ياسر عرفات
كان ياسر عرفات، واسمه الكامل محمد عبد الرؤوف القدوة الحسيني، أحد أبرز الشخصيات السياسية الفلسطينية والعربية في النصف الثاني من القرن العشرين، وأصبح على مدى عقود رمزاً للحركة الوطنية الفلسطينية ورئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية ثم أول رئيس للسلطة الوطنية الفلسطينية. قاد منظمة التحرير الفلسطينية في مرحلة طويلة اتسمت بالصراع المسلح والدبلوماسية الدولية والتحولات السياسية، ثم انتقل في تسعينيات القرن العشرين إلى مسار التفاوض مع إسرائيل الذي أفضى إلى اتفاقيات أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية. وفي عام 1994 حصل عرفات، بالاشتراك مع إسحاق رابين وشمعون بيريز، على جائزة نوبل للسلام تقديراً لجهود مرتبطة بعملية السلام في الشرق الأوسط. [1]
| معلومات أساسية | |
| الاسم الكامل | محمد عبد الرؤوف القدوة الحسيني |
| الاسم المعروف | ياسر عرفات |
| الاسم الحركي | أبو عمار |
| الميلاد | 24 أغسطس/آب 1929 |
| مكان الميلاد | القاهرة، مصر |
| الوفاة | 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2004 |
| مكان الوفاة | كلامار، فرنسا |
| الانتماء السياسي | حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية |
| رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية | 1969–2004 |
| رئاسة السلطة الفلسطينية | 1994–2004 |
| جائزة نوبل للسلام | 1994 |
| الزوجة | سهى عرفات |
النشأة والتكوين السياسي
وُلد ياسر عرفات في القاهرة عام 1929، ونشأ في البيئة السياسية المضطربة التي أحاطت بالقضية الفلسطينية في العقود السابقة على قيام دولة إسرائيل عام 1948. درس الهندسة المدنية في جامعة القاهرة، وانخرط منذ شبابه في النشاط السياسي الفلسطيني، ثم أصبح لاحقاً من الشخصيات المؤسسة لحركة فتح التي تحولت إلى القوة السياسية والعسكرية الرئيسية داخل منظمة التحرير الفلسطينية. وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن عرفات كان من مؤسسي فتح في الكويت في خمسينيات القرن العشرين، قبل أن تتوسع الحركة وتصبح القوة المركزية في الحركة الوطنية الفلسطينية. [2]
تأسيس حركة فتح
برزت حركة فتح في أواخر خمسينيات القرن العشرين باعتبارها حركة فلسطينية مستقلة تركز على استعادة القرار الوطني الفلسطيني وشن الكفاح ضد إسرائيل. وكان تأسيسها جزءاً من تحول أوسع في السياسة الفلسطينية، إذ بدأ الفلسطينيون بصورة متزايدة في بناء تنظيمات سياسية وعسكرية مستقلة عن الحكومات العربية التي كانت تهيمن على جزء كبير من إدارة القضية الفلسطينية.
ومع مرور الوقت أصبحت فتح التنظيم الأكثر نفوذاً داخل منظمة التحرير الفلسطينية. وقد سمح صعودها لعرفات ببناء قاعدة سياسية فلسطينية مستقلة نسبياً، ثم الوصول إلى قيادة منظمة التحرير في مرحلة كانت القضية الفلسطينية تنتقل فيها من إطار الصراع العربي الإسرائيلي العام إلى إطار أكثر وضوحاً يتعلق بالهوية والحقوق الوطنية الفلسطينية.
قيادة منظمة التحرير الفلسطينية
انتُخب عرفات رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1969، وأصبح منذ ذلك الوقت الشخصية السياسية الأكثر ارتباطاً بالمنظمة. وقد احتفظ بهذا المنصب حتى وفاته عام 2004. وتوضح وثائق الأمم المتحدة أن انتخابه جاء في مرحلة أصبحت فيها منظمة التحرير أكثر تنظيماً سياسياً ومؤسسياً، وأنها تحولت تدريجياً إلى الممثل الرئيسي للحركة الوطنية الفلسطينية. [3]
لم تكن منظمة التحرير في تلك المرحلة حركة سياسية بالمعنى التقليدي فقط، بل كانت إطاراً يضم مؤسسات سياسية وتنظيمات وفصائل مختلفة، وكان لها جناح عسكري ومؤسسات مالية واجتماعية وإدارية. ولذلك كان موقع عرفات داخلها يجمع بين القيادة السياسية والقدرة على إدارة شبكة واسعة من التنظيمات والمؤسسات الفلسطينية.
معركة الكرامة وصعود مكانته
أدت معركة الكرامة في الأردن عام 1968 إلى ارتفاع مكانة عرفات وفتح في العالم العربي والفلسطيني. فقد أصبحت المعركة رمزاً في الخطاب الفلسطيني للمقاومة المسلحة، وأسهمت نتائجها السياسية والإعلامية في زيادة شعبية عرفات بين الفلسطينيين وأنصاره في العالم العربي. وفي العام التالي أصبح رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
ومنذ ذلك الوقت أصبح عرفات يظهر بصورة متكررة بزيه العسكري والكوفية الفلسطينية، وهي صورة ساعدت على ترسيخ شخصيته باعتباره رمزاً للحركة الوطنية الفلسطينية. وبمرور السنوات أصبحت صورته جزءاً من الرموز السياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
منظمة التحرير في الساحة الدولية
شهدت سبعينيات القرن العشرين تحولاً مهماً في الاعتراف الدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية. ففي قمة الرباط عام 1974 اعترفت الدول العربية بمنظمة التحرير بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه ألقى عرفات خطابه الشهير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في ظهور دبلوماسي تاريخي نقل القضية الفلسطينية إلى مستوى أكبر من الحضور الدولي. [4]
وفي 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1974 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً اعترف بحقوق الشعب الفلسطيني وأكد مكانة منظمة التحرير في تمثيل الفلسطينيين، كما مُنحت المنظمة صفة المراقب في الأمم المتحدة. وكان ذلك تحولاً مهماً في المسار الدبلوماسي الفلسطيني، إذ أصبحت منظمة التحرير طرفاً حاضراً بصورة رسمية في المؤسسات الدولية. [5]
عرفات والقضية الفلسطينية في السبعينيات
خلال السبعينيات أصبح عرفات الشخصية الأكثر شهرة في الحركة الوطنية الفلسطينية. وفي الوقت نفسه ظلت منظمة التحرير والفصائل المنضوية فيها مرتبطة بالصراع المسلح، كما شهدت تلك المرحلة عمليات وهجمات وأعمال عنف نفذتها فصائل فلسطينية مختلفة. ولهذا أصبح تقييم عرفات دولياً شديد الانقسام: فقد اعتبره مؤيدوه رمزاً للنضال الوطني الفلسطيني، بينما ربطه خصومه بتاريخ منظمة التحرير في العمل المسلح.
كان هذا التناقض جزءاً أساسياً من شخصية عرفات السياسية؛ فقد حاول الحفاظ على موقعه كقائد لحركة وطنية متعددة الفصائل، بينما بدأ تدريجياً في استخدام الدبلوماسية الدولية إلى جانب العمل السياسي والعسكري. وكان التحول من العمل المسلح إلى التفاوض أحد أهم التحولات في مسيرته اللاحقة.
لبنان وحصار بيروت
أصبحت منظمة التحرير الفلسطينية قوة سياسية وعسكرية مهمة في لبنان خلال السبعينيات، الأمر الذي جعل وجودها جزءاً من التوازنات الداخلية اللبنانية والصراع الإقليمي. وفي يونيو/حزيران 1982 غزت إسرائيل لبنان بهدف ضرب منظمة التحرير وإخراجها من البلاد. وبعد حصار بيروت والتوصل إلى ترتيبات دولية، غادر عرفات وقوات المنظمة بيروت إلى تونس ودول عربية أخرى. [6]
كان خروج منظمة التحرير من بيروت نقطة تحول استراتيجية. فقد فقدت المنظمة إحدى أهم قواعدها العسكرية والسياسية القريبة من الأراضي الفلسطينية، واضطرت القيادة الفلسطينية إلى إدارة الصراع من تونس بعيداً عن فلسطين ولبنان.
الانتفاضة الأولى والتحول السياسي
اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في ديسمبر/كانون الأول 1987 في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وغيّرت طبيعة الصراع السياسي. وأصبحت الانتفاضة الشعبية داخل الضفة الغربية وقطاع غزة عاملاً مهماً في دفع القضية الفلسطينية نحو مرحلة جديدة، بينما واجهت قيادة منظمة التحرير في الخارج تحدياً يتمثل في ضرورة الحفاظ على دورها القيادي في ظل ظهور قوى وتنظيمات جديدة داخل الأراضي الفلسطينية.
في عام 1988 أعلن المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر قيام دولة فلسطين، وفي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه ألقى عرفات خطاباً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في جنيف، وأعلن قبول منظمة التحرير لقراري مجلس الأمن 242 و338، وهي خطوة كان لها أثر مهم في التحول نحو المسار الدبلوماسي. [7]
اتفاقيات أوسلو
بلغ التحول السياسي في مسيرة عرفات ذروته في أوائل التسعينيات مع المفاوضات السرية التي قادت إلى اتفاقيات أوسلو. وفي 13 سبتمبر/أيلول 1993 وُقعت في واشنطن إعلان المبادئ بشأن ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، بحضور الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين وياسر عرفات. وشكل الاتفاق نقطة تحول تاريخية لأنه فتح الطريق أمام إنشاء إدارة فلسطينية ذات حكم ذاتي محدود في أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة. [8]
وكان مشهد مصافحة عرفات ورابين في واشنطن من أكثر الصور السياسية شهرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. غير أن أوسلو لم يكن اتفاق سلام نهائياً؛ بل وضع إطاراً انتقالياً يفترض أن تقود المفاوضات اللاحقة إلى تسوية للقضايا الأساسية، ومنها الحدود والقدس واللاجئون والمستوطنات والترتيبات الأمنية.
جائزة نوبل للسلام
في عام 1994 مُنحت جائزة نوبل للسلام بشكل مشترك لياسر عرفات وإسحاق رابين وشمعون بيريز تقديراً لجهودهم في الوصول إلى اتفاقيات أوسلو وفتح مسار سياسي جديد بين الفلسطينيين والإسرائيليين. [9]
أثارت الجائزة جدلاً واسعاً، إذ اعتبرها مؤيدو عملية السلام اعترافاً دولياً بالتحول الذي قام به عرفات من قائد لمنظمة مسلحة إلى طرف سياسي في عملية تفاوضية، بينما رأى منتقدوه أن الاتفاقات لم تحقق حلاً نهائياً للقضية الفلسطينية ولم توقف الصراع.
رئاسة السلطة الفلسطينية
أنشئت السلطة الوطنية الفلسطينية نتيجة الترتيبات التي نشأت عن اتفاقيات أوسلو، وعاد عرفات إلى الأراضي الفلسطينية عام 1994 بعد سنوات طويلة من المنفى. وفي عام 1996 انتُخب رئيساً للسلطة الفلسطينية، وأصبح بذلك أول رئيس منتخب لها. وتؤكد سجلات الأمم المتحدة أن السلطة الفلسطينية أُنشئت في سياق اتفاقيات أوسلو، وأن عرفات أصبح رئيسها المنتخب لاحقاً. [10]
واجه عرفات خلال هذه المرحلة مهمة بناء مؤسسات سياسية وإدارية فلسطينية في ظروف شديدة التعقيد. فقد كانت السلطة تملك صلاحيات محدودة جغرافياً وسياسياً، وكانت القضايا الأساسية للصراع لا تزال من دون تسوية نهائية. كما واجهت السلطة تحديات اقتصادية وأمنية وسياسية متزايدة.
عملية السلام وتدهور العلاقات مع إسرائيل
رغم توقيع أوسلو، لم تؤد المفاوضات اللاحقة إلى اتفاق نهائي. وبحلول نهاية التسعينيات وبداية القرن الحادي والعشرين تصاعدت الخلافات حول قضايا الوضع النهائي، كما ازدادت أعمال العنف والتوتر بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وأصبح عرفات مرة أخرى في مواجهة ضغوط دولية وإسرائيلية وفلسطينية متعارضة.
في عام 2000 اندلعت الانتفاضة الثانية، وانهيار مفاوضات كامب ديفيد في العام نفسه عمّق الأزمة السياسية. واتجهت العلاقة بين عرفات والحكومة الإسرائيلية إلى مرحلة شديدة التوتر، وأصبح عرفات محاصراً سياسياً وميدانياً في مقر قيادته في رام الله خلال السنوات الأخيرة من حياته.
السنوات الأخيرة والوفاة
في أكتوبر/تشرين الأول 2004 تدهورت صحة عرفات بصورة مفاجئة، ونُقل إلى فرنسا للعلاج في مستشفى بيرسي العسكري في كلامار قرب باريس. توفي في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2004 عن عمر ناهز 75 عاماً. وقد أعلنت الأمم المتحدة وفاته في اليوم نفسه، وأشادت في جلسة للجمعية العامة بدوره الطويل في القضية الفلسطينية. [11]
أثارت وفاة عرفات لاحقاً نقاشات وتحقيقات متعددة حول سبب وفاته، لكن قضية سبب الوفاة ظلت موضوعاً للجدل السياسي والعلمي لسنوات. ولا ينبغي عرض فرضية واحدة باعتبارها حقيقة نهائية من دون التمييز بين ما ثبت طبياً وما بقي محل خلاف.
إرث ياسر عرفات
يحتل عرفات مكانة استثنائية في التاريخ الفلسطيني الحديث. فقد ارتبط اسمه بتحول القضية الفلسطينية من قضية لاجئين وصراع إقليمي إلى قضية وطنية لها قيادة سياسية ومؤسسات وتمثيل دبلوماسي واسع. كما قاد منظمة التحرير خلال انتقالها من الكفاح المسلح والدبلوماسية الثورية إلى الاعتراف الدولي والمفاوضات المباشرة مع إسرائيل.
وفي المقابل، فإن تقييم إرثه التاريخي لا يخلو من الجدل. فأنصاره يرونه رمزاً للنضال الوطني الفلسطيني وأحد أهم من حافظوا على الهوية السياسية الفلسطينية في القرن العشرين، بينما ينتقده خصومه بسبب تاريخ منظمة التحرير في العمل المسلح وبسبب أداء السلطة الفلسطينية وقضايا الحكم والفساد والعلاقة مع الفصائل المسلحة خلال فترة رئاسته. ولذلك فإن دراسة عرفات تاريخياً تتطلب وضع إنجازاته وإخفاقاته وتحولاته السياسية ضمن سياق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والبيئة العربية والدولية التي عاش فيها.
مكانته في التاريخ الفلسطيني
يصعب فصل سيرة عرفات عن تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها. فقد قاد منظمة التحرير لأكثر من ثلاثة عقود، وانتقل من قيادة حركة فتح إلى قيادة منظمة التحرير ثم إلى رئاسة السلطة الفلسطينية، وشارك في أكثر المراحل حساسية من تاريخ القضية الفلسطينية. وقد وصفته الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد وفاته بأنه كان شخصية جسدت القومية الفلسطينية، وأنه كرّس حياته لقضية إنشاء دولة فلسطينية. [12]
وبذلك يبقى ياسر عرفات واحداً من أكثر القادة الفلسطينيين تأثيراً وإثارة للجدل في التاريخ المعاصر؛ فقد جمع في مسيرته بين الثورة والسياسة والدبلوماسية والتفاوض، وأصبح اسمه مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بتاريخ القضية الفلسطينية في النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.
“`0