الحملة الصليبية السابعة هي حملة عسكرية أوروبية كبرى شنّها الملك الفرنسي لويس التاسع على مصر بين عامي 1248 و1250، في محاولة استراتيجية لانتزاع السيطرة على مصر بصفتها بوابة العبور الأساسية نحو استعادة بيت المقدس، إلا أنها انتهت بكارثة عسكرية شاملة وأسر الملك الفرنسي نفسه على يد القوات المصرية
[1].
انطلقت الحملة من قناعة راسخة لدى لويس التاسع، الذي رأى أن مصر تشكل “مفتاح” الوصول الحقيقي إلى القدس، عقب هزيمة الصليبيين السابقة في معركة لافوربي التي فقدوا فيها سيطرتهم على المدينة المقدسة، فجهّز على مدار ثلاث سنوات حملة ضخمة ضمت نحو ثمانين ألف مقاتل على متن أسطول هائل من قرابة ألف وثمانمائة سفينة، وحظيت باهتمام ملكي استثنائي تجلى في تجهيزها بأفضل فرسان فرنسا وعتادها
[2].
وقد حققت الحملة نجاحًا أوليًا سريعًا تمثل في احتلال مدينة دمياط الساحلية دون مقاومة تُذكر، بالتزامن مع تدهور صحة السلطان الأيوبي الصالح نجم الدين أيوب ثم وفاته، إلا أن إصرار لويس على التقدم جنوبًا نحو القاهرة قاده إلى كارثة عسكرية مزدوجة في معركتي المنصورة وفارسكور، انتهت بإبادة الطليعة الفرنسية وأسر الملك نفسه مع قادته العسكريين، في واحدة من أكبر الإذلالات التي تعرض لها ملك أوروبي في العصور الوسطى، وأنهت هذه الحملة عمليًا آخر محاولة صليبية كبرى جادة لغزو مصر، ومهّدت الطريق مباشرة لصعود دولة المماليك الجديدة التي ورثت السلطة من الأيوبيين عقب هذا الانتصار التاريخي.
| معلومات عامة | |
| الاسم الرسمي | الحملة الصليبية السابعة |
| التاريخ | 25 أغسطس 1248 (الانطلاق من مرسيليا) – 7 مايو 1250 (مغادرة لويس مصر) |
| الموقع | دمياط، المنصورة، فارسكور (مصر)؛ قبرص (نقطة تجمع) |
| السبب المباشر | سعي لويس التاسع لاحتلال مصر تمهيدًا لاستعادة بيت المقدس بعد هزيمة لافوربي الصليبية |
| النتيجة | هزيمة صليبية ساحقة؛ أسر الملك لويس التاسع؛ تسليم دمياط ودفع فدية ضخمة؛ صعود دولة المماليك في مصر |
| الأطراف المتحاربة | |
| الطرف الأول | مملكة فرنسا، بدعم من فرسان عكا وطرابلس وأنطاكية الصليبية |
| الطرف الثاني | الدولة الأيوبية، ثم المماليك بعد وفاة السلطان |
| القادة | |
| القيادة الفرنسية الصليبية | الملك لويس التاسع؛ روبرت دو ارتوا (شقيقه، قُتل في المنصورة)؛ ألفونس دو بواتييه (شقيقه) |
| القيادة المصرية | السلطان الصالح نجم الدين أيوب؛ شجر الدر؛ توران شاه؛ فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ؛ الأمير ركن الدين بيبرس (لاحقًا الظاهر بيبرس) |
| القوى العسكرية | |
| القوات الصليبية | نحو 50,000–80,000 مقاتل على متن نحو 1,800 سفينة |
| المراحل الفاصلة | |
| احتلال دمياط | 6 يونيو 1249 |
| معركة المنصورة | 11 فبراير 1250 |
| معركة فارسكور وأسر لويس | 6 أبريل 1250 |
الخلفية والأسباب
جاءت الحملة الصليبية السابعة في أعقاب هزيمة صليبية مريرة في معركة لافوربي بفلسطين، التي فقد بموجبها الصليبيون سيطرتهم مجددًا على بيت المقدس، فقرر لويس التاسع شن حملة عسكرية طموحة لاستعادتها، واضعًا في خطته الزحف أولًا نحو مصر واحتلالها قبل النزول إلى بيت المقدس نفسه، إذ كان مقتنعًا أن مصر، بثرواتها الزراعية وموقعها الاستراتيجي، تمثل العقبة الكبرى الحقيقية أمام أي مشروع صليبي ناجح لاستعادة الأراضي المقدسة بشكل دائم
[3].
وقد حاول لويس التاسع قبل انطلاق حملته الاستعانة بخاقان التتار الذي كان قد اجتاح حينها أطراف العالم الإسلامي الشرقية، آملًا في تنسيق هجوم مشترك من جهتين متباعدتين، إلا أن هذه المحاولة الدبلوماسية باءت بالفشل، فأصرّ لويس مع ذلك على المضي قدمًا في حملته بمفرده
[4].
وفي اللافت أن الإمبراطور الألماني فريدريك الثاني، الذي كان في صراع سياسي حاد مع البابوية، بعث رسالة إلى السلطان الصالح أيوب يخبره فيها مسبقًا بإبحار لويس التاسع لغزو مصر، في خطوة منحت السلطان الأيوبي فرصة ثمينة للاستعداد المبكر وتحصين دمياط بالأسلحة والمؤن والجنود
[1].
انطلاق الحملة واحتلال دمياط
اكتملت استعدادات الحملة الضخمة في الخامس والعشرين من أغسطس 1248، فانطلقت الجيوش من ميناء مرسيليا الفرنسي متجهة إلى جزيرة قبرص، حيث مكثت القوات أشهرًا عدة لإعادة التنظيم وتأمين الإمدادات واستقبال التعزيزات الوافدة من مختلف أنحاء أوروبا، إضافة إلى مقاتلين قدموا من الإمارات الصليبية القائمة في عكا وطرابلس وأنطاكية
[2].
وفي مايو 1249، أبحر لويس على متن سفينته الملكية المسماة “لو مونتجوي” نحو مصر، وانضمت إليه سفن حملته من ميناء ليماسول القبرصي، فيما أرسل قبل وصوله رسالة إلى السلطان الصالح أيوب يطالبه فيها صراحة بالاستسلام، فردّ عليه السلطان برسالة تحذير واضحة من مغبة مهاجمته لمصر
[1].
وفي فجر السبت الخامس من يونيو 1249، نزلت قوات الحملة، التي بلغ تعدادها نحو خمسين ألف مقاتل، على بر دمياط، فنشب قتال عنيف بين الجانبين انتهى بتراجع المسلمين، حيث ظن أتابك الجيش فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ خطأ أن السلطان قد توفي بالفعل، فانسحب من المدينة، ودخلها الصليبيون بسهولة لافتة دون أي مقاومة جدية تُذكر، مستولين على كل ما كانت تحويه من سلاح ومؤن، وحوّلوا جامعها الرئيسي إلى كاتدرائية ونصبوا عليها أسقفًا
[3].
وفاة السلطان الصالح وكتمان الخبر
صادف وصول الحملة الصليبية تدهورًا حادًا في صحة السلطان الصالح نجم الدين أيوب الذي كان يعاني من مرض السل وقد طعن في السن، فتوفي في نوفمبر 1249 أثناء فترة احتلال الصليبيين لدمياط مباشرة، في توقيت بالغ الحساسية والخطورة بالنسبة للجبهة المصرية المنهكة أصلًا
[4].
وفي خطوة سياسية وعسكرية بالغة الدهاء، أخفت زوجته شجر الدر نبأ وفاته بشكل كامل عن الجيش المصري المتمركز في المنصورة تحسبًا لأي انهيار في الروح المعنوية وسط مواجهة عسكرية حاسمة كانت وشيكة، واستمرت تدير شؤون الدولة سرًا حتى استدعت ابنه توران شاه من حصن كيفا لتولي مقاليد الحكم رسميًا
[5].
الزحف نحو المنصورة
في الرابع والعشرين من أكتوبر 1249، وصل إلى دمياط من فرنسا ألفونس دو بواتييه، الشقيق الثالث للملك لويس، ومعه إمدادات وقوات عسكرية إضافية، الأمر الذي عزز معنويات الصليبيين ودفعهم للتفكير في خطوتهم التالية، إما التوجه نحو الإسكندرية أو نحو القاهرة مباشرة
[1].
واختار لويس التاسع التوجه نحو القاهرة بناءً على نصيحة شقيقه روبرت دو ارتوا الذي قال له مقولته الشهيرة:
إذا أردت قتل الأفعى فاضربها على رأسها.
— روبرت دو ارتوا، نصيحة لشقيقه الملك لويس التاسع، 1249
وفي العشرين من نوفمبر 1249، بعد نحو ستة أشهر من احتلال دمياط، خرج الصليبيون من المدينة برًا، تواكبهم سفنهم على طول مجرى النيل، وبعد عدة اشتباكات متفرقة مع القوات المصرية، وصلوا في الحادي والعشرين من ديسمبر إلى ضفة بحر أشموم، المعروف اليوم بالبحر الصغير، الذي فصل بينهم وبين الجيش المصري المتمركز في المنصورة
[1].
وفي الخامس من فبراير 1250، أرسل لويس التاسع شقيقه الكونت روبرت دو ارتوا مع فرقة فرسان لعبور القناة بهدف فتح طريق للجيش الرئيسي نحو المنصورة، وبالفعل نجحت هذه الفرقة المتقدمة في العبور، إلا أن المفاجأة كانت بالمرصاد لها؛ إذ اشتبكت فرقة من المماليك بقيادة الأمير ركن الدين بيبرس، الذي عُرف لاحقًا بالسلطان الظاهر بيبرس، مع هذه الطليعة الفرنسية وأبادتها بالكامل تقريبًا، فلم ينجُ من هذا الاشتباك سوى نحو ثلاثين جنديًا فقط، فيما قُتل الكونت روبرت دو ارتوا نفسه ورجاله جميعًا
[5].
معركة المنصورة
في الحادي عشر من فبراير 1250، دخل لويس التاسع مدينة المنصورة آملًا أن يجد شقيقه قد أنجز مهمته بالكامل ويسلمه مفاتيح المدينة، إلا أنه فوجئ بهجوم مباغت من الجيش المملوكي بقيادة الأمير ركن الدين بيبرس، الذي انقض على الجيش الفرنسي المتقدم في معركة دامية اضطرت لويس في نهاية المطاف إلى الانسحاب
[5].
وعقب هذه الهزيمة الموجعة، استخدم المصريون تكتيكًا قتاليًا حاسمًا كان قد أثبت فعاليته من قبل خلال الحملة الصليبية الخامسة، إذ نقلوا قوارب حربية صغيرة مفككة على ظهور الجمال، ثم أعادوا تركيبها ووضعوها في مياه النيل خلف القوات الصليبية المتقدمة، فحاصروا الجيش الصليبي بأكمله في مصيدة محكمة وهو يعاني من الجوع والمرض وشدة الخوف
[1].
وفي محاولة أخيرة لإيجاد مخرج، عرض لويس على المصريين تسليم مدينة دمياط مقابل الحصول على بيت المقدس وأجزاء من ساحل الشام، وهو العرض ذاته الذي كان السلطان الصالح أيوب قد طرحه على لويس قبل وفاته، إلا أن المصريين رفضوا هذا العرض هذه المرة، مدركين تمامًا الموقف العسكري الحرج الذي بات يحاصر الجيش الصليبي بالكامل
[1].
معركة فارسكور وأسر لويس التاسع
في الخامس من أبريل 1250، وفي ظلام الليل، بدأت القوات الصليبية المنهكة محاولة هروب يائسة عائدة إلى دمياط، إلا أن الجيش المصري بقيادة السلطان الجديد توران شاه لاحقها بسرعة، والتقى بها مجددًا قرب مدينة فارسكور القريبة من دمياط، في أوائل محرم سنة 648 هجرية، أي بعد أقل من شهرين فقط من معركة المنصورة الكبرى، فيما تولى زمام الموقف الميداني الفعلي كل من الأمير فارس الدين أقطاي والأمير ركن الدين بيبرس
[4].
وقد ساهم سكان مدينة دمياط أنفسهم، الذين انتقلوا إلى المنصورة بعد احتلال الصليبيين لمدينتهم بدافع الجهاد، وهم مسلحون بأدوات قتالية متواضعة، في مساعدة الجيش النظامي على حصار الصليبيين المنهارين، في مشهد بطولي شعبي بارز ساهم في حسم المعركة
[3].
وانتهت معركة فارسكور بإبادة كاملة تقريبًا للجيش الصليبي بين قتيل وأسير، فيما وقع الملك لويس التاسع نفسه في الأسر مكبلًا بالأغلال، وحُمل إلى المنصورة وسُجن في دار القاضي فخر الدين إبراهيم بن لقمان، المعروفة باسم دار ابن لقمان، في السادس من أبريل 1250، وهي واقعة وُصفت لاحقًا بأنها واحدة من أعظم انتصارات الإسلام العسكرية في تلك الحقبة
[4].
الإفراج عن لويس التاسع ونهاية الحملة
بعد أسره بأيام قليلة، فُتحت أبواب المفاوضات بين الجانبين للإفراج عن الملك الفرنسي، واتُفق في نهاية المطاف على أن يسلم لويس مدينة دمياط فدية مباشرة عن نفسه، إلى جانب دفع مبلغ مالي ضخم قُدّر بأربعمائة ألف دينار، فضلًا عن إطلاق سراح كل الأسرى المسلمين الذين كانوا في حوزة الصليبيين، والتعهد الرسمي بعدم العودة إلى مصر مرة أخرى مطلقًا
[3].
وقد غادر لويس التاسع مصر نهائيًا في السابع من مايو 1250، بعد أن قضى نحو شهر كامل في الأسر، متجهًا إلى عكا حيث مكث سنوات إضافية في الشرق قبل أن يعود أخيرًا إلى فرنسا، تاركًا وراءه حملة فاشلة كلّفت بلاده خسائر بشرية ومالية فادحة دون تحقيق أي من أهدافها المعلنة
[2].
نتائج الحملة وتداعياتها
شكّلت هزيمة الحملة الصليبية السابعة نقطة تحول تاريخية محورية في مصر نفسها، إذ مهّدت الانتصارات العسكرية التي حققها قادة المماليك، وعلى رأسهم الأمير ركن الدين بيبرس، الطريق المباشر أمام انهيار الحكم الأيوبي وصعود دولة المماليك الجديدة التي حكمت مصر والشام للقرون التالية، وأصبح بيبرس نفسه لاحقًا سلطانًا بارزًا تحت لقب الظاهر بيبرس، واصل مسيرة طرد الصليبيين من الشام بشكل ممنهج
[6].
وعلى المستوى الأوروبي الأوسع، لم تتعلم أوروبا اللاتينية الدرس المباشر من هذه الكارثة العسكرية المتكررة، إذ كانت قد سبق لها أن وقعت في الأخطاء الاستراتيجية ذاتها خلال الحملة الصليبية الخامسة قبل ذلك بأقل من ثلاثين عامًا، حين استقرت قواتها في دمياط ثم تقدمت جنوبًا نحو المنصورة لتلقى المصير المأساوي نفسه تقريبًا
[7].
ورغم هذه الهزيمة الفادحة، فإن أوروبا لم تحشد حملة صليبية كبرى جديدة موجهة مباشرة نحو شرق البحر المتوسط لفترة طويلة لاحقة، رغم بقاء بعض الإمارات الصليبية الهزيلة في موانئ فلسطين والشام لعقود إضافية، إلى أن قضى عليها نهائيًا وبشكل كامل السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون وأسلافه، الذين أنهوا الوجود الصليبي في المشرق العربي بأسره بسقوط عكا عام 1291
[7].
ولم يرتدع لويس التاسع شخصيًا من هذه الهزيمة المريرة، إذ نظم لاحقًا حملة صليبية ثامنة وأخيرة توجهت هذه المرة نحو تونس عام 1270، إلا أنه توفي بالطاعون قبل أن يحقق أي تقدم يُذكر فيها، لتُختتم بذلك مسيرته الصليبية الطويلة بفشلين متتاليين كبيرين.