تُعد الثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1789 وامتدت حتى عام 1799 واحدة من أكثر المحطات تأثيراً في تاريخ العالم الحديث، إذ لم تكن مجرد تمرد شعبي عابر بل تحولاً جذرياً وشاملاً أعاد صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم وأنهى النظام القديم (الأنسيان ريجيم) الذي حكم فرنسا قروناً طويلة تحت سلطة الملكية المطلقة والامتيازات الطبقية الموروثة[2]. وقد نتجت الثورة عن تراكم أسباب عامة وخاصة معاً، أبرزها تآكل النظام الإقطاعي، وانتشار أفكار فلاسفة التنوير، وصعود طبقة برجوازية واسعة مستبعدة من السلطة السياسية رغم نفوذها الاقتصادي، فضلاً عن أزمة مالية خانقة تفاقمت بسبب مشاركة فرنسا في حرب الاستقلال الأمريكية وسلسلة من مواسم فشل المحاصيل الزراعية سنة 1788[1].
بدأت الأزمة السياسية فعلياً حين حاول النظام الملكي عام 1787 فرض ضرائب جديدة على الطبقات المميزة (النبلاء ورجال الدين) لسد العجز المالي، فاضطر الملك لويس السادس عشر إلى دعوة اجتماع طبقات الأمة العامة عام 1789 للمرة الأولى منذ عام 1614، وهو ما فتح الباب أمام سلسلة متسارعة من الأحداث الثورية بدءاً بقسم ملعب التنس ثم اقتحام سجن الباستيل، مروراً بإلغاء النظام الإقطاعي وإصدار إعلان حقوق الإنسان والمواطن، ووصولاً إلى إسقاط الملكية وإعدام الملك وإرساء الجمهورية الأولى، قبل أن تدخل الثورة في مرحلة دموية عرفت بعهد الإرهاب، ثم تنتهي أخيراً بانقلاب نابليون بونابرت عام 1799[1]. وقد خلّفت هذه العشرية الثورية إرثاً فكرياً وسياسياً عالمياً واسع الأثر، ارتبط بصعود الديمقراطية الليبرالية والقومية الحديثة والحركات الاشتراكية اللاحقة.
| البيانات العامة | |
| الاسم بالفرنسية | Révolution française |
| الفترة الزمنية | 1789 – 1799م[2] |
| الموقع | مملكة فرنسا |
| النظام السابق للثورة | الملكية المطلقة (الأنسيان ريجيم) |
| النظام اللاحق للثورة | القنصلية بقيادة نابليون بونابرت |
| أبرز المحطات الزمنية | |
| اجتماع طبقات الأمة العامة | 5 مايو 1789م |
| قسم ملعب التنس | 20 يونيو 1789م[10] |
| اقتحام سجن الباستيل | 14 يوليو 1789م[3] |
| إعلان حقوق الإنسان والمواطن | 26 أغسطس 1789م[3] |
| إعلان الجمهورية الأولى | 21 سبتمبر 1792م |
| إعدام الملك لويس السادس عشر | 21 يناير 1793م[8] |
| عهد الإرهاب | 5 سبتمبر 1793 – 27 يوليو 1794م[4] |
| إعدام روبسبير (رد فعل ثيرميدور) | 28 يوليو 1794م[5] |
| انقلاب 18 برومير ونهاية الثورة | 9 نوفمبر 1799م[7] |
| أبرز الشخصيات | |
| لويس السادس عشر | ملك فرنسا حتى إعدامه عام 1793 |
| ماكسيميليان روبسبير | زعيم اليعاقبة وقائد عهد الإرهاب[5] |
| جورج دانتون | خطيب ثوري بارز أعدم عام 1794 |
| نابليون بونابرت | القائد العسكري الذي أنهى الثورة بانقلابه[7] |
الجذور الاجتماعية والاقتصادية للثورة
كان المجتمع الفرنسي عشية الثورة مقسماً وفق نظام الطبقات الثلاث الموروث من العصور الوسطى: رجال الدين، ثم النبلاء، ثم عامة الشعب المعروفة بالطبقة الثالثة التي كانت تضم أكثر من تسعين بالمئة من السكان وتتحمل وحدها الجزء الأكبر من العبء الضريبي، في حين كانت الطبقتان الأوليان تتمتعان بامتيازات واسعة من بينها الإعفاء الضريبي شبه الكامل. وقد تفاقمت هذه الفوارق البنيوية مع تدهور النظام الإقطاعي التقليدي الذي كان قد بدأ يتراجع تدريجياً منذ العصور الوسطى في أجزاء واسعة من أوروبا، بينما ظل قائماً بحدة في فرنسا حتى أواخر القرن الثامن عشر[1].
وقد أسهمت كتابات فلاسفة عصر التنوير أمثال فولتير ومونتسكيو وجان جاك روسو في نشر أفكار جديدة حول السيادة الشعبية والفصل بين السلطات وحقوق الإنسان الطبيعية، مما هيأ مناخاً فكرياً ثورياً متصاعداً في أوساط البرجوازية الصاعدة التي راكمت ثروة اقتصادية معتبرة دون أن تحظى بنفوذ سياسي مواز لها. وقد جاءت الأزمة المالية الخانقة التي عصفت بخزينة الدولة نتيجة تكاليف المشاركة الفرنسية في حرب الاستقلال الأمريكية، مقترنة بموجة فشل زراعي حاد عام 1788 أدت إلى ارتفاع حاد في أسعار الخبز، لتشكل الشرارة المباشرة التي أطلقت الأزمة السياسية الكبرى في مطلع عام 1789.
اجتماع طبقات الأمة العامة وقسم ملعب التنس
اضطر الملك لويس السادس عشر، في محاولة أخيرة لمعالجة الأزمة المالية عبر فرض ضرائب جديدة على الطبقات المميزة، إلى دعوة اجتماع طبقات الأمة العامة في الخامس من مايو عام 1789، وهو مجلس تمثيلي تقليدي يضم مندوبين عن الطبقات الثلاث لم يجتمع منذ عام 1614[1]. غير أن الخلاف سرعان ما نشب حول طريقة التصويت، إذ طالب مندوبو الطبقة الثالثة بالتصويت الفردي بدلاً من التصويت حسب الطبقة الذي كان يضمن هيمنة الطبقتين الأولى والثانية مجتمعتين، فأعلن مندوبو الطبقة الثالثة أنفسهم في السابع عشر من يونيو جمعية وطنية ممثلة للأمة الفرنسية بأسرها.
وحين وجد أعضاء الجمعية الوطنية أنفسهم مطرودين من قاعة اجتماعهم المعتادة، اجتمعوا في ملعب لكرة المضرب المجاور وأقسموا في العشرين من يونيو عام 1789 يميناً شهيرة عرفت بقسم ملعب التنس، تعهدوا بموجبها بعدم التفرق حتى تُمنح فرنسا دستوراً جديداً[10]. ووافق الملك مكرهاً على تشكيل الجمعية الوطنية التأسيسية، غير أن حشد قواته العسكرية حول باريس وإقالة الوزير الإصلاحي نيكر أثارا موجة اضطراب شعبي واسعة في العاصمة.
اقتحام سجن الباستيل وانتشار الثورة
في الرابع عشر من يوليو عام 1789 اقتحم حشد باريسي غاضب سجن الباستيل، الرمز التاريخي لاستبداد السلطة الملكية، بحثاً عن الأسلحة والذخيرة، في حدث تحول لاحقاً إلى الرمز التأسيسي الأكبر للثورة الفرنسية ثم للجمهورية الفرنسية بأسرها[3]. وفي الأرياف انتشرت موجة من الذعر الجماعي عرفت بالخوف الأكبر، دفعت الفلاحين إلى مهاجمة قصور النبلاء وإتلاف السجلات الإقطاعية القديمة، وهو ما اضطر الجمعية الوطنية التأسيسية إلى إصدار قرار تاريخي في ليلة الرابع من أغسطس 1789 قضى بإلغاء النظام الإقطاعي والعشور الكنسية بشكل كامل.
وأعقب ذلك مباشرة إصدار إعلان حقوق الإنسان والمواطن في السادس والعشرين من أغسطس 1789، الذي أرسى مبادئ الحرية والمساواة وحرمة الملكية الخاصة وحق مقاومة الاضطهاد كأسس دستورية جديدة للدولة الفرنسية[3]. ولما رفض الملك التصديق على هذه القرارات، تحرك حشد من نساء باريس في الخامس من أكتوبر نحو قصر فرساي، وأعادوا في اليوم التالي العائلة المالكة قسراً إلى باريس تحت إشراف شعبي مباشر، في مؤشر واضح على انتقال ميزان القوى الفعلي من القصر إلى الشارع الثوري.
الملكية الدستورية وتصاعد التوترات
عملت الجمعية الوطنية التأسيسية طوال عامي 1790 و1791 على صياغة دستور جديد يحول فرنسا إلى ملكية دستورية تحد من سلطات الملك وتقيم مجلساً تشريعياً منتخباً، كما فرضت الدستور المدني لرجال الدين الذي أخضع الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية لسلطة الدولة، وهو إجراء أثار انقساماً دينياً عميقاً بين رجال الدين المؤيدين والرافضين للحلف الجديد. وفي يونيو 1791 حاول الملك لويس السادس عشر وعائلته الفرار سراً من باريس نحو الحدود الشرقية طلباً للنجاة، إلا أنهم أُلقي القبض عليهم في بلدة فارين الحدودية وأُعيدوا إلى باريس مهانين، وهو ما قوّض بشكل كبير ما تبقى من ثقة شعبية بالمؤسسة الملكية.
ومع تصاعد الشعور القومي الثوري الجديد، أعلنت فرنسا الحرب على النمسا وبروسيا في أبريل 1792 خشية من تدخل خارجي مضاد للثورة تدعمه القوى الملكية الأوروبية والمهاجرون الفرنسيون النبلاء المتحالفون معها، لتبدأ بذلك سلسلة طويلة من الحروب الثورية الفرنسية التي استمرت أكثر من عقد من الزمن[1]. وقد وفرت الهزائم العسكرية الأولى في هذه الحرب ذريعة إضافية للراديكاليين الثوريين لاتهام الملك بالخيانة والتواطؤ مع العدو الخارجي.
الجرأة، ثم الجرأة، ثم دائماً الجرأة، وبذلك تُنقذ فرنسا.
— جورج جاك دانتون، خطاب أمام الجمعية التشريعية، 2 سبتمبر 1792
سقوط الملكية وإعدام الملك
في العاشر من أغسطس عام 1792 هاجم حشد من الثوار المتطرفين بدعم من كتائب فيدرالية قادمة من الأقاليم قصر التويلري في باريس، فاعتُقل الملك وعائلته وأُلغيت سلطاته فعلياً، وفي الحادي والعشرين من سبتمبر من العام نفسه أعلن المؤتمر الوطني الجديد إلغاء الملكية رسمياً وقيام الجمهورية الفرنسية الأولى[1]. وقد اكتُشفت لاحقاً وثائق تدين الملك بالتواطؤ السري مع القوى الأجنبية المعادية للثورة، فقُدم للمحاكمة أمام المؤتمر الوطني بتهمة الخيانة العظمى في ديسمبر 1792.
وبعد مداولات طويلة ومتوترة، أدين لويس السادس عشر بالإجماع تقريباً، ثم صوّت المؤتمر الوطني بأغلبية ضئيلة جداً لصالح الحكم بالإعدام دون تأجيل، فأُعدم الملك بالمقصلة في ساحة الثورة بباريس في الحادي والعشرين من يناير عام 1793، لتصبح هذه الحادثة أول إعدام علني لملك حاكم على يد شعبه في التاريخ الأوروبي الحديث[8]. وقد أعدمت الملكة ماري أنطوانيت بالطريقة نفسها بعد تسعة أشهر، في حدث ضاعف من حدة الصدمة التي أحدثها إعدام الملك في أوساط الأسر الحاكمة الأوروبية[9].
عهد الإرهاب وحكم الرعب
مع تصاعد الحرب الأهلية في منطقة فاندي المحافظة، وتزايد الضغط العسكري من التحالف الأوروبي المناهض للثورة على جميع الحدود الفرنسية، أعلن المؤتمر الوطني في الخامس من سبتمبر 1793 أن “الإرهاب هو نظام اليوم”، لتبدأ بذلك مرحلة عهد الإرهاب التي استمرت حتى السابع والعشرين من يوليو 1794، وتولت خلالها لجنة السلامة العامة بقيادة ماكسيميليان روبسبير سلطة شبه دكتاتورية على مقاليد الحكم الفرنسي[4]. وقد استهدفت هذه اللجنة بشكل منهجي كل من اعتُبر عدواً للثورة من النبلاء ورجال الدين وحتى الثوريين المعتدلين، وأسفرت هذه الحملة عن اعتقال ما يقارب ثلاثمائة ألف شخص، أُعدم منهم رسمياً نحو سبعة عشر ألفاً، فيما لقي ثلاثة وعشرون ألفاً آخرون حتفهم دون محاكمة أو في السجون[6].
ولم يقتصر عهد الإرهاب على الجانب القمعي فحسب، بل رافقته إجراءات اقتصادية واجتماعية جذرية كنظام التسعير الإجباري المعروف بالحد الأقصى، وبرنامج تجريد المجتمع من الطابع الديني الذي استهدف الكنيسة الكاثوليكية، إضافة إلى اعتماد التقويم الجمهوري الفرنسي الجديد بديلاً عن التقويم الميلادي المسيحي. غير أن الإخفاق الاقتصادي المتفاقم، المتمثل في انهيار قيمة العملة الثورية وتفشي شح المواد الغذائية، أدى إلى تآكل الشعبية الواسعة التي كان يحظى بها روبسبير، إلى أن اعتُقل في السابع والعشرين من يوليو 1794 وأُعدم في اليوم التالي مع عدد من أنصاره، لتنتهي بذلك مرحلة الإرهاب فيما عُرف برد فعل ثيرميدور[5].
رد فعل ثيرميدور وحكم الإدارة
بعد سقوط روبسبير تشكلت حكومة جديدة أكثر اعتدالاً سياسياً عرفت بحكومة الإدارة (الديركتوار)، والتي تولت السلطة التنفيذية بموجب دستور السنة الثالثة الصادر في نوفمبر 1795، وسعت إلى إيجاد توازن سياسي هش بين معارضي الثورة الملكيين من جهة واليعاقبة الراديكاليين المتبقين من جهة أخرى. غير أن هذه الحكومة عانت من عدم استقرار سياسي مزمن، تجلى في سلسلة من الانقلابات الداخلية المتكررة وفي استمرار الحرب الخارجية على عدة جبهات في آن واحد، وهو ما أضعف تدريجياً شرعيتها في نظر الرأي العام الفرنسي المتعب من سنوات الاضطراب الطويلة.
صعود نابليون بونابرت وانقلاب برومير
خلال هذه الفترة برز نجم الجنرال الشاب نابليون بونابرت بفضل انتصاراته العسكرية المتلاحقة في الحملة الإيطالية بين عامي 1796 و1797، والتي عززت شعبيته الواسعة داخل فرنسا رغم إخفاق حملته اللاحقة في مصر. وفي أعقاب عودته المفاجئة من مصر عام 1799، تحالف بونابرت مع كبار السياسيين المتذمرين من حكومة الإدارة، وعلى رأسهم القس سييس وتاليران، للإطاحة بالنظام القائم عبر انقلاب عسكري مدبر[7].
وفي التاسع والعاشر من نوفمبر عام 1799، الموافق للثامن عشر والتاسع عشر من شهر برومير في التقويم الجمهوري الفرنسي، نفذ بونابرت انقلاباً كاد يفشل في البداية أمام معارضة بعض النواب، قبل أن تتدخل القوات العسكرية الموالية له لحسم الموقف لصالحه، فأُسقطت حكومة الإدارة وحل محلها نظام القنصلية الجديد الذي تولى فيه بونابرت منصب القنصل الأول بصلاحيات واسعة تفوق زميليه في القنصلية[7]. ويُجمع معظم المؤرخين على اعتبار هذا الانقلاب نقطة النهاية الفعلية للثورة الفرنسية، وبداية الحقبة النابليونية التي مهدت الطريق لاحقاً أمام تتويج بونابرت إمبراطوراً على الفرنسيين عام 1804.
الإرث والتأثير العالمي للثورة
على الرغم من انتهاء الثورة الفرنسية بصعود حكم فردي استبدادي جديد، فإن الإرث الفكري والسياسي الذي خلّفته وراءها كان عميق الأثر وطويل الأمد، إذ أرست إعلان حقوق الإنسان والمواطن مبادئ كونية جديدة حول المساواة أمام القانون والسيادة الشعبية أثرت لاحقاً في دساتير عشرات الدول حول العالم. كما ساهمت الثورة في تفكيك النظام الإقطاعي وإرساء مبدأ المواطنة الحديثة بدلاً من الولاء الشخصي للملك أو للسيد الإقطاعي، وأطلقت العنان لتصاعد النزعة القومية الحديثة التي أعادت تشكيل خريطة أوروبا السياسية طوال القرن التاسع عشر بأكمله.
غير أن هذا الإرث ظل مزدوجاً ومتناقضاً في آن واحد؛ فبينما ألهمت مبادئ الحرية والمساواة والإخاء حركات التحرر والديمقراطية اللاحقة في مختلف أنحاء العالم، شكلت تجربة عهد الإرهاب الدموي في الوقت نفسه تحذيراً تاريخياً ثقيلاً من مخاطر الانزلاق نحو الاستبداد الثوري باسم حماية الفضيلة العامة، وهو جدل فكري وسياسي لا يزال حاضراً حتى اليوم في قراءة المؤرخين والمفكرين لهذه الحقبة المفصلية من التاريخ الإنساني الحديث.