معركة فيينا هي المعركة الحاسمة التي وقعت في 12 سبتمبر 1683 عند تلة كالنبرغ المطلة على مدينة فيينا، عاصمة الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وشكّلت ذروة حصار عثماني دام نحو شهرين فرضته قوات الصدر الأعظم قره مصطفى باشا على المدينة. انتهت المعركة بهزيمة ساحقة للجيش العثماني على يد قوة إغاثة أوروبية موحدة بقيادة الملك البولندي يان الثالث سوبيسكي، ضمت قوات من الإمبراطورية الرومانية المقدسة والكومنولث البولندي الليتواني وعدد من الإمارات الألمانية، في مواجهة تُعدّ من أبرز نقاط التحول في التاريخ الأوروبي الحديث المبكر، إذ وضعت حدًّا للتوسع العثماني المستمر في أوروبا الوسطى منذ أوائل القرن السادس عشر، وأذنت ببداية تراجع تدريجي طويل للإمبراطورية العثمانية في القارة.[1]
| نظرة عامة | |
| مدة الحصار | 17 يوليو – 12 سبتمبر 1683 |
| تاريخ المعركة الحاسمة | 12 سبتمبر 1683 |
| الموقع | تلة كالنبرغ، فيينا |
| السياق | الحروب النمساوية العثمانية |
| الأطراف المتحاربة | |
| التحالف الأوروبي | الإمبراطورية الرومانية المقدسة، الكومنولث البولندي الليتواني، إمارات ألمانية |
| قائد قوة الإغاثة | الملك يان الثالث سوبيسكي |
| الدولة العثمانية | الإمبراطورية العثمانية |
| القائد العثماني | الصدر الأعظم قره مصطفى باشا |
| القوى المشاركة | |
| القوة العثمانية المحاصِرة | نحو 150,000 جندي |
| قوة الإغاثة الأوروبية | نحو 70,000–80,000 جندي |
| النتيجة | |
| النتيجة العسكرية | هزيمة عثمانية حاسمة وفك الحصار |
| الأثر التاريخي | بداية تراجع التوسع العثماني في أوروبا |
الخلفية والسياق التاريخي
شكّلت المواجهات العسكرية مع الإمبراطورية العثمانية المتوسعة تحديًا سياسيًا خارجيًا كبيرًا لآل هابسبورغ النمساويين وللإمبراطورية الرومانية المقدسة ككل منذ أوائل القرن السادس عشر، إذ تقدمت القوات العثمانية مرارًا نحو البلقان ووسط أوروبا. وبحلول أوائل ثمانينيات القرن السابع عشر، كانت الدولة العثمانية، بالتحالف مع فرنسا، قد انتزعت السيطرة على أجزاء واسعة من المجر من قبضة آل هابسبورغ.[2] استغل زعيم البروتستانت المجريين المناهضين لهابسبورغ، إيمريه توكولي، هذا الوضع فطلب من الصدر الأعظم العثماني قره مصطفى مهاجمة العاصمة النمساوية، وبدعم ضمني من الجيش المجري المتمرد، تحرك جيش عثماني ضخم قدّر عدده بنحو 150,000 جندي نحو فيينا، وفرض عليها حصارًا كاملًا بدأ في 17 يوليو 1683، بعدما تمكن من الاستيلاء على التحصينات الخارجية للمدينة وبدأ في حفر أنفاق باتجاه أسوارها الداخلية، فيما فرّ الإمبراطور ليوبولد الأول من المدينة قبيل إحكام الحصار.[1]
الحصار وجهود حشد قوة الإغاثة
صمدت حامية فيينا ومدافعوها المدنيون قرابة شهرين كاملين في ظل ظروف متدهورة من نقص الإمدادات والذخيرة وتفشي الأمراض، بينما سعى البابا إنوسنت الحادي عشر جاهدًا لحشد دعم أوروبي لإنقاذ المدينة، فحاول أولًا إقناع الملك الفرنسي لويس الرابع عشر بمساندة الإمبراطور ليوبولد ضد العثمانيين دون جدوى، قبل أن يتوجه بمناشدة ودعم مالي سخي إلى بولندا. ورغم أن الملك سوبيسكي كان قد عقد حلفًا مسبقًا مع الإمبراطور في وقت سابق من العام نفسه، فإنه ظل مترددًا في التحرك حتى نجح البابا في إقناع الأمير تشارلز أوف لورين بضم قواته إلى جيش تحالف موسع ضم أيضًا ناخبَي ساكسونيا وبافاريا وثلاثين أميرًا ألمانيًا آخر.[1]
عبر سوبيسكي نهر الدانوب على رأس قواته البولندية، التي ضمت فيلق الفرسان المجنّحين الشهير، والتقى بباقي قوات التحالف الأوروبي المتقدمة من الشمال الغربي نحو فيينا. وبحلول 11 سبتمبر 1683، بلغت القوات البولندية قمة تلة كالنبرغ التي كانت القوات النمساوية قد استولت عليها ساعات قبل ذلك، فتمكن سوبيسكي أخيرًا من استطلاع أرض المعركة المرتقبة استعدادًا للهجوم الحاسم في اليوم التالي.
مجريات معركة كالنبرغ الحاسمة
في صباح 12 سبتمبر 1683، انطلق هجوم قوات التحالف الأوروبي، التي بلغ مجموعها نحو ثمانين ألف جندي، من مرتفعات كالنبرغ باتجاه المعسكر العثماني المحيط بأسوار فيينا. قسّم سوبيسكي قواته إلى عدة محاور هجومية متزامنة، إذ تقدمت القوات الألمانية والنمساوية عبر غابات فيينا لضرب أجنحة الجيش العثماني، بينما احتفظ الملك البولندي بفرسانه المجنّحين لتوجيه الضربة الحاسمة في المرحلة الأخيرة من المعركة.[2]
وفي عصر اليوم ذاته، أطلق سوبيسكي هجومًا بنحو ثمانية عشر ألف فارس، اعتُبر لاحقًا أكبر شحنة فرسان في التاريخ العسكري حتى ذلك الوقت، فاخترقت هذه الشحنة الهائلة صفوف الجيش العثماني وحطمت تماسكه، في وقت شكّلت فيه هذه المواجهة كذلك المرة الأولى في التاريخ التي يتفوق فيها جيش أوروبي عدديًا على جيش عثماني في معركة ميدانية كبرى. ارتكب قره مصطفى باشا خطأ استراتيجيًا جسيمًا بإصراره على مواصلة حصار المدينة بدلًا من التركيز الكامل على صد قوة الإغاثة المتقدمة، ما مكّن قوات التحالف من تحقيق اختراق حاسم أدى إلى انهيار الجيش العثماني بأكمله وفراره من ساحة المعركة في حالة من الفوضى التامة.
جئنا، رأينا، والله انتصر.
— الملك يان الثالث سوبيسكي، رسالة إلى البابا إنوسنت الحادي عشر عقب المعركة، 1683
النتائج والتداعيات المباشرة
أسفرت المعركة عن هزيمة عثمانية ساحقة وفك الحصار المفروض على فيينا بالكامل، إذ فرّ ما تبقى من الجيش العثماني المنهزم باتجاه الشرق ملاحقًا من قوات التحالف على مدى الأيام التالية. وشهدت الأسابيع اللاحقة للمعركة عقابًا داخليًا قاسيًا داخل الصفوف العثمانية، إذ أفاد أسرى عثمانيون بأن الصدر الأعظم أمر بخنق إبراهيم باشا، والي بودا، بسبب تراجعه المبكر خلال المعركة، في مؤشر على حجم الصدمة التي أحدثتها هذه الهزيمة غير المسبوقة داخل القيادة العثمانية العليا.[3] عاد الإمبراطور ليوبولد الأول إلى فيينا بعد أيام قليلة من المعركة، حيث استقبله ناخبا بافاريا وساكسونيا احتفاءً بالنصر، فيما تلقى تفصيلًا كاملًا لأحداث الحصار من قائد الحامية الكونت شتاريمبرغ الذي أشرف على الدفاع عن المدينة طوال أشهر الحصار.
الأهمية التاريخية والإرث
تُعدّ معركة فيينا حجر تحول جوهريًا في تاريخ العلاقات الأوروبية العثمانية، إذ لم تنقذ العاصمة النمساوية من السقوط فحسب، بل أطلقت سلسلة من الحملات المضادة المتتالية التي شنّتها القوى الأوروبية المتحالفة ضمن ما عُرف بالعصبة المقدسة، أسفرت على مدى العقود التالية عن استعادة مساحات واسعة من المجر وأجزاء من البلقان من السيطرة العثمانية، وتُوّجت لاحقًا بمعاهدة كارلوفتسا عام 1699 التي كرّست رسميًا بداية الانحسار الإقليمي الطويل للإمبراطورية العثمانية في أوروبا.[1] ولا تزال معركة فيينا حتى اليوم تحتل مكانة رمزية بارزة في الذاكرة التاريخية الأوروبية، إذ تُستحضر بوصفها اللحظة الفاصلة التي أوقفت الزحف العثماني نحو قلب القارة، وأعادت رسم موازين القوى الجيوسياسية في وسط أوروبا وجنوبها الشرقي لقرون تالية.