🔍
اضغط Esc للإغلاق  •  Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية Uncategorized الأديان والفلسفة الاقتصاد التاريخ التاریخ الإسلامی التكنولوجيا الجغرافيا الرياضة
الرئيسية / التاريخ / حرب الإسبانية الأمريكية
التاريخ

حرب الإسبانية الأمريكية

👁 5 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 3/8/2026 ✏️ 4/8/2026
100%

الحرب الإسبانية الأمريكية هي نزاع عسكري قصير نسبيًا في مدته الزمنية لكنه بعيد الأثر في تداعياته التاريخية، نشب بين المملكة الإسبانية والولايات المتحدة الأمريكية خلال عام 1898، وتمحور في جوهره حول قضية استقلال كوبا التي كانت لا تزال إلى جانب بورتوريكو من أواخر المستعمرات الإسبانية المتبقية في الأمريكتين بعد أن نالت بقية المستعمرات استقلالها في النصف الأول من القرن التاسع عشر
[1].
انفجرت الحرب رسميًا في أواخر أبريل 1898 بعد سلسلة طويلة ومتصاعدة من التوترات، أبرزها الحركة الثورية الكوبية التي بدأت منذ عام 1895 ضد الحكم الإسباني، وحادثة غرق البارجة الأمريكية “مين” في ميناء هافانا في فبراير من العام نفسه، إلى جانب حملة صحفية محرّضة عُرفت بـ”الصحافة الصفراء” ضخّمت الأحداث وغذّت الرأي العام الأمريكي المتعاطف مع الثوار الكوبيين. ورغم أن المعارك الفعلية لم تتجاوز أربعة أشهر فقط، فإنها انتهت بهزيمة إسبانية شاملة وسريعة في كل من البحر الكاريبي والمحيط الهادئ على حد سواء، وأسفرت عن توقيع معاهدة باريس في ديسمبر 1898 التي منحت كوبا استقلالًا منقوصًا تحت إشراف أمريكي مباشر، وأجبرت إسبانيا على التنازل النهائي عن بورتوريكو وغوام والفلبين للولايات المتحدة. شكّلت هذه الحرب بذلك علامة فاصلة مزدوجة: فهي وضعت نهاية رمزية وفعلية لأربعة قرون من الإمبراطورية الإسبانية الاستعمارية وراء البحار، وفي الوقت نفسه أعلنت بشكل صريح عن ولادة الولايات المتحدة كقوة إمبريالية وبحرية عالمية جديدة بعد أن كانت منكفئة تقليديًا على قارتها الأمريكية، فاتحة بذلك الباب أمام عقود من التوسع الأمريكي وراء البحار وأمام صراع استمراري آخر في الفلبين نفسها.

معلومات عامة
الاسم الرسمي الحرب الإسبانية الأمريكية
أسماء أخرى الحرب الأمريكية الإسبانية؛ “كارثة 98” (التسمية الإسبانية: Desastre del 98)؛ Guerra hispano-estadounidense
التاريخ 21–25 أبريل 1898 – 12 أغسطس 1898 (الأعمال العسكرية)؛ توقيع معاهدة باريس في 10 ديسمبر 1898
الموقع كوبا، بورتوريكو، الفلبين، غوام، البحر الكاريبي، المحيط الهادئ
السبب المباشر انفجار البارجة الأمريكية مين في ميناء هافانا في 15 فبراير 1898
النتيجة انتصار أمريكي شامل؛ معاهدة باريس 1898؛ استقلال كوبا تحت وصاية أمريكية؛ تنازل إسبانيا عن بورتوريكو وغوام والفلبين
الأطراف المتحاربة
الطرف الأول الولايات المتحدة الأمريكية، بدعم من ثوار الاستقلال الكوبيين والفلبينيين
الطرف الثاني المملكة الإسبانية
القادة
قيادة الولايات المتحدة الرئيس وليام ماكينلي؛ العميد البحري جورج ديوي؛ اللواء وليام شافتر؛ ثيودور روزفلت (قائد ميداني لكتيبة الفرسان الخشنون)
قيادة إسبانيا الوصية الملكية الملكة ماريا كريستينا (نيابةً عن الملك القاصر ألفونسو الثالث عشر)؛ الأدميرال باسكوال سيرفيرا؛ الجنرال أرسينيو ليناريس؛ الأدميرال باتريسيو مونتوخو
القوى العسكرية
القوات الأمريكية جيش نظامي صغير لا يتجاوز 25 ألف رجل عُزِّز بسرعة بمتطوعين ليتجاوز الإجمالي 300 ألف رجل، إلى جانب أسطول بحري حديث نسبيًا
القوات الإسبانية نحو 200 ألف جندي إسباني متمركزون في كوبا وحدها، إضافة إلى أسطولين بحريين منفصلين في الكاريبي والفلبين
الخسائر
قتلى الولايات المتحدة أقل من 350 قتيلًا في القتال المباشر، ونحو 1,600 جريح، إضافة إلى ما يقارب 3,000 وفاة إثر الأمراض كالحمى الصفراء
قتلى إسبانيا مئات القتلى في معارك سانتياغو ومانيلا، إضافة إلى تدمير أسطوليها الكاريبي والآسيوي بالكامل
COSMALORE · الموسوعة العربية

الخلفية والأسباب

الحركة الاستقلالية الكوبية وسياسة الأرض المحروقة

لم تكن أزمة عام 1898 سوى الفصل الأخير من نضال كوبي طويل وممتد من أجل الاستقلال عن إسبانيا، فقد سبق لحركة “كوبا ليبري” أن خاضت محاولات متكررة لإنهاء السيطرة الإسبانية على الجزيرة دون أن تحقق نجاحًا حاسمًا، إلى أن اندلعت في عام 1895 ثورة جديدة وأكثر شمولًا قام الجانب الإسباني بقيادة الجنرال فاليريانو ويلر بمحاولة سحقها عبر سياسة قاسية شملت تجميع السكان المحليين قسرًا في معسكرات عسكرية محصّنة بهدف عزل المتمردين عن قاعدتهم الشعبية
[2].
وعلى الرغم من محاولة الرئيس الأمريكي وليام ماكينلي الضغط على مدريد في نوفمبر 1897 لمنح كوبا حكمًا ذاتيًا واسعًا ضمن إطار التبعية الإسبانية، فإن قادة الثورة الكوبية لم يكونوا على استعداد لقبول أي شيء أقل من الاستقلال الكامل، فاستمر القتال على الأرض في حلقة عنف متصاعدة شملت كذلك أعمال شغب قام بها مؤيدون متشددون لإسبانيا في هافانا احتجاجًا على أي تنازلات للحكم الذاتي، وهو ما استُخدم لاحقًا ذريعة لإرسال البارجة الأمريكية إلى الميناء الكوبي بدعوى حماية المواطنين والممتلكات الأمريكية
[3].

المصالح الاقتصادية والنزعة التوسعية الأمريكية

إلى جانب التعاطف الشعبي العفوي مع نضال الكوبيين، كانت هناك مصالح اقتصادية واستراتيجية أمريكية واضحة تدفع نحو التدخل المباشر؛ فقد تسببت سنوات الحرب الأهلية الكوبية في خسائر مالية فادحة لمؤسسات الاستثمار الأمريكية التي وضعت أموالًا ضخمة في قطاعي السكر والتبغ الكوبيين، فيما أدركت واشنطن في الوقت نفسه الأهمية الاستراتيجية البالغة لموقع كوبا الجغرافي بالنسبة لأي مشروع مستقبلي لحفر قناة بحرية تربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ عبر أمريكا الوسطى
[1].
وقد انضمت إلى هذا المزيج من المصالح الاقتصادية أصوات قوية من كبار رجال الصناعة النفطية وملاك المناجم الأمريكيين، إلى جانب احتكارات صحفية كانت ترى في الحرب فرصة تجارية ودعائية، فضلًا عن طموحات واضحة لدى كبار القادة العسكريين الأمريكيين الذين رغبوا في انتزاع السيطرة على المواقع الاستراتيجية الإسبانية المتناثرة في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، وهو مزيج من الدوافع الاقتصادية والعسكرية والإيديولوجية التوسعية جعل من خيار الحرب أمرًا جاذبًا لقطاعات واسعة من النخبة الأمريكية حتى قبل أن تتوفر الذريعة المباشرة لإعلانها رسميًا.

حادثة البارجة “مين” والصحافة الصفراء

وصلت البارجة الأمريكية “مين” إلى ميناء هافانا في 25 يناير 1898 دون إخطار مسبق، في خطوة اعتبرتها مدريد استفزازية وانتهاكًا للممارسات الدبلوماسية السائدة، وذلك بعد أن رفضت إسبانيا بشكل حازم عرضًا أمريكيًا سابقًا لشراء كوبا وبورتوريكو
[1].
وفي ليلة 15 فبراير 1898، وقع انفجار ضخم ومفاجئ في هيكل السفينة أدى إلى غرقها الفوري وقتل نحو 260 من أفراد طاقمها، ورغم أن تحقيقات لاحقة أكثر هدوءًا أشارت إلى احتمال أن يكون الانفجار حادثًا داخليًا في غرفة المرجل الخاصة بالسفينة نفسها، فإن مجلس البحرية الأمريكية الذي حقق في الحادثة في حينه خلص إلى وجود ما اعتبره دليلًا على انفجار خارجي أولي، وهو ما تبنّته فورًا الصحافة الأمريكية المثيرة المعروفة بـ”الصحافة الصفراء”، وعلى رأسها صحيفة نيويورك جورنال المملوكة لويليام راندولف هيرست، التي حمّلت إسبانيا المسؤولية الكاملة دون أي دليل قاطع وأطلقت حملة تحريضية واسعة. ورغم أن الحكومة الإسبانية عرضت إحالة قضية المسؤولية إلى التحكيم الدولي المحايد، فإن الرأي العام الأمريكي المؤلب أصلًا تبنّى شعار “تذكروا السفينة مين” بوصفه نداءً حماسيًا للحرب
[3].
وقد أضاف إلى هذا الاحتقان الشعبي نشر صحيفة نيويورك جورنال في فبراير 1898 رسالة خاصة مسرّبة كتبها الوزير الإسباني المفوّض في واشنطن، إنريكي دوبوي دي لومي، وصف فيها الرئيس ماكينلي بأوصاف مهينة شككت في حسن نواياه السياسية، وهو تسريب أحرج الدبلوماسية الإسبانية وأضعف بشكل كبير فرص أي حل سياسي هادئ للأزمة المتصاعدة:

تذكّروا السفينة مين!
— شعار شعبي وصحفي أمريكي، فبراير–أبريل 1898

إعلان الحرب والتعبئة العسكرية

في 11 أبريل 1898، طلب الرئيس ماكينلي رسميًا من الكونغرس الأمريكي تفويضه بالتدخل العسكري لإنهاء ما وصفه بـ”الحرب الأهلية” الدائرة في كوبا، وذلك بعد أن استنفد آخر جهوده الدبلوماسية لإقناع إسبانيا بالتخلي عن سياسة المعسكرات وإعلان الاستقلال الكوبي طوعًا، وهو طلب رفضته مدريد فلم يترك لماكينلي خيارًا آخر سوى التصعيد العسكري
[2].
وفي 19 أبريل 1898، أصدر الكونغرس قرارًا مشتركًا اعترف فيه رسميًا باستقلال كوبا وفوّض الرئيس باستخدام القوة العسكرية لإجبار إسبانيا على الجلاء عن الجزيرة، وقد تضمّن هذا القرار بندًا بالغ الأهمية عُرف بـ”تعديل تيلر” نص صريحًا على أن الولايات المتحدة لن تضم كوبا لنفسها بعد انتهاء الحرب، في خطوة فُسّرت في حينها على أنها تأكيد للنزاهة الأخلاقية الأمريكية للتدخل، رغم أن هذا التعهد لم يمنع واشنطن لاحقًا من ممارسة وصاية سياسية واقتصادية مشددة على كوبا المستقلة شكليًا. وفي 22 أبريل، وقبل أي إعلان رسمي للحرب، أبحرت قوة بحرية أمريكية لفرض حصار مباشر على ميناء هافانا، ثم أعلنت الحرب رسميًا في 25 أبريل 1898 بأثر رجعي يعود إلى 21 أبريل، فيما ردّت إسبانيا بإرسال أسطولها البحري من جزر الرأس الأخضر نحو الكاريبي. ونظرًا لضآلة حجم الجيش النظامي الأمريكي الذي لم يكن يتجاوز خمسة وعشرين ألف رجل في حين تطلّبت الحرب أكثر من مائة ألف، تطوّع ثيودور روزفلت، الذي كان حتى ذلك الحين مساعدًا لوزير البحرية ومن أشد المؤيدين للحرب، لتشكيل كتيبة فرسان متطوعة عُرفت إعلاميًا باسم “الفرسان الخشنون”، ضمت في صفوفها رعاة بقر وحدوديين ورياضيين من الطبقة الأرستقراطية الشرقية على حد سواء.

المعركة البحرية في خليج مانيلا

كانت الجبهة الآسيوية أول مسرح حاسم للحرب رغم بعدها الجغرافي الهائل عن كوبا، فبتوجيه من ثيودور روزفلت نفسه بصفته مساعد وزير البحرية، أمر العميد البحري جورج ديوي قائد السرب الآسيوي الأمريكي بالاستعداد المسبق للتحرك ضد القوات الإسبانية في الفلبين فور إعلان الحرب رسميًا، فأبحر سرب ديوي من هونغ كونغ في 27 أبريل 1898 ووصل إلى خليج مانيلا مساء 30 أبريل
[4].
وفي الساعات الأولى من فجر 1 مايو 1898، اقتحم سرب ديوي خليج مانيلا وانخرط في معركة بحرية حاسمة مع السرب الإسباني المتمركز بقيادة الأدميرال باتريسيو مونتوخو، وانتهت المعركة في غضون ساعات قليلة فقط بتدمير شامل للأسطول الإسباني بالكامل في مقابل خسائر أمريكية طفيفة لم تتجاوز عشرة بحارة، بينما قُدّرت الخسائر الإسبانية في الأرواح بأكثر من 370 بحريًا
[5].
ولم تكن هذه المعركة حاسمة من الناحية البحرية البحتة فحسب، بل حملت أيضًا أبعادًا سياسية بعيدة المدى، إذ كشفت بشكل مفاجئ للعالم بأسره عن مدى الهشاشة الحقيقية للأسطول الإسباني المتهالك مقارنة بالقوة البحرية الأمريكية الصاعدة، ومهدت الطريق مباشرة أمام احتلال مدينة مانيلا نفسها بحلول أغسطس من العام نفسه، فضلًا عن أنها فتحت الباب لتدخل أمريكي مباشر وعميق في مستقبل الأرخبيل الفلبيني بأسره بما يتجاوز بكثير الهدف الأصلي المحدود المتعلق بكوبا.

حملة كوبا

تطويق الأسطول الإسباني في سانتياغو

بالتوازي مع الانتصار الحاسم في الفلبين، تمكن الاستطلاع البحري الأمريكي من تحديد موقع السرب البحري الكاريبي المراوغ بقيادة الأدميرال باسكوال سيرفيرا في ميناء سانتياغو دي كوبا الواقع على الساحل الجنوبي الشرقي للجزيرة، فأقامت البحرية الأمريكية حصارًا بحريًا محكمًا حول الميناء حال دون قدرة الأسطول الإسباني على المناورة أو كسر الطوق المفروض عليه
[1].
وفي 14 يونيو 1898، أبحر فيلق أمريكي بري بقيادة اللواء وليام شافتر من الولايات المتحدة متجهًا إلى كوبا، وتم إنزاله بنجاح بالقرب من سانتياغو في الفترة بين 22 و25 يونيو، وذلك في ظروف لافتة من التفاوت العسكري، فبينما كانت إسبانيا تحتفظ بما يقارب 200 ألف جندي في الجزيرة بأكملها، لم يتجاوز عدد القوات الإسبانية المتمركزة فعليًا في منطقة سانتياغو نفسها خمسة وعشرين ألف جندي، وكانت حامية المدينة المباشرة لا تتجاوز ثلاثة عشر ألفًا فقط، وهو تشتت جغرافي للقوات الإسبانية أعطى الأفضلية التكتيكية الحاسمة للقوات الأمريكية المتقدمة منذ البداية
[3].

معركتا سان خوان والكاني والفرسان الخشنون

سعى القادة الأمريكيون منذ بداية حملة سانتياغو إلى الاستيلاء على المرتفعات المشرفة على المدينة وميناءها، فاتخذ اللواء شافتر قرارًا بشن هجوم متزامن على موقعين إسبانيين محصّنين في الأول من يوليو 1898، هما مرتفعات سان خوان والقرية المحصّنة المسماة الكاني، وقد أصدر شافتر تعليماته إلى أحد قادة فرقه بالتوجه شمالًا نحو الكاني بينما تركّز الزخم الرئيسي للهجوم على مرتفعات سان خوان نفسها
[3].
وفي قتال عنيف وكثيف النيران تخلله هجوم بالغ الشهرة شنته كتيبة الفرسان الخشنون الأمريكية المتطوعة، تمكنت القوات الأمريكية في نهاية المطاف من السيطرة على المرتفعات الحيوية رغم خسائرها الملحوظة، وكان لضابط الفرسان المتطوع ثيودور روزفلت دور قيادي بارز ولافت في هذا الهجوم رفع من شعبيته السياسية بشكل كبير ومهّد لاحقًا لمساره نحو منصب نائب الرئيس ثم الرئاسة نفسها بعد أربع سنوات فقط من تلك المعركة. وبموازاة ذلك، ساهمت قوات الثوار الكوبيين بقيادة الجنرال كاليكستو غارسيا إينيغيز بشكل فعّال في إغلاق الطرق المؤدية شمالًا نحو سانتياغو ومنع وصول أي تعزيزات إسبانية محتملة إلى المدينة المحاصرة، وهو دور غالبًا ما يُهمَّش في الروايات الأمريكية التقليدية للحرب لكنه كان حاسمًا في عزل الحامية الإسبانية بشكل كامل عن أي إمكانية للدعم الخارجي.

سقوط سانتياغو دي كوبا وتدمير الأسطول الإسباني

بعد تثبيت السيطرة الأمريكية على المرتفعات المحيطة بالمدينة، شرع شافتر وحلفاؤه الكوبيون في فرض حصار خانق ومتكامل على سانتياغو نفسها، وفي مواجهة هذا الوضع الميئوس منه، حاول الأدميرال سيرفيرا كسر الحصار البحري بمحاولة اقتحام يائسة لكسر الطوق الأمريكي بأسطوله المتبقي، إلا أن هذه المحاولة انتهت بتدمير شامل وكامل للسرب الإسباني الكاريبي على يد البحرية الأمريكية المتفوقة عدديًا وتقنيًا. وأمام استحالة الاستمرار في الدفاع عسكريًا بعد هذا الانهيار البحري التام، استسلمت مدينة سانتياغو دي كوبا رسميًا في السادس عشر من يوليو 1898، وقد قُدّرت خسائر هذه الحملة البرية تحديدًا بنحو 600 قتيل من الجانب الإسباني، و250 من الجانب الأمريكي، و100 من جانب الثوار الكوبيين المتحالفين معهم
[1].
ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن الخسائر البشرية الأمريكية الإجمالية في الحرب بأكملها، التي لم تتجاوز 350 قتيلًا في القتال المباشر، تضاءلت بشكل صارخ أمام الخسائر الناجمة عن الأمراض المتفشية في صفوف الجيش، حيث توفي ما يقارب 3,000 جندي أمريكي إثر إصابتهم بالحمى الصفراء وأمراض معدية أخرى انتشرت في المعسكرات الاستوائية الرطبة، وهو ما يكشف عن حقيقة بالغة الأهمية في تاريخ الحروب العسكرية الاستوائية في تلك الحقبة، إذ كانت الأوبئة في كثير من الأحيان فتاكة وقاتلة أكثر بكثير من المعارك العسكرية المباشرة نفسها
[2].

حملة بورتوريكو

بالتوازي مع تطورات الحملة الكوبية، فتحت الولايات المتحدة جبهة ثانية في جزيرة بورتوريكو القريبة، وكان واضحًا من خلال المراسلات الداخلية للقيادة السياسية والعسكرية الأمريكية أن ضم الجزيرة كان هدفًا مقررًا منذ وقت مبكر من الحرب، وهو ما تجلّى في رسالة كتبها هنري كابوت لودج، السيناتور الأمريكي البارز، إلى ثيودور روزفلت في 24 مايو 1898 أكد فيها بشكل صريح أن واشنطن “تريد” بورتوريكو لنفسها
[6].
وقد سبقت العملية العسكرية الفعلية حملة استخباراتية أمريكية منظمة لجمع المعلومات عن الجزيرة عبر شبكة من الجواسيس المتنكرين الذين تسللوا إليها بهويات وذرائع مختلفة، الأمر الذي مكّن القوات الأمريكية من الإنزال بمعرفة جيدة نسبيًا بطبيعة الدفاعات الإسبانية المحلية. ونظرًا لافتقار الحامية الإسبانية في بورتوريكو إلى أي دعم بحري حقيقي بعد تدمير الأسطولين الإسبانيين في سانتياغو ومانيلا، لم تقدم القوات الإسبانية المحلية أي مقاومة جدية تُذكر أمام تقدم القوات الأمريكية، فاكتملت السيطرة الأمريكية على الجزيرة بأكملها بسرعة لافتة وبأقل قدر ممكن من الخسائر البشرية مقارنة بالحملة الكوبية الأكثر دموية
[2].

حملة الفلبين البرية واحتلال مانيلا

بعد الانتصار البحري الحاسم في خليج مانيلا، استدعى السياق العسكري المتطور تدخلًا بريًا أمريكيًا مباشرًا لإكمال السيطرة على العاصمة الفلبينية نفسها، وفي هذا الإطار، عاد الزعيم الثوري الفلبيني إميليو أغوينالدو من منفاه في هونغ كونغ على متن سفينة أمريكية في مايو 1898 بتشجيع ضمني من الأدميرال ديوي نفسه، وفي غضون أقل من ثلاثة أشهر من عودته تمكن جيشه الثوري المحلي من السيطرة الفعلية على معظم أراضي الأرخبيل الفلبيني وحاصر مانيلا من البر بقوة تُقدَّر بنحو عشرين ألف مقاتل فلبيني
[7].
إلا أن العلاقة بين الثوار الفلبينيين والقيادة الأمريكية ظلت ملتبسة ومشوبة بالحذر المتبادل منذ البداية؛ فبينما طالب أغوينالدو باحتلال خط من الحصون الصغيرة المحيطة بالدفاعات الإسبانية تأكيدًا لمشاركته في تحرير العاصمة، رفض الجنرال الأمريكي إلويل أوتيس هذا الطلب بشكل ضمني، في إشارة مبكرة إلى أن واشنطن لم تكن تنظر إلى الثوار الفلبينيين بصفتهم حلفاء أصحاب حق سياسي مكتسب في تحديد مستقبل بلادهم بقدر ما كانت تنظر إليهم بصفتهم قوة مساعدة مؤقتة. وبحلول أغسطس 1898، سلّمت الحامية الإسبانية مدينة مانيلا للقوات الأمريكية، بعد اتفاق مسبق بين الجانبين حرص خلاله القائد الإسباني على تسليم المدينة للأمريكيين تحديدًا بدلًا من الثوار الفلبينيين، تجنبًا لما اعتبره مهانة أكبر بتسليم المدينة لقوة محلية كان يعتبرها متمردة
[8].

وقف الأعمال العدائية ومعاهدة باريس

بعد أن غرق سربان إسبانيان قديمان بالكامل في معركتي سانتياغو دي كوبا وخليج مانيلا، فيما لم يبق لإسبانيا سوى أسطول ثالث أكثر حداثة استُدعي للبقاء في الداخل لحماية السواحل الإسبانية نفسها من أي هجوم أمريكي محتمل، لم يعد أمام حكومة ساغاستا في مدريد أي خيار عسكري واقعي سوى طلب وساطة دولية للتفاوض على وقف الأعمال العدائية، فتدخّلت فرنسا بصفتها وسيطًا، وتم التوصل إلى بروتوكول واشنطن في 12 أغسطس 1898 الذي أوقف القتال رسميًا بين الجانبين
[9].
ثم انعقدت بعد ذلك مفاوضات السلام النهائية التي تكلّلت بتوقيع معاهدة باريس في العاشر من ديسمبر 1898، وقد جاءت شروطها مواتية بشكل شبه كامل للجانب الأمريكي، فتنازلت إسبانيا عن مطالبها كافة في كوبا التي حصلت على وعد بالاستقلال على أن يبدأ تطبيقه الفعلي اعتبارًا من عام 1902، فيما تنازلت إسبانيا بشكل دائم عن بورتوريكو وغوام للولايات المتحدة دون أي مقابل مالي، وتنازلت أيضًا عن السيادة الكاملة على جزر الفلبين بأكملها مقابل تعويض مالي رمزي بلغ عشرين مليون دولار أمريكي
[10].
وفي العام التالي للمعاهدة، باعت إسبانيا أيضًا آخر ما تبقى لها من ممتلكات استعمارية متناثرة في المحيط الهادئ، وهي جزر ماريانا الشمالية وجزر كارولين وبالاو، إلى ألمانيا مقابل خمسة وعشرين مليون دولار، في خطوة أكملت بشكل رمزي وكامل تصفية الإمبراطورية الإسبانية وراء البحار التي امتدت لقرون طويلة منذ عصر الاستكشافات الجغرافية
[9].

نتائج الحرب وتداعياتها

كوبا تحت تعديل بلات والوصاية الأمريكية

رغم تعهد الكونغرس الأمريكي الصريح بموجب تعديل تيلر بعدم ضم كوبا، فإن الاستقلال الكوبي الذي تحقق رسميًا في 20 مايو 1902 جاء استقلالًا منقوصًا ومقيدًا بشكل جوهري، إذ تضمّن الدستور الكوبي الجديد بندًا أساسيًا عُرف بـ”تعديل بلات” احتفظت الولايات المتحدة بموجبه بحق التدخل المباشر في الشؤون الكوبية الداخلية والإشراف على علاقاتها الخارجية وشؤونها المالية، فضلًا عن استئجارها قاعدة خليج غوانتانامو البحرية الاستراتيجية من الحكومة الكوبية لتظل قائمة حتى يومنا هذا
[10].
وقد ظلت هذه الحكومات الكوبية المتعاقبة طوال النصف الأول من القرن العشرين توصف من قبل كثير من المحللين السياسيين بأنها كانت أقرب إلى “دول عميلة” تابعة للنفوذ الأمريكي المباشر، وهو واقع سياسي استمر فعليًا حتى عام 1934 حين أُلغي تعديل بلات رسميًا، تاركًا وراءه تراثًا من العلاقة المعقدة والمتشابكة بين الجزيرة الكاريبية وجارتها الشمالية الكبرى ظل يتفاعل لعقود طويلة لاحقة بما في ذلك الثورة الكوبية نفسها في منتصف القرن العشرين.

الحرب الفلبينية الأمريكية

على عكس التجربة الكوبية، لم يحظَ الفلبينيون بأي وعد جدي بالاستقلال بعد توقيع معاهدة باريس، وهو ما أثار استياءً عميقًا في صفوف الجمهورية الفلبينية الأولى الناشئة التي اعتبرت تنازل إسبانيا عن الجزر للولايات المتحدة استمرارًا مباشرًا للاستعمار وليس تحريرًا منه، فاندلع القتال المباشر بين القوات الأمريكية والقوات الفلبينية في الرابع من فبراير 1899 فيما عُرف بمعركة مانيلا الثانية، وأعلنت الجمهورية الفلبينية الأولى الحرب رسميًا على الولايات المتحدة في الثاني من يونيو من العام نفسه
[11].
واعتبر القوميون الفلبينيون هذا الصراع الجديد استمرارًا طبيعيًا ومباشرًا لنضالهم من أجل الاستقلال الذي بدأ أصلًا في عام 1896 ضد الحكم الإسباني، في حين أن الحكومة الأمريكية اختارت تسمية النزاع رسميًا بـ”التمرد” تجنبًا لأي اعتراف سياسي بشرعية المطلب الفلبيني بالاستقلال الكامل
[12].
واستمر هذا الصراع الدموي والممتد حتى انتهائه رسميًا في الثاني من يوليو 1902 بانتصار أمريكي حاسم وأسر الزعيم أغوينالدو نفسه، رغم استمرار بعض الجيوب الثورية المتفرقة في القتال لسنوات إضافية لاحقة، وهو نزاع لم تنل الفلبين بعده استقلالًا محدودًا إلا في عام 1907 ثم استقلالًا تامًا ومعترفًا به دوليًا لم يتحقق فعليًا إلا في عام 1946، أي بعد نصف قرن كامل من المعركة البحرية التي بدت في حينها مجرد انتصار عابر في حرب إقليمية محدودة
[11].

نهاية الإمبراطورية الإسبانية وبروز الولايات المتحدة قوة عالمية

على المستوى الإسباني الداخلي، مثّلت هزيمة 1898 صدمة وطنية عميقة وصفها مؤرخون إسبان أنفسهم بـ”كارثة 98″، وهو مصطلح لا يزال متداولًا في الأدب والفكر السياسي الإسباني للإشارة إلى لحظة الانهيار النهائي والكامل لما تبقى من إمبراطورية استعمارية امتدت لأربعة قرون متعاقبة منذ عصر الاستكشافات الجغرافية الكبرى في القرن الخامس عشر، وقد أحدثت هذه الصدمة موجة عميقة من المراجعة الفكرية والثقافية والسياسية داخل إسبانيا نفسها استمرت تتفاعل لعقود طويلة لاحقة. وفي المقابل، وعلى الجانب الأمريكي، شكّلت الحرب على الرغم من قصر مدتها الزمنية النسبية ومحدودية عدد ضحاياها المباشرين مقارنة بحروب أمريكية أخرى لاحقة، نقطة تحول استراتيجية بالغة الأهمية في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، فقد خرجت واشنطن من هذا النزاع وهي تتحكم فجأة بأراضٍ استعمارية واسعة ومتباعدة جغرافيًا تمتد من البحر الكاريبي إلى المحيط الهادئ، الأمر الذي أعلن بشكل عملي وملموس عن تحوّل الولايات المتحدة من قوة قارية منكفئة على نفسها إلى قوة إمبريالية وبحرية ذات أطماع وأدوار عالمية واضحة، وهو تحوّل لخّصه السيناتور الأمريكي البارز ألبرت بيفريدج بوصف المهمة الأمريكية في الفلبين بأنها مهمة تحررية وتربوية في آنٍ واحد تجاه شعوب اعتبرها غير ناضجة سياسيًا، في خطاب نموذجي يعكس الخطاب الإمبريالي الأمريكي السائد في تلك الحقبة التاريخية بالغة الأهمية
[13].

التصنيف
التاريخ ← الحروب والمعارك ← الحرب الإسبانية الأمريكية

التاريخ ← تاريخ القارات ← تاريخ أمريكا
التاريخ ← تاريخ القارات ← تاريخ آسيا
التاريخ ← العصور التاريخية ← العصر الحديث
التاريخ ← المعاهدات والاتفاقيات ← معاهدة باريس 1898

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
الاتحاد السوفيتي
أضخم تجربة اشتراكية في التاريخ
اتفاقيات جنيف
ميثاق الإنسانية في زمن الحرب
أبرز علماء المسلمين عبر التاريخ
قادة الفكر والحضارة الإسلامية
الإبادة الجماعية في كمبوديا
مجازر الخمير الحمر ١٩٧٥–١٩٧٩
الإمبراطورية البارثية
أعتى خصوم روما في الشرق
إبادة البوسنة والهرسك
جريمة إبادة في قلب أوروبا
🔍