حصار فيينا لعام 1529م هو أول محاولة عسكرية قام بها العثمانيون بقيادة السلطان سليمان القانوني، المعروف في الغرب بـ”سليمان العظيم”، للاستيلاء على مدينة فيينا عاصمة أرشيدوقية النمسا، ضمن سلسلة الحروب العثمانية الهابسبورغية الممتدة، وذلك في أعقاب الانتصار العثماني الساحق في معركة موهاج عام 1526م الذي أنهى فعلياً استقلال المملكة المجرية الموحدة. ويُعد هذا الحصار، الذي امتد قرابة ثلاثة أسابيع بين أواخر سبتمبر ومنتصف أكتوبر من عام 1529م، محطة فاصلة في تاريخ العلاقة بين الدولة العثمانية وأوروبا الوسطى، إذ مثّل أقصى نقطة توغل بلغتها الجيوش العثمانية غرباً في القارة الأوروبية، وفشل الجيش العثماني الضخم، الذي بلغ تعداده وفق تقديرات مختلفة ما بين ثمانين ومئة وعشرين ألف مقاتل، في اقتحام مدينة فيينا التي كان يدافع عنها حامية أصغر بكثير لا يتجاوز تعدادها ثلاثة وعشرين ألف مقاتل بقيادة القائد النمساوي المخضرم نيكلاس فون سالم. وقد اجتمعت عوامل عدة أدت إلى إخفاق الحملة العثمانية، من سوء الأحوال الجوية التي أعاقت تقدم الجيش وأجبرته على التخلي عن معظم مدفعيته الثقيلة، إلى صلابة التحصينات الدفاعية للمدينة ومهارة قائدها في تنظيم المقاومة، إلى حلول فصل الشتاء المبكر الذي أرغم السلطان سليمان على الانسحاب في الرابع عشر أو الخامس عشر من أكتوبر دون تحقيق هدفه. ويعتبر كثير من المؤرخين هذا الحصار الفاشل بمثابة الحد الأقصى الذي بلغه التوسع العثماني في أوروبا الوسطى، وإن أعقبته قرابة قرن ونصف من التوترات المتقطعة والحملات المتبادلة، بلغت ذروتها في الحصار العثماني الثاني الأشهر لفيينا عام 1683م.
| معلومات عامة | |
| التسمية | حصار فيينا الأول (1529) |
| التاريخ | 27 سبتمبر – 14/15 أكتوبر 1529م |
| المكان | مدينة فيينا، أرشيدوقية النمسا |
| جزء من | الحرب الهابسبورغية العثمانية في المجر (1526–1568) |
| النتيجة | انسحاب عثماني، صمود فيينا |
| القادة | |
| القيادة العثمانية | السلطان سليمان القانوني، الصدر الأعظم إبراهيم باشا |
| القيادة النمساوية | نيكلاس غراف فون سالم، فيلهلم فون روغندورف |
| القوى المتحاربة | |
| القوات العثمانية | نحو 80,000 – 125,000 مقاتل |
| قوات الدفاع النمساوية | نحو 17,000 – 23,000 مقاتل |
| الخسائر التقديرية | |
| الجانب العثماني | أكثر من 15,000 بين قتيل وجريح وأسير |
| الجانب النمساوي | نحو 1,500 قتيل (10% من المدافعين) |
الخلفية التاريخية: معركة موهاج وانهيار المملكة المجرية
تعود جذور حصار فيينا مباشرة إلى الانتصار العثماني الحاسم في معركة موهاج التي وقعت في التاسع والعشرين من أغسطس عام 1526م، حين هزم جيش السلطان سليمان القانوني، الذي انطلق من بلغراد في أبريل من العام ذاته بقوة قوامها قرابة مئة ألف مقاتل، القوات المجرية بقيادة الملك الشاب لويس الثاني، الذي بلغ عمره آنذاك عشرين عاماً فقط، وذلك في معركة لم تستغرق أكثر من ثلاث ساعات أسفرت عن مقتل الملك المجري غرقاً أثناء فراره من ساحة المعركة، ومقتل معظم كبار النبلاء المجريين معه، وهو ما أنهى فعلياً وجود مملكة المجر كدولة موحدة مستقلة استمرت قرابة خمسمئة عام[1]. وقد أعقب هذه الكارثة فراغ سياسي حاد في المجر، سرعان ما تحول إلى صراع على العرش بين الأرشيدوق فرديناند الأول ملك النمسا، شقيق الإمبراطور الروماني المقدس شارل الخامس، الذي طالب بالعرش المجري بحكم زواجه من أخت الملك الراحل، وبين النبيل المجري يوحنا زابوليا الذي فضّل التحالف مع العثمانيين بدلاً من ذلك، فاعترف به السلطان سليمان ملكاً على الجزء الشرقي من المجر مقابل ولائه وتبعيته للباب العالي[2]. وحين نجح فرديناند في انتزاع مدينة بودا من زابوليا عام 1528م، قرر السلطان سليمان التدخل مجدداً لنصرة حليفه المجري ومعاقبة فرديناند في عاصمة سلطته ذاتها بفيينا، وهي الحملة التي تحولت إلى الحصار الشهير.
الزحف العثماني نحو فيينا
انطلق الجيش العثماني في العاشر من مايو عام 1529م من إسطنبول، متجهاً شمالاً وغرباً نحو أوروبا الوسطى في حملة عانت منذ بدايتها من ظروف جوية استثنائية السوء، إذ هطلت أمطار غزيرة غير معتادة أدت إلى فيضان الأنهار وجرف الجسور وتحول الطرق إلى مستنقعات موحلة، مما أبطأ تقدم الجيش بشكل كبير واستغرق وصوله إلى بلغراد وحدها نحو شهرين كاملين[3]. وقد اضطر السلطان سليمان، نتيجة لهذه الظروف، إلى التخلي عن معظم مدفعيته الثقيلة التي غرقت عرباتها في الوحل، مكتفياً بنحو ثلاثمئة مدفع خفيف نسبياً ثبت لاحقاً أنها غير كافية لإحداث أضرار جسيمة في تحصينات فيينا القوية[4]. وفي السادس من أغسطس، وصل السلطان إلى بلدة أوسيك، ثم التقى في الثامن عشر من الشهر ذاته بقوة فرسان مجرية كبيرة بقيادة حليفه يوحنا زابوليا الذي أدى له الولاء وساعده على استعادة عدد من الحصون التي كانت قد سقطت بيد النمساويين منذ معركة موهاج، بما فيها مدينة بودا التي سقطت في الثامن من سبتمبر بعد مذبحة طالت حاميتها النمساوية، وهو ما زاد من عزم المدافعين عن فيينا على المقاومة حتى النهاية حين وصلتهم أنباء هذه المذبحة[5].
الاستعدادات الدفاعية لمدينة فيينا
مع اقتراب الجيش العثماني الضخم، عمّت فيينا حالة من الذعر دفعت كثيراً من سكانها وأعيانها، بمن فيهم بعض قادة البلدية، إلى الفرار من المدينة، بل إن الأرشيدوق فرديناند نفسه غادر إلى بوهيميا المجاورة تاركاً مهمة الدفاع عن عاصمته لقادته العسكريين[6]. وقد أُنيطت مسؤولية تنظيم الدفاع العام بفيلهلم فون روغندورف، هوفمايستر النمسا، فيما تولى القيادة الميدانية الفعلية للحامية الكونت نيكلاس فون سالم، وهو قائد مرتزق ألماني مخضرم يبلغ من العمر سبعين عاماً، سبق له القتال في معركة بافيا الشهيرة، وقاد حامية تألفت من نحو ثلاثة وعشرين ألف جندي مشاة وألفي فارس وخمسة وسبعين مدفعاً، ضمت ألف جندي من المرتزقة الألمان “لاندسكنيشت” وسبعمئة إلى ثمانمئة جندي إسباني مسلحين ببنادق الأركيبوز[7]. وقد بادر سالم إلى تعزيز أسوار المدينة القديمة وتقوية دفاعاتها الترابية، وأمر بإخلاء نحو أربعة آلاف من النساء والأطفال وكبار السن من المدينة تحت حراسة مرافقة، غير أن معظم هذه المجموعة تعرض لمذبحة على يد القوات العثمانية المتقدمة قرب بلدة تريسماور، حيث قُتل الكثيرون تعذيباً وسُبيت نساء أخريات، في حادثة زادت من حدة العداء بين الطرفين قبيل بدء الحصار الفعلي[8].
سير الحصار
بدأ الحصار الفعلي لمدينة فيينا في السابع والعشرين من سبتمبر عام 1529م، بعد وصول القوات العثمانية بجيش أنهكته مسيرة طويلة شاقة عبر أراضٍ موحلة، وأرسل السلطان سليمان في البداية ثلاثة أسرى نمساويين لمطالبة المدينة بالاستسلام، فرد سالم بإعادتهم مصحوبين بثلاثة أسرى مسلمين مرتدين ثياباً فاخرة دون أي جواب مكتوب، في رسالة رمزية واضحة برفض الاستسلام[9]. ومع بدء تمركز القوات العثمانية حول المدينة، شنّت الحامية النمساوية هجمات استباقية سريعة سعت من خلالها لعرقلة عمل المهندسين العثمانيين المكلفين بحفر الأنفاق تحت الأسوار لتفجيرها، وكادت إحدى هذه الهجمات أن تُسفر عن أسر الصدر الأعظم إبراهيم باشا نفسه، كما تمكن المدافعون من اكتشاف وتفجير عدد من الألغام العثمانية المعدة لاختراق الأسوار قبل انفجارها[10]. وفي السادس من أكتوبر، نفّذت قوة نمساوية قوامها ثمانية آلاف جندي هجوماً واسعاً على مواقع الحفر العثمانية، ونجحت في تدمير عدد كبير من الأنفاق رغم تكبدها خسائر فادحة أثناء الانسحاب. ومع استمرار هطول الأمطار في الحادي عشر من أكتوبر، تفاقمت معاناة الجيش العثماني، الذي فشل رغم محاولات متكررة في إحداث ثغرة حاسمة في أسوار المدينة، فيما تعرض القائد سالم نفسه لإصابة خطيرة في وركه أثناء توجيهه دفاعات المدينة في الهجوم العثماني الأخير الكبير الذي وقع في الرابع عشر من أكتوبر[11].
لن نجيب على طلب الاستسلام إلا بالسيف، فليعلم من أرسلنا هذه الهدية أننا لن نسلّم المدينة.
— مضمون رسالة نيكلاس فون سالم الرمزية إلى السلطان سليمان القانوني، أكتوبر 1529
الانسحاب العثماني ونهاية الحصار
مع اقتراب فصل الشتاء المبكر وتصاعد معاناة الجيش العثماني من نقص الإمدادات وتفشي الأمراض وسط صفوفه المنهكة، وبعد فشل جميع محاولات اقتحام أسوار المدينة رغم مرور قرابة ثلاثة أسابيع من الحصار المتواصل، أصدر السلطان سليمان القانوني أمراً بالانسحاب في الرابع عشر أو الخامس عشر من أكتوبر عام 1529م، مُعلناً أنه قد حقق أهدافه من الحملة رغم فشله الواضح في الاستيلاء على المدينة نفسها[12]. وقد جرى الانسحاب العثماني وسط ظروف جوية بالغة القسوة، إذ تساقطت الثلوج بغزارة غير معتادة لذلك الوقت من العام، مما أعاق الانسحاب المنظم للجيش العثماني وترك خلفه أعداداً كبيرة من الجرحى والمدفعية والقتلى على طول الطريق الموحل المؤدي إلى المجر، فيما طاردت القوات النمساوية مؤخرة الجيش المنسحب لعدة أيام، محررة عدداً من الأسرى النمساويين الذين كان العثمانيون قد أسروهم خلال الحملة، وأسرت بالمقابل عدداً من الجنود العثمانيين[13]. ولم تصل إلى إسطنبول في نهاية المطاف سوى نسبة محدودة من القوة الأصلية الضخمة التي انطلقت من العاصمة العثمانية في ربيع ذلك العام.
الأهمية التاريخية وتداعيات الحصار
يحظى فشل الحملة العثمانية في الاستيلاء على فيينا عام 1529م بأهمية تاريخية بالغة في السردية الأوروبية التقليدية، إذ يُنظر إليه غالباً بوصفه اللحظة التي بلغ فيها التوسع العثماني في أوروبا الوسطى أقصى مداه، قبل أن يبدأ تدريجياً في التراجع النسبي، رغم استمرار التوترات العسكرية المتقطعة بين الطرفين لما يقارب قرناً ونصف القرن لاحقاً، بلغت ذروتها في الحصار العثماني الثاني الأشهر لفيينا عام 1683م الذي أفضى إلى هزيمة عثمانية أكثر حسماً وانطلاق “الحرب التركية الكبرى” التي استمرت خمسة عشر عاماً[14]. كما دفعت تجربة الحصار الأسرة الحاكمة في آل هابسبورغ إلى الشروع في برنامج واسع لتحديث تحصينات فيينا وتطويرها بشكل جذري، وهو ما أثبت جدواه لاحقاً في نجاح المدينة بصد الحصار العثماني الثاني بعد قرن ونصف. ويرى مؤرخون أن هذه الحملة العثمانية أسهمت بشكل غير مباشر في مساعدة الحركة الإصلاحية اللوثرية على البقاء والصمود، إذ اضطرت الأسرة الهابسبورغية الكاثوليكية إلى تحويل جزء كبير من مواردها العسكرية لمواجهة “الخطر العثماني” بدلاً من توجيهها لسحق حركة الإصلاح البروتستانتي الناشئة داخل أراضي الإمبراطورية الرومانية المقدسة نفسها[15]. وبعد فشل حملة فيينا، حوّل السلطان سليمان القانوني اهتمامه العسكري بشكل أكبر نحو جبهات أخرى في آسيا والبحر الأبيض المتوسط، دون أن يتخلى نهائياً عن مطامعه في أوروبا الوسطى التي ظلت مسرحاً لصراع متقطع بين القوتين لعقود لاحقة.
التصنيفات الأساسية: تاريخ عالمي ← تاريخ الدولة العثمانية ← الحروب العثمانية الهابسبورغية ← حصار فيينا 1529
تصنيفات ذات صلة: سليمان القانوني، معركة موهاج، إبراهيم باشا، نيكلاس فون سالم، حصار فيينا 1683، آل هابسبورغ، مملكة المجر، الإصلاح البروتستانتي