت الفتوحات الأموية أقصى مداها الجغرافي بضم شبه الجزيرة الأيبيرية بأكملها، لتمتد الدولة الأموية بذلك من الأندلس غرباً إلى حدود الهند شرقاً، سامحة بانتشار الإسلام واللغة العربية على مساحة جغرافية شاسعة لم تشهدها دولة إسلامية من قبل[5]. غير أن هذا التوسع بلغ حدوده الطبيعية في عهد لاحق، حين أُوقف الزحف الإسلامي نحو فرنسا بصورة حاسمة عند معركة بلاط الشهداء عام 732م، كما مُنيت القوات العربية بهزيمة كبيرة في الأناضول عام 740م، وهو ما دفع الدولة إلى تنظيم دفاعات حدودية دائمة تولت حاميات سورية مهمة صدّ تهديدات الترك في آسيا الوسطى والبربر في شمال أفريقيا[2].
العمارة الأموية: قبة الصخرة والجامع الأموي
ترك العصر الأموي بصمة معمارية خالدة لا تزال شاهدة على عظمة تلك الحقبة حتى اليوم، وفي مقدمتها قبة الصخرة في القدس، التي شيّدها عبد الملك بن مروان وأتم بناءها في الفترة الممتدة بين عامي 691 و692م، لتصبح أول نصب معماري إسلامي كبير على الإطلاق[2]. وقد جمع عبد الملك بن مروان بين الطموح السياسي والاهتمام الديني في مشروعاته المعمارية، فرغم ما عُرف عنه من دهاء سياسي بالغ، فإن حرصه على تشييد قبة الصخرة عكس بعداً روحياً أصيلاً في شخصيته لا يقل أهمية عن حنكته السياسية المعهودة[4]. وقد أكمل الخلفاء اللاحقون هذا المسار المعماري، وأبرزهم الوليد بن عبد الملك الذي شيّد الجامع الأموي الكبير في دمشق، ليصبح أحد أعظم المساجد في التاريخ الإسلامي ونموذجاً معمارياً حظي بالتقليد في مساجد لاحقة عبر العالم الإسلامي.
المجتمع الأموي بين العرب والموالي
قامت البنية الاجتماعية للدولة الأموية على تراتبية واضحة منحت العرب، وبخاصة القبائل الشامية، مكانة مميزة داخل الجهاز الإداري والعسكري للدولة، في حين ظل الموالي، أي المسلمين الجدد من غير العرب، يشغلون مرتبة اجتماعية أدنى رغم اعتناقهم الإسلام واندماجهم المتزايد في مؤسسات الدولة. وقد أدى هذا التمييز البنيوي إلى تراكم استياء عميق لدى فئة الموالي، الذين وجدوا في الدعوة الهاشمية المناهضة للحكم الأموي متنفساً سياسياً لمظالمهم المتراكمة، وهو ما شكّل لاحقاً أحد أهم العوامل التي أفضت إلى سقوط الدولة الأموية عام 750م.
الأزمات الداخلية وبداية الانحدار
على الرغم من قدرة الخليفة هشام بن عبد الملك، الذي حكم بين عامي 724 و743م، على كبح جماح الأزمة المتصاعدة لفترة مؤقتة، فإن السنوات التي أعقبت وفاته شهدت تفجر خصومات قبلية متجددة بين القيسية والكلبية في الشام والعراق وخراسان خلال عامي 745 و746م، بالتزامن مع تصاعد ارتباط الموالي بالحركة الهاشمية التي أنكرت شرعية الحكم الأموي من أساسه[2]. وقد توّجت هذه الأزمات المتراكمة بإعلان أبي العباس السفاح خليفة عباسياً عام 749م بدعم من الأقاليم الغربية للدولة، لتنتهي بذلك مسيرة الحكم الأموي في المشرق رسمياً بمقتل آخر خلفائه مروان الثاني عام 750م، وهو تفصيل تاريخي تناولته الموسوعة بشيء من التفصيل في مقالة مستقلة عن سقوط الدولة الأموية.
الإرث الأموي المستمر في الأندلس
لم يكن سقوط الدولة الأموية في المشرق عام 750م نهاية مطلقة للسلالة الأموية ذاتها، إذ نجا أحد أفراد البيت الأموي من حملات التصفية العباسية الواسعة التي طالت معظم أقاربه، ليعبر إلى الأندلس البعيدة ويؤسس هناك إمارة أموية مستقلة استمرت لقرون، محافظة بذلك على استمرارية رمزية وسياسية للاسم الأموي بعيداً عن مسرح انهياره الأصلي في دمشق. وهكذا، فإن العصر الأموي، رغم انتهائه الرسمي في المشرق عام 750م، ظل حاضراً بقوة في الغرب الإسلامي، حاملاً معه إرثاً حضارياً وإدارياً ومعمارياً شكّل أساساً متيناً لما تلاه من عصور الحضارة الإسلامية.