المقدمة
الإسراء والمعراج رحلتان ربانيتان متصلتان أُكرم بهما النبي محمد ﷺ في ليلةٍ واحدة من ليالي العام الحادي عشر من البعثة النبوية الشريفة؛ الإسراء هو السير الليلي المعجز من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، والمعراج هو الصعود من المسجد الأقصى عبر السماوات العُلا حتى سدرة المنتهى حيث كان اللقاء الإلهي الأعظم وحيث فُرضت الصلوات الخمس. وقد أُثبت الإسراء صراحةً في أول آية من سورة الإسراء بقوله تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾. أما المعراج فقد جاء توثيقه في سورة النجم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ رَءَاهُ نَزۡلَةً أُخۡرَىٰ عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ﴾[1].
تُعدّ هذه الرحلة الإلهية من أعظم معجزات النبي ﷺ وأكثرها حضوراً في الوجدان الإسلامي على مرّ العصور؛ إذ وقعت في أشد مراحل الدعوة ضراوةً وإيلاماً، في أعقاب “عام الحزن” الذي فقد فيه النبي ﷺ ركيزتَيْه الكبريَيْن: زوجه وناصره السيدة خديجة رضي الله عنها، وعمّه الحامي أبو طالب. وقد جاءت تلك الرحلة بالغة الدلالة في السياق الإنساني والروحي معاً؛ فهي من الناحية الإنسانية تكريم إلهي لعبد مُبتلى ومحزون وحيد في أرضه، ومن الناحية التشريعية لحظة فريدة في تاريخ الوحي لأن الصلوات الخمس كانت الفريضة الوحيدة التي فُرضت مباشرةً دون وساطة الوحي الجبريلي المعتادة بل بالخطاب المباشر من الله سبحانه. وقد وصل النبي ﷺ في تلك الليلة من سدرة المنتهى إلى مقام لم يبلغه ملك مقرّب ولا نبي مرسل.
يجمع العلماء على أن الإسراء والمعراج كانا في ليلة واحدة وكانا في اليقظة بالجسد والروح معاً وفق ما ذهب إليه جمهور المحدثين والفقهاء والمتكلمين، وأن مَن أنكر الإسراء قد كذّب القرآن الكريم، وأما المعراج فقد ثبت بأحاديث متواترة ومتضافرة. وقد خلّف هذا الحدث العظيم أثراً عميقاً في الفقه الإسلامي ثمّثل بفريضة الصلاة، وفي العقيدة الإسلامية المتعلقة بالسماوات والأنبياء والملائكة والجنة والنار والحجب الإلهية، وفي الوجدان الإسلامي الجمالي والصوفي الذي رأى في المعراج نموذجاً للتقرب الروحي إلى الحق سبحانه، وفي الأثر المعماري المتجسّد في المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة اللذَيْن يحتلان في إطار هذه الرحلة مكانةً قدسية أصيلة.
| الإسراء والمعراج | |
|---|---|
| معلومات أساسية | |
| التعريف اللغوي | الإسراء: السير ليلاً — المعراج: السُّلَّم، الصعود إلى العُلا |
| التوقيت الأرجح | ليلة 27 رجب — السنة الحادية عشرة من البعثة (قبل الهجرة بعام) |
| نقطة الانطلاق | المسجد الحرام — مكة المكرمة |
| المحطة الوسطى | المسجد الأقصى — بيت المقدس (القدس) |
| غاية المعراج | سدرة المنتهى — اللقاء الإلهي وفرض الصلوات |
| الدابة | البُراق — دابة من دواب الجنة |
| الرفيق | جبريل عليه السلام |
| الفريضة المُنزَلة | الصلوات الخمس (خُففت من خمسين إلى خمس بتوسط موسى عليه السلام) |
| المصادر الشرعية | |
| القرآن الكريم | سورة الإسراء (17: 1) — سورة النجم (53: 1-18) |
| أصح الأحاديث | حديث مالك بن صعصعة في البخاري ومسلم — حديث أنس بن مالك |
| عدد الصحابة الرواة | روى تفاصيلها ما لا يقل عن 25 صحابياً [2] |
| المسائل الفقهية والعقدية | |
| كيفية الرحلة | بالروح والجسد معاً في اليقظة — قول جمهور العلماء [3] |
| الليلة المحتفى بها | ليلة 27 رجب من كل عام |
| الأثر التشريعي الكبرى | فرض الصلوات الخمس ركناً من أركان الإسلام |
الدلالة اللغوية والاصطلاحية للإسراء والمعراج
الإسراء في اللغة العربية مصدرٌ للفعل “أسرى”، والمراد به السير في الليل. يُقال: سرى يسري سُرًى وسُرًى وسُرية أي سار ليلاً. وفي القرآن الكريم جاء الفعل “أسرى” في قوله تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا﴾ (الإسراء: 1)، والإسراء هنا هو السفر الليلي المعجز الذي قطع فيه النبي ﷺ المسافة الشاسعة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في لحظات من الليل القصير. ولفظة “ليلاً” في الآية الكريمة دالة على التنكير الدال على التقليل؛ أي أن ذلك السفر تم في جزء يسير من الليل، وهو ما يزيد في بيان المعجزة وعظمتها إذ إن مسافة الليلة كاملة لا تكفي للوصول من مكة إلى القدس بركوب الجمل في حساب العرب آنذاك[4].
أما المعراج فهو السُّلَّم والمصعد في اللغة، وجمعه معارج ومعاريج. ومنه قوله تعالى: ﴿تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيۡهِ﴾ (المعارج: 4)، ومنه اسم سورة المعارج ذاتها. وفي الاصطلاح الشرعي، المعراج هو صعود النبي ﷺ من المسجد الأقصى في القدس عبر السماوات السبع إلى ما فوقها حتى سدرة المنتهى وما وراءها. والمعراج في الفكر الصوفي الإسلامي صار رمزاً دالاً على مسلك التقرب الروحي إلى الله؛ فالصلاة عند كثير من العلماء “معراج المؤمن” لأنها صعود روحاني يومي يتواصل فيه العبد مع ربه خمس مرات في اليوم والليلة، تماماً كما تواصل النبي ﷺ في تلك الليلة الفريدة بلا واسطة وبلا حجاب.
السياق التاريخي: “عام الحزن” ومفتاح فهم الرحلة الإلهية
لا تُفهم دلالة الإسراء والمعراج في أعماقها الحقيقية إلا حين تُوضع في سياقها التاريخي والإنساني الدقيق؛ فقد وقعت تلك الرحلة في أعقاب ما يصفه علماء السيرة بـ”عام الحزن”، وهو العام العاشر من البعثة النبوية الذي شهد أليم المصيبتَيْن اللتَيْن أثقلتا قلب النبي ﷺ: وفاة زوجته وسنده الأعظم السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، ووفاة عمّه وحاميه أبي طالب. فقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها أول من آمن به وصدّقه في أحرج لحظاته، وأسندته بنفسها ومالها ومكانتها ربع قرن كامل من الصراع والابتلاء والحصار في شعب أبي طالب. وكان أبو طالب الدرع السياسية والقبلية التي تحمي الدعوة وتمنع كبراء قريش من الإيقاع بالنبي ﷺ مباشرةً[5].
فُجع النبي ﷺ بوفاتهما في غضون أسابيع قليلة، وشعر بوحدة حادة وثقل ضاغط. وزاد الأمر إيلاماً رحلةُ الطائف التي خرج فيها طالباً النصرة والمناصرة من ثقيف، فوجد القسوة والرفض والاستهزاء، وعاد منها وقد سال دمه ﷺ من جراء ما رمته عليه سفهاء القوم. وقد أثرت الروايات أنه ﷺ لم يجد مكة آمنةً له حتى دخلها في جوار المطعم بن عدي. في تلك اللحظة الإنسانية البالغة الثقل على الروح والجسد، جاء الإسراء والمعراج تكريماً إلهياً خاصاً لعبد يُبتلى؛ لتكون تلك الرحلة في معناها الأعمق رسالةً ربانية تقول: أنت لم تُترك، وأنت لم تكن يوماً وحيداً، وما من حزن يبلغ حدّ ما تحمل إلا وفُتح له باب من السماء يُوسّع الصدر[6].
توقيت الرحلة: مسألة الخلاف والأرجح عند العلماء
اختلف علماء السيرة والحديث في تحديد الليلة الدقيقة للإسراء والمعراج اختلافاً واسعاً في تفاصيله، وإن اتفقوا جميعاً على أنها وقعت قبل الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة. ويمكن إجمال أبرز الأقوال في هذا الشأن:
قيل إنها وقعت ليلة الثاني عشر من ربيع الأول، وقيل في السابع والعشرين من ذلك الشهر، وقيل في السابع والعشرين من رجب وهو ما جرى عليه عمل المسلمين قديماً وحديثاً واختاره طائفة من المحققين. وقيل في رمضان، وقيل في ذي القعدة. أما في تحديد السنة من البعثة فقد تراوحت الأقوال بين ما قبل الهجرة بسنة وما قبلها بست سنوات. والمشهور والمعمول به عند جمهور العلماء أنها وقعت قبل الهجرة بسنة أو نحو ذلك، وأن القول بليلة السابع والعشرين من رجب هو ما استقر عليه العمل الإسلامي العام واختاره كثير من كبار الأئمة[7]. وقد علّق العلامة الزرقاني في “شرح المواهب اللدنية” على ذلك بأن المسألة إذا وقع فيها خلاف بين السلف ولم يقم دليل راجح وجرى العمل بأحد الأقوال وتُلُقِّي بالقبول، فإن ذلك يغلّب على الظن كونه أرجح.
والجدير بالتنبيه أن هذا الخلاف في التوقيت لا يُؤثّر على ثبوت أصل الحدث العظيم ولا على دلالته التشريعية، إذ إن أصل الإسراء والمعراج ثابت بالقرآن الكريم والأحاديث الصحيحة المتواترة ولا خلاف بين علماء المسلمين في صحة وقوعه.
مرحلة الإسراء: من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى
تبدأ الروايات الحديثية وصف تلك الليلة من الحظيرة التي كان فيها النبي ﷺ راقداً عند الكعبة المشرفة في منطقة الحَطيم أو الحِجر؛ وهي المنطقة المحصورة بين باب الكعبة ونصف الدائرة المنحنية الملاصقة لها. جاء جبريل عليه السلام فشقّ صدر النبي ﷺ ثم أخرج قلبه فغسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم ملأه إيماناً وحكمةً وردّه إلى مكانه. وقد كان شقّ الصدر قد سبقت له حادثة أخرى في طفولة النبي ﷺ حين كان مع أمه الرضاعة حليمة السعدية. وفي ذلك إشارة عميقة إلى إعداد خاص لحامل الرسالة الكبرى[8].
ثم أُتي بالبُراق؛ وهو دابة من دواب الجنة وصفه الحديث الشريف بأنه “أبيضُ طويلٌ دون البغل وفوق الحمار، يضع خطوه عند أقصى طرفه”. وهذه السرعة المذكورة في وصف البراق بأنه يضع حافره حيث ينتهي بصره تعبير عن أن سرعته تجاوز أقصى ما يُتصوّر من سرعة الحركة في الحسابات البشرية. ركب النبي ﷺ البراق ورافقه جبريل عليه السلام، وانطلقت الرحلة في تلك الليلة الكونية الهادئة. وقد توقف النبي ﷺ في طريقه إلى القدس في ثلاثة مواضع: “طيبة” وهي المدينة المنورة التي ستصبح لاحقاً عاصمة الدولة الإسلامية، وطور سيناء حيث كلّم الله موسى عليه السلام، وبيت لحم حيث وُلد عيسى عليه السلام، وفي كل موضع نزل وصلى ركعتَيْن[9].
لما وصل النبي ﷺ إلى المسجد الأقصى في القدس، وجد فيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جميعاً قد جُمعوا له. تقدّم جبريل عليه السلام فأقدم النبيَّ ﷺ إماماً، فأمَّ بهم جميعاً صلاةً في تلك البقعة المباركة. وهذا المشهد الفريد في التاريخ النبوي، حيث يؤمّ خاتم الأنبياء وإمام المرسلين بكل من سبقه من الأنبياء الكرام، يحمل في طياته دلالةً عقدية عميقة على خاتمية النبوة وإتمامها في محمد ﷺ، وعلى أن رسالته هي التتويج والاكتمال لرسالات جميع الأنبياء السابقين. وقد كان عرض الإناءين —إناء الخمر وإناء اللبن— على النبي ﷺ في هذا الموضع، فاختار اللبن فأخبره جبريل: “هُدِيتَ إلى الفطرة، وهديت أمتك، وأما الخمر فلو أخذتها غَوَت أمتك”[10].
مرحلة المعراج: الصعود عبر السماوات السبع
انطلق الصعود من المسجد الأقصى برفقة جبريل عليه السلام عبر سُلّم ذي درجات من حديد أو من نور إلى السماء الأولى فما فوقها. وفي كل سماء كان جبريل يستفتح الباب، فيُسأل: من أنت؟ فيجيب: جبريل. فيُسأل: ومن معك؟ فيجيب: محمد. فيُقال: وقد بُعث إليه؟ فيقول: قد بُعث إليه. فيُفتح لهما ويُرحَّب بالنبي ﷺ ويُدعى له بالخير. وفي كل سماء التقى بنبي أو جماعة من الأنبياء عليهم السلام. ويُعدّ هذا التفصيل من أكثر المشاهد ثراءً في الروايات الحديثية الصحيحة[11].
في السماء الأولى: لقي آدم أبا البشر عليه السلام. رأى النبي ﷺ عن يمينه أسوداً وعن يساره أسوداً؛ وفُسِّر ذلك بأنه يرى أرواح ذريته بين السعداء وغيرهم. كان آدم يضحك حين ينظر يميناً ويبكي حين ينظر شمالاً حزناً على من سيكون من ذريته في النار.
في السماء الثانية: لقي يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم عليهما السلام، وكانا ابنَيْ خالة. وفي هذا اللقاء دلالة على أن القرابة الروحية تجمع الأنبياء عبر الزمن.
في السماء الثالثة: كان يوسف عليه السلام الذي أُعطي نصف الحُسن. وبلوغ يوسف السماء الثالثة دلالة رمزية على مكانته الخاصة بين الأنبياء، وهو صاحب القصة التي وصفها القرآن بأحسن القصص.
في السماء الرابعة: لقي إدريس عليه السلام الذي رفعه الله مكاناً علياً كما أثبت القرآن.
في السماء الخامسة: لقي هارون عليه السلام الذي كان محبوباً في قومه.
في السماء السادسة: لقي موسى عليه السلام. وكان موسى يبكي حين مرّ به النبي ﷺ. قيل له: ما يُبكيك؟ فقال: أبكي لأن غلاماً بُعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي. وكان موسى عليه السلام صاحب الدور البارز في مسألة تخفيف الصلوات كما سيأتي[12].
في السماء السابعة: لقي إبراهيم الخليل عليه السلام، وكان مستنداً إلى البيت المعمور. والبيت المعمور هو الكعبة السماوية في السماء السابعة، ويدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبداً، يعبدون الله فيه ثم يخرجون فيأتي غيرهم إلى يوم القيامة. وفي رؤية إبراهيم عليه السلام مستنداً إلى البيت المعمور دلالة على أنه باني الكعبة الأرضية وإمام الموحدين المقرّب من الكعبة السماوية.
سدرة المنتهى: حدّ العلم المخلوق وبدء الغيب المطلق
ثم صعد النبي ﷺ إلى سدرة المنتهى، وهي نهاية ما يعلمه كل أحد من الملائكة والمقربين؛ سُمِّيت بذلك لأن كل شيء يصعد من الأرض ينتهي إليها ويُحصى عندها، وكل ما ينزل من فوقها ينتهي إليها. وفي الحديث الصحيح أن أوراقها كآذان الفيلة وثمارها كالقلال. ورأى النبي ﷺ عندها ما يصفه الحديث بـ”نبقٌ مثل قِلال هجر، وورقها كآذان الفيلة، وفيها أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران”. وقد غشيَ السدرةَ ما غشيها من نور الله وجلاله، فكادت لا تُرى من فرط الجلاء والنور. وفي هذا المقام وصل النبي ﷺ إلى ما لم يصله قبله أحد من خلق الله، وتجاوز حدود المألوف من الملائكة حتى قال جبريل عليه السلام له عند سدرة المنتهى: “هذا مكاني لو تقدمتُ لاحترقت”[13].
وعند هذا المقام السامي، كان الخطاب الإلهي المباشر؛ الفريضة الكبرى التي أُنزلت مباشرةً من الله إلى عبده الأمين دون واسطة الوحي المعتادة. فُرضت الصلاة خمسين صلاةً في اليوم والليلة. وفي ذلك إشارة إلى أن الصلة الحقيقية بين العبد وربه لو أُقيمت على طبيعتها لكانت في كل لحظة ووقت. عاد النبي ﷺ نازلاً إلى موسى عليه السلام الذي علم من تجربته مع بني إسرائيل أن البشر لن يُطيقوا ذلك، فأشار عليه بالعودة والطلب من ربه التخفيف. تردد النبي ﷺ بين الصعود والعودة خجلاً من كثرة المراجعة، وكل مرة يعود يُخفَّف عشراً حتى استقر الأمر على خمس صلوات بأجر الخمسين. قال النبي ﷺ حين استحيا من الرجوع مجدداً: “قد استحييت من ربي وقد رجعت وخففت حتى انتهيت إلى خمس صلوات”. فنودي: “أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، وأجزي الحسنة عشراً”[14]. وفي هذا المشهد تجتمع رحمة الله الواسعة وحياء النبي ﷺ وحرصه على أمته وحكمة موسى عليه السلام وتجربته التاريخية مع الالتزام الإنساني في مشهد إنساني بالغ التعقيد والجمال.
ما شاهده النبي ﷺ في تلك الليلة: مشاهد الغيب
في ليلة الإسراء والمعراج، أُطلع النبي ﷺ على مشاهد عديدة من عالم الغيب والجزاء؛ رأى الجنة والنار ومشاهد من أحوال أصناف من البشر في الحياة الأخرى. وقد أوردت الأحاديث الصحيحة جملةً من تلك المشاهد التي تحمل دلالات تشريعية وتربوية في آن واحد. من ذلك أن النبي ﷺ رأى أقواماً يزرعون ويحصدون في يوم واحد فسأل جبريل فأخبره أنهم المجاهدون في سبيل الله تُضاعف لهم الحسنات سبعمئة ضعف. ورأى قوماً يُقرضون أشداقهم فسأل فأُخبر أنهم الذين يقولون ما لا يفعلون. ورأى قوماً يحوم عليهم طائر يأكل من أمامهم ومن خلفهم فأُخبر أنهم أكلة الرشوة والمال الحرام. ورأى أقواماً لهم مخالب من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم فأُخبر أنهم الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم[15].
وفي السياق القرآني، أشارت سورة النجم إلى مشاهدة عُظمى في قوله تعالى: ﴿لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰ﴾ (النجم: 18)، وهو نص قرآني صريح على أن ما شاهده النبي ﷺ في تلك الليلة كان من أكبر آيات الله وعلاماته. وقد اختلف المفسرون في مسألة رؤية النبي ﷺ لله سبحانه في تلك الليلة؛ فذهبت السيدة عائشة وابن مسعود رضي الله عنهم إلى أنه رأى جبريل وليس الله تعالى، في حين روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ رأى ربه بفؤاده. والمسألة من المسائل الدقيقة التي تحتمل تعدد التأويل العلمي المنضبط.
المسألة الكبرى: بالروح والجسد أم بالروح فقط؟
من أبرز المسائل التي شغلت العلماء والمتكلمين في هذا الباب مسألة كيفية الإسراء: هل كان بالروح والجسد معاً في اليقظة، أم كان بالروح دون الجسد، أم كانت رؤيا منامية؟ وقد انقسمت الأقوال إلى ثلاثة:
القول الأول وهو قول الجمهور: أن الإسراء كان بالجسد والروح معاً في اليقظة. وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء من المحدثين والفقهاء والمتكلمين، واستدلوا بجملة من الأدلة المتضافرة: أولها أن الله سبحانه قال “بعبده” وكلمة العبد في اللغة لا تُطلق على الروح دون الجسد بل على الإنسان كله روحاً وجسداً. وثانيها أن الله قال في الآية “ليلاً” وهو تنكير يفيد التقليل، فدلّ على أن الرحلة وقعت في جزء يسير من الليل وهذا لا يكون إعجازاً إلا إذا كانت بالجسد. وثالثها أن قريشاً لما سمعت الخبر استنكرته وكذّبته وارتد بعض من كان على حافة الإيمان، ولو كانت رؤيا منامية لما كان ثمة ما يُستنكر إذ لا عجب في الرؤى والمنامات[16]. وقال جمهور العلماء إن من أنكر الإسراء بالجسد قد ردّ صريح القرآن الكريم.
القول الثاني: أنه كان بالروح دون الجسد. وهو قول ضعيف لا يلتفت إليه أكثر العلماء لتعارضه مع صريح الدلالة القرآنية في كلمة “عبده” كما مرّ.
القول الثالث: أنه كان رؤيا منامية. واستند أصحابه إلى قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ﴾ (الإسراء: 60). غير أن المفسرين ردّوا ذلك بأن هذه الآية نزلت في حادثة أخرى إما في رؤية أُريها النبي ﷺ يوم بدر أو أحد، وليست في الإسراء ذاته. وذلك القول منسوب إلى الحسن البصري ومعاوية بن أبي سفيان غير أن جمهور العلماء رفضوه واعتبروه مرجوحاً[17].
ردود الفعل في مكة: بين التصديق والإنكار
كان خبر الإسراء والمعراج من أبلغ المحكّات التي تميّزت عندها درجات الإيمان وطبقاته في مكة المكرمة. لما أخبر النبي ﷺ قريشاً بما جرى، كان رد الفعل متفاوتاً: فمن استهزأ وضحك ساخراً، ومن شكّ وتردد، ومن ارتد عن الإسلام تاركاً حديثه، ومن تمسّك بإيمانه وصدّق ما أخبر به النبي ﷺ. وكان أبرز من بادر إلى التصديق أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي حين نُقل إليه الخبر قال: “إن كان قال ذلك فقد صدق”. وحين قيل له: أتصدّقه في ذلك؟ قال: “إني لأصدّقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدّقه في خبر السماء صباحاً ومساءً”. وكان هذا الموقف المبكر من أجلّ ما أوجب له لقب الصديق[18].
بادر المشركون إلى الاستفسار عن تفاصيل المسجد الأقصى لاختبار صدق النبي ﷺ، إذ كان بعضهم قد سافر إلى الشام وزار بيت المقدس. فجلا الله سبحانه لنبيه ﷺ صورة المسجد الأقصى أمام عينيه حتى راح يصف أبوابه وأعمدته وتفاصيله دقيقةً دقيقة، وأخبرهم عن عير قريش التي سيلتقيها في طريق عودتها من الشام وبالعلامة التي تعرفها وبموعد وصولها. وقد تحقّق كل ذلك على ما وصف ﷺ، فكان دليلاً على صدق ما أخبر به، غير أن المعاندين لجّوا في عنادهم. وقد كشف الحدث أن الإيمان الحقيقي لا يبني على المعجزات وحدها بل على التصديق والإذعان القلبي.
إن كان قال ذلك فقد صدق، أصدّقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدّقه في خبر السماء صباحاً ومساءً.
— أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين أُخبر بحديث الإسراء والمعراج
الأدلة الشرعية: القرآن الكريم والسنة النبوية
يتضافر في إثبات الإسراء والمعراج دليلان من أوثق ما يُعتمد في الشريعة الإسلامية: النص القرآني الصريح، والأحاديث النبوية الصحيحة المتواترة معنوياً.
أولاً: الأدلة القرآنية: جاءت الآية الأولى من سورة الإسراء نصاً صريحاً قاطعاً في إثبات الإسراء: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾. وافتُتحت السورة بـ”سبحان” الدالة على التعجب والتعظيم، إشارةً إلى أن ما سيُذكر بعدها أمرٌ استثنائي يستدعي التنزيه والتقديس. أما المعراج فقد وردت الإشارة إليه في سورة النجم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ رَءَاهُ نَزۡلَةً أُخۡرَىٰ عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰ إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا يَغۡشَىٰ مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰ﴾ (النجم: 13-18)[19].
ثانياً: الأدلة الحديثية: ثبت الإسراء والمعراج بروايات متعددة الطرق من صحابة كرام يبلغون خمسةً وعشرين صحابياً على أقل تقدير. من أبرز تلك الروايات حديث مالك بن صعصعة المخرّج في الصحيحين للبخاري ومسلم والذي يُعدّ من أصح وأشمل روايات الإسراء والمعراج. ومنها حديث أنس بن مالك وحديث أبي ذر الغفاري وحديث أبي هريرة رضي الله عنهم جميعاً، وكلها مخرّجة في صحاح الحديث ومسانيده[20].
الأثر التشريعي الأعظم: فريضة الصلاة
جاءت الصلوات الخمس ثمرةً ربانية خالصة لتلك الليلة الفريدة في التاريخ الإسلامي؛ وهي الفريضة الوحيدة في شريعة الإسلام التي لم تُفرض بواسطة وحي جبريل المعتاد بل بالخطاب الإلهي المباشر في تلك الليلة، وهو ما منحها في العقيدة الإسلامية مكانةً خاصة فريدة تجعلها “صلة العبد المباشرة بربه” لا وسيط فيها ولا واسطة. قال العلماء: كلّ العبادات نزلت إلى النبي ﷺ، أما الصلاة فإن النبي ﷺ هو الذي صعد إليها. وهذا الفارق البنيوي في طريقة التشريع يعكس منزلة الصلاة في الإسلام وأهميتها القصوى[21].
الصلاة في ضوء الإسراء والمعراج لا تُفهم على أنها مجرد حركات وأوقات مُلزِمة، بل هي في جوهرها “معراج المؤمن” اليومي؛ خمس رحلات روحية يشقّ فيها المسلم طريقه إلى الحضرة الإلهية ويقف فيها بين يدي ربه في لحظات لا يُشاركه فيها أحد. ولهذا قال الفقهاء إن المصلي حين يدخل في صلاته فهو واقف في مقام النجوى الإلهية. وبذلك تصبح الصلاة الخمس المفروضة في تلك الليلة البعيدة فوق السماوات جسراً يومياً حياً يربط المؤمن العادي بأعظم لحظة في التاريخ النبوي.
المسجد الأقصى في ضوء الإسراء: البُعد القدسي والرابط الحضاري
كان اختيار المسجد الأقصى محطةً وسطى في الإسراء ذا دلالة عميقة ومتعددة الأبعاد. فهو أولاً القبلة الأولى للمسلمين التي صلّى إليها النبي ﷺ وأصحابه ستة عشر أو سبعة عشر شهراً بعد الهجرة قبل أن تتحول القبلة إلى الكعبة المشرفة. وهو ثانياً المكان الذي يجمع رمزياً في حضن واحد مسيرة الأنبياء من إبراهيم إلى داود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى إلى محمد عليهم الصلاة والسلام. وهو ثالثاً البقعة التي صلّى فيها النبي ﷺ بالأنبياء إماماً، فكانت تلك الإمامة إشهاداً ربانياً على أن الإسلام هو ختام الأديان وتتويجها لا نسخها ورفضها[22]. ولأن المسجد الأقصى بهذه الأهمية الرمزية والتاريخية والدينية العميقة، فإن قضيته في الوجدان الإسلامي تتجاوز البُعد السياسي إلى بُعد ديني وجودي، وكل موجة من موجات الدفاع عنه في التاريخ الإسلامي كانت تستقي مشروعيتها وزخمها العاطفي في جزء منها من ارتباطه بذلك المشهد الليلي الفريد.
البُراق في الموروث الإسلامي: بين الحقيقة والتصوير الفني
البُراق، الدابة التي حملت النبي ﷺ في رحلة الإسراء، حظيت باهتمام واسع في الأدب الإسلامي والفن الإسلامي على مدى قرون. وصفه الحديث الصحيح بأنه “دابة بيضاء دون البغل وفوق الحمار تضع خطوها عند منتهى طرفها”. وأضافت بعض الروايات الأكثر تفصيلاً وصف وجهه على صورة بشر وله جناحان كالطير. وعلى مرّ العصور رسم الفنانون المسلمون صور البراق وفق تصورات متباينة لكنها تشترك في ملامح معينة؛ كالبياض الناصع والجناحَيْن والوجه الإنساني أحياناً. وقد تحوّل البراق إلى أحد أكثر الموضوعات حضوراً في المخطوطات المذهّبة والمنمنمات الإسلامية الفارسية والتركية والمغولية، وإن كان العلماء ينبّهون إلى أن تلك الصور هي تعبير فني لا يُلزَم بمطابقتها للحقيقة التي يعلم تفاصيلها علم اليقين الله وحده[23].
احتفال المسلمين بذكرى الإسراء والمعراج: إطار تاريخي
درج المسلمون في أنحاء العالم على إحياء ذكرى الإسراء والمعراج في ليلة السابع والعشرين من رجب من كل عام في تجمعات مسجدية وخطب وقراءة قرآنية وإحياء روحي. وقد ظلّ العلماء يُنبّهون إلى أن الأصل في هذا الاحتفال إحياء الذكرى والتذكر لا الالتزام بشعائر مخصوصة ثابتة لم تنصّ عليها السنة. وإحياء ليلة السابع والعشرين من رجب كممارسة جماعية هو عرف إسلامي درج عليه المسلمون وإن لم يكن ثمة نص صريح يُوجبه بعينه. وقد صدرت في هذا الباب فتاوى من علماء كبار تُجيز الإحياء الاحتفالي التذكري الخالي من البدع المنكرة كالغلو والاختلاط وما لا يليق بحرمة المساجد. وفي الهند والدول العربية وتركيا وإيران وإندونيسيا وسائر أنحاء العالم الإسلامي، تتخذ احتفالات تلك الليلة طابعاً روحياً وتعبدياً بارزاً[24].
أثر الإسراء والمعراج في الفكر الصوفي والأدب الإسلامي
لا يمكن تتبع أثر الإسراء والمعراج في الفكر الإسلامي دون التوقف عند ما أثارته تلك الرحلة من إلهام عميق في الأدب الصوفي والروحي. فقد رأى المتصوفة المسلمون في المعراج النبوي نموذجاً أعلى للسلوك الروحي الرامي إلى التقرب من الله وبلوغ مقامات المعرفة الإلهية. وقد نظّم الشعراء المسلمون على مدى قرون قصائد تصف الرحلة وتستلهم مشاهدها بأساليب بيانية راقية؛ من أبرزها قصيدة “بردة البوصيري” الشهيرة في القرن الثالث عشر الميلادي والتي تضمّنت أبياتاً تصف المعراج وعظمته. وفي الفلسفة الإسلامية، تناول ابن عربي في “الفتوحات المكية” مشاهد الإسراء والمعراج بأسلوب تأويلي عميق رأى فيها رموزاً لمراتب الوجود ودرجات العرفان. كما استلهم ابن سينا في “رسالة الطير” وحي تلك الرحلة في تصوير رمزي للنفس الإنسانية في رحلتها نحو الكمال[25].
وفي الأدب العالمي، يذهب بعض الباحثين إلى أن قصيدة الإلهية الكوميديا لدانتي أليغييري في القرن الرابع عشر الميلادي تأثرت في هيكلها ببعض مشاهد المعراج الإسلامي التي كانت معروفة في الأوساط الأوروبية المتعلمة عبر الترجمات. ويستشهد هؤلاء الباحثون بأن بنية الصعود عبر طبقات سماوية ومشاهدة مشاهد الجنة والنار التي تُمثّل محور الكوميديا الإلهية تشبه في بنيتها العامة ما وصفته أحاديث المعراج. وإن كان هذا التأثير لا يزال محلّ نقاش علمي غير محسوم، فإنه يدل على الأثر العميق الذي خلّفته قصة الإسراء والمعراج في الحضارة الإنسانية خارج نطاقها الإسلامي الأصيل.
خاتمة: ليلة في قلب الزمن لا تنسى
كانت ليلة الإسراء والمعراج لحظةً كونيةً فريدة حُمِّلت فيها رسالة الإسلام ثقلاً جديداً وأُودعت في كيانها الروحي بُعداً آخر من أبعاد الصلة بالله؛ وهو الصلاة الخمس التي ستظل طوال القرون والأجيال جسراً يومياً من الأرض إلى السماء. وقفت مكة في ذلك الصباح البكير أمام خبر لا تملك له مرجعاً ولا نظيراً، فتميّزت عنده مراتب القلوب؛ قلوب فتحت وقلوب أغلقت. وفي ذلك التمييز حكمة ربانية عميقة؛ لأن الإيمان الحقيقي ليس تصديق المحسوس والمعقول في حدوده البشرية المألوفة، بل تصديق الله فيما يُخبر به وإن خرج عن حدود الإمكان المعتاد.
وتظل تلك الليلة في الوجدان الإسلامي الجمعي ليلةً حيّة لا أثرية؛ تحضر في كل ركعة يقومها مسلم فيؤدي فريضة فُرضت ليلة خُرق فيها نظام المكان والزمان وجُمع فيها الأنبياء في بقعة مباركة وأُريت فيها آيات ربانية كبرى لعبد اصطفاه الله من بين البشر وأسرى به في ظلام الليل إلى ما فوق النجوم وما وراء حدود الكون المخلوق[26].