الحملة الفرنسية على مصر هي حملة عسكرية كبرى قادها الجنرال الفرنسي الشاب نابليون بونابرت على الولايات العثمانية في مصر والشام بين عامي 1798 و1801، بجيش بلغ تعداده نحو ستة وثلاثين ألف مقاتل، وتُعد أول عملية عسكرية غربية واسعة النطاق تُشن على دولة في الشرق الأوسط منذ نهاية الحروب الصليبية بأكثر من خمسة قرون
[1].
انطلقت الحملة من ميناء طولون الفرنسي في التاسع عشر من مايو 1798، حاملة معها إلى جانب الجنود نخبة من نحو مائة وخمسين عالمًا وباحثًا في مختلف العلوم، في خطوة عكست طموحًا مزدوجًا يجمع بين الهدف العسكري الاستراتيجي المباشر، المتمثل في ضرب المصالح البريطانية وقطع طريقها التجاري نحو الهند، وبين حلم استعماري وثقافي أوسع استلهمه نابليون من سيرة الإسكندر الأكبر ومن رواج “الموضة المصرية” في الأوساط الفكرية الفرنسية آنذاك
[2].
وقد حققت الحملة في مراحلها الأولى انتصارات عسكرية برية سريعة وسهلة نسبيًا، أبرزها احتلال الإسكندرية وسحق الجيش المملوكي في معركة الأهرام الشهيرة، إلا أن تدمير الأسطول البحري الفرنسي بالكامل على يد الأدميرال البريطاني هوراشيو نيلسون في معركة أبي قير البحرية أحبط الحلم الاستراتيجي الأكبر للحملة منذ شهرها الأول، وحوّلها إلى قوة محاصرة ومعزولة داخل مصر، فيما واجه الفرنسيون طوال سنوات احتلالهم الثلاث مقاومة شعبية مصرية متجددة ومتصاعدة، تُوّجت بثورتي القاهرة الأولى والثانية، قبل أن تنتهي الحملة بأكملها باستسلام القوات الفرنسية المتبقية وجلائها النهائي عن مصر عام 1801. ورغم فشلها العسكري والاستراتيجي الذريع، خلّفت الحملة إرثًا علميًا وحضاريًا استثنائيًا تمثل في اكتشاف حجر رشيد وتأسيس علم المصريات الحديث.
| معلومات عامة | |
| الاسم الرسمي | الحملة الفرنسية على مصر وسوريا |
| التاريخ | 19 مايو 1798 (انطلاق الحملة) – 31 أغسطس 1801 (استسلام آخر القوات الفرنسية) |
| الموقع | مصر (الإسكندرية، القاهرة، أبو قير، الصعيد)؛ بلاد الشام (غزة، يافا، عكا)؛ مالطا |
| السبب المباشر | رغبة فرنسا في ضرب المصالح البريطانية وقطع طريقها نحو الهند، واتخاذ مصر قاعدة استراتيجية في الشرق |
| النتيجة | هزيمة فرنسية وانسحاب كامل من مصر عام 1801؛ مقاومة شعبية مصرية واسعة؛ صعود محمد علي باشا لاحقًا |
| الأطراف المتحاربة | |
| الطرف الأول | الجمهورية الفرنسية |
| الطرف الثاني | الدولة العثمانية وحلفاؤها المماليك في مصر، بدعم بحري وعسكري بريطاني مباشر |
| القادة | |
| القيادة الفرنسية | الجنرال نابليون بونابرت؛ الجنرال جان باتيست كليبر (خلفه)؛ الجنرال جاك فرانسوا مينو (آخر قائد) |
| القيادة المملوكية والعثمانية | مراد بك؛ إبراهيم بك؛ محمد كريم (حاكم الإسكندرية)؛ الأدميرال البريطاني هوراشيو نيلسون؛ سيدني سميث |
| القوى العسكرية | |
| الحملة الفرنسية | نحو 36,000–40,000 جندي و10,000 بحار على متن أكثر من 400 سفينة، مع نحو 150 عالمًا وباحثًا |
| المعارك الفاصلة | |
| معركة الأهرام (البرية) | 21 يوليو 1798، انتصار فرنسي حاسم على المماليك |
| معركة أبي قير البحرية | 1–2 أغسطس 1798، تدمير كامل للأسطول الفرنسي على يد نيلسون |
الخلفية والأسباب
لم تكن فكرة السيطرة على مصر وليدة لحظتها، بل كانت قيد النقاش الفرنسي منذ عقود سابقة، إذ كُلّف البارون دو توت بمهمة سرية إلى بلاد الشام عام 1777 لفحص جدوى هذا المشروع الاستعماري، وجاء تقريره إيجابيًا، إلا أن باريس لم تتخذ حينها أي خطوة عملية لتنفيذه. وبحلول عام 1798، تجدد هذا النقاش بين وزير الخارجية شارل تاليران ونابليون بونابرت نفسه، الذي تقدم باقتراح رسمي إلى حكومة المديرين الفرنسية للقيام بالحملة، بهدف معلن هو الحفاظ على المصالح الفرنسية وتقليل قدرة بريطانيا على الوصول إلى الهند والإضرار بتجارتها، نظرًا لموقع مصر الاستراتيجي على خطوط التجارة العالمية
[2].
وأكد نابليون للحكومة الفرنسية أنه بمجرد إحكام السيطرة على مصر، سيتمكن من التحالف مع أمراء الهند ومهاجمة بريطانيا في مستعمراتها مباشرة، وهو ما عكسه تقرير تاليران الذي اقترح إرسال خمسة عشر ألف جندي من السويس لمساعدة السلطان تيبو الهندي في طرد الوجود البريطاني من شبه القارة
[2].
وقد وافقت حكومة المديرين على الخطة في مارس 1798، رغم عدم اقتناعها التام بحجم تكلفتها ونطاقها، إذ كان من بين دوافعها السرية غير المعلنة الرغبة في إبعاد نابليون الطموح والمتزايد الشعبية عن مركز السلطة في باريس بعد انتصاراته اللافتة في الحملة الإيطالية
[2].
الانطلاق واحتلال الإسكندرية
في التاسع عشر من مايو 1798، الساعة السادسة صباحًا، غادرت أكثر من ثلاثمائة سفينة ميناء طولون الفرنسي متجهة نحو مصر، حاملة على متنها نحو أربعة وخمسين ألف شخص، بينهم أكثر من ستة وثلاثين ألف جندي، تحت قيادة الجنرال نابليون بونابرت الذي لم يكن قد تجاوز التاسعة والعشرين من عمره، إلى جانب أكثر من مائة وستين مدنيًا من المهندسين المعماريين وعلماء الفلك والنبات والمستشرقين، الذين اعتُبروا “علماء وفنانين” مرافقين للجيش
[3].
ولتفادي مواجهة الأسطول الإنجليزي بقيادة الأدميرال هوراشيو نيلسون، أبقت القيادة الفرنسية وجهة الرحلة سرًا مطلقًا لم يعرفه سوى نابليون نفسه وعدد محدود جدًا من كبار قادته، فاستولى الأسطول في طريقه على جزيرة مالطا في يونيو لتكون قاعدة إمداد وسيطة، قبل أن يصل إلى مشارف الإسكندرية في الثلاثين من يونيو 1798
[4].
وفي صباح الأول من يوليو 1798، زحف الجيش الفرنسي باتجاه المدينة وحاصرها، فقاومه أهلها وحاكمها محمد كريم بضع ساعات قبل أن تسقط المدينة بيد الفرنسيين في اليوم التالي مباشرة
[1].
وقد حاول نابليون منذ اللحظة الأولى إظهار حملته بمظهر تحرري وصديق للإسلام، فأصدر منشورًا رسميًا حمل عبارة “لا إله إلا الله” زاعمًا فيه أنه جاء لتحرير المصريين من ظلم المماليك، وحرص على التأكيد للمصريين بأن الفرنسيين أصدقاء للسلطان العثماني، إلا أن هذه السياسة المخادعة لم تنطلِ على المصريين الذين قاوموا الاحتلال منذ بدايته
[5].
الزحف نحو القاهرة ومعركة الأهرام
في مساء الثالث من يوليو 1798، زحفت الحملة باتجاه القاهرة عبر طريق بري شاق مر بمدن دمنهور والرحمانية وشبراخيت، وكانت مديرية البحيرة أول منطقة يجتازها الجيش الفرنسي في زحفه، فلاقى من جراء ذلك أذى كبيرًا من اعتداءات جنوده ونهبهم للقرى والمنازل، فيما تصيد رجال المقاومة المصرية المحلية الدوريات الفرنسية وقتلوا أفرادها بشكل متكرر
[1].
وفي الحادي والعشرين من يوليو 1798، التقى جيش المماليك بقيادة الأمير مراد بك بالقوات الفرنسية في منطقة إمبابة شمال الجيزة، في معركة عُرفت باسم “معركة الأهرام” نظرًا لامتداد الجيشين من إمبابة وحتى مشارف الأهرامات، وقد خاطب نابليون جنوده قبل المعركة بعبارته الشهيرة:
أيها الجنود، إن أربعين قرنًا تتطلع إليكم.
— نابليون بونابرت، خطاب لجنوده قبيل معركة الأهرام، 21 يوليو 1798
وانتهت المعركة بهزيمة ساحقة وسريعة للمماليك الذين واجهوا نيران المدافع والبنادق والحراب الفرنسية المنظمة، فقُتل نحو ألف وخمسمائة مملوكي وغرق كثيرون منهم أثناء فرارهم في مياه النيل، في مقابل سبعين قتيلًا فرنسيًا فقط، وانقسم الجيش المملوكي المنهزم إلى قسمين، أحدهما انسحب إلى صعيد مصر بقيادة مراد بك، والآخر انسحب نحو الشام بقيادة إبراهيم بك
[1].
وفي اليوم التالي مباشرة، أرسلت السلطات في القاهرة مفاتيح المدينة إلى نابليون، إيذانًا بالاستسلام، فدخلها الجنرال الفرنسي دون مقاومة تُذكر وشرع في تنظيم احتلال ممنهج للبلاد، مشكّلًا ديوانًا من المشايخ المصريين للمساهمة الصورية في إدارة شؤون البلاد
[4].
معركة أبي قير البحرية وعزل الحملة
لم تدم نشوة الانتصارات البرية السريعة طويلًا؛ فبينما كان نابليون قد أمر بإفراغ الأسطول من حمولته وإبحاره بأقصى سرعة نحو كورفو لتجنب المواجهة مع البحرية البريطانية، أخّرت الأحوال الجوية السيئة إبحار الأدميرال الفرنسي فرانسوا بول برويز، فرسا بأسطوله في خليج أبي قير القريب من الإسكندرية، وهناك رصده الأدميرال البريطاني هوراشيو نيلسون وهاجمه بسرعة وحسم
[5].
وفي الأول من أغسطس 1798، دارت معركة بحرية دامية استمرت حتى فجر اليوم التالي بين أسطول بريطاني مكوّن من إحدى وأربعين سفينة حربية وأسطول فرنسي مكوّن من إحدى وثلاثين سفينة، وحسم البحارة البريطانيون، الأكثر تدريبًا وتنظيمًا وألفة بالبحر، المعركة لصالحهم بشكل كامل وساحق، فدُمّر الأسطول الفرنسي بأكمله تقريبًا
[5].
وكانت تداعيات هذه الهزيمة البحرية بالغة الخطورة على مستقبل الحملة بأسرها؛ إذ قضت على آمال فرنسا في بسط سيطرتها على حوض البحر المتوسط، وحرمت الجيش الفرنسي من أي إمدادات قادمة من فرنسا، فأصبحت الحملة بذلك حبيسة وادي النيل بالكامل، معزولة تمامًا عن خطوط الدعم اللوجستي والعسكري، وهو ما ضمن عمليًا انهيارًا حتميًا لجيش نابليون في الشرق على المدى الطويل
[6].
المقاومة الشعبية المصرية وثورتا القاهرة
لم يستجب المصريون لمحاولات نابليون المتكررة لاستمالتهم عبر إقامة احتفالات بالمولد النبوي وإظهار احترام صوري لتقاليدهم وديانتهم، فثار الشعب المصري ضد الاحتلال بصفة عامة، خصوصًا بعد زيادة الضرائب وانتشار خبر هزيمة الأسطول الفرنسي في أبي قير الذي كشف هشاشة موقف المحتلين
[6].
وفي الحادي والعشرين من أكتوبر 1798، اندلعت ثورة القاهرة الأولى التي قاد الأزهر الشريف لواءها، فقَتل الثوار الحاكم الفرنسي للمدينة، إلا أن القوات الفرنسية لم تستطع إخمادها إلا بقصف القاهرة بالمدافع وتدمير جزء كبير منها، ودخل الجنود الفرنسيون الجامع الأزهر بخيولهم في مشهد استفز العاطفة الدينية لدى المصريين بعمق
[7].
وقد امتدت المقاومة الشعبية إلى خارج العاصمة أيضًا؛ ففي سبتمبر 1798، هاجم أهالي مدينة الجمالية بالدقهلية حملة فرنسية بقيادة الجنرال داماس بعد أن علقت سفنها في البحر الصغير، فأمطروها بوابل من الحجارة والرصاص، ورغم أن الفرنسيين تمكنوا من إحراق المدينة في نهاية المطاف، فإن أهاليها تكبدوا خسائر فادحة بلغت نحو خمسمائة قتيل مقابل خمسة قتلى فرنسيين فقط، في مؤشر على حجم التضحية الشعبية المصرية المتكررة طوال سنوات الاحتلال
[1].
الحملة على الشام وفشلها أمام عكا
في محاولة لمواجهة قوى التحالف الدولي المتنامي ضده، وتحديدًا الجيش العثماني المتجمع في الشام بدعم بريطاني مباشر، قرر نابليون الانتقال إلى الهجوم بدلًا من انتظار اجتياح أراضيه المصرية، فقاد حملة عسكرية نحو فلسطين والشام مطلع عام 1799
[6].
وقد نجح الجيش الفرنسي في السيطرة على غزة، ثم اتجه نحو معقل استراتيجي قوي في يافا حيث اشتدت مواجهات عنيفة في أوائل مارس، أعقبها انتشار وباء الطاعون في صفوف الجنود الفرنسيين المنهكين، إلا أن نابليون فشل في نهاية المطاف في الاستيلاء على حصن عكا المنيع، الذي دافعت عنه الحامية العثمانية بدعم مباشر من البحرية البريطانية بقيادة سيدني سميث، فباءت هذه الحملة التي استمرت أربعة أشهر كاملة بالفشل الذريع
[4].
وفي يونيو 1799، عاد الجيش الفرنسي منهكًا إلى القاهرة، ثم غادرها مباشرة إلى الإسكندرية حيث وقعت معركة أبي قير الثانية في الخامس والعشرين من يوليو 1799، نجح فيها بونابرت هذه المرة في إلحاق هزيمة بالجيش العثماني الذي كان قد نزل بدعم من الأسطول البريطاني، في آخر انتصار عسكري بارز يحققه نابليون شخصيًا في مصر قبل مغادرته النهائية
[4].
مغادرة نابليون ونهاية الحملة
في الثاني والعشرين من أغسطس 1799، وبعد أن تأكد أن الحملة قد تحوّلت إلى إخفاق استراتيجي تام، غادر نابليون بونابرت مصر سرًا متوجهًا إلى فرنسا، هربًا من الحصار البحري البريطاني المفروض، تاركًا قيادة ما تبقى من الجيش الفرنسي للجنرال جان باتيست كليبر
[3].
وقد اغتيل الجنرال كليبر بدوره على يد الشاب السوري سليمان الحلبي، فتسلم القيادة بعده الجنرال جاك فرانسوا مينو، الذي أعلن إسلامه وتزوج من امرأة مصرية من مدينة رشيد تُدعى زبيدة، إلا أن هذا التحول الشخصي لم يغيّر من مصير الحملة المحتوم، إذ واصل الإنجليز والعثمانيون الضغط العسكري والسياسي المشترك حتى اضطر مينو إلى الاستسلام نهائيًا
[5].
وفي الحادي والثلاثين من أغسطس 1801، استسلمت آخر القوات الفرنسية المتبقية بشكل كامل ونهائي، فنقلتها السفن البريطانية بعيدًا عن مصر إلى فرنسا، فيما اختار عدد من الجنود الفرنسيين البقاء والعيش بين المصريين واندمجوا في المجتمع المحلي بعد أن تمصّروا، لتنتهي بذلك حملة استمرت قرابة ثلاث سنوات كاملة بهزيمة فرنسية شاملة وانسحاب كامل من البلاد
[8].
نتائج الحملة وتداعياتها
رغم فشلها العسكري والاستراتيجي الكامل في تحقيق أهدافها المعلنة، خلّفت الحملة الفرنسية أثرًا حضاريًا وعلميًا استثنائيًا تمثل في الإسهام العلمي الهائل الذي قدّمه العلماء المرافقون للحملة، إذ وثّقت أبحاثهم في موسوعة ضخمة عُرفت بـ”وصف مصر” اكتشافات لا حصر لها عن تاريخ البلاد وجغرافيتها وآثارها، فيما شكّل اكتشاف حجر رشيد عام 1799 الإنجاز الأبرز على الإطلاق، إذ وضع حجر الأساس لتأسيس علم المصريات الحديث وفك رموز اللغة المصرية القديمة لاحقًا
[2].
وعلى المستوى السياسي المحلي، تركت الحملة فراغًا في السلطة المصرية أسهم بشكل مباشر في صعود محمد علي باشا، الضابط الألباني الذي وصل إلى مصر ضمن القوات العثمانية المرسلة لمواجهة الفرنسيين، واستغل حالة الفوضى والصراع على السلطة التي أعقبت الجلاء الفرنسي ليؤسس لاحقًا دولة مصرية حديثة شبه مستقلة استمرت لعقود طويلة لاحقة، في واحدة من أبرز النتائج غير المباشرة طويلة المدى لهذه الحملة العسكرية الفاشلة عسكريًا، ويُعتبر كثير من المؤرخين أن هذه الحملة، رغم قصر مدتها وفشلها العسكري، شكّلت بداية فعلية لحقبة جديدة من التماس المباشر والمكثف بين مصر والعالم الغربي الحديث.