🔍
اضغط Esc للإغلاق  •  Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية Uncategorized الأديان والفلسفة الاقتصاد التاريخ التاریخ الإسلامی التكنولوجيا الجغرافيا الرياضة
الرئيسية / التاريخ / الحضارة البابلية
التاريخ

الحضارة البابلية

👁 5 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 3/8/2026 ✏️ 3/8/2026
100%

الحضارة البابلية هي حضارة قديمة نشأت في منطقة بلاد الرافدين في جنوب العراق الحالي، واتخذت من مدينة بابل الواقعة على ضفاف نهر الفرات عاصمةً ومركزًا لها، وتُعد واحدة من أرسخ الحضارات وأكثرها تأثيرًا في تاريخ الشرق الأدنى القديم بأسره
[1].
ظهرت هذه الحضارة في مطلع الألفية الثانية قبل الميلاد ومرّت بعصرين ذهبيين متمايزين؛ الإمبراطورية البابلية الأولى التي بلغت أوج ازدهارها في عهد الملك حمورابي بين القرنين التاسع عشر والسادس عشر قبل الميلاد، والإمبراطورية البابلية الثانية أو الكلدانية التي انتعشت من جديد بين القرنين السابع والسادس قبل الميلاد وبلغت ذروتها في عهد الملك نبوخذ نصر الثاني الذي جعل بابل إحدى أجمل مدن العالم القديم
[2].
واشتهرت هذه الحضارة بأنها أبدعت شريعة حمورابي، واحدة من أقدم وأشمل القوانين المكتوبة في تاريخ البشرية، وأسهمت إسهامات بكرة ومؤثرة في مجالات الفلك والرياضيات والطب والأدب، ولا تزال المصطلحات الزمنية المستخدمة حتى اليوم من تقسيم الساعة إلى ستين دقيقة والدقيقة إلى ستين ثانية إرثًا مباشرًا للنظام العددي البابلي القائم على الستينيات الذي ابتكره أهل الرافدين قبل أربعة آلاف سنة. وانتهت هذه الحضارة رسميًا بسقوط مدينة بابل على يد الملك الفارسي كورش الكبير عام 539 قبل الميلاد في خاتمة حتمية لإمبراطورية حكمت قرونًا طويلة من قلب العالم القديم.

معلومات عامة
الاسم الحضارة البابلية (بلاد بابل)
الفترة الزمنية نحو 1894 – 539 ق.م (قرابة ثلاثة عشر قرنًا متقطعة بين الإمبراطوريتين)
العاصمة مدينة بابل (تعني بالأكدية “بوابة الإله”)، جنوب بغداد في العراق الحالي
اللغة اللغة الأكدية البابلية القديمة (التي أصبحت لغة التخاطب الرسمية في الشرق الأدنى بأسره)
نظام الكتابة الخط المسماري المنقوش على ألواح الطين
الإمبراطورية الأولى (البابلية القديمة)
الفترة 1894 – 1595 ق.م
أبرز الحكام سوموآبوم (المؤسس)؛ حمورابي (1792-1750 ق.م)؛ الملوك الخمسة التالون لحمورابي
نهايتها غزو الحيثيين عام 1595 ق.م، ثم حكم الكاشيين لأكثر من أربعة قرون لاحقة
الإمبراطورية الثانية (الكلدانية)
الفترة 626 – 539 ق.م
أبرز الحكام نبوبولاسر (المؤسس)؛ نبوخذ نصر الثاني (605-562 ق.م)؛ نابونيد (آخر ملوكها)
نهايتها سقوط بابل على يد كورش الكبير الفارسي عام 539 ق.م
أبرز الإنجازات
القانون شريعة حمورابي (282 مادة قانونية)، محفوظة في متحف اللوفر بباريس
العمارة حدائق بابل المعلقة (إحدى عجائب الدنيا السبع)؛ بوابة عشتار؛ برج بابل الزقوري؛ أسوار المدينة المزدوجة
العلوم النظام العددي الستيني المستخدم حتى اليوم؛ الفلك والتنبؤ بالكسوف؛ الرياضيات والمعادلات التربيعية
COSMALORE · الموسوعة العربية

النشأة والخلفية التاريخية

نشأت الحضارة البابلية على أنقاض الإمبراطورية الأكدية والإمبراطورية السومرية التي سبقتاها في بلاد الرافدين، ففي أعقاب انهيار سلالة أور الثالثة في مطلع الألفية الثانية قبل الميلاد، انقسمت بلاد الرافدين مجددًا إلى دويلات مدن متعددة متنازعة، كانت بابل في بادئ الأمر إحداها لا تتفوق على سواها في القوة أو النفوذ
[3].
وفي حدود عام 1894 قبل الميلاد، أسس الزعيم الأموري العربي الغربي سوموآبوم سلالته الحاكمة في بابل في وقت كانت فيه سلالتا إيسن ولارسا تتنازعان على السلطة العليا في المنطقة، فانشغل أوائل ملوك هذه السلالة بتوسيع نطاق نفوذهم تدريجيًا وبناء الأسوار الدفاعية وتدعيمها وشق قنوات المياه الحيوية وتعمير المعابد المكرسة للإله مردوخ الذي أصبح بمرور الوقت ربّ مدينة بابل الرئيسي وأعلى مكانة في البانثيون البابلي بأكمله
[2].
ولعبت الانتصارات العسكرية الكبرى لملك اسمه سن موباليت دورًا مهمًا في تعزيز مكانة بابل إقليميًا قبيل توليّ نجله الملك الأشهر حمورابي زمام الحكم، إذ نجح في التغلب على عدد من الممالك المجاورة وتوسيع رقعة المملكة البابلية الصغيرة تمهيدًا لما سيأتي بعده من ازدهار وتوسع غير مسبوق
[3].

حمورابي وتوحيد بلاد الرافدين

يُعد الملك حمورابي، السادس في سلالة بابل الأولى والذي حكم بين عامي 1792 و1750 قبل الميلاد، أعظم شخصية عرفها تاريخ الحضارة البابلية الأولى على الإطلاق، وواحدًا من أكثر ملوك العالم القديم شهرة وحضورًا في الذاكرة التاريخية الإنسانية. واسمه يتألف من مقطعين دلاليين، إذ تعني “حمو” في اللغة العمورية “عائلة”، وتعني “رابي” في اللغة الأكدية “عظيم”، في مزيج يعكس طبيعته كرجل يجمع في شخصيته بين الانتماء القبلي العموري والثقافة الأكدية الرافدينية التي تشرّب روحها
[4].
وحين تولى حمورابي الحكم، لم تكن بابل تحت سلطته سوى مملكة صغيرة مكوّنة من أربع ولايات متواضعة، إلا أنه استطاع خلال اثنين وأربعين عامًا من حكمه المتواصل توحيد كامل بلاد الرافدين تحت رايته، فتغلّب على ريم سين ملك لارسا وألحق به هزيمة حاسمة أخضع بعدها المدن السومرية الجنوبية، ثم وجّه قواته شمالًا فقضى على الدولة الآشورية الناشئة وعلى إمارة ماري على الفرات الأعلى، متقدمًا بعدها شمالًا نحو الفرات الأعلى وافتتاحًا المدن المجاورة في غرب الهلال الخصيب، حتى بلغت أراضيه البحر المتوسط
[3].
ولم يكن حمورابي مجرد قائد عسكري بارع، بل كان إداريًا ومشرّعًا بارعًا جمع بين القوة المسلحة والرؤية السياسية والإصلاح الداخلي؛ فقد أجرى إصلاحات داخلية واسعة النطاق اجتذبت إليه قلوب الناس وأضفت على حكمه طابعًا شعبيًا وإنسانيًا مميزًا، وأصبحت اللغة البابلية القديمة في عهده هي لغة التخاطب الرسمية بشكل عام في بلاد الشرق الأدنى بأسرها، متجاوزةً حدود مملكته لتصبح لغة دبلوماسية وتجارية مشتركة في المنطقة الممتدة من إيران شرقًا إلى البحر المتوسط غربًا
[5].

شريعة حمورابي

يبقى الإنجاز الأعظم والأكثر ديمومة لحمورابي في الذاكرة التاريخية الإنسانية هو تشريعه القانوني الشهير الذي نقشه على مسلة ضخمة من حجر الديوريت الأسود يبلغ ارتفاعها 225 سنتيمترًا وقطر قاعدتها 60 سنتيمترًا، وهي المسلة المحفوظة حاليًا في متحف اللوفر بباريس بعد أن اكتشفتها بعثة فرنسية في مدينة سوسة الإيرانية عام 1901 حيث كانت مودعة ضمن غنائم حرب قديمة
[6].
تضمّنت الشريعة 282 مادة قانونية شاملة غطّت جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية جميعها، من التجارة والزراعة إلى الزواج والطلاق والإرث والجرائم والعقوبات، وكانت تميّز في أحيان كثيرة في العقوبات بحسب الطبقة الاجتماعية للجاني والضحية على حد سواء، واشتهرت بمبدأ المعاملة بالمثل المعروف بـ”العين بالعين والسن بالسن”
[4].
وفي ديباجة الشريعة التي صيغت بأسلوب شعري ديني رفيع، أعلن حمورابي صراحةً أن دوافعه من إصدار هذا القانون كانت نبيلة وإنسانية في جوهرها:

أن يسود العدل في البلد، ويُقضى على الشر والظلم، وكي لا يضطهد القوي الضعيف.
— حمورابي، مقدمة شريعة حمورابي، نحو 1754 ق.م

وتعد شريعة حمورابي، وإن كانت قد سبقتها تشريعات أقدم منها في بلاد الرافدين كشريعة أور نمو وشريعة لبت عشتار، النموذج القانوني الأكثر اكتمالًا وبلاغةً وتنظيمًا في التاريخ القانوني للعالم القديم كله، وتحمل المحكمة العليا الأمريكية نقش حمورابي على رخامها ضمن المشرّعين التاريخيين الذين يصطفون على الحائط الجنوبي لقاعتها الكبرى، شهادةً استثنائية على الأثر الحضاري البعيد المدى لهذا الملك البابلي الذي عاش قبل نحو أربعة آلاف سنة
[4].

الانهيار والإمبراطوريات المتعاقبة على بابل

شهدت بلاد بابل في أعقاب وفاة حمورابي عام 1750 قبل الميلاد تراجعًا تدريجيًا ملحوظًا في النفوذ والقوة، إذ تولى بعده خمسة ملوك متعاقبون حاولوا الحفاظ على ما أنجزه، إلا أن البلاد تعرضت لثورات وفتن ولا سيما في المدن الجنوبية، حتى سقطت بابل عام 1595 قبل الميلاد في يد الحيثيين القادمين من الأناضول الذين نهبوها وانسحبوا منها بعد ذلك سريعًا
[2].
استغلت جماعات جبلية تُعرف بالكاشيين الفراغ السياسي الذي خلّفه الغزو الحيثي، فأسست سلالة حاكمة في بابل دامت أكثر من أربعة قرون متواصلة، وكانت الكاشيين أقلية حاكمة في مواجهة الغالبية البابلية السومرية والأكدية، فطغت عليهم الحضارة المحلية واندمجوا فيها فاتخذوا لغة البلاد وثقافتها ودينها، ولم يخلفوا سوى أسماء ملوكهم وبعض المفردات الكاشية المترجمة إلى الأكدية دليلًا على هويتهم المنفصلة
[5].
وبعد زوال الكاشيين بيد العيلاميين، الذين نهبوا بابل ونقلوا كنوزها بما فيها مسلة حمورابي الشهيرة، أعاد زعماء مدينة إيسن استقلال البلاد وأسسوا سلالة إيسن الثانية، كان أشهر ملوكها نبوخذ نصر الأول الذي حارب العيلاميين ودمّر مدينة سوسة وأعاد مسلة حمورابي إلى بابل. ثم جاءت مرحلة السيطرة الآشورية الطويلة على بلاد الرافدين التي استمرت في تعاملها مع بابل بحذر ديني خاص، إذ كانت تضمها دون تدميرها خشية من إغضاب الآلهة باقتحام معابدها المقدسة
[1].

الإمبراطورية البابلية الثانية ونبوخذ نصر الثاني

في عام 625 قبل الميلاد، أعلن القائد العسكري البارز نبوبولاسر استقلاله عن الحكم الآشوري وتأسيسه الإمبراطورية البابلية الثانية، وعقد من أجل ذلك تحالفًا استراتيجيًا مع الميديين في الشرق وتزوّج ابنه حفيدة الملك الميدي، فجمع قوتيهما في تحالف حاصر به نينوى عاصمة الإمبراطورية الآشورية المترامية وأسقطها عام 612 قبل الميلاد بعد حصار استمر ثلاثة أشهر، وهو ما يُعد من أكثر الأحداث تحويلًا في تاريخ الشرق الأدنى القديم
[1].
وبعد وفاة نبوبولاسر عام 605 قبل الميلاد، ورث عرشه نجله نبوخذ نصر الثاني الذي كان قد أثبت كفاءته العسكرية الاستثنائية قبل ذلك بشهرين فقط حين حقق انتصارًا حاسمًا على الجيوش المصرية والآشورية المتحالفة في معركة كركميش الشهيرة، فاستكمل تحرير بلاد الشام وفلسطين من النفوذ المصري ووصلت جيوشه حتى حدود مصر عند غزة
[7].
وحكم نبوخذ نصر الثاني ثلاثة وأربعين عامًا متواصلة أظهر فيها إمكانيات متميزة تجمع بين رجل الدولة المدير والقائد العسكري والباني الحضاري في آنٍ واحد، ففتح القدس مرتين وسبى اليهود إلى بابل وأنهى حكم سلالة داود على مملكة يهوذا، وحاصر مدينة صور لثلاثة عشر عامًا كاملة في واحدة من أطول الحصارات في تاريخ العالم القديم، وبالتوازي مع هذه الفتوحات انصرف إلى تجميل عاصمته بابل بمشاريع عمرانية هائلة جعلتها إحدى أروع مدن العالم القديم بلا منازع
[8].

بابل في عهد نبوخذ نصر: المدينة الأسطورية

صبّ نبوخذ نصر الثاني كل ما وفّرته له فتوحاته العسكرية الواسعة من ثروات لتحويل بابل إلى مدينة لا تشبهها مدينة في العالم القديم؛ فبنى حول المدينة سورين ضخمين ومتداخلين، أحدهما داخلي والآخر خارجي، كان عرضهما الهائل يُتيح للعربات السير فوقهما جنبًا إلى جنب، وزيّن مدخلها الشمالي الرئيسي ببوابة عشتار الشهيرة التي شيّدها عام 575 قبل الميلاد تقريبًا، وهي بوابة فخمة مكرسة للإلهة عشتار تتميز بطوب مزجج بالأزرق والأصفر تزينه رسومات الثيران رموزًا للإله هدد والتنانين رموزًا للإله مردوخ
[7].
وبعد أن دمر نبوخذ نصر القدس استكمل الاطمئنان إلى نفوذه الإقليمي، أنشأ داخل المدينة الجنائن المعلقة الأسطورية الشهيرة التي تُعد واحدة من عجائب الدنيا السبع القديمة، وتبلغ 328 قدمًا في ارتفاعها، ويُقال إنه أنشأها إرضاءً لزوجته الميدية أميتيس التي كانت تشتاق إلى تلال وطنها الخضراء في فارس وتكره المسطحات المنبسطة الجرداء لبابل، فأقام لها تراسات وحدائق شاهقة تحاكي بيئتها الأصلية المفتقدة
[9].
وتحول بوابة عشتار المرممة اليوم المعروضة في متحف برلين إلى أحد أيقونات الفن المعماري في العالم القديم، وقد نقش نبوخذ نصر على جدرانها معلنًا:

أنا نبوخذنصر بانيها.
— نبوخذ نصر الثاني، نقش على جدار بوابة عشتار، نحو 575 ق.م

الإنجازات العلمية

تجاوزت إسهامات الحضارة البابلية في مجال العلوم والمعرفة حدود حقبتها الزمنية لتؤثر في الحضارة الإنسانية جمعاء تأثيرًا لا يزال صداه حاضرًا حتى يومنا هذا؛ فالنظام العددي الستيني الذي طوّره البابليون، والذي قسّم الدائرة إلى ثلاثمائة وستين درجة والساعة إلى ستين دقيقة والدقيقة إلى ستين ثانية، لا يزال هو النظام الوحيد المعتمد عالميًا لقياس الزمن والزوايا في الرياضيات والهندسة، ويُعد أبرز إرث رياضي بقي حيًا من حضارة الرافدين حتى اليوم
[10].
وفي مجال الفلك، أنشأ البابليون مراصد هرمية ضخمة عالية المآذن عرفت بالزقورات، رصد منها علماؤهم حركات الكواكب الظاهرة للعين المجردة وحركات القمر والشمس، وراكموا سجلات فلكية دقيقة جدًا استمرت لقرون طويلة مهّدت للتنبؤ بالكسوف والخسوف بدقة ملحوظة. وكانوا يعلمون أن السنة الشمسية 365 يومًا، وطوّروا تقويمًا قمريًا شمسيًا مهّد لكثير من التقويمات لاحقة في المنطقة
[11].
وفي الرياضيات، عُثر على آلاف الرقم والألواح التي تضم أعدادًا رُتّبت بطرق مختلفة وعمليات جمع وطرح ومسائل حسابية تتعلق بالعمارة والزراعة والسقي، وكانت تحوي تمارين رياضية وبعضها بمستوى رياضي متقدم يشمل حل المعادلات التربيعية، فيما احتوت شريعة حمورابي وحدها على سبع مواد متعلقة بعمليات جراحية، مما يكشف عن مستوى طبي ملحوظ في ذلك العصر
[12].

سقوط بابل وانتهاء الحضارة

بعد وفاة نبوخذ نصر الثاني عام 562 قبل الميلاد، دخلت الإمبراطورية البابلية الثانية في مرحلة تدهور متسارعة أفضت إلى نهايتها الحتمية في غضون أقل من ربع قرن فقط؛ إذ ضعفت السلطة المركزية بسبب الصراعات الداخلية على العرش وتعاقب ملوك غير أكفاء، قبل أن يتولى الحكم الملك نابونيد الذي استغرب الكهنة البابليون تصرفاته إذ أهمل عبادة الإله مردوخ رب مدينة بابل وانحاز إلى عبادة الإله القمري “سين”، بل ترك عاصمته لسنوات طويلة ليقيم في واحة تيماء في شمال الجزيرة العربية، تاركًا حكم بابل الفعلي لنجله بلشاصر، الذي أسهم غيابه بدوره في تعميق الشعور الشعبي بالإهمال والتبرم من نظام حكم بعيد عن همومهم
[13].
في هذه الأثناء، كان كورش الكبير ملك فارس يصعد بسرعة مذهلة في السلطة الإقليمية، فبعد أن هزم الميديين وأخضع الأناضول ومعظم الشرق الأدنى لنفوذه، شن عام 539 قبل الميلاد حملته على بابل، ففي معركة أوبيس شمال المدينة ألحق بالجيش البابلي بقيادة بلشاصر هزيمة نكراء، قبل أن يدخل مدينة بابل بعدها بأيام قليلة في دخول وصفه لاحقًا بالسلمي بدعوى أن الإله مردوخ نفسه قد فتح له أبوابها، مستغلًا استياء الكهنة البابليين من سياسات نابونيد الدينية واستقبالهم المرحّب لحكمه الجديد
[11].
وأصبحت بابل بذلك جزءًا من الإمبراطورية الأخمينية الفارسية الصاعدة، وإن ظلت تحتفظ بأهميتها الاقتصادية والحضارية لقرون عدة لاحقة في ظل الحكم الفارسي ثم الهلنستي السلوقي، حتى تفككت تدريجيًا وضعفت كمركز حضاري فاعل في القرون التي أعقبت غزو الإسكندر الأكبر المقدوني لها عام 330 قبل الميلاد، الذي طمح في جعلها عاصمة إمبراطوريته لكنه مات قبل أن ينجز ذلك
[2].

الإرث الحضاري

خلّفت الحضارة البابلية إرثًا حضاريًا عميقًا وواسع الأثر في تاريخ الإنسانية؛ فشريعة حمورابي وضعت أُسس الفكر القانوني المكتوب والمنظم في التاريخ الإنساني، وأثّرت بشكل واضح في التشريعات السامية اللاحقة التي يرى بعض الباحثين أوجه تشابه كبيرة بينها وبين قوانين التوراة العبرية. والنظام الرياضي الستيني البابلي ظل حيًا بصورة لا تزال تنظّم حياتنا اليومية كل لحظة وأينما كنا. وفي الأدب والأسطورة، خلّف البابليون ملحمة جلجامش التي تُعد أقدم ملحمة أدبية مكتوبة في تاريخ البشرية، وتحتوي على قصة طوفان مشابهة لما ورد في الكتب الدينية اللاحقة. وقد انتهى بهاء مدينة بابل المادي وزالت معالمها الكبرى في عصور التاريخ اللاحقة، إذ تبيّن للعلماء أن المدينة المدفونة اليوم تحت منسوب المياه الجوفية في المنطقة قد تحلّلت أرشيفاتها الطينية، إلا أن ألواحها المسمارية المكتشفة في مواقع أثرية متعددة لا تزال تكشف يومًا بعد يوم لمحات جديدة عن هذه الحضارة العريقة التي أضاءت فجر تاريخ القانون والعلم الإنساني
[4].

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
أبرز علماء المسلمين عبر التاريخ
قادة الفكر والحضارة الإسلامية
الاتحاد السوفيتي
أضخم تجربة اشتراكية في التاريخ
الإبادة الجماعية في كمبوديا
مجازر الخمير الحمر ١٩٧٥–١٩٧٩
اتفاقيات جنيف
ميثاق الإنسانية في زمن الحرب
الإمبراطورية البارثية
أعتى خصوم روما في الشرق
إبادة البوسنة والهرسك
جريمة إبادة في قلب أوروبا
🔍