يُعدّ التوسع العثماني في أوروبا واحداً من أطول وأعمق فصول الصراع بين العالمين الإسلامي والمسيحي في التاريخ الوسيط والحديث، إذ امتد على مدى أكثر من ثلاثة قرون ونصف، بدءاً من عبور الجيوش العثمانية الأولى إلى شبه جزيرة البلقان في منتصف القرن الرابع عشر، وصولاً إلى ذروة اتساعها في عهد السلطان سليمان القانوني في القرن السادس عشر، حين وصلت الجيوش العثمانية إلى أسوار فيينا نفسها، عاصمة آل هابسبورغ[3]. وقد شكّل سقوط القسطنطينية عام 1453 نقطة التحول الحاسمة في هذا المسار، إذ أنهى الوجود البيزنطي الألفي وفتح الطريق أمام توغل عثماني غير مسبوق في عمق القارة الأوروبية[1]. ولم يتوقف هذا الزحف عند حدود معينة، بل استمر عبر موجات متعاقبة من الفتوحات والحروب طوال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قبل أن يبلغ ذروته ثم ينكسر أمام أسوار فيينا للمرة الثانية عام 1683، في معركة تُعدّ من أبرز نقاط التحول في تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب.
بداية العبور إلى أوروبانحو عام 1354 عبر مضيق غاليبولي
أول عاصمة عثمانية أوروبيةأدرنة (أدريانوبل)، فُتحت عام 1362 [2]
أبرز المحطات العسكرية
معركة قوصوة1389، بداية تبعية صربيا للعثمانيين [2]
سقوط القسطنطينية29 مايو 1453 [1]
سقوط البوسنة1463
معركة موهاج29 أغسطس 1526 [5]
حصار فيينا الأول1529، فشل عثماني [6]
حصار فيينا الثاني1683، هزيمة عثمانية كبرى
نهاية مرحلة التوسع
معاهدة كارلوفيتز26 يناير 1699، تنازل العثمانيين عن ترانسيلفانيا ومعظم المجر للنمسا [7]
أولاً: بدايات التوغل العثماني في شبه جزيرة البلقان
بدأت الجيوش العثمانية عبورها الفعلي إلى الأراضي الأوروبية في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، حين استغلت الدولة الناشئة حديثاً في الأناضول حالة الضعف والتفكك التي كانت تعصف بالممالك البلقانية المتناحرة، فضلاً عن الانقسام العميق بين الكنيستين الشرقية والغربية الذي أضعف قدرة العالم المسيحي على مواجهة الخطر العثماني الصاعد بصفٍّ موحد[2]. وفي عام 1362، تمكّن العثمانيون من الاستيلاء على مدينة أدرنة، المعروفة اليوم باسم أدريانوبل، لتصبح هذه المدينة أول عاصمة عثمانية على الأراضي الأوروبية، ونقطة انطلاق لعملية فتح تدريجي استغرقت أكثر من قرن كامل لإخضاع شبه الجزيرة البلقانية بأكملها[2]. وقد تتابعت بعد ذلك سلسلة من الفتوحات العثمانية الممنهجة، فسقطت صربيا عقب معركة قوصوة الشهيرة عام 1389، ثم سقطت بلغاريا عام 1396، وتلتها البوسنة عام 1463 والهرسك عام 1482 والجبل الأسود عام 1499، في مسار متصل من التوسع لم توقفه سوى مقاومات محلية متفرقة، كان أبرزها مقاومة الزعيم الألباني إسكندر بك الذي أعاق الزحف العثماني بين عامي 1443 و1468[2].
ثانياً: معركة قوصوة ونهاية الاستقلال الصربي
تُعدّ معركة قوصوة التي دارت رحاها عام 1389 من أكثر المعارك رمزية في تاريخ العلاقة بين العثمانيين وشعوب البلقان، فرغم أنها انتهت بخسائر فادحة في صفوف الطرفين، فقد أفضت في نهاية المطاف إلى إضعاف المملكة الصربية بشكل حاسم، ودخولها في وضعية التبعية للسلطنة العثمانية[4]. وقد ظلت صربيا تحتفظ بقدر محدود من الحكم الذاتي تحت الوصاية العثمانية لعقود تالية، قبل أن يسقط آخر معاقلها المستقلة، وهو حصن سميديريفو، عام 1459، لتنتهي بذلك السيادة الصربية الكاملة قروناً طويلة تحت الحكم العثماني المباشر[4]. وقد ترسّخت ذكرى معركة قوصوة عميقاً في الوجدان الجمعي الصربي، وتحوّلت إلى رمز ثقافي وتاريخي للمقاومة رغم الهزيمة العسكرية التي منيت بها القوات الصربية آنذاك.
ثالثاً: سقوط القسطنطينية ونهاية الإمبراطورية البيزنطية
شكّل سقوط القسطنطينية عام 1453 نقطة تحول تاريخية فاصلة في مسار التوسع العثماني بأوروبا، إذ أنهى وجود الإمبراطورية البيزنطية التي استمرت أكثر من ألف عام. فبعد حصار دام خمسة وخمسين يوماً، تمكّنت قوات السلطان محمد الثاني، الملقب بالفاتح، من اختراق أسوار المدينة البرية القديمة، منهية بذلك آخر معقل حقيقي لدفاع أوروبا المسيحية أمام التوسع الإسلامي من جهة الشرق[1]. وقد استخدم العثمانيون في هذا الحصار مدافع ضخمة غير مسبوقة الحجم، بينما كان عدد القوات المهاجمة يتراوح بين ستين وثمانين ألف مقاتل مقابل حامية بيزنطية ضئيلة العدد، وهو تفاوت في القوى يعكس حجم التحول الذي طرأ على موازين القوة العسكرية بين الجانبين خلال القرن الخامس عشر[1]. وقد فتح سقوط المدينة الباب أمام توسع عثماني غير معاق نحو عمق شرق أوروبا، إذ لم يعد ثمة قوة بيزنطية قادرة على تعطيل الزحف العثماني كما كانت تفعل من قبل، فيما اتخذ محمد الفاتح من القسطنطينية عاصمة جديدة لدولته المتنامية.
سقوط القسطنطينية أزال خط دفاع قوياً كان يحمي أوروبا المسيحية من الغزو الإسلامي، مما سمح بتوسع عثماني غير معاق في أوروبا الشرقية.
— من التوصيف التاريخي لسقوط القسطنطينية
رابعاً: التوسع في عهد سليمان القانوني: موهاج وحصار فيينا الأول
بلغ التوسع العثماني في أوروبا ذروته في عهد السلطان سليمان الأول، المعروف بالقانوني أو العظيم، الذي تولى الحكم عام 1520 وسعى بشكل حثيث إلى فتح مملكة المجر بوصفها البوابة نحو قلب القارة الأوروبية. فبعد الاستيلاء على بلغراد عام 1521، تمكّنت جيوش سليمان من إلحاق هزيمة ساحقة بالجيش المجري بقيادة الملك لويس الثاني في معركة موهاج التي دارت في التاسع والعشرين من أغسطس عام 1526، وهي الهزيمة التي أنهت فعلياً استقلال المملكة المجرية ومهّدت الطريق أمام تقاسم نفوذها بين النمسا الهابسبورغية والدولة العثمانية[5]. وقد أدت هذه المعركة إلى مقتل الملك لويس نفسه إلى جانب عدد كبير من كبار رجال الدولة المجرية، مما أحدث فراغاً سياسياً استغله كل من الأرشيدوق النمساوي فرديناند الأول والنبيل المجري يوحنا زابوليا في التنافس على العرش الشاغر.
وفي أعقاب هذا الانتصار، سعى سليمان القانوني إلى استكمال مشروعه التوسعي عبر مهاجمة فيينا، عاصمة آل هابسبورغ، فأطلق حملته عام 1529 على رأس جيش تجاوز المئة ألف مقاتل، متفوقاً عددياً على القوات النمساوية المدافعة بنسبة أربعة إلى واحد تقريباً[6]. غير أن الحملة واجهت صعوبات لوجستية جسيمة، إذ تسبب الطقس الماطر والبارد في تعطل تقدم الجيش وفقدان جزء كبير من مدفعيته الثقيلة التي غرقت في الوحل، فوصل الجيش العثماني إلى أسوار فيينا في سبتمبر منهكاً وضعيف العتاد، ليفشل الحصار في نهاية المطاف أمام مقاومة المدافعين النمساويين[6]. ويُعدّ هذا الفشل أول مؤشر جدي على وجود حد جغرافي طبيعي للتوسع العثماني في عمق أوروبا الوسطى.
خامساً: حصار فيينا الثاني ومعاهدة كارلوفيتز: نهاية مرحلة التوسع
بعد قرن ونصف من محاولة الفتح الأولى، عاود العثمانيون محاصرة فيينا مجدداً عام 1683، في حملة قادها الصدر الأعظم مرزيفونلو قره مصطفى باشا بجيش ضخم استمر في حصار المدينة قرابة شهرين متتاليين، صدّ خلالهما نحو عشرين ألف مدافع نمساوي ست هجمات عثمانية كبرى قبل وصول قوات الإغاثة الألمانية والبولندية بقيادة الملك يان الثالث سوبيسكي في الثاني عشر من سبتمبر، لتنقلب موازين المعركة بشكل حاسم لصالح القوات الأوروبية المتحالفة[8]. وقد شكّلت هذه الهزيمة نقطة تحول تاريخية جوهرية، إذ أطلقت سلسلة من الانتصارات الأوروبية المتلاحقة ضد القوات العثمانية على مدى السنوات الست عشرة التالية، في إطار ما عُرف بالعصبة المقدسة التي ضمّت النمسا وبولندا والبندقية وروسيا.
وقد تُوّجت هذه الحرب الطويلة بتوقيع معاهدة كارلوفيتز في السادس والعشرين من يناير عام 1699، وهي المعاهدة التي أنهت رسمياً الأعمال العدائية بين الدولة العثمانية وقوى العصبة المقدسة، ونقلت السيطرة على ترانسيلفانيا ومعظم أراضي المجر من الحكم التركي إلى السيادة النمساوية[7]. وقد مثّلت هذه المعاهدة، للمرة الأولى في تاريخ العلاقات العثمانية الأوروبية، إقراراً رسمياً من جانب الباب العالي بالهزيمة والتفاوض مع تحالف أوروبي موحد بوساطة قوى محايدة، وهو ما أضعف بشكل جوهري النفوذ التركي في شرق ووسط أوروبا، وأرسى الأساس لصعود النمسا بوصفها القوة المهيمنة الجديدة في تلك المنطقة، فضلاً عن كونها بداية فعلية لمرحلة الانحسار العثماني التدريجي التي استمرت طوال القرنين التاليين[7].