تشير “الفتنة الكبرى”، المعروفة أيضًا بالفتنة الأولى أو الحرب الأهلية الإسلامية الأولى، إلى سلسلة الصراعات السياسية والعسكرية التي عصفت بالدولة الإسلامية الناشئة بين عامي 656 و661م، بدءًا من مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، مرورًا بخلافة علي بن أبي طالب المضطربة، وانتهاءً بتولي معاوية بن أبي سفيان الخلافة وتأسيسه الدولة الأموية.[1] شكّلت هذه الأزمة نقطة تحول مفصلية في التاريخ الإسلامي، إذ أنهت مرحلة الخلافة الراشدة القائمة على اختيار الجماعة، وأرست الأساس لانقسام سياسي وعقدي عميق بين المسلمين استمر أثره قرونًا طويلة تالية، وأفضى إلى نشأة التمايز التاريخي بين السنة والشيعة.
| معلومات عامة | |
| الفترة الزمنية | 656 – 661م (35 – 41هـ) |
| الأطراف الرئيسية | علي بن أبي طالب، معاوية بن أبي سفيان، عائشة بنت أبي بكر وحلفاؤها |
| السبب المباشر | مقتل الخليفة عثمان بن عفان |
| أبرز الأحداث | |
| مقتل عثمان بن عفان | يونيو 656م (ذو الحجة 35هـ) |
| معركة الجمل | نوفمبر 656م |
| معركة صفين | يوليو 657م |
| معركة النهروان | 658م |
| اغتيال علي بن أبي طالب | يناير 661م |
| تنازل الحسن بن علي | 661م (عام الجماعة) |
| COSMALORE · الموسوعة العربية | |
خلفية الأزمة: خلافة عثمان بن عفان ومقتله
تولى عثمان بن عفان الخلافة عام 644م بعد اغتيال سلفه عمر بن الخطاب، واستمر حكمه اثني عشر عامًا شهدت خلالها الدولة الإسلامية توسعًا جغرافيًا هائلًا، لكنها شهدت أيضًا تراكمًا لأسباب استياء متزايد، تركّز أساسًا حول اتهامات بالمحسوبية في تعيين أقاربه من بني أمية في مناصب ولاية إقليمية حساسة، وسط استياء عام من بعض السياسات المالية والإدارية للدولة المتوسعة بسرعة.[2] تصاعد هذا الاستياء في السنوات الأخيرة من خلافته، إلى أن توافد وفود من مصر والعراق إلى المدينة المنورة عام 656م للاحتجاج على سياساته، وانتهى الأمر بحصار منزل عثمان، ثم اقتحامه ومقتله داخل بيته في يونيو من العام ذاته، وهو حادث لم يشهد التاريخ الإسلامي المبكر له مثيلًا من قبل، إذ لم يكن أي خليفة راشد سابق قد قُتل على يد جماعة من المسلمين أنفسهم غاضبة من سياساته.[2]
تولي علي بن أبي طالب الخلافة وسط الأزمة
عقب مقتل عثمان مباشرة، بايع أهل المدينة عليَّ بن أبي طالب، ابن عم النبي محمد وزوج ابنته فاطمة، خليفةً رابعًا، غير أن خلافته انطلقت في ظل ظرف استثنائي الحساسية؛ إذ لم يكن قد تمكن بعد من ضبط الأوضاع أو محاسبة قتلة عثمان الفعليين، بينما طالبت أطراف عدة، وعلى رأسها معاوية بن أبي سفيان، والي الشام وقريب عثمان، بالقصاص الفوري من القتلة قبل أي شيء آخر، معتبرين تباطؤ علي في هذا الملف موقفًا مريبًا، وإن لم يُثبت المؤرخون أي تورط مباشر لعلي في الحادثة نفسها.[3]
معركة الجمل
شكّلت السيدة عائشة بنت أبي بكر، زوج النبي محمد، إلى جانب اثنين من كبار الصحابة، طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، جبهة معارضة لخلافة علي، مطالبين بدورهم بالقصاص من قتلة عثمان قبل مبايعة أي خليفة جديد. تحرك هذا التحالف نحو البصرة في العراق، فتصدى له علي بجيشه، والتقى الجيشان قرب البصرة في نوفمبر عام 656م، فيما عُرفت بـ”معركة الجمل“، نسبة إلى الجمل الذي كانت السيدة عائشة تركبه أثناء المعركة وتحيط به مجموعة من المقاتلين حمايةً له باعتباره رمزًا لموقعها.[3] انتهت المعركة بانتصار علي، ومقتل طلحة والزبير، بينما أُسرت السيدة عائشة وأُعيدت بكرامة واحترام إلى المدينة المنورة حيث اعتزلت الشأن السياسي بعدها. كانت هذه المعركة أول مواجهة مسلحة مباشرة بين جماعات من كبار الصحابة أنفسهم، وهو ما أضفى عليها وطأة رمزية خاصة في الذاكرة الإسلامية.
الخلاف مع معاوية ومعركة صفين
لم يهدأ الصراع بانتصار علي في معركة الجمل، إذ ظل معاوية بن أبي سفيان، والي الشام القوي، رافضًا مبايعة علي ومصرًّا على مطلبه بالقصاص الفوري من قتلة عثمان. انتقل علي بمركز خلافته من المدينة إلى الكوفة في العراق، وحشد جيشًا للزحف نحو الشام لإخضاع معاوية، فالتقى الجيشان في يوليو عام 657م عند موضع صفين على ضفاف نهر الفرات، في مواجهة استمرت أسابيع متقطعة تخللتها مناوشات ومفاوضات فاشلة.[4]
حين بدا جيش معاوية على وشك الانهيار أمام تقدم قوات علي، لجأ معاوية إلى حيلة سياسية بارعة اقترحها مستشاره عمرو بن العاص، إذ أمر جنوده برفع صحف المصاحف على أسنة الرماح، داعيًا لتحكيم كتاب الله بدلًا من مواصلة القتال بين المسلمين. اضطر علي، تحت ضغط قوي من فصيل واسع داخل جيشه رفض مواصلة القتال ضد هذه الدعوة الدينية الظاهرة، إلى قبول مبدأ التحكيم، رغم تحفظه الشخصي على هذا القرار، فأُوقف القتال قبل أن يُحسم عسكريًا لصالح أي من الطرفين.[4]
يا أهل العراق، إنكم لن تُدركوا ما تريدون بما تكرهون، وإنما يُدرَك الحق بالصبر عليه.
— قول منسوب إلى علي بن أبي طالب لجنوده قبيل قبوله التحكيم في صفين، 657م
التحكيم وخروج الخوارج
أفضى التحكيم بين ممثلي الطرفين، أبي موسى الأشعري عن جانب علي، وعمرو بن العاص عن جانب معاوية، إلى نتيجة سياسية كارثية بالنسبة لعلي، إذ استغل عمرو بن العاص براعته السياسية ليحقق لمعاوية مكاسب فعلية من عملية كان الهدف المعلن منها فض النزاع لا حسمه لصالح أي طرف، وهو ما تركت أعقابه انقسامًا حادًا داخل معسكر علي نفسه.[3] فقد رفض فريق من جيش علي أصل مبدأ التحكيم بين البشر في أمر اعتبروه محسومًا بحكم الله وحده، منشقين عن صفوفه ومعلنين شعارًا مفاده أنه لا حكم إلا لله، وأصبح هؤلاء يُعرفون لاحقًا بـ”الخوارج“، أول فرقة سياسية عقدية منشقة في تاريخ الإسلام، إذ كفّروا كلًا من علي ومعاوية على حد سواء لقبولهما مبدأ التحكيم.
معركة النهروان
تصاعد الخلاف بين علي والخوارج المنشقين حتى تحول إلى مواجهة مسلحة مباشرة عام 658م عند موضع النهروان قرب الكوفة، انتهت بهزيمة ساحقة للخوارج ومقتل معظم مقاتليهم. غير أن هذا الانتصار العسكري لم يُنهِ الخطر الخارجي، بل أضعف في الوقت ذاته الجبهة الداخلية لعلي، الذي فقد بذلك جزءًا من أفضل مقاتليه في معركة داخلية موازية لصراعه الأصلي مع معاوية، بينما استمر بقايا الخوارج في تنظيم أنفسهم سرًا رغم الهزيمة، مصممين على الانتقام ممن اعتبروهم مسؤولين عن الانحراف عن الحق كما فهموه.[3]
اغتيال علي بن أبي طالب
في يناير عام 661م، اغتيل علي بن أبي طالب في الكوفة على يد عبد الرحمن بن ملجم، أحد الخوارج الناجين من معركة النهروان، الذي طعنه بسيف مسموم وهو في طريقه لأداء صلاة الفجر، انتقامًا لمقتل رفاقه في تلك المعركة، وتوفي علي متأثرًا بجراحه بعد يومين.[3] تُروى بعض المصادر التاريخية أن محاولات اغتيال مماثلة استهدفت في التوقيت ذاته كلًا من معاوية وعمرو بن العاص، ضمن مؤامرة خارجية منسقة استهدفت القضاء على قادة الطرفين المتنازعين معًا، لكنها لم تنجح إلا في اغتيال علي وحده.
تنازل الحسن بن علي وعام الجماعة
بعد مقتل علي، بايع أهل الكوفة ابنه الحسن بن علي خليفة، غير أن الحسن، مدركًا ضعف موقفه العسكري والسياسي أمام قوة معاوية المتماسكة في الشام، ورغبةً منه في تجنيب المسلمين مزيدًا من إراقة الدماء، تنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان في العام ذاته مقابل شروط معينة، فيما عُرف تاريخيًا بـ”عام الجماعة”، إذ اجتمع فيه المسلمون أخيرًا تحت راية خليفة واحد بعد قرابة خمس سنوات من الانقسام والحرب الأهلية المتقطعة.[5] بهذا التنازل، أسس معاوية الدولة الأموية، ونقل عاصمة الخلافة من الكوفة إلى دمشق، منهيًا بذلك رسميًا حقبة الخلافة الراشدة القائمة على مبدأ اختيار الجماعة، وممهدًا الطريق أمام نظام الخلافة الوراثية الذي ساد الحكم الإسلامي لقرون تالية.
الأثر التاريخي والانقسام السني الشيعي
خلّفت الفتنة الكبرى أثرًا تاريخيًا وعقديًا عميقًا استمر تأثيره في تشكيل ملامح العالم الإسلامي حتى اليوم؛ فقد شكّلت هذه الأحداث الأساس التاريخي المبكر لتبلور التمايز بين المسلمين السنة والشيعة، إذ اعتبر أتباع علي، الذين عُرفوا لاحقًا بـ”شيعة علي”، أن الحق في الخلافة كان يجب أن يبقى محصورًا في نسل النبي محمد عبر علي وذريته، بينما رأى غالبية المسلمين السنة أن ما جرى كان اجتهادًا سياسيًا بشريًا خاضعًا لمعايير الكفاءة والقدرة على حفظ وحدة الأمة، دون أن يُشكك ذلك في عدالة الصحابة المتنازعين أو نياتهم الفردية.[1] وقد ظل هذا الانقسام التاريخي حاضرًا بأشكال متجددة طوال القرون التالية، بينما ألقت هذه الفتنة أيضًا بظلالها على نشأة الخوارج، أول حركة عقدية سياسية منشقة في الإسلام، والتي تركت بدورها إرثًا فكريًا مثيرًا للجدل امتد أثره إلى ما هو أبعد من سياق أحداثها المباشر.