القومية التركية أيديولوجيا سياسية وفكرية حديثة تقوم على تعزيز الهوية القومية التركية والانتماء اللغوي والثقافي والعرقي للأتراك، وقد نشأت كحركة فكرية منظمة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين داخل أواخر عهد الدولة العثمانية، قبل أن تتحول إلى الأيديولوجيا الرسمية المؤسسة للجمهورية التركية الحديثة عقب سقوط الخلافة العثمانية.[2] برزت بذورها الأولى كرد فعل فكري على تراجع أيديولوجيتي العثمانية الجامعة والجامعة الإسلامية كأساسين لشرعية الدولة العثمانية المتعددة القوميات، وسط تصاعد الحركات الانفصالية القومية بين الشعوب غير التركية للإمبراطورية خلال القرن التاسع عشر.[1] ومرت القومية التركية بعدة أطوار متمايزة، من فكرة تركية عثمانية جامعة (عثمانلجية) إلى قومية طورانية توسعية استهدفت جمع الشعوب الناطقة بالتركية في آسيا الوسطى وروسيا، وصولًا إلى صيغتها الكمالية الحديثة التي أرساها مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية، والتي حصرت مفهوم القومية داخل حدود الدولة التركية الحديثة بدلًا من الطموحات التوسعية العابرة للحدود، لتصبح أحد الأركان الستة الرسمية لأيديولوجيا الدولة التركية حتى اليوم.
| معلومات عامة | |
| الاسم | القومية التركية (Türk Milliyetçiliği) |
| النشأة | أواخر القرن 19 وأوائل القرن 20، الدولة العثمانية |
| أبرز المنظّرين | يوسف أقچورا، ضياء كوكآلب، مصطفى كمال أتاتورك |
| أبرز الحركات المرتبطة | جمعية الاتحاد والترقي (تركيا الفتاة)، الطورانية، الكمالية |
| الوضع الحالي | أحد المبادئ الستة الرسمية للجمهورية التركية (الكمالية) |
| تواريخ رئيسية | |
| 1883م | تأسيس إسماعيل غاسبرينسكي صحيفة “ترجمان” في القرم، أولى إرهاصات الفكر التركي الجامع |
| 1904م | نشر يوسف أقچورا مقالته “الأنماط الثلاثة للسياسة” |
| 1908م | ثورة تركيا الفتاة واستعادة الدستور العثماني |
| 1911م | تأسيس مجلة “يورد تركي” (الوطن التركي) في إسطنبول |
| 1913-1918م | ترويج رسمي عثماني للطورانية أثناء الحرب العالمية الأولى |
| 1923م | إعلان الجمهورية التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك |
| 1937م | تكريس المبادئ الستة للكمالية، ومنها القومية، في الدستور |
الجذور الفكرية: من العثمانية إلى التركية
ظهرت أولى بذور الفكر القومي التركي المنظم في أوساط الأتراك المسلمين في روسيا القيصرية، ولا سيما في شبه جزيرة القرم، حيث أسس المصلح إسماعيل غاسبرينسكي عام 1883م صحيفة “ترجمان” التركية، داعيًا إلى “وحدة اللغة والفكر والعمل” بين جميع الشعوب الناطقة بالتركية في الإمبراطوريتين الروسية والعثمانية، في محاولة لمواجهة التوسع القيصري الروسي المتصاعد.[1] وقد انتقلت هذه الأفكار تدريجيًا إلى داخل الأوساط الفكرية العثمانية نفسها، مدفوعة بإدراك متنامٍ بين المثقفين الأتراك بأن أيديولوجيا “العثمانلجية” الجامعة، التي حاولت لعقود توحيد شعوب الإمبراطورية المتعددة القوميات والأديان تحت هوية عثمانية واحدة، أخفقت في احتواء موجات الانفصال القومي المتصاعدة بين البلقانيين واليونانيين والأرمن وغيرهم، مما دفع نخبة من المفكرين الأتراك إلى البحث عن أساس هوياتي بديل يقوم على الانتماء العرقي واللغوي التركي بدلًا من الرابطة الدينية أو الإمبراطورية الجامعة.
يوسف أقچورا والأنماط الثلاثة للسياسة
يُعد المفكر التتري الأصل يوسف أقچورا، الذي نشأ في روسيا قبل استقراره في إسطنبول، أحد أبرز واضعي الأساس النظري للقومية التركية الحديثة، إذ نشر عام 1904م مقالته الشهيرة “الأنماط الثلاثة للسياسة” التي قارن فيها بين ثلاثة خيارات أيديولوجية محتملة لإنقاذ الدولة العثمانية المتداعية: العثمانلجية الجامعة، والجامعة الإسلامية، والتركية القومية، ورجّح فيها الخيار الأخير باعتباره الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق.[3] وقد أسس أقچورا لاحقًا عام 1911م في إسطنبول مجلة “يورد تركي” (الوطن التركي)، التي أصبحت إحدى أهم المنابر الفكرية للحركة القومية التركية الناشئة، إلى جانب جمعيات ثقافية أخرى كـ”الجمعية التركية” التي عُنيت بإحياء التراث اللغوي والفلكلوري التركي وتنقية اللغة العثمانية من المفردات العربية والفارسية الدخيلة.
تركيا الفتاة وجمعية الاتحاد والترقي
اكتسبت الأفكار القومية التركية زخمًا سياسيًا حاسمًا عقب ثورة تركيا الفتاة عام 1908م، التي أطاحت بالحكم الاستبدادي للسلطان عبد الحميد الثاني وأعادت العمل بالدستور العثماني، إذ تبنّت جمعية الاتحاد والترقي التي قادت هذه الثورة تدريجيًا نزعة قومية تركية متصاعدة إلى جانب برامجها الإصلاحية الأخرى الهادفة إلى تحديث الدولة العثمانية.[2] وقد نجحت هذه الجمعية خلال العقد التالي في ترسيخ سلطتها الفعلية على مقاليد الحكم العثماني، وأدخلت برامج تحديثية طالت الإدارة والصناعة والتعليم، غير أن سياساتها الخارجية أفضت في نهاية المطاف إلى دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى إلى جانب دول المحور، وهو ما ساهم في الانهيار النهائي للدولة العثمانية عقب هزيمتها في الحرب.[3]
ضياء كوكآلب ومنظّرو القومية التركية الحديثة
يُعد عالم الاجتماع والشاعر ضياء كوكآلب أهم منظّري القومية التركية في العصر الحديث، إذ طوّر بشكل منهجي إطارًا سوسيولوجيًا للهوية القومية التركية متأثرًا بشكل كبير بأعمال عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم، مميزًا بين مفهومي “الثقافة” (Hars) بوصفها القيم الوطنية الأصيلة المشتركة، و”الحضارة” (Medeniyet) بوصفها المكتسبات التقنية والعلمية القابلة للاستعارة من الغرب.[4] انضم كوكآلب إلى جمعية الاتحاد والترقي عقب ثورة 1908م، وأصبح أحد أبرز قادتها الفكريين، ناشرًا أفكاره في دوريات طليعية كمجلة “جنچ قلملر” (الأقلام الشابة)، داعيًا إلى ثورة اجتماعية شاملة تكمّل الثورة السياسية عبر إعادة صياغة الحياة الاقتصادية والأسرية والقانونية والفنية على أسس قومية تركية أصيلة، وهي الرؤية التي شكّلت لاحقًا أحد الروافد الفكرية الرئيسية التي استند إليها مصطفى كمال أتاتورك في صياغة أيديولوجيا الجمهورية التركية الجديدة.
القومية الطورانية والطموح العابر للحدود
مثّلت الطورانية أو “البان-توركيزم” أوسع تجليات القومية التركية طموحًا خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، إذ سعت إلى تحقيق وحدة سياسية أو ثقافية تجمع كافة الشعوب الناطقة بالتركية في الدولة العثمانية وروسيا والصين وإيران وأفغانستان تحت مظلة واحدة.[1] وقد بلغت الدعاية الطورانية أوجها الرسمي خلال سنوات الحرب العالمية الأولى بين عامي 1913 و1918م، حين شهدت الدولة العثمانية صراعًا مريرًا مع روسيا القيصرية، فتبنت الحكومة العثمانية دعمًا رسميًا لهذه الأفكار كأداة تعبوية واستراتيجية. غير أن هذا الطموح التوسعي تراجع بشكل حاد عقب انهيار الدولة العثمانية وقيام الجمهورية التركية، إذ اختار مصطفى كمال أتاتورك تعمّدًا التقليل من شأن الطورانية لصالح قومية تركية محصورة داخل الحدود الجديدة للدولة التركية، رغم عودة اهتمام محدود بالفكرة لاحقًا خلال الحرب العالمية الثانية إثر إحياء النزعة السلافية السوفيتية في عهد ستالين.[1]
مصطفى كمال أتاتورك والقومية الكمالية
أعاد مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية عام 1923م عقب انهيار الدولة العثمانية وحرب الاستقلال التركية، صياغة القومية التركية بشكل جذري، إذ نبذ الطموحات التوسعية الطورانية والعثمانية الجامعة على حد سواء، معلنًا أن تركيا لن تسعى إلى أي مطالب توسعية خارج حدودها المعترف بها دوليًا باستثناء إقليم الإسكندرونة الذي اعتبره جزءًا من “الميثاق الملي”.[5] وأسس أتاتورك حزب الشعب الجمهوري عام 1923م كأداته السياسية الرئيسية لتطبيق برنامج إصلاحي شامل عُرف بالكمالية، تمحور حول مبدأ “الثورة الدائمة” الهادف إلى تحويل تركيا إلى دولة حديثة على النمط الأوروبي.
المبادئ الستة والقومية كركن رسمي للدولة
تجسدت أيديولوجيا الكمالية في ما عُرف بـ”الأسهم الستة”، وهي المبادئ الستة التي شكّلت الأساس الرسمي لأيديولوجيا الدولة التركية الحديثة: الجمهورية، والقومية، والشعبية، والدولتية (تدخل الدولة في تسيير الاقتصاد)، والعلمانية، والثورية (استمرار التغيير في الدولة والمجتمع).[6] وقد كُرّست هذه المبادئ الستة رسميًا في دستور عام 1937م بوصفها “مبادئ أساسية غير قابلة للتغيير” للجمهورية التركية.[7] وقد ارتبط تطبيق مبدأ القومية عمليًا بحزمة إصلاحات ثقافية ولغوية واسعة النطاق، شملت إصلاح الأبجدية التركية بالتحول من الحروف العربية إلى اللاتينية عام 1928م، وحملة “تطهير” اللغة التركية من المفردات العربية والفارسية الدخيلة، إلى جانب “أطروحة التاريخ التركي” التي روّجت لنظريات حول أصول تركية قديمة لعدد من الحضارات الإنسانية المبكرة، في إطار مشروع أوسع لبناء هوية وطنية تركية علمانية موحّدة تحل محل الهويات الدينية والإمبراطورية العثمانية السابقة.
القومية التركية بعد أتاتورك حتى اليوم
ظلت القومية بمفهومها الكمالي أحد الأركان الرسمية الثابتة للدولة التركية عقب وفاة أتاتورك عام 1938م، وإن شهدت العقود اللاحقة بروز تيارات قومية متعددة ومتنافسة أحيانًا داخل الساحة السياسية التركية، تراوحت بين قومية علمانية كمالية رسمية، وتيارات قومية محافظة أو دينية المرجعية، فضلًا عن استمرار تيارات فكرية محدودة تستلهم الأفكار الطورانية أو البانتوركية التاريخية. ولا تزال القضايا المرتبطة بالهوية القومية التركية، بما فيها العلاقة مع الأقليات العرقية داخل تركيا وقضايا تاريخية متنازع عليها كالإبادة الأرمنية، موضوعات حساسة ومثيرة للجدل السياسي والأكاديمي داخل تركيا وخارجها حتى الوقت الراهن.
نه مطلو ترکم دیینه (ما أسعد من يقول أنا تركي).
— مصطفى كمال أتاتورك، من خطاباته، عقد الثلاثينيات
تختصر هذه العبارة، التي أصبحت أحد أشهر الشعارات المرتبطة بالهوية الوطنية التركية الحديثة، جوهر المشروع القومي الكمالي القائم على تعريف الانتماء التركي كهوية مدنية جامعة يمكن لأي مواطن في الجمهورية أن ينتسب إليها بصرف النظر عن أصله العرقي، وهي رؤية لا تزال موضع نقاش وتأويل متجدد داخل تركيا حول مدى شمولها الفعلي للتنوع الإثني والثقافي الواسع الذي تضمه البلاد.
التصنيفات: القومية · تركيا الحديثة · الدولة العثمانية · مصطفى كمال أتاتورك · الكمالية · تركيا الفتاة