الجذور الأيديولوجية: نشأة تنظيم القاعدة وصعود بن لادن

لا تُفهم هجمات سبتمبر في سياقها الحقيقي دون استيعاب المسار الطويل الذي أفرز تنظيم القاعدة وجذوره الأيديولوجية الممتدة في أعماق حقبة الحرب الباردة. ففي أواخر السبعينيات من القرن الماضي، أبدى الاتحاد السوفيتي طموحاً في توسيع نفوذه إلى أفغانستان عبر الغزو الذي بدأ ديسمبر 1979م. وفي مواجهة ذلك الغزو، دعمت الولايات المتحدة وباكستان والمملكة العربية السعودية وعدد من الدول العربية شبكة مقاتلين مسلمين من أنحاء العالم الإسلامي توجّهوا إلى أفغانستان للجهاد ضد القوات السوفيتية. كان من بين هؤلاء أسامة بن لادن (1957-2011م)، نجل أسرة بن لادن اليمنية الأصل الثرية في المملكة العربية السعودية، الذي أسّس في تلك الفترة شبكته اللوجستية لدعم المجاهدين التي كانت بذرة ما سيُسمَّى لاحقاً بـ”القاعدة”[6].

مع انسحاب السوفيت من أفغانستان عام 1989م وانهيارهم التالي، وجد المجاهدون العرب المعودون أنفسهم في فراغ استراتيجي. وانتقل بن لادن إلى السودان حيث أقام بين 1991-1996م وأسّس هناك بنيته التنظيمية الأوسع. في عام 1990م، دفعه نشر القوات الأمريكية في شبه الجزيرة العربية إثر حرب الخليج الأولى إلى تبنّي خطاب عدائي متصاعد تجاه الولايات المتحدة، التي باتت في أيديولوجيته تمثّل “العدو البعيد” الداعم للحكومات “المرتدة” في العالم الإسلامي. أعاد بن لادن صياغة رؤيته الجهادية في فتوى عام 1996م ثم في بيان آخر عام 1998م يدعو إلى قتل الأمريكيين والمدنيين الغربيين في كل مكان[7]. وكان من أبرز المحطات التي مهّدت لأحداث سبتمبر: تفجيرات السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا في أغسطس 1998م اللتين راح ضحيتهما 224 شخصاً، وهجوم المدمّرة “كول” في ميناء عدن باليمن في أكتوبر 2000م.

أمّا خالد شيخ محمد، المهندس التشغيلي الفعلي لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، فكان قد اقترح أصلاً على بن لادن عام 1996م خطةً لاستخدام طائرات مختطفة لضرب أهداف أمريكية، وإن كان بن لادن رفض صيغتها الأولى الطموحة لكنه أقرّ نسخةً أبسط وأكثر عملية. وقد التقى خالد شيخ محمد ببن لادن في معسكرات تورا بورا في أفغانستان عام 1996م مقترحاً عليه فكرة تدريب طيارين على قيادة طائرات مدنية لاستخدامها ضربات انتحارية داخل الأراضي الأمريكية[8]. وُلدت من رحم تلك اللقاءات عملية باتت تُعرف لاحقاً بالعملية الأكثر تعقيداً وتعاوناً في تاريخ الهجمات الإرهابية حتى ذلك التاريخ.

التخطيط الدقيق: من المحيط الهادئ إلى مانهاتن

تميّزت عملية الحادي عشر من سبتمبر بمستوى استثنائي من التنسيق العابر للحدود الذي امتدت فصوله على مدى سنوات. جمعت الخيوط الجوهرية للمؤامرة بين مناطق مختلفة من العالم: الاجتماعات في ماليزيا، والتخطيط في هامبورغ الألمانية، والتدريب على الطيران في الولايات المتحدة، وتحويلات الأموال من دبي، وقيادة العملية من أفغانستان[9].

كانت “خلية هامبورغ” من أبرز الركائز التشغيلية للعملية؛ فقد التقى أربعة من القادة الميدانيين الرئيسيين في هامبورغ الألمانية صدفةً في أواخر التسعينيات؛ من بينهم محمد عطا المصري الذي سيصبح قائد العملية الميداني الأول، ومروان الشحي الإماراتي، وزياد جراح اللبناني، وهاني حنجور السعودي. كان هؤلاء طلاباً يمضون وقت فراغهم في مسجد القدس في هامبورغ، وتدريجياً استُقطبوا إلى الأيديولوجيا الجهادية واستجابوا لنداء الجهاد في أفغانستان. توجّهوا إلى أفغانستان عام 1999م حيث التقوا ببن لادن واختيروا لتنفيذ العملية[10].

في يناير 2000م، عُقد في كوالالمبور اجتماع مجموعة من الخاطفين الذين ستتحول رحلتهم بعدها مباشرة إلى الأراضي الأمريكية. كان المختطفون من الدول التالية: خمسة عشر منهم سعوديو الجنسية، واثنان إماراتيان، وواحد مصري، وواحد لبناني. استقروا في مدن أمريكية مختلفة ومنها سان دييغو وفينيكس وديلاس، وبدؤوا التسجيل في مدارس الطيران التجاري للتدرب فعلياً على قيادة الطائرات الضخمة. وقد سجّل محمد عطا وعدد من زملائه في أكاديميات طيران متعددة يتعلمون فيها الإقلاع والطيران، دون الاهتمام كثيراً بتعلّم الهبوط، وهو ما لفت انتباه بعض المدرّبين لكنه لم يُبلَّغ للسلطات بصورة فاعلة[11]. جرى تحويل أموال العملية عبر شبكات غير رسمية من دبي وألمانيا بتكلفة إجمالية تُقدَّر بـ400,000 إلى 500,000 دولار فقط، وهي تكلفة هزيلة بالنظر إلى حجم الدمار الذي أحدثه التنفيذ.

خريطة الخاطفين التسعة عشر: من هم؟

تشكّلت مجموعة الخاطفين التسعة عشر من طيف متنوع الخلفيات الاجتماعية والتعليمية والجغرافية، وإن جمعتهم قناعة أيديولوجية ثابتة بمشروعية الجهاد ضد الولايات المتحدة. انقسموا إلى أربع مجموعات توافقت كل منها مع طائرة واحدة. كان محمد عطا (1968-2001م)، المصري المولد الحاصل على درجة الدكتوراه في هندسة عمران المدن من جامعة هامبورغ، الشخصية القيادية الأبرز والمنسّق العام للعملية. أما هاني حنجور السعودي فكان الطيار الذي قاد الطائرة إلى البنتاغون، وهو من الخاطفين القلائل الذين يمتلكون رخصة طيران حقيقية. وكان من بين الخاطفين أشخاص درسوا في جامعات غربية وعاشوا في بيئات علمانية، مما يُعقّد النماذج التحليلية المُبسَّطة التي تربط الإرهاب بالفقر والتخلف الحضاري[12].

يوم الهجمات: التسلسل الزمني دقيقةً دقيقة

في ذلك الصباح الأزرق الصافي من أيام الخريف المبكر، كانت المطارات الأمريكية تعمل باعتيادية مألوفة. توزّع الخاطفون في طوابير تسجيل الركاب محملين ببطاقات صعود معتادة، ولم تكن المعايير الأمنية في مطارات بوسطن ونيوارك وواشنطن آنذاك بالصرامة الكافية لكشف مخططهم.

الرحلة أمريكان إيرلاينز 11 (AA11): أقلعت من مطار بوسطن متجهةً إلى لوس أنجلوس على متنها 92 شخصاً بين ركاب وطاقم إضافة إلى خمسة خاطفين. اختطفها الخاطفون في الثامنة وأربع عشرة دقيقة صباحاً وحوّلوا مسارها. في الثامنة والست والأربعين دقيقة صباحاً اخترقت الطائرة الجانب الشمالي من البرج الشمالي لمركز التجارة العالمي بين الطابقَيْن الرابع والتسعين والتاسع والتسعين مُولِّدةً كرة نار هائلة. قُتل الجميع على متنها فوراً وأُشعلت حرائق مدمّرة في عشرات الطوابير العليا[13].

الرحلة يونايتد إيرلاينز 175 (UA175): أقلعت هي الأخرى من بوسطن متجهةً إلى لوس أنجلوس على متنها 65 شخصاً وخمسة خاطفين. اختُطفت في الثامنة وإحدى وأربعين دقيقة. كانت محطات التلفزيون قد نقلت كاميراتها إلى مشهد الدخان المتصاعد من البرج الشمالي حين ظهرت فجأة الطائرة الثانية في الأفق واندفعت نحو الجانب الجنوبي من البرج الجنوبي في الثالثة دقائق ودقيقة واحدة بعد التاسعة صباحاً. حينئذٍ، أدرك العالم بأسره أنه أمام هجوم متعمد لا حادثة طيران عرضية. تصوّرت كاميرات عشرات المراسلين والمصوّرين الذين كانوا مسبقاً يوجّهون عدساتهم نحو البرج الشمالي لحظة الاصطدام الثانية، فجاءت الصور الأكثر توثيقاً في تاريخ الإرهاب المصوّر[14].

الرحلة أمريكان إيرلاينز 77 (AA77): أقلعت من مطار دالاس في واشنطن متجهةً إلى لوس أنجلوس على متنها 64 شخصاً وخمسة خاطفين. اختُطفت في الثامنة وإحدى وخمسين دقيقة فوق جنوب أوهايو حين أوقف الخاطف الطيار هاني حنجور جهاز الترددات وأعاد توجيه الطائرة. طارت في حلقة كبيرة فوق المنطقة، ثم انقضّت بسرعة هائلة عند مستوى منخفض جداً في السابعة والثلاثين دقيقة وسبع وعشرين ثانية بعد التاسعة صباحاً على الجانب الغربي من مبنى البنتاغون الضخم، مُشعلةً حرائق ضخمة وهادمةً جزءاً من مبناه الشهير بتصميمه الخماسي[15].

الرحلة يونايتد إيرلاينز 93 (UA93): أقلعت من مطار نيوارك في نيوجيرسي متجهةً إلى سان فرانسيسكو على متنها 44 شخصاً وأربعة خاطفين. تأخّر إقلاعها عن موعدها بسبب ازدحام المطار، وهو تأخر ستتضح أهميته لاحقاً. اختُطفت الطائرة في الساعة الثامنة والإحدى والأربعين دقيقة فوق أوهايو. في السابعة والخمسين دقيقة من الساعة التاسعة، علم الركاب عبر مكالمات هواتفهم المحمولة وهواتف المقصورة بما حدث للطائرات الأخرى. في الساعة التاسعة وسبع وخمسين دقيقة، أعلن الراكب تود بيمر وآخرون عزمهم على استعادة الطائرة، وسُمع صوته يقول عبر الهاتف “Let’s roll” (هيا بنا) قبل أن يُغلق الخط. بدأ الركاب انتفاضتهم المحورية وكسروا باب قمرة القيادة؛ فحوّل الخاطفون الطائرة نحو الأرض وارتطمت في حقل شانكسفيل في بنسلفانيا في الثالثة دقائق وثلاث دقائق وثلاثة أجزاء من الدقيقة بعد العاشرة صباحاً، محوّلين مسارها عن هدفها المقصود الذي رجّحت التحقيقات كونه مبنى الكابيتول أو البيت الأبيض[16].

انهيار الأبراج: الكارثة الهندسية والبشرية

شكّل انهيار برجَيْ مركز التجارة العالمي الحدث الأكثر مأساويةً في ذلك اليوم. كان البرجان اللذان صمّمهما المهندس الأمريكي-الياباني ميناور يَامَاساكي وافتُتحا رسمياً بين عامَيْ 1972 و1973م، يحتلان المرتبتَيْن الأولى والثانية بين أطول مبانٍ في العالم حين اكتمل بناؤهما، وكان ارتفاع كل منهما يبلغ 110 طوابق. صُمِّم البرجان لتحمّل رياح تتجاوز 200 كيلومتر في الساعة وحرائق كبيرة متعارفاً عليها، لكن المهندس لم يتصوّر قط أن يُصطدم بطائرة تحمل في خزاناتها عشرات الأطنان من وقود الطيران[17].

أشعل الوقود السائل المتفجّر من رحلة UA175 حرائق بالغة الشدة في الطوابير العليا للبرج الجنوبي، وكذلك رحلة AA11 في البرج الشمالي. بلغت درجات حرارة الحريق ما بين 800 و900 درجة مئوية، وهي درجات كافية لإضعاف الهياكل الصلبة الداخلية للطوابير العليا وتليين الصلب المعدني دون أن تُصهره كاملاً. تحت ثقل الطوابير العليا الفوقية لم تعد الأعمدة المُضعَفة قادرة على الصمود، فبدأ الانهيار التدريجي الكارثي المعروف بـ”الانهيار البانكيكي” (Progressive Collapse)؛ أي أن كل طابق يسقط يضاعف الثقل على الطابق الذي يليه بسرعة متصاعدة. انهار البرج الجنوبي أولاً في التاسعة وتسع وخمسين دقيقة صباحاً، أي بعد نحو ست وخمسين دقيقة فقط من اصطدام الطائرة به. وانهار البرج الشمالي في الثامنة والعشرين دقيقة بعد العاشرة صباحاً، أي بعد مئة دقيقة وثلاث دقائق من اصطدام الطائرة الأولى به[18]. أثار الانهيار سحباً ضخمة من الغبار والدخان اجتاحت الأحياء المجاورة وغطّت أحياء بأكملها في سحابة كثيفة من بقايا الخرسانة والأليف الزجاجي والمواد الكيميائية السامة.

من الناحية البشرية، كانت المأساة في بلوغها أقصاها؛ إذ كانت الطوابير العليا من البرجَيْن معبأةً بالعاملين في مكاتبها في ذلك الصباح. لقي 2,753 شخصاً حتفهم في مركز التجارة العالمي ومحيطه، بمن فيهم 343 رجل إطفاء من إدارة إطفاء نيويورك كانوا يصعدون إلى الداخل في حين يهرب الناس إلى الخارج. تحوّلت تلك اللحظة إلى أسطورة شهادة التضحية في الوجدان الأمريكي. وفي الساعة الخامسة وإحدى وعشرين دقيقة مساءً، انهار المبنى السابع من مجمع مركز التجارة أيضاً جراء حرائق مستعرة فيه تسبّبت بها الأنقاض المتساقطة من البرجَيْن[19].

أنا لا أعرف كيف أصف ما يحدث. إنه مشهد لا يمكن وصفه. هذا ليس حريقاً في الطابق الثالث والعشرين، هذا… هذا كارثة.
— أحد مراسلي CNN في نيويورك، صباح 11 سبتمبر 2001م

ردود الفعل الأمريكية الفورية: من الصدمة إلى إعلان الحرب

كان الرئيس جورج دبليو بوش حين وقعت الهجمات يزور مدرسة ابتدائية في ساراسوتا بولاية فلوريدا، وتصوّرت كاميرات البث المباشر اللحظة التي همس فيها أحد مستشاريه في أذنه بخبر الهجوم وهو جالس مع تلاميذ يستمع إلى قصة، فيما ارتسم على وجهه خليط من الذهول والتعقل. عاد بوش إلى واشنطن بعد جولة بالطائرة الرئاسية في أجواء محصّنة وأعلن في مساء ذلك اليوم من مكتبه في البيت الأبيض أن الولايات المتحدة ستعمل على الثأر من منفذي تلك الجرائم ومن آوى إليه[20].

في الثاني عشر من سبتمبر، حضر مجلس الأمن الدولي جلسة استثنائية وأصدر قراره رقم 1368 الذي أدان الهجمات وأعلن دعمه للإجراءات التي ستتخذها الولايات المتحدة دفاعاً عن نفسها. وللمرة الأولى في تاريخها، استنفر حلف الناتو المادة الخامسة من ميثاقه (التي تُعدّ هجوماً على دولة عضو هجوماً على الحلف بأكمله) ساعياً للدفاع الجماعي. أقرّ الكونغرس الأمريكي في الثامن عشر من سبتمبر “قانون تفويض استخدام القوة العسكرية” (AUMF)، الذي أعطى الرئيس صلاحية شبه مفتوحة لشنّ عمليات عسكرية ضد الجهات المسؤولة عن الهجمات. في التاسع عشر من سبتمبر، أعلن الرئيس بوش في خطابه التاريخي أمام الكونغرس “الحرب على الإرهاب”، معلناً أن أمريكا ستطارد القاعدة وطالبان في أفغانستان وأينما وُجدوا[21].

الفشل الاستخباراتي: ما الذي كان يُمكن معرفته؟

كشف التحقيق الذي أجرته “لجنة الحادي عشر من سبتمبر” (9/11 Commission) التي أسّسها الكونغرس عام 2002م وأصدرت تقريرها عام 2004م، عن أنماط من الإخفاق المؤسسي الممنهج في جهاز الاستخبارات والأمن الأمريكي. خلص التقرير إلى أن الإخفاق لم يكن في انعدام المعلومات، بل في غياب القدرة على تجميعها وتحليلها والتصرف وفقها[22].

من أبرز تلك الإخفاقات: أن وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) كانت على علم بوجود اثنين من الخاطفين (نواف الحازمي وخالد المحضار) في الأراضي الأمريكية منذ يناير 2000م لكنها لم تُبلّغ مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)؛ وأن وكيلاً في FBI في مينيابوليس كتب مذكرة تُحذّر من “زاكاريا موسوي” (الذي اعتُقل في أغسطس 2001م للاشتباه بتدريبه على الطيران بطريقة مثيرة للريبة) لكن طلبه بالتفتيش على حاسوبه رُفض. وأن تقرير وكيل الـFBI فينيكس الشهير في يوليو 2001م نبّه بأن شبان مسلمين يتدربون في مدارس طيران أمريكية قد يكون لذلك صلة بعمليات إرهابية، لكن التقرير لم يُوزَّع بالشكل الملائم. وأن تقريراً استخباراتياً قُدِّم للرئيس بوش في السادس من أغسطس 2001م حمل عنوان “بن لادن عازم على الضرب داخل الأمريكتَيْن” غير أنه تعرّض لانتقادات بكونه مجرد تقرير تحليلي تاريخي لم يُترجَم إلى تحذير عملياتي فعلي. خلصت اللجنة إلى أن أكبر إخفاق كان “إخفاق في الخيال”؛ أي عجز الأجهزة عن تصوّر أن يُستخدم خاطفون طائراتٍ مدنية أسلحةً مُوجَّهة انتحارية[23].

حرب أفغانستان: الحرب الأطول في التاريخ الأمريكي

Collage of the War in Afghanistan (2001-2021).png
Collage of the War in Afghanistan (2001-2021).png — CC BY-SA 3.0

 في السابع من أكتوبر 2001م، شنّ التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الحرب على أفغانستان التي كانت تُؤوي تنظيم القاعدة في ظل حكم طالبان. رفض زعماء طالبان تسليم بن لادن رغم الإنذارات الأمريكية المتكررة، فكانت الحرب لا مناص منها في المنطق الأمريكي آنذاك. سقطت كابل بسرعة وتفككت قوات طالبان في غضون أسابيع قليلة، وأُعلن انتصار عسكري سريع. غير أن بن لادن ومعظم قيادة القاعدة أفلتوا من حصار تورا بورا في ديسمبر 2001م متوغّلين إلى المناطق القبلية الباكستانية[24].

تحوّلت الحرب في الأفغانستان إلى مستنقع عسكري لعشرين عاماً متواصلة؛ إذ أعاد طالبان تنظيم صفوفه وشنّ حرب عصابات استنزافية. وظل الأمريكيون والحلفاء يقاتلون في بلد جبلي شاسع دون نهاية واضحة، حتى أعلن الرئيس بايدن الانسحاب النهائي في أغسطس 2021م في مشهد سريع ومذل أعاد طالبان إلى كابل خلال أيام. كانت الحرب قد ابتلعت تريليونات الدولارات وأودت بحياة آلاف الجنود الأمريكيين وعشرات الآلاف من المدنيين الأفغان، ولم تُنجز سوى جزء من أهدافها المُعلنة[25].

حرب العراق 2003م: التداعية غير المباشرة

Iraq War montage.png
Iraq War montage.png — CC BY-SA 3.0

 في مارس 2003م، شنّت الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى غزواً على العراق بحجج تُربطه بامتلاك أسلحة دمار شامل وبادعاءات ارتباطه بالإرهاب. ومع أن لجنة الحادي عشر من سبتمبر خلصت لاحقاً إلى عدم وجود “أي دليل موثوق على وجود علاقة تعاون تشغيلية” بين صدام حسين والقاعدة، إلا أن استطلاعات الرأي آنذاك كشفت أن غالبية الأمريكيين كانوا يعتقدون بوجود صلة مباشرة بين العراق وهجمات سبتمبر، وهو ما يُعزى إلى توظيف سياسي مدروس لأجواء ما بعد الحادي عشر من سبتمبر[26]. أسقط الغزو نظام صدام حسين في أسابيع، لكنه فتح باب فوضى لم يُغلق؛ انزلق العراق إلى عنف طائفي ضار، وولد في أتون تلك الفوضى تنظيم “داعش” الذي ملأ الفراغ الأمني وراح يُهدد ليس العراق وسوريا فحسب بل الأمن الدولي برمّته. وصف المؤرخون غزو العراق بأنه “الحرب بسبب تهديد لا وجود له”، وترك آثاراً جيوسياسية مدمّرة في المنطقة لا تزال تتفاعل.

قانون باتريوت وإعادة تشكيل الأمن الداخلي الأمريكي

في أعقاب الهجمات مباشرةً، سنّ الكونغرس الأمريكي جملةً من التشريعات التي أعادت رسم معالم الأمن الداخلي والحريات المدنية. كان أبرزها “قانون باتريوت” (USA PATRIOT Act) الذي أُقرّ في أكتوبر 2001م بأغلبية ساحقة، وهو قانون بالغ الاتساع أجاز للسلطات التنصت على المراسلات الإلكترونية والهاتفية بأوامر قضائية موسّعة، وتتبّع النشاط المالي، واعتقال المشتبه بهم في أحكام الهجرة دون توجيه اتهامات علنية. أنشأت الإدارة الأمريكية كذلك وزارة “الأمن الداخلي” (DHS) الجديدة التي جمعت تحت سقف واحد 22 وكالة فيدرالية مختلفة. تحولت إجراءات الأمن في المطارات تحولاً جذرياً، وأُسّست إدارة أمن النقل (TSA) التي وضعت معايير تفتيش مشدّدة تضمّ خلع الأحذية وتفتيش الحقائب بالأشعة واختبار المواد السائلة[27].

أثارت تلك التحولات جدلاً حقوقياً محتدماً؛ إذ رأى كثير من خبراء القانون الدستوري أن “قانون باتريوت” ينتهك ضمانات التعديل الدستوري الرابع المتعلق بحماية الخصوصية. وحين كشف المُبلِّغ إدوارد سنودن عام 2013م عن برامج التجسس الشاملة التي تُديرها وكالة الأمن القومي (NSA) والتي اعتمدت على التفسيرات الموسّعة للتفويضات القانونية الصادرة بعد سبتمبر، اندلع نقاش دولي واسع حول حدود المراقبة الحكومية وتبعاتها على الحرية الفردية. ومن أبرز التبعات الأخرى، فتح معسكر غوانتانامو في كوبا كمرفق احتجاز “للمقاتلين غير الشرعيين” المحتجزين خارج الإطار القانوني للقانون الأمريكي ومعاهدات جنيف، وهو ما استجلب انتقادات دولية حادة دامت عقوداً.

التأثيرات الاقتصادية: الخسارة التي لا تنتهي بانتهاء الهجمات

لم تقتصر تبعات الهجمات على خسائرها المباشرة البالغة في تقديرات ديوان المحاسبة العام الأمريكي (GAO) نحو 60 مليار دولار لأضرار موقع مركز التجارة وحده، بل امتدت لتُلقي بثقلها على الاقتصاد الأمريكي والعالمي لفترة طويلة. أغلقت البورصة الأمريكية أبوابها بين الحادي عشر والسابع عشر من سبتمبر وحين فُتحت مجدداً انهار مؤشر داو جونز بما يعادل 684 نقطة أي 7.1 بالمئة في يوم واحد في أكبر خسارة يومية في تاريخه حينذاك. أودت الهجمات بقرابة 143,000 وظيفة شهرياً في نيويورك وحدها خلال الأشهر الثلاثة التالية، وأفقدت العمال ما يزيد على 2.8 مليار دولار من الأجور[28]. على صعيد أوسع، كلّفت الحروب التي أشعلتها هجمات سبتمبر في أفغانستان والعراق خزينة الولايات المتحدة ما يزيد على ستة تريليونات دولار وفق تقديرات مشروع التكاليف البشرية للحرب في جامعة براون الأمريكية، وهي تكلفة ذهبت في معظمها لتغذية مديونية عامة متراكمة لن تتوقف تبعاتها الاقتصادية.

ضحايا الإهمال: المرض اللاحق وإرث الصحة العامة

يحمل الحادي عشر من سبتمبر بُعداً إنسانياً ثالثاً كثيراً ما يغيب عن الروايات السريعة: ضحايا الأمراض التي أصابت عمال الإنقاذ والسكان المقيمين في محيط مركز التجارة. فقد أحدث انهيار البرجَيْن سحابة سميكة من الغبار والألياف الزجاجية والمواد الكيميائية السامة والأسبستوس والبنزين والديوكسينات أُستنشقت من قِبل آلاف من رجال الإطفاء وعمال الإنقاذ والسكان المحليين على مدى أسابيع من عمليات البحث والمعالجة. بحلول عام 2018م، أُشير إلى أن أكثر من عشرة آلاف شخص أُصيبوا بأمراض سرطانية مرتبطة بتعرّضهم للغبار السام في موقع الحادثة. وبحلول عام 2023م، تجاوز عدد الوفيات المرتبطة بالأمراض الناجمة عن الهجمات 5,700 شخص، متجاوزاً بذلك العدد الإجمالي لمن لقوا حتفهم في الهجمات نفسها[29]. وقد مرّ برنامج التعويض الفيدرالي “صندوق ضحايا سبتمبر” بمراحل عدة من الإغلاق وإعادة الفتح ولا يزال يتلقى طلبات جديدة.

مقتل بن لادن: نهاية الفصل الأول

North face south tower after plane strike 9-11.jpg
North face south tower after plane strike 9-11.jpg — CC BY-SA 2.0

GIs in Kandahar watch President Obama announce the killing of Osama bin Laden.jpg
GIs in Kandahar watch President Obama announce the killing of Osama bin Laden.jpg — Public domain

 في الثاني من مايو 2011م، وبعد عقد كامل من الهجمات، نفّذت قوات كوماندوز من وحدة البحرية الأمريكية الخاصة “سيل” عملية سرية في أبوت آباد الباكستانية باغتيال أسامة بن لادن في المنزل الذي كان يقطنه. أُعلن نبأ مقتله على الهواء مباشرةً من قِبل الرئيس أوباما في خطاب خاص، فاحتشد الأمريكيون في الشوارع احتفالاً. دُفن جثمان بن لادن في البحر وفق ما أعلنته السلطات الأمريكية لمنع قبره من أن يتحوّل إلى مزار. كان بن لادن قد أمضى سنواته الأخيرة في ذلك المنزل المحصّن بالقرب من الأكاديمية العسكرية الباكستانية في وضع خلافي أثار تساؤلات واسعة حول مدى تواطؤ الاستخبارات الباكستانية في إخفائه[30].

الإرث الحضاري والذاكرة الجمعية

خلّفت هجمات سبتمبر إرثاً ثقافياً وفنياً وسياسياً بالغ الاتساع في المجتمع الأمريكي والعالمي. تحوّل الموقع الذي كانت عليه البرجان إلى ما يُعرف بـ”الأرض الصفراء” (Ground Zero) ثم إلى أهم معلم تذكاري في الولايات المتحدة؛ “نصب الحادي عشر من سبتمبر التذكاري” الذي افتُتح عام 2011م ويتألف من بركتَيْن مائيتَيْن ضخمتَيْن حُفرتا في المكان الذي قام فيه البرجان، ينهمر فيهما الماء إلى حفرة مركزية مُحاطة بأسماء الضحايا المنقوشة في الرخام. وبجانب النصب أُسّس متحف وطني يضم وثائق وصور وشهادات وبقايا أثرية من الكارثة. والمبنى الجديد “برج الحرية” (One World Trade Center) الذي اكتمل عام 2014م يرتفع إلى 541 متراً وهو أطول مبنى في الأمريكتَيْن، ويُجسّد رمزياً مفهوم التجديد والصمود الأمريكي[31].

على صعيد الأثر الاجتماعي والنفسي، وثّقت الدراسات النفسية والاجتماعية موجات من الصدمة النفسية الجماعية التي انتشرت خصوصاً بين سكان منطقة نيويورك، وتزايداً ملموساً في حالات اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). وفي المقابل، أُشير إلى ارتفاع مؤقت في مشاعر الوحدة الوطنية والتضامن الاجتماعي بين الأمريكيين في الأسابيع التالية. بيد أن الوجه الآخر لذلك التضامن كان صعوداً حاداً في حوادث التمييز العنصري والعداء للمسلمين والعرب في الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية؛ إذ تعرّض آلاف من المسلمين والعرب والسيخ (بسبب الغاء لباسهم التقليدي الذي خُلط بينه وبين الشكل النمطي للمسلم) لاعتداءات ومضايقات وتمييز في التوظيف والسكن والتعامل اليومي[32].

قراءة نقدية: أسئلة لا تزال مطروحة

رغم ضخامة ما أُنجز من تحقيقات وما تراكم من وثائق وما صدر من أحكام قضائية (لا يزال خالد شيخ محمد وآخرون معتقلين في غوانتانامو ينتظرون محاكمات عسكرية متعثرة)، تظل جوانب من أحداث سبتمبر موضع جدل بحثي مشروع أو أسئلة معلّقة. فمسألة تمويل الهجمات وما إذا كان هناك تدخّل رسمي سعودي ظلت في دائرة الغموض حتى أُفرج عن وثائق مكتب التحقيقات الفيدرالي المحجوبة تدريجياً منذ عام 2021م وما زال الإفراج عنها جارياً، وأشارت بعضها إلى اتصالات بين موظفي حكومة سعودية وعدد من الخاطفين. كما أثار انهيار المبنى السابع من مركز التجارة (دون أن تصطدم به أي طائرة) جدلاً هندسياً استمر سنوات قبل أن تُرسي تقارير المعهد الوطني للمعايير والتقنية (NIST) خلاصتها بأن الحرائق الناجمة عن الأنقاض هي المسبّب الفعلي[33].

وعلى صعيد السياسات، يرى كثير من المحللين والمؤرخين أن الردود الأمريكية على هجمات سبتمبر في مجملها جاءت أكثر تكلفةً وأقل فاعليةً مما كانت ينبغي؛ إذ إن إنفاق عشرات التريليونات على الحروب الخارجية مع قصور واضح في معالجة الأسباب الجذرية لتطرف الأفراد، بدلاً من الاستثمار في الدبلوماسية والتنمية والحوار الأيديولوجي، أبقى العالم في حالة نزاع ولم يُجفّف منابع التطرف كما كان مُأمَّلاً[34]. ويذهب عدد من الباحثين إلى أن خطاب “الحرب على الإرهاب” بوصفه إطاراً عسكرياً لمواجهة ظاهرة سياسية-اجتماعية-أيديولوجية معقدة كان في حد ذاته قاصراً كاختزال للمشكلة، وأن الإفراط العسكري ضاعف مظالم العالم الإسلامي بدلاً من تقليصها.

خاتمة: الندبة التي لا تُمحى

أسدل الحادي عشر من سبتمبر الستار على وهم الحصانة الجغرافية الأمريكية الذي استمر قروناً؛ فلأول مرة منذ الحرب الأهلية، أحسّ الأمريكيون أن الحرب لم تعد شيئاً يحدث خارج حدودهم فحسب. وفي العالم الأوسع، كشفت الهجمات أن ظاهرة الإرهاب العابر للحدود لا تُحارَب بالمدافع والصواريخ وحدها، وأن الأيديولوجيا التي تُفجّر الأجساد البشرية في الأبراج والحافلات والأسواق تحتاج إلى مواجهة من نوع أعمق وأبطأ وأكثر تعقيداً. وبعد ربع قرن، لا يزال سؤال الإرهاب وجذوره وعلاجاته ومستقبله يسكن مراكز البحث والعواصم السياسية والنقاشات الأكاديمية، شاهداً على أن ما جرى في ذلك الصباح الأزرق الصافي من سبتمبر 2001م لم يكن حدثاً انتهى بانتهاء دخانه ورماده، بل كان بداية فصل لا يزال في سياقه[35].