الثورة الصناعية الثانية، المعروفة أيضاً بـ”الثورة التكنولوجية”، هي المرحلة التاريخية من التطور الصناعي والتقني السريع التي امتدت تقريباً بين عامي 1870م و1914م، أي عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى، وشهدت تحولاً جذرياً في أنماط الإنتاج والاقتصاد والحياة اليومية للمجتمعات الصناعية عبر أوروبا وأمريكا الشمالية، متجاوزة بذلك إنجازات الثورة الصناعية الأولى التي ارتكزت أساساً على الفحم والطاقة البخارية وصناعة النسيج الميكانيكية. وقد ارتكزت هذه الموجة الثانية من التصنيع على منظومة متكاملة من الابتكارات التقنية المترابطة، أبرزها الإنتاج الصناعي الضخم للصلب عبر عملية بسمر التي خفضت تكاليفه بشكل هائل، والتوسع الواسع في استخدام الكهرباء كمصدر طاقة مرن وموثوق بعد اختراع المصباح الكهربائي المتوهج، فضلاً عن ظهور محرك الاحتراق الداخلي الذي مهد لصناعة السيارات، وتطور الصناعات الكيميائية التي أنتجت أصباغاً وأسمدة ومتفجرات صناعية جديدة. وقد تميزت هذه المرحلة، على النقيض من الثورة الصناعية الأولى التي اعتمدت بشكل أساسي على الابتكار العملي التجريبي، بترابط وثيق ومباشر بين البحث العلمي المخبري والتطبيق الصناعي التجاري، إذ تحولت الاكتشافات الفيزيائية والكيميائية بسرعة غير مسبوقة إلى منتجات تجارية قابلة للتسويق على نطاق واسع. وقد رافق هذا التحول التقني تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، شملت نشوء الشركات الصناعية الضخمة والاحتكارات الكبرى، وتوسعاً حضرياً هائلاً، وصعود الطبقة العاملة الصناعية وحركات نقابية منظمة طالبت بتحسين ظروف العمل، إلى جانب تسارع في وتيرة التوسع الاستعماري الأوروبي بحثاً عن أسواق ومواد خام جديدة لتغذية هذا النمو الصناعي المتسارع.
| معلومات عامة | |
| التسمية | الثورة الصناعية الثانية / الثورة التكنولوجية |
| الفترة الزمنية | نحو 1870م – 1914م |
| مراكز الانطلاق الرئيسية | الولايات المتحدة، ألمانيا، بريطانيا |
| الابتكارات المحورية | |
| إنتاج الصلب الضخم | عملية بسمر، 1856م |
| المصباح الكهربائي | توماس إديسون، 1879م |
| التيار الكهربائي المتردد | نيكولا تسلا / جورج ويستنغهاوس |
| الهاتف | ألكسندر غراهام بيل، 1876م |
| خط التجميع المتحرك | هنري فورد، 1913م |
| أول رحلة طيران | الأخوان رايت، 1903م |
| أبرز الشركات الصناعية | |
| شركة الصلب الأمريكية | 1901م، أول شركة بمليار دولار |
| جنرال إلكتريك | 1892م |
الانتقال من الثورة الصناعية الأولى
تمايزت الثورة الصناعية الثانية عن سابقتها التي شهدها العالم في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر، والتي ارتكزت بشكل أساسي على الطاقة البخارية وصناعة النسيج الميكانيكية والحديد الخام في بريطانيا تحديداً، بكونها ظاهرة أوسع نطاقاً جغرافياً شملت الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا كمراكز قيادية رئيسية إلى جانب بريطانيا، واعتمدت على مواد ومصادر طاقة جديدة كالصلب والكهرباء والنفط بدلاً من الحديد والفحم فقط
[1]
. وقد شكّل هذا التحول انتقالاً من نموذج إنتاجي اعتمد بشكل أساسي على الابتكار الميكانيكي التجريبي إلى نموذج ارتكز على تطبيق مباشر للاكتشافات العلمية، إذ تطورت الكيمياء تطوراً هائلاً باكتشاف أسسها الذرية، وبدأت الدراسات العلمية المنهجية لظاهرة الكهرباء، مما أتاح للمخترعين آفاقاً جديدة من الاستكشاف التقني لم تكن متاحة من قبل، وأرسى تفاعلاً متبادلاً وثيقاً بين العلم النظري والتطبيق الصناعي استمر منذ ذلك الحين حتى اليوم
[2]
.
ثورة الصلب: عملية بسمر
مثّل الصلب المادة الخام المحورية التي رمزت لهذه المرحلة التاريخية، تماماً كما رمز الحديد للثورة الصناعية الأولى، إذ كانت عملية تحويل الحديد الخام إلى صلب قبل خمسينيات القرن التاسع عشر عملية بطيئة ومكلفة للغاية، تستغرق قرابة شهر كامل لإنتاج كمية لا تتجاوز خمسين رطلاً فقط
[3]
. وقد أحدث المهندس البريطاني هنري بسمر ثورة حقيقية في هذا المجال عام 1856م باختراعه عملية أطلق عليها اسمه، تعتمد على نفخ الهواء عبر الحديد المصهور لأكسدة الكربون الزائد فيه بسرعة، مما جعل إنتاج الصلب رخيصاً وسريعاً للمرة الأولى في التاريخ، وأدى ذلك إلى ازدهار هائل في قطاعات البناء والتشييد، حيث أصبح الصلب مادة أساسية لبناء ناطحات السحاب والجسور الكبرى والسفن وخطوط السكك الحديدية بتكلفة تنافسية
[4]
. وقد بلغ تأثير هذا الاختراع مداه، إذ جاء ما يقارب ثمانين بالمئة من إجمالي إنتاج الصلب بين عامي 1880م و1895م عبر عملية بسمر تحديداً، قبل أن تظهر لاحقاً عملية الفرن المكشوف الأكثر تطوراً كبديل تدريجي لها
[5]
. وقد أفضى هذا التوسع الصناعي الضخم في صناعة الصلب إلى تأسيس شركات عملاقة كشركة الصلب الأمريكية التي أسسها المصرفي جي. بي. مورغان عام 1901م، لتصبح أول شركة في التاريخ تبلغ قيمتها السوقية مليار دولار أمريكي.
الكهربة وثورة الطاقة
شكّل التوسع في استخدام الكهرباء أحد أهم محركات الثورة الصناعية الثانية، إذ منحت هذه الطاقة، على عكس الطاقة البخارية التقليدية، مرونة هائلة في التطبيق أتاحت تشغيل المصانع والمنازل ووسائل النقل على حد سواء، وقد مثّل اختراع توماس إديسون للمصباح الكهربائي المتوهج ذي المقاومة العالية عام 1879م، وما تلاه من إنشائه لمحطات توليد كهربائية تجارية، بداية الانطلاقة الفعلية لهذه الثورة الكهربائية
[6]
. وقد شهدت هذه المرحلة أيضاً منافسة تقنية شهيرة عُرفت بـ”حرب التيارات” بين إديسون، الذي روّج لنظام التيار الكهربائي المباشر، وبين المهندس الصربي الأمريكي نيكولا تسلا، الذي طوّر بدعم من رجل الأعمال جورج ويستنغهاوس نظام التيار الكهربائي المتردد الأكثر كفاءة في النقل عبر مسافات طويلة، إذ يمكن رفع جهده إلى مستويات عالية عبر المحولات وإرساله عبر أسلاك أرخص وأنحف قبل خفضه مجدداً عند نقطة الاستهلاك
[7]
. وقد أدى انتصار نظام التيار المتردد تدريجياً إلى تمكين إنشاء شبكات كهربائية واسعة النطاق ربطت المدن بأكملها، مما مهد الطريق لظهور أجهزة منزلية حديثة كالثلاجات وآلات الغسيل، وأتاح للمصانع العمل ليلاً بعد أن كانت مقيدة سابقاً بساعات ضوء النهار.
ثورة النقل والاتصالات
شهدت هذه المرحلة تطورات متلاحقة وسريعة في وسائل النقل والاتصال غيرت جذرياً من إيقاع الحياة اليومية ومفاهيم المسافة والزمن، إذ ابتكر ألكسندر غراهام بيل الهاتف عام 1876م، الذي أضاف بعداً جديداً لثورة الاتصال الفورية التي كان قد بدأها التلغراف الكهربائي قبله بعقود، مما أسهم بحسب المؤرخ الثقافي ستيفن كيرن في “إبادة المسافة” وتحويل الإحساس المحلي الضيق للناس إلى إحساس وطني بل وعالمي بالترابط
[8]
. وفي مجال النقل، شهد العقد الأخير من القرن التاسع عشر ظهور محرك الاحتراق الداخلي الذي مهد لصناعة السيارات الوليدة، بينما حقق الأخوان رايت أول رحلة طيران بمحرك ناجحة في التاريخ عام 1903م، لتنطلق بذلك صناعة الطيران التي غيرت لاحقاً مفهوم السفر والحرب على حد سواء
[9]
. وقد بلغت ثورة النقل ذروتها الصناعية حين طوّر هنري فورد عام 1913م خط التجميع المتحرك في مصانعه، وهو ابتكار تنظيمي حوّل عملية تصنيع السيارات جذرياً عبر تقسيم العمل إلى مهام متتالية بسيطة يؤديها عمال متخصصون على حزام ناقل متحرك، وهو ما خفّض زمن إنتاج السيارة الواحدة بمعدل يتراوح بين خمس وعشر مرات، وأتاح إنتاجاً ضخماً بتكلفة أقل بكثير جعلت السيارة في متناول شريحة أوسع من المستهلكين
[10]
.
التنظيم الصناعي: التايلورية والفوردية
رافق هذا التطور التقني تحولاً تنظيمياً عميقاً في أسلوب إدارة العمل داخل المصانع، تجسد بشكل خاص في مفهومي “التايلورية” و”الفوردية”، إذ طور المهندس الأمريكي فريدريك تايلور نظرية “الإدارة العلمية” التي سعت لتحقيق أقصى قدر من الكفاءة الإنتاجية عبر تحليل دقيق لكل مهمة عمل، وتحديد الإجراءات والوقت الأمثل المطلوب لأداء كل خطوة بدقة صارمة، بهدف القضاء على أي هدر في الوقت أو الجهد
[11]
. وقد طبّق هنري فورد هذه المبادئ عملياً في مصانعه عبر ما عُرف بـ”الفوردية”، حيث يبقى العامل في موقع ثابت مؤدياً مهمة واحدة محددة بينما ينتقل المنتج نفسه عبر حزام ناقل متحرك من محطة إلى أخرى، وقد أسهم هذا النظام المزدوج بين التايلورية والفوردية في خفض تكاليف الإنتاج بشكل كبير، وانخفاض الأسعار تبعاً لذلك، وزيادة هائلة في حجم المبيعات، وإن أثار في الوقت ذاته انتقادات واسعة لاحقاً بوصفه يختزل العامل إلى مجرد ترس ميكانيكي في آلة إنتاجية ضخمة، وهو ما جسّده الممثل تشارلي تشابلن ساخراً في فيلمه الشهير “الأزمنة الحديثة”.
لقد أعطيت الناس أي لون يريدونه من السيارة، طالما كان أسود.
— هنري فورد، معبراً عن فلسفة التوحيد القياسي في الإنتاج الضخم
الشركات الكبرى والاحتكارات الصناعية
أفضى هذا التوسع الصناعي الهائل إلى ظهور تكتلات اقتصادية ضخمة وشركات احتكارية غير مسبوقة في الحجم والنفوذ، إذ سيطرت شركات عملاقة على قطاعات صناعية بأكملها، من شركة الصلب الأمريكية التي أسسها جي. بي. مورغان عام 1901م ودمجت فيها شركة أندرو كارنيغي للصلب لتصبح أول شركة بمليار دولار في التاريخ، إلى شركة جنرال إلكتريك التي أسسها توماس إديسون عام 1892م واشتهرت بمنتجاتها المبتكرة كالمصباح الكهربائي والفونوغراف
[12]
. وقد ترافق هذا النمو الاقتصادي الاستثنائي مع فترات من عدم الاستقرار الحاد، إذ شهد الاقتصاد العالمي أزمتي كساد حادتين عامي 1873م و1897م، فيما تنافست الشركات فيما بينها بشراسة للسيطرة على الصناعات، مما أدى إلى إفلاس عدد كبير من الشركات الصغيرة وابتلاعها من قبل تكتلات أكبر سيطرت في نهاية المطاف على السوق
[13]
.
الآثار الاجتماعية وصعود الحركة النقابية
أحدثت الثورة الصناعية الثانية تحولات اجتماعية بالغة العمق تجاوزت الجانب التقني البحت، إذ أدت زيادة الميكنة وتخصص العمل داخل المصانع إلى تحويل شريحة واسعة من العمال إلى مؤدين لمهام بسيطة متكررة تحت إشراف مهندسين ومشرفين متخصصين، وهو ما قلل الحاجة النسبية للعمالة الماهرة تقليدياً، وإن ارتفع في الوقت ذاته العدد الإجمالي للعمال المهرة وغير المهرة على حد سواء مع اتساع رقعة الإنتاج الصناعي
[14]
. وقد دفعت ظروف العمل القاسية وساعات الدوام الطويلة داخل هذه المصانع الضخمة العمال إلى تنظيم أنفسهم في نقابات عمالية منظمة طالبت بتحسين الأجور وظروف العمل وتقليص ساعات الدوام، وهي حركة نقابية اكتسبت زخماً متصاعداً عبر هذه الحقبة، وأفضت في بعض الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا في عهد المستشار بسمارك، إلى إقرار أنظمة تأمين اجتماعي حكومية مبكرة تضمنت التأمين الصحي والتقاعدي، في استجابة سياسية استباقية لتهدئة السخط العمالي المتصاعد
[15]
. كما رافق هذا التصنيع المتسارع موجة هجرة داخلية وخارجية هائلة نحو المراكز الصناعية الحضرية، إذ توافد ملايين المهاجرين، لا سيما إلى الولايات المتحدة، لسد احتياجات سوق العمل الصناعي المتنامي، فيما نشأت طبقة إدارية ومهنية وسطى جديدة تولت تسيير الشؤون المعقدة لهذه المؤسسات الصناعية الضخمة.
الأهمية التاريخية والإرث الممتد
شكّلت الثورة الصناعية الثانية الأساس البنيوي الذي ارتكز عليه المجتمع الصناعي الحديث طوال القرن العشرين بأكمله، إذ إن الشبكات الكهربائية والهاتفية وأنظمة الإدارة المؤسسية التي تشكلت خلال هذه الحقبة ظلت العمود الفقري للحياة الاقتصادية والاجتماعية الحديثة لعقود طويلة لاحقة
[16]
. وقد انتهت هذه الحقبة تاريخياً باندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914م، التي جاءت بدورها لتوظف كثيراً من ابتكارات هذه الثورة ذاتها في أغراض عسكرية مدمرة، من السفن الحربية المصنوعة من الصلب إلى الأسلحة الكيميائية والمركبات العاملة بمحركات الديزل والذخائر المنتجة على نطاق صناعي ضخم، في مفارقة تاريخية تعكس الطبيعة المزدوجة لهذا التقدم التقني الهائل بين الإسهام في رفاهية الإنسان من جهة وتضخيم قدرته التدميرية من جهة أخرى
[17]
.