تشير الفتنة الثانية في الإسلام إلى موجة الحروب الأهلية والانقسامات السياسية العنيفة التي عصفت بالخلافة الإسلامية بين عامي 680 و692م، عقب وفاة الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان وتولي ابنه يزيد الحكم من بعده بطريقة توريثية أثارت جدلًا واسعًا. اندلعت الأزمة بشكل مأساوي مع مقتل الحسين بن علي، حفيد النبي محمد، في معركة كربلاء عام 680م، وهو الحدث الذي رسّخ انقسامًا عميقًا ودائمًا داخل الأمة الإسلامية بين أنصار آل البيت (الشيعة) وجمهور المسلمين السنة[1]. توالت بعد ذلك موجات التمرد والانشقاق، وأبرزها إعلان عبد الله بن الزبير خلافة مضادة انطلاقًا من مكة المكرمة، ونجاحه في فرض سيطرته الاسمية على أجزاء واسعة من العالم الإسلامي لسنوات، إلى جانب تمرد الخوارج وثورات الشيعة الانتقامية في العراق. استمرت هذه الاضطرابات المتشابكة قرابة اثني عشر عامًا، إلى أن نجح الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، بمساعدة قائده الحازم الحجاج بن يوسف الثقفي، في إعادة توحيد الخلافة تحت سلطة دمشق بعد سحق تمرد ابن الزبير في مكة عام 692م[2].
| معلومات عامة | |
| الاسم | الفتنة الثانية (الحرب الأهلية الإسلامية الثانية) |
| الفترة الزمنية | 680م – 692م (60–73هـ) |
| النطاق الجغرافي | العراق والحجاز والشام ومصر وخراسان |
| النتيجة | انتصار الأمويين وإعادة توحيد الخلافة تحت حكم عبد الملك بن مروان |
| الأطراف الرئيسية | |
| الأمويون | يزيد الأول، مروان بن الحكم، عبد الملك بن مروان |
| الزبيريون | عبد الله بن الزبير ومصعب بن الزبير، خلافة مضادة من مكة |
| أنصار آل البيت | الحسين بن علي، ثم حركة التوابين والمختار الثقفي في الكوفة |
| الخوارج | سيطروا على أجزاء من وسط الجزيرة العربية وجنوب العراق وفارس |
| أبرز الأحداث | |
| معركة كربلاء | 10 أكتوبر 680م، مقتل الحسين بن علي |
| وقعة الحرة | 683م، قمع الأمويين لتمرد المدينة المنورة |
| حصار مكة الأول | 683م، رُفع بعد وفاة يزيد الأول |
| حصار مكة الثاني | 692م، انتهى بمقتل عبد الله بن الزبير |
وفاة معاوية وأزمة التوريث
عند وفاة معاوية بن أبي سفيان عام 680م، تولى ابنه يزيد الأول الخلافة، في أول انتقال وراثي للسلطة في تاريخ الخلافة الإسلامية، وهو ترتيب كان معاوية قد رتّبه في حياته لضمان استمرار حكم أسرته الأموية. لم يحظ هذا التوريث بقبول عدد من الشخصيات البارزة في الجيل الأول من المسلمين، وعلى رأسهم الحسين بن علي، حفيد النبي محمد وابن الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، الذي رفض مبايعة يزيد باعتبار أن شرعية الخلافة ينبغي أن تقوم على الشورى لا على التوريث العائلي. توجه الحسين إلى مكة، ثم تلقى رسائل من أنصاره في الكوفة يدعونه فيها للقدوم على رأس ثورة ضد الحكم الأموي، فسار إليهم على رأس مجموعة صغيرة من أقاربه وأتباعه[3].
معركة كربلاء ومقتل الحسين
أرسل الخليفة يزيد أربعة آلاف مقاتل لاعتراض الحسين ومنعه من الوصول إلى الكوفة، فتمكنت هذه القوة من محاصرة الحسين ومرافقيه القلائل قرب نهر الفرات في موضع يُدعى كربلاء. رفض الحسين الاستسلام، فقُتل هو ومن معه في مواجهة غير متكافئة في العاشر من محرم من السنة الحادية والستين للهجرة، الموافق العاشر من أكتوبر 680م، وأُرسل رأسه إلى يزيد في دمشق[3]. أحدث مقتل الحسين صدمة عميقة ومستمرة في الوجدان الإسلامي، إذ اعتُبر، خلافًا لصراعات المسلمين السابقة، اعتداءً مباشرًا من السلطة الحاكمة ذاتها على سليل النبي محمد نفسه، وهو ما أرسى الأساس لتحول التشيع من تيار سياسي بحت إلى طائفة دينية متكاملة لها طقوسها وذاكرتها الجماعية الخاصة، ولا يزال يوم عاشوراء يُحيا سنويًا حتى اليوم إحياءً لذكرى هذه المأساة[4].
وقعة الحرة وحصار مكة الأول
لم يهدأ الاحتقان السياسي بمقتل الحسين، بل تصاعدت المعارضة لحكم يزيد في الحجاز، وعلى رأسها عبد الله بن الزبير، الذي كان قد رفض هو الآخر مبايعة يزيد وفرّ إلى مكة حيث بدأ يحشد أنصاره سرًا. وفي المدينة المنورة اندلع تمرد مماثل ضد الحكم الأموي، فأرسل يزيد جيشًا قمع هذا التمرد بعنف في معركة عُرفت بوقعة الحرة عام 683م، أعقبها نهب المدينة. توجه الجيش الأموي بعدها لمحاصرة عبد الله بن الزبير في مكة، غير أن وفاة يزيد المفاجئة في نوفمبر من العام نفسه دفعت القوات المحاصِرة إلى الانسحاب، تاركة ابن الزبير يفرض سيطرته الفعلية على الحجاز دون منازع[5].
خلافة عبد الله بن الزبير المضادة
استغل عبد الله بن الزبير حالة الفراغ التي أعقبت وفاة يزيد وابنه معاوية الثاني الذي لم يحكم سوى أشهر قليلة قبل أن يتنحى، فأعلن نفسه خليفة من مكة عام 685م، ونجح في كسب اعتراف اسمي بخلافته من أقاليم واسعة شملت الحجاز واليمن ومصر والعراق وأجزاء من فارس وخراسان، ليصبح لفترة من الزمن الحاكم الفعلي لغالبية العالم الإسلامي مقابل سيطرة الأمويين المحصورة أساسًا في الشام. غير أن اعتماد ابن الزبير على أخيه مصعب وولاته المحليين لإدارة هذه الأقاليم الشاسعة، وبقاءه شخصيًا داخل مكة، حدّ من قدرته على ممارسة سلطة فعلية موحدة، وترك الأقاليم الخاضعة اسميًا لحكمه عرضة لصراعات داخلية متعددة لم يكن هو طرفًا مباشرًا فيها في كثير من الأحيان[5].
مروان بن الحكم وانقسام القبائل الشامية
عقب وفاة يزيد ثم ابنه معاوية الثاني، انتقلت الخلافة إلى فرع مروان بن الحكم من الأسرة الأموية، ليصبح مؤسس الخط المرواني الذي سيحكم الخلافة الأموية حتى سقوطها. غير أن توليه الحكم عام 684م ترافق مع انقسام قبلي حاد داخل الشام نفسها بين القبائل العربية الشمالية والجنوبية، أضعف موقف الأمويين مؤقتًا في مواجهة خصومهم. وعند وفاة مروان عام 685م وتولي ابنه عبد الملك الخلافة، كانت القوى المناهضة للحكم الأموي لا تزال قوية ومتعددة: قبائل عربية شمالية متمردة في شمال الشام والعراق بقيادة زعيمها زفر، وقوى شيعية وخارجية متصارعة فيما بينها لكنها متحدة في معاداتها للأمويين في العراق، إلى جانب قوات ابن الزبير نفسه[2].
عبد الملك بن مروان وإعادة توحيد الخلافة
تبنى عبد الملك بن مروان استراتيجية تدريجية ومحسوبة لإعادة توحيد الخلافة، فبدأ بتثبيت سلطته داخل الشام نفسها، ثم عقد هدنة غير مواتية له مؤقتًا مع الإمبراطورية البيزنطية عام 689م ليتفرغ لخصومه الداخليين، وأخمد محاولة انقلاب داخل دمشق في العام نفسه. لم يتمكن من إخضاع القبائل الشمالية المتمردة في الجزيرة الفراتية إلا عام 691م، وهو ما مهّد الطريق أمام حملته الحاسمة ضد العراق الخاضع اسميًا لابن الزبير، حيث نجح في إلحاق الهزيمة بقوات مصعب بن الزبير وضمّ العراق إلى سلطته[2].
حصار مكة الثاني ومقتل ابن الزبير
بعد تأمين العراق، أرسل عبد الملك بن مروان قائده الحجاج بن يوسف الثقفي على رأس جيش شامي لإخضاع عبد الله بن الزبير في معقله الأخير بمكة المكرمة. ضرب الحجاج حصارًا محكمًا حول المدينة عام 692م، بلغ من عنفه أن قصف الكعبة المشرفة نفسها بالمنجنيق أثناء الحصار، في مشهد أثار استياءً واسعًا في العالم الإسلامي رغم انتهائه لصالح الأمويين. سقط عدد كبير من أنصار ابن الزبير قتلى أو استسلموا ونالوا العفو، بمن فيهم أبناؤه، غير أن ابن الزبير نفسه رفض الاستسلام وقاتل حتى قُتل في معركته الأخيرة عند الكعبة، لتنتهي بذلك خلافته المضادة التي استمرت قرابة عشر سنوات، وتُعاد وحدة الخلافة الإسلامية بالكامل تحت سلطة دمشق[6].
إني لا أرى الموت إلا سعادة، ولا الحياة مع الظالمين إلا برمًا.
— الحسين بن علي، قبل مسيره إلى كربلاء، كما ورد في مصادر السيرة والتاريخ الإسلامي الكلاسيكية