🔍
اضغط Esc للإغلاق  •  Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية الأديان والفلسفة الاقتصاد التاريخ التاریخ الإسلامی التكنولوجيا الجغرافيا الرياضة السياسة والعلاقات الدولية
الرئيسية / العلماء والشخصيات / مصطفى كمال أتاتورك
العلماء والشخصيات

مصطفى كمال أتاتورك

👁 32 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 16/8/2026 ✏️ 23/8/2026
100%
معلومات أساسية
الاسم مصطفى كمال أتاتورك
الاسم عند الولادة مصطفى كمال
الميلاد 1881، سالونيك، الدولة العثمانية
الوفاة 10 نوفمبر 1938، إسطنبول، تركيا
العمر عند الوفاة 57 عاماً تقريباً
المهنة ضابط، قائد عسكري، سياسي، مؤسس دولة
الرتبة الأبرز مشير
أهم المناصب رئيس الجمعية الوطنية الكبرى، رئيس جمهورية تركيا
رئاسة الجمهورية 29 أكتوبر 1923 – 10 نوفمبر 1938
العاصمة الجمهورية أنقرة
الدولة التي أسس نظامها الجمهوري جمهورية تركيا
التحول السياسي
حل السلطنة 1 نوفمبر 1922
إعلان الجمهورية 29 أكتوبر 1923
إلغاء الخلافة 3 مارس 1924
قانون الحروف اللاتينية 1928
القانون المدني الجديد 1926
إحصاءات الجمهورية المبكرة
سكان تركيا في تعداد 1927 13,648,270 نسمة
سكان تركيا في تعداد 1935 16,158,018 نسمة
المدارس الابتدائية 1923–1924 4,894 مدرسة
المدارس الابتدائية 1937–1938 6,700 مدرسة
طلاب التعليم الابتدائي 1923–1924 341,941 طالباً
طلاب التعليم الابتدائي 1937–1938 764,691 طالباً
COSMALORE · الموسوعة العربية

يُعد مصطفى كمال أتاتورك واحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ الشرق الأوسط والبحر المتوسط في القرن العشرين؛ فقد ارتبط اسمه بانهيار الإمبراطورية العثمانية، وحرب الاستقلال التركية، وإلغاء السلطنة والخلافة، وتأسيس جمهورية تركيا، ثم بإعادة بناء مؤسسات الدولة والقانون والتعليم والثقافة والاقتصاد على أسس قومية وعلمانية وجمهورية. غير أن فهم أتاتورك تاريخياً لا يكتمل بتحويله إلى صورة رمزية منفصلة عن عصره؛ فالدراسات الحديثة تؤكد أن شخصيته وأفكاره تشكلت داخل البيئة الفكرية والسياسية المتأخرة للدولة العثمانية، وأن كثيراً من مشروعاته الإصلاحية كانت لها جذور في إصلاحات القرن التاسع عشر وحركة تركيا الفتاة، بينما حمل مشروعه في الوقت نفسه قطيعة عميقة مع البنية السياسية والدينية للإمبراطورية السابقة. ويؤكد المؤرخ مراد شكرُو هانيوغلو أن أتاتورك ينبغي دراسته بوصفه نتاجاً فكرياً واجتماعياً لعصره، لا باعتباره عبقرية منفردة نشأت خارج السياق التاريخي؛ كما يربط تكوينه الفكري بالعلموية والوضعية والمادية وبعض الاتجاهات الفكرية التي انتشرت بين النخب العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.[1] 

سالونيك والبيئة العثمانية التي صنعت مصطفى كمال

وُلد مصطفى كمال سنة 1881 في سالونيك، وهي مدينة عثمانية متعددة القوميات والأديان كانت في أواخر القرن التاسع عشر من أكثر مراكز الدولة العثمانية اتصالاً بالتجارة الأوروبية والأفكار السياسية الحديثة. لم تكن سالونيك مدينة هامشية في الحياة العثمانية، بل كانت جزءاً من فضاء اجتماعي شديد التنوع، تتجاور فيه الجماعات المسلمة واليهودية والمسيحية، وتنتشر فيه المدارس الحديثة والصحافة والنشاط التجاري والأفكار القومية والسياسية الجديدة. وقد كان هذا المحيط مهماً في تكوين جيل من الضباط والمثقفين الذين أخذوا ينظرون إلى الدولة العثمانية من زاوية مختلفة عن الأجيال التقليدية السابقة.[2]

كان اسم مصطفى كمال مرتبطاً منذ طفولته بالتعليم، ثم انتقل إلى المدارس العسكرية التي شكلت أهم مؤسسة اجتماعية في تكوينه. وقد كان التعليم العسكري العثماني في تلك المرحلة أكثر تعرضاً للعلوم الحديثة والرياضيات والعلوم الطبيعية والفكر السياسي الأوروبي من التعليم الديني التقليدي. ومن خلال هذه المؤسسات دخل مصطفى كمال إلى عالم الضباط العثمانيين، وهو العالم الذي أصبح لاحقاً أحد أهم محركات التغيير السياسي داخل الإمبراطورية. ويبين هانيوغلو أن تكوين الضابط العثماني في تلك الحقبة لم يكن عسكرياً فقط، بل كان جزءاً من عملية اجتماعية وفكرية أوسع، إذ أصبحت المؤسسة العسكرية حاضنة للأفكار المتعلقة بالدولة المركزية والعلم والتحديث والقومية.[3] 

من الضابط العثماني إلى القائد العسكري

بدأت مسيرة مصطفى كمال المهنية في الجيش العثماني في فترة كانت الدولة تواجه فيها أزمة وجودية متزايدة. فقد شهدت الإمبراطورية خلال حياته المبكرة حروب البلقان، والصراع مع القوى الأوروبية، والأزمة المالية، والنزاعات القومية، ثم الحرب العالمية الأولى. وكانت هذه التجارب حاسمة في تحويل الجيش من مؤسسة للدفاع عن إمبراطورية متعددة القوميات إلى مؤسسة أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بمفهوم الدولة القومية التركية.

شارك مصطفى كمال في عدد من الجبهات قبل الحرب العالمية الأولى، واكتسب خبرة عملية في القيادة. لكن شهرته الدولية ارتبطت بصورة خاصة بمعركة غاليبولي سنة 1915، عندما قاد القوات العثمانية في مواجهة إنزال قوات الحلفاء. وقد جعلته هذه الحملة أحد أبرز الضباط العثمانيين في أواخر الحرب، وأسهمت في بناء مكانته السياسية والعسكرية اللاحقة.

لا ينبغي مع ذلك فصل نجاحه العسكري عن طبيعة الحرب العالمية الأولى نفسها. فقد كانت الدولة العثمانية تخوض حرباً شاملة في ظروف عسكرية واقتصادية وديموغرافية شديدة الصعوبة، وانتهت الحرب سنة 1918 بهزيمتها وانهيار نظامها السياسي القديم. وتوفر أعمال ستانفورد وإزل كورال شو، وأحمد فريد، وبرنارد لويس، أطرًا مختلفة لفهم هذه المرحلة بوصفها جزءاً من انتقال طويل من الإمبراطورية إلى الدولة القومية الحديثة.[4][5] 

من هزيمة الدولة العثمانية إلى حرب الاستقلال

بعد هدنة مودروس في أكتوبر 1918 دخلت الأراضي العثمانية مرحلة الاحتلال والتقسيم السياسي. وكانت معاهدة سيفر التي صيغت سنة 1920 تهدد بتحويل الأراضي العثمانية المتبقية إلى مناطق نفوذ ودول ومناطق احتلال مختلفة. في هذه البيئة ظهر مصطفى كمال بوصفه الشخصية المركزية في المقاومة الوطنية التي تبلورت في الأناضول.

في 19 مايو 1919 وصل مصطفى كمال إلى سامسون، وهو التاريخ الذي أصبح في الذاكرة الجمهورية التركية نقطة رمزية لانطلاق حرب الاستقلال. ثم انتقل النشاط السياسي والعسكري إلى أماكن أخرى، وأصبحت أنقرة مركز الحركة الوطنية. وفي 23 أبريل 1920 افتتحت الجمعية الوطنية الكبرى في أنقرة، لتصبح المؤسسة السياسية الأساسية للقوى المناهضة للسلطان والحكومة العثمانية المتعاونة مع الحلفاء.

لم تكن حرب الاستقلال مجرد مواجهة عسكرية واحدة، بل كانت صراعاً متعدد الجبهات ضد قوات يونانية في الغرب، وقوى أرمنية وجبهات شرقية، وقوات فرنسية في الجنوب، إضافة إلى صراع سياسي مع الحكومة العثمانية في إسطنبول. كما كانت الحركة الوطنية بحاجة إلى بناء شرعية سياسية جديدة في الوقت نفسه الذي كانت فيه تقاتل عسكرياً. ولهذا فإن تأسيس الجمهورية لم يكن حدثاً منفصلاً عن الحرب، بل نتيجة لتراكم عسكري ودبلوماسي ومؤسسي بدأ سنة 1919 واستمر حتى 1923.[6] 

معركة سكاريا والهجوم الكبير والانتصار العسكري

كان عام 1921 نقطة تحول حاسمة في الحرب. فقد أصبحت القوات اليونانية تشكل التهديد العسكري الأكبر للحركة الوطنية في الأناضول، وبلغ التقدم اليوناني ذروته قبل معركة سكاريا. وبعد مواجهة طويلة انتهت المعركة بانتصار القوات التركية، وتغير ميزان المبادرة العسكرية تدريجياً لمصلحة الحركة الوطنية.

وفي أغسطس 1922 بدأ الهجوم الكبير، وانتهت العمليات الرئيسية بهزيمة القوات اليونانية وانسحابها من الأناضول. وقد أدى هذا الانتصار إلى تحويل موقع أنقرة من مركز مقاومة عسكرية إلى قوة تفاوضية أساسية في النظام الدولي الذي كان يعاد تشكيله بعد الحرب العالمية الأولى.

تُظهر هذه المرحلة إحدى أهم خصائص قيادة أتاتورك: الجمع بين القيادة العسكرية والقدرة على تحويل النتائج العسكرية إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية. فلم يكن الهدف النهائي للحركة الوطنية مجرد الانتصار في معركة، بل إنشاء دولة ذات سيادة معترف بها دولياً.

إلغاء السلطنة ونهاية النظام العثمانی

Atatürk İstanbul'da.jpg
Atatürk İstanbul’da.jpg — Public domain
Ottoman flag by Hieronymus Bosch.svg
Ottoman flag by Hieronymus Bosch.svg — CC BY-SA 4.0

في 1 نوفمبر 1922 ألغت الجمعية الوطنية الكبرى السلطنة، وبذلك انتهى الإطار السياسي الذي حكم الإمبراطورية العثمانية قروناً طويلة. وغادر السلطان محمد السادس البلاد بعد ذلك بوقت قصير. وكان إلغاء السلطنة خطوة شديدة العمق؛ لأنه فصل السيادة السياسية عن المؤسسة السلطانية، ومهّد لتحويل الشرعية السياسية إلى الأمة ممثلة في الجمعية الوطنية.

لكن أتاتورك لم يكن قد أعلن الجمهورية بعد. فقد كان مشروعه يتطور تدريجياً من حركة مقاومة وطنية إلى دولة ذات مؤسسات جديدة. وتُظهر الدراسات التاريخية أن هذه الفترة شهدت صراعاً على طبيعة الشرعية الجديدة: هل تكون استمراراً للدولة العثمانية في صورة معدلة، أم دولة قومية جمهورية مستقلة تماماً؟ وقد اتجهت القيادة الكمالية إلى الخيار الثاني بصورة متزايدة.[7] 

معاهدة لوزان والاعتراف الدولي بتركيا

كانت معاهدة لوزان الموقعة في 24 يوليو 1923 واحدة من أهم الوثائق المؤسسة للجمهورية التركية. فقد ألغت عملياً الإطار الدولي لمعاهدة سيفر، واعترفت بحدود الدولة التركية الجديدة وبسيادتها في إطار النظام الدولي بعد الحرب العالمية الأولى.

لم تكن لوزان مجرد معاهدة سلام بعد حرب، بل كانت لحظة تأسيس دولي للدولة الجديدة. فقد أصبحت أنقرة قادرة على الانتقال من منطق المقاومة إلى منطق الدولة، ومن تعبئة الحرب إلى بناء المؤسسات. ولذلك فإن فهم أتاتورك يجب أن يشمل الدبلوماسية بقدر ما يشمل العمليات العسكرية؛ فنجاح الحركة الوطنية كان نتيجة تفاعل القوة العسكرية مع المفاوضات الدولية والتوازنات بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان والاتحاد السوفيتي والقوى الإقليمية.

إعلان الجمهورية وتأسيس النظام الجديد

في 29 أكتوبر 1923 أُعلنت جمهورية تركيا، وانتُخب مصطفى كمال أول رئيس لها. وبذلك اكتمل التحول الرسمي من النظام السلطاني إلى الجمهورية. وأصبحت أنقرة عاصمة الدولة الجديدة، في خطوة ذات معنى سياسي وجغرافي عميق، لأنها جسدت انتقال مركز الدولة من إسطنبول، العاصمة الإمبراطورية التاريخية، إلى مركز الأناضول الذي أصبح قلب الجمهورية.

استمرت رئاسة أتاتورك حتى وفاته سنة 1938، وأعيد انتخابه رئيساً للجمهورية عدة مرات. وخلال هذه السنوات لم تكن الرئاسة منصباً رمزياً فقط، بل كانت مركزاً للقوة السياسية في نظام الحزب الواحد. وقد كان حزب الشعب الجمهوري، الذي أصبح لاحقاً حزب الشعب الجمهوري، المؤسسة السياسية الأساسية للنظام الكمالي. ويؤكد فريد أحمد أن النظام السياسي الذي تشكل في عهد أتاتورك كان نظاماً حزبياً واحداً، وأن بناء الدولة الجديدة تداخل فيه الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي مع بناء سلطة سياسية مركزية قوية.[8] 

إلغاء الخلافة وتحول العلاقة بين الدولة والدين

كان إلغاء الخلافة في 3 مارس 1924 من أكثر قرارات أتاتورك تأثيراً في تاريخ العالم الإسلامي الحديث. فقد أنهى القرار مؤسسة سياسية ودينية استمرت بأشكال مختلفة قروناً، وأزال آخر عنصر رمزي كبير يربط الجمهورية الجديدة بالميراث السياسي العثماني الإسلامي.

ارتبط إلغاء الخلافة بمجموعة أوسع من الإجراءات التي أعادت تنظيم المؤسسات الدينية والتعليمية والقانونية. وفي اليوم نفسه تقريباً صدرت إجراءات أخرى تتعلق بالتعليم والمؤسسات الدينية، بما أدى إلى نقل التعليم تحت سلطة الدولة المركزية وإنهاء الازدواجية بين المؤسسات التعليمية الدينية والمدارس الحديثة.

كان هذا التحول أكثر من مجرد فصل إداري بين الدين والحكومة؛ فقد كان محاولة لإعادة تعريف الدولة نفسها. فالقيادة الكمالية رأت أن الدولة الحديثة يجب أن تستند إلى السيادة الوطنية والقانون المدني والعقلانية العلمية، بينما اعتبرت المؤسسات الدينية المستقلة عن الدولة عائقاً أمام بناء النظام الجديد. ويحلل هانيوغلو هذا التحول في إطار أوسع من العلموية والقومية وإعادة بناء المجال العام، وليس فقط باعتباره موقفاً شخصياً من الدين.[9] 

قانون التعليم وتوحيد النظام المدرسي

كان التعليم أحد أهم ميادين بناء الجمهورية. ففي بداية الجمهورية كانت تركيا تعاني من ضعف شديد في التعليم وانتشار الأمية وقلة المدارس والمعلمين، إضافة إلى وجود أنظمة تعليمية متعددة. وتذكر بيانات مؤسسة موسوعة أتاتورك أن عدد المدارس الابتدائية في العام الدراسي 1923–1924 بلغ 4,894 مدرسة، وعدد المعلمين 10,238، وعدد الطلاب 341,941. وبحلول 1937–1938 ارتفع عدد المدارس إلى 6,700، والمعلمين إلى 15,775، والطلاب إلى 764,691؛ أي أن عدد طلاب التعليم الابتدائي ارتفع إلى أكثر من الضعف خلال الفترة.[10] 

لكن قراءة الأرقام يجب ألا تكون احتفالية فقط. فعلى الرغم من هذا التوسع، تشير البيانات نفسها إلى أن نحو 83% من القرى التركية التي كان عددها يقارب 40 ألف قرية لم تكن لديها مدرسة عندما توفي أتاتورك سنة 1938. وهذا يعني أن الجمهورية حققت توسعاً تعليمياً كبيراً من قاعدة منخفضة جداً، لكنها لم تتمكن خلال خمسة عشر عاماً من حل مشكلة التعليم الريفي بصورة شاملة.[11] 

إصلاح الأبجدية والتحول اللغوي

في نوفمبر 1928 أُدخلت الأبجدية التركية الجديدة المبنية على الحروف اللاتينية بدلاً من الكتابة العثمانية القائمة على الحروف العربية. وقد كان هذا القرار من أكثر الإصلاحات الثقافية إثارة للجدل والتأثير؛ لأنه لم يغير طريقة كتابة اللغة التركية فحسب، بل غيّر علاقة الأجيال الجديدة بالتراث المكتوب العثماني.

كان المبرر الرسمي يرتبط بتسهيل القراءة والكتابة ونشر التعليم، لكن التأثير التاريخي كان أوسع بكثير. فقد أصبحت الدولة قادرة على بناء ثقافة مكتوبة جديدة مرتبطة باللغة التركية الحديثة، في حين أصبح الوصول المباشر إلى قسم كبير من الوثائق والنصوص العثمانية أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأجيال التي تلقت تعليمها بعد الإصلاح. ولهذا يرى المؤرخون أن إصلاح الأبجدية كان جزءاً من مشروع أوسع لبناء هوية قومية حديثة وإعادة ترتيب علاقة المجتمع بماضيه.

القانون المدني وبناء النظام القانوني الحديث

اعتمدت الجمهورية التركية في 1926 قانوناً مدنياً جديداً مستلهماً بدرجة كبيرة من القانون المدني السويسري، إلى جانب إعادة تنظيم مجالات قانونية أخرى على النمط الأوروبي. وكان الهدف الأساسي إنشاء نظام قانوني موحد يخضع فيه المواطنون لقواعد مدنية موحدة بدلاً من النظام القانوني العثماني المتعدد المصادر والمؤسسات.

كان لهذه الإصلاحات أثر عميق في الأسرة والزواج والميراث والعلاقات المدنية ووضع المرأة. فقد أُزيلت تعدد الزوجات من النظام القانوني المدني الجديد، وتغير الإطار القانوني للزواج والطلاق والميراث، وأصبحت الدولة هي الجهة المركزية المنظمة للعلاقات المدنية. وبذلك انتقلت الجمهورية من نموذج قانوني إمبراطوري متعدد المؤسسات إلى نظام قانوني قومي مركزي.

حقوق المرأة والتحول الاجتماعي

كان وضع المرأة من المجالات التي شهدت تحولاً قانونياً كبيراً في عهد أتاتورك. فقد ارتبط القانون المدني الجديد بإعادة تنظيم الزواج والأسرة، ثم مُنحت النساء حقوقاً سياسية تدريجية culminated في حق التصويت والترشح في الانتخابات البرلمانية سنة 1934، قبل دخول النساء البرلمان في انتخابات 1935.

لكن تقييم هذه الإصلاحات يتطلب التمييز بين التغيير القانوني والتغيير الاجتماعي. فقد تغير الإطار القانوني بسرعة نسبياً، بينما بقيت العادات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية أكثر بطئاً في أجزاء واسعة من البلاد، خصوصاً في المناطق الريفية. ولذلك لا يمكن قياس تحول وضع المرأة بمجرد عدد القوانين؛ بل ينبغي دراسة التعليم والعمل والملكية والمشاركة السياسية والعائلة في آن واحد.

الاقتصاد بين الليبرالية والدولتية

ورثت الجمهورية اقتصاداً ضعيفاً من الإمبراطورية العثمانية، وكانت الحرب العالمية الأولى وحرب الاستقلال قد استنزفتا الموارد البشرية والمادية. كما كان رأس المال الصناعي المحلي محدوداً، وكانت البنية التحتية، ولا سيما السكك الحديدية، غير متوازنة جغرافياً. لذلك كان بناء اقتصاد وطني من أولى مسائل الدولة الجديدة.

شهدت السنوات الأولى توجهاً نحو تشجيع القطاع الخاص والمبادرة الوطنية، إلا أن أزمة الكساد العالمي التي بدأت سنة 1929 دفعت الجمهورية إلى توسيع دور الدولة. وفي ثلاثينيات القرن العشرين أصبحت سياسة «الدولتية» أحد أهم عناصر النموذج الاقتصادي الكمالي، فدخلت الدولة بصورة مباشرة في الصناعة والمصارف والبنية التحتية والمشروعات الكبرى.

يركز فريد أحمد على أن التحول الاقتصادي لم يكن مجرد نتيجة لإيديولوجيا ثابتة، بل كان أيضاً استجابة للظروف الاقتصادية والاجتماعية الدولية والمحلية. فقد جعل ضعف القطاع الخاص والأزمة العالمية الدولة أكثر استعداداً لتولي دور المستثمر والمنظم والمنتج في آن واحد.[12] 

التصنيع والسكك الحديدية

كانت السكك الحديدية والصناعة من أبرز أدوات بناء الدولة الاقتصادية. فقد سعت الجمهورية إلى ربط الأناضول بشبكة نقل أكثر تكاملاً، وتقليل الاعتماد على البنية التي ورثتها عن الشركات الأجنبية والإمبراطورية، وربط المناطق الزراعية بالمراكز التجارية والصناعية.

وفي الصناعة أُنشئت أو توسعت مؤسسات الدولة في قطاعات مثل السكر والنسيج والتعدين والحديد والصلب والصناعات الكيميائية. ولم يكن الهدف الاقتصادي محضاً؛ فقد ارتبط التصنيع أيضاً بفكرة الاستقلال الوطني. فالدولة التي تعتمد على الخارج في التمويل والصناعة والمواد الأساسية لا تستطيع، وفق الرؤية الكمالية، أن تكون مستقلة بصورة كاملة.

التعداد السكاني وبناء الدولة الحديثة

أجرت الجمهورية أول تعداد سكاني عام سنة 1927، وكانت نتيجته 13,648,270 نسمة. وفي تعداد 1935 بلغ عدد السكان 16,158,018 نسمة، وهو ارتفاع يقارب 18.4% خلال ثماني سنوات. وتكتسب هذه الأرقام أهمية تتجاوز الجانب الديموغرافي، لأنها تمثل جزءاً من محاولة الجمهورية بناء دولة حديثة قادرة على معرفة سكانها وتوزيعهم ومواردها ومؤسساتها بصورة أكثر انتظاماً.

كان بناء الجهاز الإحصائي جزءاً من عملية الدولة الحديثة نفسها. فالدولة القومية تحتاج إلى بيانات عن السكان والتعليم والزراعة والصناعة والضرائب والجيش والصحة من أجل التخطيط والإدارة. ولذلك فإن التعدادات الجمهورية المبكرة كانت من مظاهر الانتقال من الإدارة الإمبراطورية المتعددة المستويات إلى الإدارة القومية المركزية.

القومية التركية وإعادة تعريف الهوية

كان مفهوم الأمة محورياً في المشروع الكمالي. فبدلاً من الهوية الإمبراطورية التي كانت تسمح بانتماءات دينية وقومية متعددة داخل دولة واحدة، اتجهت الجمهورية إلى بناء هوية وطنية تركية موحدة. وقد أدى ذلك إلى تعزيز اللغة التركية والرموز الوطنية والتاريخ القومي والتعليم الموحد.

لكن القومية الكمالية لم تكن مجرد نسخة من القومية الأوروبية. فقد تشكلت في بيئة مختلفة: دولة خرجت من إمبراطورية متعددة القوميات بعد حروب وانهيارات إقليمية، وتواجه خطر التقسيم الخارجي والنزاعات الداخلية. ولهذا ارتبطت القومية ارتباطاً وثيقاً بفكرة السيادة الوطنية ووحدة الإقليم وبقاء الدولة.

ويشير هانيوغلو إلى أن أفكار أتاتورك السياسية لا يمكن فهمها من خلال مفهوم «القومية» وحده؛ فقد تأثرت أيضاً بالعلموية والوضعية والمادية وبعض تيارات الفكر الاجتماعي التي انتشرت بين المثقفين العثمانيين، كما أن رؤيته للدولة الحديثة كانت جزءاً من سياق فكري عالمي أوسع في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.[13] 

الكمالية ومبادئ الدولة الجديدة

ارتبط نظام أتاتورك لاحقاً بما أصبح يعرف بالكمالية، وبالمبادئ الستة التي صيغت بصورة رسمية في الثلاثينيات: الجمهورية، والقومية، والشعبوية، والدولتية، والعلمانية، والثورية. ولم تتشكل هذه المبادئ كلها في لحظة واحدة، بل

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
الإمبراطورية البريطانية
الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس
الإمبراطورية البيزنطية
ألف عام من القسطنطينية
الاتحاد السوفيتي
أضخم تجربة اشتراكية في التاريخ
الحرب العالمية الأولى
صراع صنع العالم المعاصر ودمّره
الإمبراطورية الروسية
إمبراطورية عملاقة حكمت ثلاث قارات.
الحرب العالمية الثانية
أضخم نزاع مسلح في التاريخ
🔍