معاهدة برلين لعام 1878 هي الوثيقة الدبلوماسية الكبرى التي أُبرمت في الثالث عشر من يوليو 1878 في العاصمة الألمانية برلين، في ختام مؤتمر دولي استمر شهراً كاملاً جمع الدول الأوروبية الكبرى السبع — ألمانيا والنمسا-المجر والمملكة المتحدة وروسيا وفرنسا وإيطاليا والدولة العثمانية — بهدف مراجعة الشروط الإملائية التي فرضتها روسيا على الدولة العثمانية في معاهدة سان ستيفانو عقب الحرب الروسية العثمانية 1877-1878. وكان المسرح الذي أدار فيه المستشار الألماني أوتو فون بسمارك هذه اللعبة الدبلوماسية الكبرى هو مقر المستشارية الإمبراطورية في ويلهيلمشتراسه ببرلين، حيث جلس عنه أبرز رجال السياسة الأوروبية في مطلع عصر التكتلات والتوازنات — بنيامين دزرائيلي رئيس وزراء بريطانيا وأندراشي وزير خارجية النمسا-المجر وغورتشاكوف وزير خارجية روسيا. راجع المؤتمر نتائج الحرب الروسية العثمانية، وأعاد رسم خريطة البلقان بصورة جوهرية: فسلخ عن بلغاريا الكبرى التي أنشأتها معاهدة سان ستيفانو ثلثَي مساحتها، وأرجع إدارة البوسنة والهرسك إلى النمسا-المجر، ومنح استقلال كل من رومانيا وصربيا والجبل الأسود اعترافاً رسمياً دولياً، وأتاح لبريطانيا الانتداب على قبرص. وعلى الرغم من أن المعاهدة نجحت في تفادي حرب أوروبية شاملة، فإنها زرعت في الوقت نفسه بذور الاستياء القومي والتنافس الإمبراطوري التي انتهى بها المطاف إلى إشعال فتيل الحرب العالمية الأولى بعد ستة وثلاثين عاماً.
| معاهدة برلين ١٨٧٨ — مؤتمر برلين | |
|---|---|
| معلومات عامة | |
| الاسم الرسمي | معاهدة بين النمسا-المجر وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيرلندا وإيطاليا وروسيا والدولة العثمانية لتسوية الشؤون الشرقية |
| تاريخ الانعقاد | 13 يونيو – 13 يوليو 1878 (شهر كامل) |
| تاريخ التوقيع النهائي | 13 يوليو 1878 |
| مكان الانعقاد | مقر المستشارية الإمبراطورية، ويلهيلمشتراسه، برلين، الإمبراطورية الألمانية |
| سبب الانعقاد | مراجعة معاهدة سان ستيفانو (3 مارس 1878) التي خلّت بتوازن القوى الأوروبي |
| السياق | نهاية الحرب الروسية العثمانية 1877-1878 · أزمة البلقان · القضية الشرقية |
| المشاركون الرئيسيون | |
| الإمبراطورية الألمانية (الرئاسة) | أوتو فون بسمارك (المستشار) — رئيس المؤتمر “الوسيط النزيه” |
| بريطانيا العظمى | بنيامين دزرائيلي (رئيس الوزراء) وماركيز سولزبري (وزير الخارجية) |
| روسيا | الأمير ألكسندر غورتشاكوف (المستشار) وكونت شووالوف |
| النمسا-المجر | الكونت جيولا أندراشي (وزير الخارجية) |
| فرنسا | ويليام هنري وادينغتون (وزير الخارجية) |
| إيطاليا | الكونت لويجي كورتي |
| الدولة العثمانية | ألكسندر كاراثيودوري باشا (الوزير) — مراقب لا صاحب قرار |
| أبرز قرارات المعاهدة | |
| بلغاريا | تقسيم بلغاريا الكبرى إلى ثلاثة أجزاء: إمارة بلغاريا المستقلة · مقاطعة روملية الشرقية · مناطق مقدونيا وتراقيا (ترجع للعثمانيين) |
| البوسنة والهرسك | تكليف النمسا-المجر بالإدارة والاحتلال العسكري |
| الاستقلالات | اعتراف دولي رسمي باستقلال رومانيا وصربيا والجبل الأسود [1] |
| قبرص | انتداب بريطاني بموجب اتفاقية سرية مع الدولة العثمانية (4 يونيو 1878) |
| المكاسب الروسية (القوقاز) | الاحتفاظ بكارس وأرضروم وباتومي من الدولة العثمانية |
| رومانيا والدانوب السفلي | تنازل رومانيا عن جنوبي بيسارابيا لروسيا مقابل الحصول على دوبروجا الشمالية |
| المادة ٦١ (الأرمن) | ألزمت الدولة العثمانية بإصلاحات في الولايات الأرمنية دون آليات تنفيذية ملزمة [2] |
| اليونان | تعديل حدودها مع الدولة العثمانية في ثيسالي (نُفِّذ عام 1881) |
| التداعيات التاريخية | |
| الأثر الفوري | منع نشوب حرب أوروبية شاملة وتحقيق استقرار مؤقت لمدة 30 عاماً |
| الأثر البعيد | تراكم الاستياء القومي في البلقان وتصعيد التنافس النمساوي الروسي → الحرب العالمية الأولى |
| بوسنة 1908 | أزمة البوسنة الناجمة مباشرة عن ضم النمسا للبوسنة → إرهاصات الحرب الكبرى |
الخلفية التاريخية: الدولة العثمانية “رجل أوروبا المريض” وبزوغ الوعي القومي البلقاني
منذ القرن الثامن عشر، أخذت الدولة العثمانية تتراجع تدريجياً أمام الضغوط الداخلية والخارجية المتصاعدة، حتى باتت تُعرف في الدوائر الدبلوماسية الأوروبية بـ”رجل أوروبا المريض” — وهو المصطلح الذي يُنسب إلى القيصر نيقولا الأول الذي وصف به الدولة في محادثاته مع السفير البريطاني سيتون جيمس عام 1853. كانت الأراضي الأوروبية للدولة العثمانية — البلقان بشبه جزيرته المثلثة الممتدة من البحر الأسود إلى الأدرياتيكي — تُمثّل موضع التنافس الأشد بين القوى الكبرى، وكانت شعوبها المسيحية الأرثوذكسية من صرب وبلغار ورومانيين ومقدونيين ويونانيين في حال إيقاظ قومي متصاعد، يرسم مساره تداخل نضوج الأيديولوجيات القومية الأوروبية وانتشارها من غرب القارة شرقاً.
كانت روسيا تعتبر نفسها الراعي الطبيعي للشعوب السلافية الأرثوذكسية في البلقان، وتجد في ذلك سنداً إيديولوجياً لتوسعها الجنوبي نحو البحر الأسود والمضايق. وقد مكّنتها حرب القرم (1853-1856) من تسمية هذه الطموحات بالتمدد الحضاري والديني في مواجهة الدولة العثمانية. في المقابل، كانت بريطانيا تعد الدولة العثمانية سداً استراتيجياً لا غنى عنه في وجه التمدد الروسي نحو البحر المتوسط والخليج الفارسي الذي يهدد طريق الهند، وكانت النمسا-المجر بدورها تخشى صحوة القوميات السلافية على أراضيها التي تضم ملايين السلاف في بوهيميا وكرواتيا وسلوفينيا وغيرها[3]. أما ألمانيا البسماركية فقد وجدت نفسها في موقع مختلف: فهي تفتقر إلى مصالح مباشرة في البلقان، ولكنها تُدرك أن أي حرب أوروبية كبرى تضرب منظومة التحالفات التي بناها بسمارك بعناية بعد توحيد ألمانيا 1871.
في عام 1875، اندلعت انتفاضات شعبية في البوسنة والهرسك ضد الإدارة العثمانية، تأثرت بموجات القومية السلافية المتصاعدة وبثقل الضرائب وسوء الأحوال الاقتصادية. سرعان ما امتدت شرارة الانتفاضة إلى بلغاريا ثم إلى صربيا والجبل الأسود اللتين أعلنتا الحرب على الدولة العثمانية في يونيو 1876. وفي مسعى للحد من التوترات، اجتمع وزراء خارجية الدول الثلاث العظمى (ألمانيا والنمسا-المجر وروسيا) في مؤتمر برلين عام 1876 وفي مؤتمر القسطنطينية في مطلع 1877، غير أن العثمانيين رفضوا الإصلاحات المطلوبة مستندين إلى موجة من القومية التركية المشتعلة والدعم البريطاني الضمني لسيادتهم[4].
الحرب الروسية العثمانية ١٨٧٧–١٨٧٨: الشرارة المباشرة
في الرابع والعشرين من أبريل 1877، أعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية بعد أن أفشلت محاولات الدبلوماسية واستنفدت صبرها. وكان القيصر ألكسندر الثاني يرى في هذه الحرب فرصة ذهبية لتحقيق ما أخفقت فيه حرب القرم: هزيمة الدولة العثمانية وفرض الهيمنة الروسية على البلقان والمضايق. شاركت رومانيا وصربيا والجبل الأسود في الحرب إلى جانب روسيا. كان الجيش العثماني مخضرماً في تحصين مواقعه، وخاض مقاومةً شرسة استمرت أشهراً في معاقل مثل بلوفنا، إلا أنه في نهاية المطاف انكسر أمام الزخم الروسي. وبحلول يناير 1878، كانت القوات الروسية قد اجتازت جبال البلقان واقتربت بشكل مثير من القسطنطينية، حيث أرست الأسطول البريطاني في بوسفور دفاعاً عن العاصمة العثمانية.
في الثالث من مارس 1878، وقّعت روسيا والدولة العثمانية على معاهدة سان ستيفانو في قرية صغيرة على مشارف القسطنطينية. كانت شروط المعاهدة انتصاراً ساحقاً لروسيا: فقد أُنشئت بلغاريا الكبرى دولةً مستقلة تمتد من نهر الدانوب شمالاً حتى بحر إيجة جنوباً ومن البحر الأسود شرقاً حتى قلب مقدونيا غرباً، في كيان عملاق يشمل معظم شبه جزيرة البلقان ويضع فيه الروس موطئ قدم راسخاً، مع إبقاء قوات روسية فيه سنتين. فضلاً على ذلك، اعترفت المعاهدة باستقلال رومانيا وصربيا والجبل الأسود، وحصلت روسيا على أجزاء كبيرة من أرمينيا الشرقية وبسارابيا[5].
على الفور، انتابت الفزعُ أوروبا الغربية، ولا سيما بريطانيا والنمسا-المجر. فقد كانت بلغاريا الكبرى التي أوجدتها سان ستيفانو دولةً روسية الولاء بحكم الأمر الواقع، تفتح أمام القوزاق طريقاً مباشراً إلى البحر المتوسط عبر إيجه، وتهدد هيمنة بريطانيا البحرية في البحر المتوسط الشرقي ومصالحها على طريق الهند. وكانت النمسا-المجر تخشى أن تُلهب دولة سلافية كبرى ضخمة نار الانفصالية بين ملايين السلاف الذين تضمهم الإمبراطورية النمساوية المجرية. حدّق الأوروبيون في خريطة البلقان الجديدة، فرأوا فيها ما بدا لهم قنبلة موقوتة تنسف التوازن الهش الذي رتّبه مؤتمر باريس عام 1856. وأعلن بنيامين دزرائيلي رئيس الوزراء البريطاني حالة استعداد عسكري، وبعث قطعاً بحرية إلى مضيق الدردنيل، وأرسل تحذيرات دبلوماسية قاطعة إلى سان بطرسبرغ. وتحت هذا الضغط المتصاعد قبلت روسيا — مُرغمةً وهي مُنهَكة مالياً — الدعوة إلى مؤتمر دولي كبير للنظر في شروط سان ستيفانو.
بسمارك “الوسيط النزيه”: دبلوماسية الموازنة والمناورة
تحوّلت برلين بتدبير بسماركي دقيق إلى المكان الطبيعي لاستضافة المؤتمر الكبير. فقد كان بسمارك قد أعلن في خطابه أمام البرلمان الألماني في يناير 1878 أن ألمانيا تفتقر إلى مصالح مباشرة في البلقان، وأنها لن تكون طرفاً في أي نزاع، وعرض خدماته بوصفه “وسيطاً نزيهاً” (ehrlicher Makler) يرعى الحوار بين الأطراف المتنازعة. كانت هذه صياغة محسوبة بدقة: فهي تضع ألمانيا في مقعد الحَكَم المحايد، وتمنح بسمارك نفوذاً دبلوماسياً هائلاً يُمكّنه من توجيه المفاوضات بما يخدم الاستقرار الذي يحتاجه مشروع ألمانيا الحديثة.
في واقع الأمر، لم يكن بسمارك محايداً تماماً كما ادّعى؛ إذ كانت مصلحته الاستراتيجية الكبرى تتمحور حول: أولاً الحفاظ على حلف القياصرة الثلاثة (Dreikaiserbund) الذي جمع ألمانيا والنمسا-المجر وروسيا، وهو حلف يراه درعه الأقوى ضد التطويق الفرنسي. وثانياً منع نشوب حرب أوروبية شاملة تُعطّل المسيرة الألمانية التنموية وتُقحم برلين في نزاعات لا مصلحة مباشرة لها فيها. وثالثاً ضمان ألا تبلغ روسيا مستوى من الهيمنة البلقانية يُشكّل تهديداً للنمسا-المجر ويدفعها إلى أحضان فرنسا. وبهذه الحسابات الصارمة جلس بسمارك على مقعد الرئاسة في مؤتمر برلين، يُدير ساعات المفاوضات بيد من حديد في قفاز من حرير[6].
على صعيد الأسلوب الذي أدار به بسمارك المؤتمر، وصف المؤرخون جلساته بأنها شهدت تركيزاً شديداً للسلطة في يديه؛ إذ كان يمنح الكلمة ويسحبها، ويُحدد مدد النقاش، ويُؤجّل الملفات الشائكة ويُقدّم تلك الأيسر حسماً. كان لا يُتيح للدولة العثمانية — صاحبة الشأن المباشر في كل ما يُناقَش — إلا دوراً هامشياً، وكثيراً ما كانت القرارات تُتخذ في لقاءات جانبية بين الوفود الكبرى قبل أن تُعرض على الجلسات العامة للتثبيت الشكلي. وكان وصف المؤرخ الحديث إيمانويل جايس للمؤتمر بأنه “دبلوماسية طابقَين تسم القوى الكبرى بالغطرسة إزاء الأمم الصغيرة وتتخذ القرارات فوق رؤوسها” وصفاً دقيقاً ينطبق على ما جرى في أروقة المستشارية الألمانية.
جلسات المؤتمر: مفاوضات شهر وحياة أجيال
افتتح المؤتمر جلساته في الثالث عشر من يونيو 1878 في المستشارية الإمبراطورية. وكان المشهد في قاعة المداولات أشبه بلوحة تجمع نخبة أوروبا: بسمارك في مقعد الرئاسة، ضخم البنية، ثقيل الوطأة، يتأمل الجلسة بعيون ثاقبة ولسان حاد. ودزرائيلي — في عامه الرابع والسبعين — الأكثر مراوغةً ودهاءً، يُدرك كيف يصنع الاتفاقيات الجانبية قبل الجلسات العامة، وكان قد حصّن موقفه بإبرام اتفاقية سرية مع الدولة العثمانية في الرابع من يونيو، أي قبل انطلاق المؤتمر بتسعة أيام، انتزع فيها إدارة قبرص لبريطانيا مقابل ضمانات بالدفاع عن الأناضول في حال هجوم روسي — ولم يُبلَّغ المؤتمر بهذه الاتفاقية إلا في جلسة متأخرة حين وجد الجميع أمام أمر واقع[7].
شهدت جلسات المؤتمر توترات حادة وأحياناً مواجهات علنية بين الوفود. فقد حمل الوفد الروسي بقيادة الأمير غورتشاكوف — العجوز التسعيني الذي أُضعف سلطته أمام القيصر — حزمة من الشروط الجوهرية التي أُبرمت في سان ستيفانو وأصرّ على الإبقاء على جوهرها. بينما كان دزرائيلي يطالب بشكل انفجاري بإلغاء بلغاريا الكبرى وتقليصها جذرياً. وأدار بسمارك هذا التوتر بحرفية، مُفاوِضاً مع كل وفد على حدة في لقاءات جانبية، ومقدّماً ثم سحباً للمقترحات الوسطى، ضاغطاً بصمت أحياناً وبصراحة أحياناً أخرى على الروس لتليين موقفهم في مواجهة التكتل البريطاني النمساوي المتصلّب. وفي لحظة توتر عالية لم تصف لنا جميع تفاصيلها المصادر، طالب دزرائيلي بأن تُحجز له قطارات العودة إلى لندن إشارةً إلى استعداده للانسحاب، وكانت تلك ورقة ضغط أنجز بها ما عجز عنه الخطاب الدبلوماسي الرسمي.
أما الوفود البلقانية — صرب ورومانيون وجبل أسود ويونانيون — فقد دُعيت لتقديم مواقفها فحسب عند الطلب دون أن تمتلك حق التصويت الحقيقي، وكان بعض المراقبين يصف وضعها بالمصطلح الجارح: “اليتيم في وليمة”[8]. وكان قادة الحركات الوطنية البلقانية يتابعون المؤتمر من الخارج بمزيج من الأمل والقلق، يدركون أن مصائر شعوبهم تُرسم من قِبَل رجال يجلسون في قصر برليني لم يطأ أحدهم ترابها وقد لا يعرف خرائطها على حقيقتها.
ومن القضايا الدقيقة التي تناولها المؤتمر حقوق الأقليات وحماية المسيحيين وضمان الحريات الدينية في الدول المُعترف باستقلالها حديثاً. وقد اشترط بسمارك صراحةً على رومانيا وصربيا والجبل الأسود منح اليهود فيها الحقوق المدنية الكاملة شرطاً لنيل الاعتراف الدولي. كما ناقش المؤتمر ملف تحرير نهر الدانوب للملاحة الدولية وإزالة التحصينات العثمانية على مجراه السفلي، وهو ملف يمسّ المصالح التجارية لعدد من الدول الأوروبية.
بنود معاهدة برلين: التفاصيل الجغرافية والسياسية
وُقِّعت معاهدة برلين في الثالث عشر من يوليو 1878 في ختام مداولات شهر كامل، وتضمّنت أربعة وستين مادة نظّمت الشأن البلقاني وما يتصل به. وكانت أبرز بنودها الجغرافية والسياسية:
أولاً — تقسيم بلغاريا الكبرى إلى ثلاثة أجسام: هو القرار الأشد فداحةً من المنظور الروسي. فقد قُطِّعت أوصال الدولة البلغارية العملاقة التي أوجدتها سان ستيفانو إلى ثلاثة كيانات: الأمارة البلغارية كدولة مستقلة اسمياً تحت السيادة العثمانية الشكلية، تقتصر على بلغاريا الشمالية ومقرها صوفيا. ومقاطعة روملية الشرقية (البلقان الجنوبية) كمقاطعة عثمانية تتمتع بحكم ذاتي، وتتولى حكمها إدارة مسيحية تحت سيادة الباب العالي وإشرافه. أما مقدونيا وتراقيا فقد أُعيدتا بشكل مباشر إلى الإدارة العثمانية، ومحيت من الخريطة البلقانية الجديدة التي رسمتها سان ستيفانو[9].
ثانياً — البوسنة والهرسك في حضن النمسا-المجر: كانت البوسنة والهرسك سبب الحرب الأول وأول البنود الساخنة في المؤتمر. قرّر المؤتمر منح النمسا-المجر حق الإدارة والاحتلال العسكري للإقليمَين مع بقائهما اسمياً تحت السيادة العثمانية، وهو قرار أغضب صربيا التي كانت تطمح إلى استيعاب البوسنة ذات الغالبية الصربية تحت لوائها، وأغضب روسيا التي أخذت تشعر أنها قاتلت من أجل أن تحصد النمسا الثمار. وستكون هذه القنبلة البوسنية مصدر أزمة دبلوماسية حادة عام 1908 حين أعلنت النمسا ضمّ البوسنة رسمياً، ومنها ستنطلق الشرارة المباشرة للحرب العالمية الأولى حين اغتال صربي في سراييفو ولي العهد النمساوي عام 1914.
ثالثاً — الاستقلالات البلقانية: نالت كل من رومانيا وصربيا والجبل الأسود الاعتراف الدولي الرسمي باستقلالها من جميع الدول الكبرى المشاركة، وإن اصطحب هذا الاستقلال شروطاً إضافية. فاضطرت رومانيا إلى التنازل عن جنوبي بيسارابيا لصالح روسيا مقابل نيلها منطقة دوبروجا الشمالية الأقل قيمة في نظرها. وحصلت صربيا على توسعات إقليمية تضم مناطق نيش وبيروت وكانت تريد أكثر مما نالت. ونال الجبل الأسود ميناء أنتيفاري على الأدرياتيكي بعد نزاع دبلوماسي طويل، وهو المنفذ البحري الأول له[10].
رابعاً — المكاسب الروسية الباقية: لم تخرج روسيا خالية الوفاض رغم خسارتها الاستراتيجية الكبرى المتمثلة في تفكيك بلغاريا الكبرى. فقد احتفظت في القوقاز بالأقاليم التي انتزعتها من الدولة العثمانية: حصوني كارس وأرضان وميناء باتومي (باتومي أُعلن ميناءً حراً بضغط بريطاني). كما أبقت على كسب بيسارابيا الجنوبية على حساب رومانيا. وفي جوهر الأمر، رأت روسيا في معاهدة برلين إذلالاً دبلوماسياً حاداً وسببت الاتفاقية تدهوراً ملموساً في العلاقات الروسية الألمانية، وخلّفت في الرأي العام الروسي إحساساً بأن ألمانيا طعنت روسيا في ظهرها في لحظة ضعف.
خامساً — قبرص البريطانية: كانت بريطانيا قد أبرمت في الرابع من يونيو 1878، أي قبل انطلاق المؤتمر رسمياً، اتفاقية سرية مع الدولة العثمانية تنتزع فيها حق إدارة جزيرة قبرص مقابل ضمانات دفاعية بريطانية للأناضول. وحين أُعلن عن هذه الاتفاقية في المؤتمر لاحقاً، كانت الدول الأخرى تقف أمام أمر واقع. وهكذا جعلت بريطانيا من قبرص قاعدة استراتيجية في البحر المتوسط الشرقي تُحكم منها مراقبة المضايق وحفظ الطريق إلى قناة السويس والهند. وستبقى قبرص تحت الإدارة البريطانية حتى استقلالها عام 1960.
المسألة الأرمنية: المادة الحادية والستون والوعد الأجوف
من الفصول الأكثر مأساويةً في تاريخ مؤتمر برلين 1878 ما آلت إليه المسألة الأرمنية. فقد كانت معاهدة سان ستيفانو قد تضمنت في مادتها السادسة عشرة نصاً يُلزم الدولة العثمانية بإجراء إصلاحات في الولايات الأرمنية وضمان حماية الأرمن من اعتداءات الأكراد والشركس، مع إبقاء القوات الروسية في تلك المناطق ضماناً لتنفيذ هذه الإصلاحات.
حضر إلى برلين وفد أرمني برئاسة المطران مغرديش خريميان (خريميان حايريغ) البطريرك السابق للقسطنطينية، يحمل عريضة بمطالب الشعب الأرمني بحكم ذاتي وحماية دولية. غير أن المؤتمر لم يسمح للوفد الأرمني بحضور الجلسات إذ لم يكن يمثّل دولةً معترفاً بها، وانتهى الأمر بأن بدّلت المادة الحادية والستون من معاهدة برلين المادةَ السادسة عشرة من سان ستيفانو بصياغة أكثر مراوغةً: فأُلزمت الدولة العثمانية بإجراء “تحسينات وإصلاحات” في الولايات الأرمنية دون أي آليات ضمان أو رقابة دولية أو وجود عسكري ضامن[11].
ولما عاد المطران خريميان إلى إسطنبول، ألقى خطاباً تاريخياً مؤثراً عُرف بـ”خطبة المغرفة الورقية”، قال فيه إن الدول الأوروبية جاءت إلى برلين كلٌّ منها بمغرفة حديدية تغرف بها من قدر المكاسب، بينما كان الأرمن يحملون مغرفة من الورق انثنت وانكسرت حين حاولوا الاغتراف. ونصح أبناء شعبه بأن يتعلموا من الشعب البلغاري ويبنوا قدرتهم الذاتية لا الاعتماد على وعود الكبار. وكان كلامه نبوءةً مؤلمة: إذ عمد السلطان عبد الحميد الثاني في أعقاب المؤتمر إلى تشديد قبضته على الولايات الأرمنية وتشجيع توطين المجموعات الكردية والشركسية فيها، مما أذكى التوترات التي ستبلغ ذروتها المأساوية في المجازر الحميدية 1894-1896 والإبادة الأرمنية 1915.
“ذهبنا إلى برلين ومعنا عريضة ورقية نطلب العدل. كانوا يُقاسمون ملك الدولة العثمانية بمغارف من حديد، وجئنا بمغرفة من ورق. حين حاولنا أن نغرف كسرت مغرفتنا وعدنا بأيدٍ خاليتَين.”
— المطران مغرديش خريميان حايريغ، خطبة “المغرفة الورقية”، إسطنبول، 1878[12]
ردود الفعل الدولية: بين الارتياح والاستياء
تباينت ردود الفعل إزاء نتائج مؤتمر برلين تبايناً حاداً بين الأطراف الفاعلة. فقد عاد دزرائيلي إلى لندن منتشياً معلناً أنه جلب “السلام مع الشرف”، وهي عبارة أثارت إعجاباً شعبياً واسعاً. وكانت بريطانيا في الواقع المستفيد الأكبر من المؤتمر: فهي قيّدت التمدد الروسي في البلقان، وانتزعت قبرص، وحافظت على الدولة العثمانية كسدٍّ استراتيجي، وكل ذلك دون أن تُطلق رصاصة واحدة.
أما روسيا، فكانت محبطة ومهانة دبلوماسياً بعد انتصار عسكري مكلف. وانتشر في الأوساط الروسية شعور بأن بسمارك خدعهم، وأن ما أنجزه جنودهم على ساحة المعركة تبدّد في قاعة المفاوضات. وقد أسهمت هذه الخيبة في إضعاف حلف القياصرة الثلاثة الذي كان بسمارك يعتزّ به، ودفعت روسيا تدريجياً نحو الاقتراب من فرنسا — وهو التقارب الذي تجسّد في التحالف الفرنسي الروسي عام 1894 والذي سيُغيّر خريطة التحالفات الأوروبية تغييراً جذرياً.
وكانت النمسا-المجر راضية ظاهراً بحصولها على البوسنة والهرسك، وإن كانت تعلم أنها أضافت إلى جسدها الإمبراطوري المتعدد القوميات إقليماً إضافياً متوتراً. وعلى المدى البعيد، سيثبت أن هذا الكسب كان جرثومة المرض الإمبراطوري لا علاجه. أما الدولة العثمانية فخرجت خاسرة في كل الاتجاهات: فقدت سيادتها الاسمية على كيانات كثيرة، وخسرت أراضيها في أوروبا قطعةً بعد قطعة، ولم تتلقّ سوى وعود دبلوماسية لم تتحوّل إلى ضمانات حقيقية.
أما الشعوب البلقانية الصغيرة — صرب ورومانيون وبلغار ومقدونيون ويونانيون — فقد نظرت إلى نتائج مؤتمر برلين بمزيج من الامتنان لما نالوا وخيبة الأمل لما فات. فالبلغار رأوا في تقسيم بلغاريا الكبرى جرحاً قومياً غائراً لم يلتئم قط، وبقيت مسألة توحيد الأراضي البلغارية محوراً للسياسة الخارجية البلغارية في الحربين البلقانيتين وحروب القرن العشرين. والصرب لم ينسوا أن البوسنة — التي يصفونها وطناً لصرب المهجر — آلت إلى النمسا لا إليهم، وسيبقى هذا الجرح القومي مصدر حنق ستُفرز منه يد اغتيال سراييفو 1914.
أثر برلين ١٨٧٨ في مسار القرن العشرين: بذور الحرب الكبرى
تستحق معاهدة برلين 1878 أن تُدرس درساً مستفيضاً من منظور عواقبها البعيدة أكثر مما تُدرس من منظور ما أنجزته في لحظتها. فقد نجحت المعاهدة في تفادي حرب أوروبية شاملة في عام 1878، وأحدثت استقراراً نسبياً استمر نحو ثلاثة عقود. لكنها في الوقت نفسه، خلّفت وراءها حزمة من المشكلات العضال التي تراكمت صامتةً حتى انفجرت:
على صعيد البلقان، بقيت القضية المقدونية جرحاً نازفاً: فمقدونيا التي أُعيدت إلى الحكم العثماني المباشر تطالب بها كلٌّ من بلغاريا وصربيا واليونان. وستكون مقدونيا مسرح الحربين البلقانيتين (1912-1913) اللتين رسمتا الحدود السابقة للحرب العالمية. كما أن معاهدة برلين أسّست للتنافس الروسي النمساوي المباشر في البلقان بدلاً من التهدئة بينهما؛ إذ لم تحل أسباب الخلاف بل أرجأتها ووزّعتها على خريطة جديدة. فحين أعلنت النمسا عام 1908 ضمّ البوسنة التي كانت تديرها بموجب برلين، غضبت روسيا وصربيا غضباً شديداً، وجاءت “أزمة البوسنة” مُنذِرةً بما سيأتي.
وتتجلى أهمية معاهدة برلين في الطريقة التي جعلت بها الحرب العالمية الأولى ممكنة الاندلاع من ذلك الجزء بالذات من العالم؛ إذ إن اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند ولي عهد النمسا في سراييفو في يونيو 1914 وقع تحديداً في المدينة التي صارت تحت الإدارة النمساوية بحكم مؤتمر برلين. وكانت يد المغتال صربية تطالب بتحرير البوسنة وتوحيد الصرب، في استمرار مباشر لخيبة الأمل التي خلّفها المؤتمر عام 1878. وقد قال المؤرخ الألماني إيمانويل جايس يوماً إن “بذور الحرب العالمية الأولى نُثرت في أروقة مؤتمر برلين 1878″، وهو حكم تاريخي يحمل قدراً وافياً من الصحة[13].
وفيما يخص بسمارك نفسه، كانت معاهدة برلين قمة نجاحه الدبلوماسي في آنٍ، وبداية تآكله في آنٍ آخر؛ إذ خسرت صداقة روسيا التي كانت ركيزة نظامه التحالفي، ودفع ثمن ذلك بإبرام التحالف الثنائي مع النمسا-المجر عام 1879 الذي ربط ألمانيا بشريك هشّ في منطقة متفجرة. وبعد إقالته عام 1890، انهار النظام الدقيق الذي بناه، وتشكّلت التكتلات المتعاكسة — الثلاثي والوفاق — التي ستتقاتل في الحرب الكبرى.
الإرث الفكري والدبلوماسي: مؤتمر برلين نموذجاً تاريخياً
يستمد مؤتمر برلين 1878 أهميته الفكرية من كونه نموذجاً نادراً في تاريخ الدبلوماسية الحديثة لما يُعرف بـ”إدارة الأزمات الدولية” بالأساليب الدبلوماسية الصرفة بديلاً عن الحرب. فقد واجهت أوروبا عام 1878 خطراً حقيقياً من التصعيد نحو مواجهة مسلحة بين روسيا وبريطانيا والنمسا، وكانت تداعيات مثل هذه الحرب ستكون مروّعة. ومع ذلك جرت التسوية في قاعات المفاوضات لا على ميادين القتال. وفي هذا المعنى، يُقدّمه المؤرخون أحياناً مثالاً إيجابياً على ما يمكن أن تُنجزه الدبلوماسية متعددة الأطراف.
غير أن هذا الإرث لا يخلو من ظلال قاتمة. فمن منظور الشعوب الأصغر والأضعف، كان المؤتمر تجسيداً صارخاً للمنطق الإمبراطوري الذي يرسم مصائر الشعوب فوق رؤوسها وبمعزل عن إراداتها وتطلعاتها. وقد جرى إقصاء الشعب الأرمني بالكامل رغم أن المؤتمر تناول قضيته، وجرى تجاهل مطالب الشعوب البلقانية إلا بالقدر الذي خدم مصالح القوى الكبرى. وفي هذا يرى كثير من المؤرخين في مؤتمر برلين نموذجاً بالغ الدلالة على الفجوة بين لغة “الوصاية الحضارية” على الشعوب وبين الحسابات الاستراتيجية الصرفة التي تُحرّك الدبلوماسية الكبرى فعلياً.
ويظل مؤتمر برلين 1878 حاضراً في النقاش الأكاديمي والسياسي حول حدود التدخل الدولي وإدارة التحولات الجيوسياسية وإشكاليات توازن القوى. وقد رصد المؤرخ كيسنجر، في كتابه الكلاسيكي “العالم المُستعاد” (A World Restored)، كيف أن نظام توازن القوى الذي أدار مرحلة ما بعد نابليون، والذي كان مؤتمر برلين إحدى أكثر تعبيراته تطوراً، كان يحتاج إلى عبقرية دبلوماسية استثنائية تستطيع إدارته لكنه لم يكن يستطيع أن يعيش بعد رجاله الاستثنائيين. ولعل مؤتمر برلين كان آخر اللحظات التي أثبت فيها النظام الأوروبي القديم قدرته على تدارك الأزمات قبل أن يفقد هذه القدرة إلى الأبد في أغسطس 1914.