اتفاقية أوسلو — أو بتسميتها الرسمية “إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي” — هي سلسلة من الاتفاقيات التاريخية المبرمة بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة إسرائيل بين عامَي 1993 و1995، وتمثّل أول اعتراف متبادل رسمي بين الطرفين وأول إطار قانوني دولي لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الممتد. نبعت الاتفاقية من مفاوضات سرية بالغة الخصوصية جرت في عمق الريف النرويجي بعيداً عن الأضواء والبروتوكولات الرسمية، أشرف عليها دبلوماسيون نرويجيون بارعون في رعاية الحوار بين الأعداء. وفي الثالث عشر من سبتمبر 1993، توّجت هذه المفاوضات بمشهد صار من أيقونات الدبلوماسية في القرن العشرين: مصافحة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين على أعتاب البيت الأبيض في واشنطن، حيث وقف بينهما الرئيس الأمريكي بيل كلينتون يحتضنهما في إيماءة احتفالية خُيِّل للعالم لحظتها أنها تُسدل الستار على عقود من الدم والمواجهة. أقرّت الاتفاقية بحق الشعب الفلسطيني في الحكم الذاتي في أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة، وأسّست السلطة الفلسطينية كياناً إدارياً حاكماً، غير أنها أرجأت القضايا الجوهرية الكبرى — القدس واللاجئون والحدود النهائية والمستوطنات — إلى مرحلة مفاوضات لاحقة لم تبلغ ختامها حتى اليوم. وقد مُنح رابين وعرفات وشمعون بيريز جائزة نوبل للسلام عام 1994 تقديراً لهذا الإنجاز، قبل أن يُغتال رابين عام 1995 على يد متطرف إسرائيلي رافض للاتفاقية، وقبل أن تنهار المفاوضات في قمة كامب ديفيد عام 2000 وتشتعل الانتفاضة الثانية، لتدخل قضية السلام الفلسطيني الإسرائيلي نفقاً مظلماً لا يبدو في أفقه بصيص نهاية حتى اليوم.
| اتفاقية أوسلو (أوسلو I وأوسلو II) | |
|---|---|
| معلومات عامة | |
| التسمية الرسمية (أوسلو I) | إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي (DOP) |
| التسمية الرسمية (أوسلو II) | الاتفاقية الانتقالية الإسرائيلية-الفلسطينية حول الضفة الغربية وقطاع غزة |
| تاريخ توقيع أوسلو I | 13 سبتمبر 1993 — البيت الأبيض، واشنطن العاصمة |
| تاريخ توقيع أوسلو II | 28 سبتمبر 1995 — طابا (مصر) / البيت الأبيض (الرسمي) |
| موقع المفاوضات السرية | النرويج (بورتسغروند ـ أوسلو) · ديسمبر 1992 – أغسطس 1993 |
| الأطراف والموقِّعون | |
| الطرف الإسرائيلي | إسحاق رابين (رئيس الوزراء) · شمعون بيريز (وزير الخارجية) · أوري سافير (مدير عام الخارجية) |
| الطرف الفلسطيني | ياسر عرفات (رئيس م.ت.ف) · محمود عباس (أبو مازن) · أحمد قريع (أبو علاء) |
| الراعي الدبلوماسي | النرويج: تيرييه رود لارسن ومونا يول |
| الراعي الرسمي للتوقيع | الولايات المتحدة: بيل كلينتون — ووارن كريستوفر |
| الشاهد الأممي | الأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي |
| أبرز بنود أوسلو I | |
| الاعتراف المتبادل | إسرائيل تعترف بمنظمة التحرير ممثلاً للشعب الفلسطيني · م.ت.ف تعترف بإسرائيل وتتخلى عن العنف |
| المرحلة الانتقالية | 5 سنوات من الحكم الذاتي الانتقالي |
| تأسيس السلطة الفلسطينية | هيئة حاكمة منتخبة تُدير الضفة الغربية وغزة |
| القضايا المُؤجَّلة | القدس · اللاجئون · الحدود النهائية · المستوطنات |
| تقسيمات أوسلو II للضفة الغربية | |
| المنطقة أ | سيطرة مدنية وأمنية كاملة للسلطة (~18٪ من الضفة) [1] |
| المنطقة ب | سيطرة مدنية فلسطينية وأمنية مشتركة (~22٪ من الضفة) |
| المنطقة ج | سيطرة إسرائيلية كاملة (~60٪ من الضفة — المستوطنات والمناطق الريفية) |
| الجوائز والمصير | |
| جائزة نوبل للسلام | رابين وعرفات وبيريز — عام 1994 [2] |
| اغتيال رابين | 4 نوفمبر 1995 — تل أبيب على يد يغآل عمير |
| انهيار قمة كامب ديفيد | يوليو 2000 — دون اتفاق نهائي |
| الانتفاضة الثانية | سبتمبر 2000 — انهيار مسيرة السلام |
السياق التاريخي: الصراع الفلسطيني الإسرائيلي قبيل أوسلو
لا يمكن استيعاب الدلالة التاريخية لاتفاقية أوسلو دون استحضار طبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي سبقها وأفرز ضرورتها. فمنذ النكبة عام 1948 التي رافقت إعلان قيام دولة إسرائيل وأسفرت عن تشريد ما يزيد على 700,000 فلسطيني من ديارهم، وهذا الصراع يتراكم طبقةً فوق طبقة من الجراح والمظالم والحروب والانتكاسات، مُعلَّقاً بلا حل في أروقة الأمم المتحدة وعلى مسارح القتال. وقد منحت حرب عام 1967 إسرائيل سيطرة عسكرية على الضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان، وباتت هذه الأراضي المحتلة مركز الثقل في أي تسوية محتملة.
أفرزت اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر سلاماً مصرياً إسرائيلياً، غير أنها عجزت عن الوصول إلى حل للقضية الفلسطينية. وكانت منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات قد تبنّت النضال المسلح منهجاً رئيسياً منذ تأسيسها، وكانت إسرائيل تُصنّفها منظمةً إرهابية وترفض أي حوار أو اعتراف بها. وقد انطلقت الانتفاضة الأولى في ديسمبر 1987، وكانت انتفاضة شعبية عفوية اندلعت في الأراضي المحتلة، أذهلت العالم بصورها وحجم تضحياتها، وأعادت تسليط الضوء الدولي على المسألة الفلسطينية. وفي هذا المناخ المشتعل، دعت الولايات المتحدة إلى مفاوضات مدريد عام 1991 التي جمعت للمرة الأولى وجوهاً إسرائيلية وفلسطينية وعربية حول طاولة واحدة علنية، غير أن تلك المحادثات كانت مثقلة بالبروتوكول والبيروقراطية وعدم الثقة، فجاءت نتائجها خاليةً من أي اختراق حقيقي[3].
في عام 1992، فاز إسحاق رابين بالانتخابات الإسرائيلية على رأس حزب العمل، مُحيلاً حكومة ليكود اليمينية بقيادة إسحاق شامير إلى المعارضة. كان رابين جنرالاً عتيداً قاد قوات إسرائيل في حرب الأيام الستة عام 1967، ويمتلك رصيداً أمنياً لا يُطعن فيه، غير أنه كان يحمل قناعة متزايدة بأن الهيمنة العسكرية وحدها لن تجلب الأمن لإسرائيل، وأن التسوية السياسية باتت أمراً لا مناص منه. وكان يرى أن الوقت يعمل ضد إسرائيل ديموغرافياً، وأن الاحتلال المتمادي يستنزف مواردها ويُوهن صورتها الدولية. من هذه القناعات المتبلورة بدأت المسيرة التي ستقود إلى أوسلو.
المفاوضات السرية: الدبلوماسية في الكواليس النرويجية
ما يميّز اتفاقية أوسلو تمييزاً جوهرياً عن سائر الاتفاقيات الدولية الكبرى هو أنها وُلدت في قنوات غير رسمية وبعيداً عن الأضواء والبروتوكولات الرسمية في مسار أُطلق عليه اصطلاح “الدبلوماسية من المسار الثاني” (Track II Diplomacy). كان تيرييه رود لارسن، المدير التنفيذي لمعهد فافو النرويجي للأبحاث الاجتماعية التطبيقية، قد أجرى دراسة ميدانية عن أحوال الفلسطينيين في الأراضي المحتلة في مطلع التسعينيات، وخلال عمله هذا نسج علاقات وثيقة مع مسؤولين فلسطينيين وإسرائيليين. وفي أبريل 1992، اقترح رود لارسن على مسؤول إسرائيلي أن تضطلع النرويج بدور الوساطة السرية بين الطرفين، فوجد صدى متحفظاً في البداية[4].
في سبتمبر من العام ذاته، توجّه ستيت سكريتير نرويجي يدعى يان إيغلاند إلى اجتماع سري في تل أبيب لعرض المساعدة رسمياً، فأبدت مجموعة صغيرة من الإسرائيليين المحيطين بوزير الخارجية الناشط شيمون بيريز اهتماماً حذراً. وعلى الجانب الفلسطيني، كانت منظمة التحرير تشغل مقرها في تونس في المنفى، مُثقَلةً بأزمة مالية خانقة وتراجع في الثقل السياسي، ومحدودية الحضور الشعبي في الضفة وغزة التي كانت الانتفاضة فيها تنحسر. وكانت قيادة منظمة التحرير تدرك أن نفوذها يتآكل يوماً بعد يوم لصالح حركة حماس الناشئة في الأراضي المحتلة، وأنها إن لم تُبادر إلى الانخراط في مسيرة السلام فستجد نفسها خارج دائرة القرار[5].
في ديسمبر 1992، انطلقت أولى الجلسات السرية في النرويج بين أكاديمي إسرائيلي غير رسمي هو البروفيسور يائير هيرشفيلد والمفاوض الفلسطيني أحمد قريع (أبو علاء) المقرّب من عرفات. وعلى مدى أربعة أشهر بين ديسمبر 1992 وأبريل 1993، عُقدت أربع عشرة جلسة سرية تناوبت بين لندن والنرويج، وكانت تجري في أجواء غير رسمية شبيهة باللقاءات الأكاديمية، بعيداً عن المبنى الحكومي ووقار الدبلوماسية الرسمية، مما أتاح للمفاوضين هامشاً غير مسبوق للصراحة والمرونة. وكانت زوجة رود لارسن مونا يول، الدبلوماسية في الخارجية النرويجية، تُنسّق الخدمات اللوجستية وتحمل تقارير سرية دورية إلى وزير الخارجية النرويجي يوهان يورغن هولست[6].
في أبريل 1993، حين اطّلع رابين على تقارير عن تلك الاتصالات غير الرسمية وما أسفرت عنه من إطار أولي واعد، قرّر الانتقال إلى مستوى أعلى من خلال الجهات الرسمية. فأوفد مدير عام وزارة الخارجية أوري سافير لاستئناف المفاوضات بصلاحيات أكثر وثقلاً سياسياً، واستمرت الجلسات السرية في عقارات نرويجية بعيدة عن المدن، حيث كانت الوجبات المشتركة والنقاشات الليلية المطوّلة تُكسّر الجليد وتبني جسراً من الثقة الإنسانية بين مفاوضين من عالمين متعاديين. وحين سألت الصحافة لاحقاً رود لارسن عن سر نجاح هذا المنهج غير التقليدي، أجاب بجملته الشهيرة: “لا تصنع السلام مع أصدقائك على العشاء. أنت تصنع السلام مع من ينسف حافلاتك ويقتل مواطنيك”[7].
في أغسطس 1993، اكتمل إطار الاتفاقية في صيغته الأولية بعد أكثر من عشرين جولة سرية. وأبلغ الأمريكيون بالأمر عشية التوقيع الرسمي فحسب، في ما بدا تحايلاً واضحاً على دورهم في عملية مدريد الجارية رسمياً. وقد شعر وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر بشيء من الإحراج، لكن الإدارة الأمريكية أسرعت إلى احتضان الاتفاق وإضفاء الطابع الاحتفالي عليه بتنظيم حفل توقيع مهيب في البيت الأبيض.
الثالث عشر من سبتمبر ١٩٩٣: اللحظة والمصافحة
في الثالث عشر من سبتمبر 1993، توافد على حديقة البيت الأبيض في واشنطن العاصمة نحو ثلاثة آلاف ضيف من بينهم وزراء خارجية وسفراء وناشطون وصحفيون ومدعوون من مختلف أنحاء العالم، في حين تابع ملايين المشاهدين حول الكرة الأرضية المراسم على شاشات التلفزيون مباشرةً. ووقف الرئيس بيل كلينتون في وسط الحديقة المشمسة، بدت عليه ملامح الانبساط والفخر، وعن يمينه إسحاق رابين الذي كان ملامحه تكشف عن ثقل اللحظة أكثر مما تُعلن عن البهجة، وعن يساره ياسر عرفات بكوفيته الفلسطينية المميزة وابتسامة واسعة تخفي وراءها حسابات معقدة.
وقّع محمود عباس (أبو مازن) بالنيابة عن منظمة التحرير الفلسطينية على إعلان المبادئ، ووقّع وزير الخارجية شيمون بيريز بالنيابة عن إسرائيل، في حين شهد رابين وعرفات وكلينتون على الوثيقة. ثم جاء المشهد الذي لم يكن أحد يجزم بأنه سيحدث حتى اللحظة الأخيرة: مدّ عرفات يده نحو رابين. وقفت اللحظة للحظة ثقيلة كالصمت، ثم مدّ رابين يده هو الآخر في مصافحة صارت أيقونة بصرية للقرن العشرين. ويروي شهود العيان أن كلينتون احتضنهما معاً في إشارة دافئة وعفوية. وبعد المصافحة، قال رابين في كلمته التاريخية:
“نقول لكم اليوم بصوت عالٍ وواضح: يكفي من الدماء والدموع. يكفي. نحن لا نؤمن بالانتقام، ولا بالحرب المستمرة دون نهاية. نحن، مثلكم تماماً، شعب يريد البناء وأن يكون له مستقبل، ويريد من أبنائه أن يحلموا وحيث أمكن أن يُحقّقوا أحلامهم.”
— إسحاق رابين، كلمته في حفل توقيع اتفاقية أوسلو، واشنطن العاصمة، 13 سبتمبر 1993[8]
وردّ عرفات قائلاً إن اتفاقية أوسلو “توفر فرصة للتعايش والسلام العادل والدائم بين الشعبين العربي الفلسطيني والإسرائيلي”. وكشف كلينتون عن أن إدارته ستستثمر كل طاقتها لمساعدة الجانبين في تطبيق الاتفاق. وكان الحضور يعلم أن ما وُقِّع في ذلك اليوم ليس معاهدة سلام نهائية بل إطاراً انتقالياً يُفترض أن يقود إليها — لكن أحداً لم يكن يتوقع أن تلك الطريق بالغة الوعورة ستؤدي في نهايتها إلى طريق مسدود.
بنود أوسلو الأولى: الاعتراف المتبادل وإطار الحكم الذاتي
تضمّنت اتفاقية أوسلو الأولى (إعلان المبادئ) حزمةً من الالتزامات الجوهرية المتبادلة. فعلى صعيد الاعتراف المتبادل، وجّه عرفات ورابين قبيل التوقيع رسائل رسمية متبادلة تاريخية: أعلنت فيها منظمة التحرير الفلسطينية اعترافها بحق دولة إسرائيل في الوجود والأمن، وتخلّيها عن العنف والإرهاب بوصفهما أدواتٍ للنضال، والتزامها بتعديل بنود الميثاق الوطني الداعية إلى القضاء على إسرائيل. وفي المقابل، اعترفت إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، وأعلنت استعدادها للتفاوض معها[9].
على الصعيد السياسي والإداري، نصّت الاتفاقية على إنشاء سلطة فلسطينية انتقالية تحكم الضفة الغربية وقطاع غزة خلال مرحلة انتقالية لا تتجاوز خمس سنوات، تتولى فيها صلاحيات إدارية وأمنية محدودة، يُفترض أن تتوّج بمفاوضات الوضع النهائي حول القضايا العالقة الكبرى. ونصّت على انتخاب مجلس تشريعي فلسطيني في غضون تسعة أشهر، وعلى الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من مناطق قطاع غزة ومدينة أريحا كمرحلة أولى. وأُسّست شرطة فلسطينية بصلاحيات محددة لحفظ الأمن في المناطق المُحوَّلة[10]. وكانت القضايا الأكثر حساسية — وضع القدس، وحق عودة اللاجئين، ومستقبل المستوطنات الإسرائيلية، والحدود النهائية للدولة الفلسطينية — قد أُجِّلت صراحةً إلى مرحلة التفاوض على الوضع النهائي.
وقد كان لهذا التأجيل المتعمد للقضايا الجوهرية وجهان متعارضان في التفسير: فمن منظور الدبلوماسيين الداعمين لأوسلو، كان تأجيل القضايا الأصعب ضرورةً تكتيكية تُتيح بناء الثقة تدريجياً قبل مواجهة العقبات الكبرى. ومن منظور المنتقدين — وخاصة من الجانب الفلسطيني — كان هذا التأجيل خطأً استراتيجياً أتاح لإسرائيل الاستمرار في توسيع مستوطناتها في الأراضي المُزمَع التفاوض على مصيرها، مما يُقوّض المفاوضات المستقبلية قبل أن تبدأ.
اتفاقية غزة وأريحا (أوسلو 1.5) وقمة القاهرة ١٩٩٤
أحسّ المفاوضون أن إعلان المبادئ وحده لا يكفي لتحريك العجلة على الأرض، فاستؤنفت المفاوضات للوصول إلى ترتيبات تنفيذية أكثر تفصيلاً. وفي الرابع من مايو 1994، وُقِّعت في القاهرة اتفاقية غزة وأريحا أولاً التي حدّدت الآليات التفصيلية لانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة وأريحا ونقل الصلاحيات إلى السلطة الفلسطينية. عادت ياسر عرفات إلى غزة في يوليو 1994 لأول مرة منذ 27 عاماً قضاها في المنفى، في مشهد احتفالي مهيب استقبله فيه الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني. وفي الشهر ذاته، أبرم الملك حسين ورابين إعلان واشنطن الذي مهّد للسلام الأردني الإسرائيلي المُوقَّع في أكتوبر 1994. وقد بدت المنطقة تتجه فعلاً نحو تسوية شاملة، وبدا المشروع السلامي يتراكم زخماً لا يُرَد.
في أكتوبر 1994، مُنح رابين وعرفات وبيريز معاً جائزة نوبل للسلام، وهو تكريم دولي ضخم عزّز الزخم السياسي لمسيرة أوسلو. وكان رابين الذي تلقّى الجائزة قد قال في خطابه أمام لجنة نوبل في أوسلو بنبرة حاملة وعياً مأساوياً: “نحن نحلم، ونسعى لتحقيق الحلم بحيث لا يعود الجيل القادم مضطراً لحمل السلاح”. وقد مات رابين باغتيال يديه نفسه اللتان مدّهما في تلك المصافحة التاريخية بعد أقل من عام من الجائزة.
اتفاقية أوسلو الثانية ١٩٩٥: تقسيم الضفة وتوسيع الحكم الذاتي
في الثامن والعشرين من سبتمبر 1995، وُقِّعت الاتفاقية الانتقالية الإسرائيلية الفلسطينية حول الضفة الغربية وقطاع غزة، المعروفة بأوسلو الثانية أو اتفاقية طابا. وكانت هذه الاتفاقية أكثر تفصيلاً وتعقيداً بكثير من سابقتها، إذ حدّدت البنية الجغرافية والإدارية للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وفق نظام تقسيم ثلاثي دقيق للمناطق. فقسمت الضفة إلى ثلاثة مناطق: المنطقة أ التي تشمل المدن الكبرى الفلسطينية وتخضع لسيطرة مدنية وأمنية كاملة للسلطة الفلسطينية، والمنطقة ب التي تشمل القرى وتخضع لسيطرة مدنية فلسطينية وأمنية مشتركة، والمنطقة ج التي تشمل المستوطنات الإسرائيلية والمناطق الريفية المعزولة وتبقى تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة[11].
نصّت أوسلو الثانية على انتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني ورئاسة السلطة الفلسطينية، وهي الانتخابات التي جرت في يناير 1996 وأسفرت عن انتخاب ياسر عرفات رئيساً للسلطة بنسبة 87٪ من الأصوات. كما نصّت على انسحاب إسرائيلي تدريجي من مناطق إضافية في الضفة الغربية، ونقل مسؤوليات مدنية وأمنية إلى السلطة الفلسطينية بصورة متصاعدة. غير أن المنتقدين من الجانب الفلسطيني لفتوا إلى أن المنطقة ج التي بقيت تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة كانت تشمل في البداية نحو 74٪ من مساحة الضفة الغربية، وأن التوقعات بتقلّص هذه المنطقة تدريجياً لم تتحقق على أرض الواقع.
اغتيال رابين: الرصاصة التي قتلت الحلم
في مساء الرابع من نوفمبر 1995، في ساحة ملوك إسرائيل في تل أبيب التي باتت تُعرف اليوم بساحة رابين، أنهى رئيس الوزراء إسحاق رابين خطاباً حماسياً في تجمّع شعبي حاشد دعماً لمسيرة السلام، ورفع صوته مردّداً كلمات أغنية “أغنية السلام” (Shir LaShalom) مع الحشود المليئة بالأمل. ثم نزل من المنصة متجهاً نحو سيارته المنتظرة، ومرّ بمسار يُفترض أنه آمن ومحوط بالحراسة. وفي تلك اللحظة اقترب منه شاب يدعى يغآل عمير، طالب قانون في الخامسة والعشرين من عمره في جامعة بار إيلان، وأطلق عليه رصاصتين في ظهره من مسافة صفر.
انتهت روح رابين في المستشفى بعد ساعة واحدة. وكان عمير المتشدد الديني المتطرف قد أعلن صراحةً أن دافعه اغتيال رابين هو معارضته الشرسة لاتفاقية أوسلو ورفضه لأي تنازل عن الأراضي التي يعدّها الميراث الديني لليهود وفق رؤيته. وكان قد استند إلى مفهوم “دين رودف” في الشريعة اليهودية — وهو حكم فقهي يبيح إيذاء من يعرّض اليهود للخطر — ليضفي على اغتياله غطاءً دينياً في نظره. وكانت منشورات تناقش تطبيق هذا المفهوم على رابين قد انتشرت في أوساط المستوطنين الدينيين المتشددين[12].
وصف بيل كلينتون لاحقاً في مذكراته لحظة تلقّيه خبر اغتيال رابين بأنها من أشد لحظات حياته ألماً. وقد حضر جنازة رابين في القدس قادةُ أكثر من ثمانين دولة، من بينهم الرئيس المصري حسني مبارك والملك حسين من الأردن، الذي ألقى كلمة مؤثرة وصف فيها رابين بأنه “أخ ورفيق في الحلم بالسلام”. وبكى ياسر عرفات حين بلغه الخبر في تونس. أما وزير الشؤون الأمنية لاحقاً إيتمار بن غفير — الذي كان من أبرز المعارضين لأوسلو والمحرّضين ضد رابين قبيل اغتياله — فقد بقي في الحياة السياسية الإسرائيلية ليُصبح وزيراً للأمن القومي في حكومة بنيامين نتنياهو عام 2022[13].
“حين مات رابين، لم يُصَب جسد رجل بالرصاص. أُصيبت روح مشروع السلام بأسره.”
— شيمون بيريز، خلف رابين في رئاسة الوزراء، في مذكراته “لا هيّبة إلا السلام”، 2003[14]
أفضى اغتيال رابين إلى تحوّل سياسي حادّ في إسرائيل؛ إذ خسر شيمون بيريز الانتخابات عام 1996 أمام بنيامين نتنياهو من حزب ليكود، القائد الصريح المعارض لأوسلو، بفارق ضئيل. وأبطأت حكومة نتنياهو تطبيق الاتفاقية وفرضت شروطاً متصاعدة، وكانت المستوطنات في الضفة الغربية تتوسع بصمت عبر كل الحكومات المتعاقبة مما يضيّق هامش الحل المستقبلي.
التحديات الميدانية: المستوطنات والعنف والفجوة بين الوعد والواقع
حتى في أكثر سنوات أوسلو التفاؤلية إشراقاً، كانت التوترات تنخر في الأساس. فعلى صعيد المستوطنات، واصلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة — عمالية ويمينية على حدٍّ سواء — البناء والتوسع في المستوطنات بالضفة الغربية رغم أن أوسلو لم تشترط تجميدها صراحةً. وقد ارتفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية من نحو 110,000 عشية توقيع أوسلو عام 1993 إلى ما يزيد على 340,000 بحلول عام 2000 و900,000 إذا أُضيفت مستوطنات القدس الشرقية في السنوات اللاحقة. كان المستوطنون يرون أن أوسلو لا تحظر التوسع، في حين رأى الفلسطينيون أن كل طوبة جديدة في مستوطنة تُضيّق هامش الدولة الفلسطينية المأمولة.
وعلى صعيد العنف، كان الطرفان المتشددان على الجانبين يحاولان الإجهاز على الاتفاقية بالقوة. ففي فبراير 1994، ارتكب المستوطن الأمريكي باروخ غولدشتاين مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل، إذ أطلق النار على المصلّين الفلسطينيين فقتل 29 شخصاً وجرح عشرات. وردّت حركة حماس والجهاد الإسلامي بسلسلة من العمليات الانتحارية داخل إسرائيل، مما أشعل الرأي العام الإسرائيلي وأضعف موقف المؤيدين لأوسلو في الداخل. وقد انفجرت عمليات انتحارية متتالية في تل أبيب وبيت لحم وغيرهما في عام 1996، أودت بحياة مئات الإسرائيليين وقلبت الرأي العام لصالح اليمين في الانتخابات.
وعلى صعيد البناء المؤسسي للسلطة الفلسطينية، جاءت النتائج مختلطة. ففي حين نجحت السلطة في بناء أجهزة إدارية وأمنية وفي إجراء انتخابات نسبياً شفافة عام 1996، فإن الاتهامات بالفساد والمحسوبية والهيمنة الأمنية أضعفت شرعيتها تدريجياً في الشارع الفلسطيني. كما أن الحصار الاقتصادي المتصاعد وإغلاق المعابر وتراجع الاستثمار أسهمت في رفع البطالة وتردّي الأحوال المعيشية في غزة والضفة، مما أضعف الرهان على “سلام السوق” الذي روّج له مؤيدو أوسلو.
قمة كامب ديفيد ٢٠٠٠: اللحظة الحاسمة التي ضاعت
في يوليو 2000، استضاف الرئيس كلينتون في الأشهر الأخيرة من ولايته الثانية قمة مفاوضات في كامب ديفيد جمعت عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، في مسعى للتوصل إلى اتفاق نهائي شامل. وكانت القضايا المؤجّلة منذ أوسلو تنتظر حسماً: القدس والمستوطنات واللاجئون والحدود. وقد جاء باراك بعروض ذهبت أبعد مما قدّمه أي مسؤول إسرائيلي من قبل: دولة فلسطينية في نحو 91-95٪ من الضفة الغربية وكامل غزة، وسيادة فلسطينية على الأحياء العربية في القدس الشرقية، وحل محدود لقضية اللاجئين.
انهارت القمة بعد أسبوعين دون اتفاق. وقد حمّل كلينتون وباراك آنذاك المسؤوليةَ لعرفات الذي لم يقدّم عروضاً مضادة مفصّلة وأصرّ على مطالب لم تكن إسرائيل مستعدة لقبولها — في مقدّمتها السيادة الكاملة على الحرم القدسي وحق العودة الكامل للاجئين. غير أن المؤرخين ومحللين عديدين يرون اليوم أن هذه الصورة كانت مُبسِّطة؛ إذ أن عروض باراك ذاتها كانت تشوبها إشكاليات بنيوية كتجزئة الدولة الفلسطينية جغرافياً، وضمانات أمنية كثيرة تُقيّد السيادة الكاملة، فضلاً عن أن كلينتون كان يميل إلى الاصطفاف مع المعسكر الإسرائيلي في لحظات الضغط[15].
في أعقاب انهيار كامب ديفيد، حدث ما كان المشككون يخشونه: زيارة زعيم المعارضة اليميني أرييل شارون المستفزة للمسجد الأقصى في الثامن والعشرين من سبتمبر 2000، التي أشعلت فتيل الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى). وتحوّلت المواجهات إلى دوامة عنف مستمرة استمرت سنوات وأودت بحياة الآلاف من الجانبين، ودمّرت الرهان على التعاون الأمني المشترك الذي كان أحد ركائز أوسلو. ومنذ ذلك الحين، لم تنعقد مفاوضات فلسطينية إسرائيلية جوهرية مستمرة.
الانتقادات: ما الذي أخفقت فيه أوسلو؟
يُعدّ النقاش حول أسباب إخفاق مسيرة أوسلو من أكثر النقاشات حيوية في أدبيات دراسات السلام والصراعات الدولية. وتتوزع الانتقادات على محاور متعددة ومتداخلة:
أولاً — الهيكل الفلسطيني لأوسلو: يرى كثير من المحللين الفلسطينيين أن اتفاقية أوسلو منحت إسرائيل “أمن الاحتلال دون تكاليفه السياسية”، إذ أصبحت السلطة الفلسطينية تتولى الأمن والإدارة في المناطق المحتلة بدلاً من الجيش الإسرائيلي، مما خفّف الضغط الدولي على إسرائيل دون أن يُنهي الاحتلال فعلياً. وقد وصف المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد اتفاقية أوسلو بأنها “إعلان استسلام فلسطيني” و”فرساي فلسطينية”، مستنداً إلى أن الفلسطينيين قدّموا تنازلات مسبقة ضخمة (الاعتراف بإسرائيل والتخلي عن العنف) دون الحصول في المقابل على ضمانات جوهرية لوقف الاستيطان أو تحديد ملامح الدولة المرتقبة.
ثانياً — إرجاء القضايا الجوهرية: يرى معظم المحللين اليوم أن إرجاء القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود إلى مرحلة لاحقة كان من أكبر الأخطاء الهيكلية في الاتفاقية، إذ أعطى طرفاً يملك أوراق قوة مادية أعظم (إسرائيل) الوقت الكافي لتغيير الحقائق على الأرض قبل أن تُفتح هذه الملفات رسمياً. وقد ارتفع عدد المستوطنين خلال سنوات أوسلو الذهبية (1993-2000) بنسبة تجاوزت 100٪، مما جعل أي حل قابل للتطبيق أصعب مما كان عليه قبل الاتفاقية[16].
ثالثاً — التحيّز الأمريكي: يُلفت محللون كثر إلى أن الوساطة الأمريكية — التي كان يُفترض أن تكون محايدة — انحازت بصورة منهجية للموقف الإسرائيلي في لحظات الضغط، وخاصة في أعقاب انهيار كامب ديفيد حين سارع كلينتون إلى تحميل عرفات المسؤولية حصراً. ويرى الباحث في معهد الشرق الأوسط أن “الأمريكيين والإسرائيليين كانوا أقوى الأطراف في العملية وانتهزا ذلك لتحميل الفلسطينيين أكبر قدر من المخاطر والتكاليف السياسية”[17].
رابعاً — غياب التطبيق الملزم: لم تتضمّن الاتفاقية آليات جزاء فعّالة ملزِمة لأي طرف يُخلّ بالتزاماته، مما جعلها في نهاية المطاف وثيقةً تُنفَّذ بالإرادة السياسية المتبادلة لا بقوة القانون. وحين تبدّلت الحكومات في إسرائيل وضعفت الإرادة السياسية، لم يكن ثمة آلية دولية فعّالة لإجبار الطرف المتهرّب على الالتزام.
إرث أوسلو في راهن الصراع
بعد ثلاثة عقود من توقيع إعلان المبادئ، بات الحديث عن “مسيرة أوسلو” يُستخدم بوصفه وصفاً لمرحلة تاريخية ارتبطت بآمال لم تتحقق. فالسلطة الفلسطينية التي أسّستها الاتفاقية لا تزال قائمة، وإن كانت تحكم منطقة أ في الضفة الغربية فحسب، وتتراجع شعبيتها أمام حركة حماس التي سيطرت على قطاع غزة عام 2007. وإسرائيل من ناحيتها تُحكم سيطرتها على المنطقة ج وتتواصل مع المستوطنات بنسق لم يتوقف. وقد باتت فكرة “حل الدولتين” — التي كانت الهدف الضمني لأوسلو — تتآكل في الواقع الجيوغرافي، وإن ظلّت مُعلَنةً في الخطاب الدبلوماسي الدولي.
وبعد السابع من أكتوبر 2023 والحرب المدمِّرة التي اندلعت في غزة في أعقابه، أُسدل ستار ثقيل فوق كل حديث عن مفاوضات منظورة. ويرى كثير من المراقبين أن الفجوة بين الطرفين أعمق اليوم مما كانت عليه قبيل أوسلو، وأن الشروط الموضوعية لأي تسوية مستقبلية باتت تستلزم شجاعةً سياسية وإرادةً دولية أكبر بكثير مما أفرزته التسعينيات. وتبقى اتفاقية أوسلو في المحصّلة وثيقةً تاريخية فارقة: فتحت باباً لم يكن أحد يتوقع انفتاحه بين طرفين كان كلٌّ منهما يعدّ الآخر شيطاناً، لكن هذا الباب لم يُفضِ إلى الغرفة التي وُعد بها — غرفة السلام الدائم والعادل.