الجذور الثورية: من روسيا القيصرية إلى دولة البلاشفة

لا يُمكن استيعاب نشأة الاتحاد السوفيتي بمعزل عن فهم الأوضاع التي أفرزت الثورة الروسية؛ فقد كانت الإمبراطورية الروسية القيصرية في مطلع القرن العشرين تحمل في أحشائها تناقضات متفجّرة: اقتصاد زراعي متأخر يُهيمن فيه الفلاحون على الغالبية العظمى من السكان بينما يعيشون في شبه قنانة، ومجتمع صناعي ناشئ في المدن الكبرى يتشكّل طبقة عمالية تستنشق الأفكار الاشتراكية والثورية، وحكم قيصري مطلق يرفض الإصلاح السياسي ويُقمع كل تحدٍّ لسلطته. كان القيصر نيقولا الثاني يُدير امبراطورية متصدّعة تُقاتل في حرب عالمية مريرة، وتواجه معها تردياً اقتصادياً حاداً ومجاعة متفشّية وتذمّراً شعبياً يتصاعد. في مارس 1917م، انتفض المواطنون في بتروغراد (لينينغراد) في ثورة فبراير التي أسقطت الحكم القيصري وأجبرت نيقولا الثاني على التنازل عن العرش، لتفسح المجال لحكومة مؤقتة مدنية عجزت بدورها عن وضع حدٍّ للحرب المُنهِكة أو تلبية مطالب الجموع الجائعة[7].

استغلّ البلاشفة بقيادة فلاديمير إيليتش لينين فراغ السلطة هذا، فشنّوا في السابع من نوفمبر 1917م (أكتوبر وفق التقويم الجولياني القديم) انقلابهم الشهير بـ”ثورة أكتوبر” وأطاحوا بالحكومة المؤقتة واستولوا على مقاليد السلطة في بتروغراد. ثم أعلن لينين قيام “جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية” وأنشأ جهازه الحكومي الثوري الجديد “مجلس مفوضي الشعب”. بيد أن التحكم في ثورة تسبح في بحر من الفوضى لم يكن يسيراً؛ فقد ردّت قوى “الحرس الأبيض” المضادة للثورة بسلاحها في ما سيُعرف بـ”الحرب الأهلية الروسية” التي امتدت من 1917 إلى 1922م وأودت بأرواح الملايين بين القتال والمجاعة والأوبئة[8].

في خضمّ تلك الحرب الأهلية، فرض البلاشفة نظامهم على المدن الكبرى وبعض الأقاليم، بينما توغّل الجيش الأحمر في أراضي الإمبراطورية القيصرية السابقة ليساعد الشيوعيين المحليين على تأسيس سلطاتهم السوفيتية في جمهوريات شتى. وعلى الرغم من الدعم الغربي المباشر لقوى “الجيش الأبيض”، انتصر الجيش الأحمر في نهاية المطاف. وفي التاسع والعشرين من ديسمبر 1922م، اجتمعت وفود مفوّضة من الجمهورية الروسية الاتحادية الاشتراكية السوفيتية وجمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفيتية وجمهورية بيلاروسيا الاشتراكية السوفيتية وجمهورية القوقاز الاتحادية الاشتراكية السوفيتية في موسكو، وأقرّت معاهدة إنشاء الاتحاد ووثيقة إعلانه، ثم صادق عليهما المؤتمر الأول لسوفيتات الاتحاد في اليوم التالي، الثلاثين من ديسمبر 1922م، لتُولد بذلك دولة جديدة غير مسبوقة في التاريخ[9].

عهد لينين والسياسة الاقتصادية الجديدة: بناء الدولة على أنقاض الحرب

تولّى لينين قيادة الدولة الفتية التي ورثت من الإمبراطورية ويلات الحرب والمجاعة والدمار الاقتصادي الفادح. كان التحدي الأول الذي واجهه ضبط التوتر بين المبادئ الماركسية الداعية إلى الملكية الجماعية الكاملة لوسائل الإنتاج، وبين الحاجة الآنية الملحّة لإعادة تحريك الاقتصاد المتجمّد. فقد خلص لينين إلى أن التطبيق الحرفي المباشر للشيوعية في مجتمع فلاحي تقليدي مُدمَّر بالحرب يُعجّل بالانهيار لا بالثورة، فأعلن عام 1921م “السياسة الاقتصادية الجديدة” (NEP) التي سمحت بقدر من التجارة الخاصة والزراعة الفردية، وأوجدت في جوهرها اقتصاداً مختلطاً تحتفظ فيه الدولة بالصناعات الكبرى والبنوك ووسائل النقل بينما تُفسح المجال للنشاط التجاري الصغير. أنعشت هذه السياسة الاقتصاد تدريجياً واستُقبلت استقبالاً إيجابياً في أوساط الفلاحين الذين كانوا يُشكّلون عماد المجتمع الروسي[10].

بيد أن لينين لم يُكمل مسيرة البناء؛ إذ أُصيب بسلسلة من السكتات الدماغية أعجزته تدريجياً عن ممارسة مهامه القيادية منذ عام 1922م، فتحوّل حوله قادة الحزب إلى تنافس محتدم على الخلافة. وحين لفظ أنفاسه الأخيرة في الحادي والعشرين من يناير 1924م، لم يترك وصيةً واضحة تُحدّد خليفته رسمياً، وإن كانت وثيقة سُمّيت بـ”وصية لينين” تُحذّر من استبداد ستالين ومن تركّز السلطة في يد شخص واحد، غير أن تلك الوصية أُخفيت لسنوات. تحوّلت جنازة لينين الهائلة إلى بداية عبادة شخصية ممنهجة؛ إذ أوجد حكام الحزب من جسده معبداً علمانياً في ضريح موسكو الشهير لا يزال قائماً حتى اليوم، مُحوّلين ذكراه إلى رمز أيديولوجي مقدّس يُوظّفه كل خلف لتسويغ سلطته[11].

صعود ستالين: الديكتاتور والتحديث القسري

في صراع الخلافة الذي أعقب رحيل لينين، برز يوسف ستالين (1878-1953م)، ذلك الجورجي الأصل الذي كان يشغل منصب الأمين العام للحزب الشيوعي، ونجح بحنكة بالغة في استغلال موقعه البيروقراطي لتعيين المخلصين له في المناصب الحساسة وتوظيف الائتلافات السياسية المتحوّلة للإطاحة بمنافسيه واحداً واحداً. أقصى ليون تروتسكي مهندس الجيش الأحمر أولاً، ثم أقصى الجناح “اليساري” بقيادة زينوفييف وكامينيف، ثم أجهز على الجناح “اليميني” بقيادة بوخارين، ليتحوّل إلى حاكم مطلق في نهاية عقد العشرينيات[12]. كان ستالين يُمثّل نقضاً لرؤية لينين العالمية المفتوحة؛ إذ آثر مفهوم “الاشتراكية في دولة واحدة” على المفهوم الأممي لتروتسكي، معرباً عن قناعته بأن المهمة الأولى هي تحصين الاتحاد السوفيتي وتصنيعه وبناء قوته.

في نوفمبر 1927م، أطلق ستالين “الثورة من فوق” بهدفَيْن رئيسيَّيْن: التصنيع السريع للاقتصاد وتجميع الزراعة. أسّس لمنهج الخطط الخمسية التي كانت ثلاث عشرة خطة بمجموعها، بدأت الأولى عام 1928م وانتهت الأخيرة بانهيار الاتحاد عام 1991م. ضخّت خطط التصنيع الأولى استثمارات هائلة في الصناعة الثقيلة والمصافي والمناجم والسدود العملاقة، محوّلةً الاتحاد السوفيتي خلال عقود من اقتصاد زراعي إلى قوة صناعية عسكرية من الطراز الأول، وإن كان ذلك التحول قد دفعه العمال والفلاحون ثمنه من معاناتهم ودمائهم[13].

أما تجميع الزراعة فكان الكارثة الأكثر إيلاماً في الحقبة الستالينية؛ إذ أُرغمت الملايين من الأسر الفلاحية على التخلي عن أراضيها الخاصة وقطعانها والانضمام إلى المزارع الجماعية التي تُديرها الدولة. قاوم الفلاحون، ولا سيما “الكولاك” (الفلاحون الميسورون) مقاومةً شرسة تضمّنت ذبح مواشيهم لمنع الدولة من الاستيلاء عليها. ردّ ستالين بإطلاق حملة إبادة جماعية بحق طبقة “الكولاك” وتهجيرهم القسري نحو معسكرات العمل في سيبيريا وآسيا الوسطى. أفضت عمليات التجميع القسري هذه مع ما اكتنفها من فساد إداري وقرارات خاطئة إلى إحدى أفدح الكوارث الإنسانية في القرن العشرين: مجاعة 1932-1933م التي اجتاحت أوكرانيا وشمال القوقاز وحوض الفولغا السفلى وراح ضحيتها ما بين ثلاثة وسبعة ملايين شخص وفق تقديرات مختلفة، وتُعرف عند الأوكرانيين باسم “الهولودومور” أي مجاعة الإبادة[14].

الغولاغ والتطهير الكبير: الوجه الإرهابي للستالينية

لا يُكتمل المشهد الستاليني دون استحضار منظومة المخيمات المعروفة باسم “الغولاغ” (اختصار الروسية لـ”الإدارة الرئيسية للمخيمات”)، التي نشأت في صورتها البدائية في عهد لينين كمعسكرات ثورية لاحتجاز المعارضين، قبل أن تتحول تحت ستالين إلى منظومة ضخمة للعمل القسري والقمع السياسي الممنهج. أُسّست الإدارة الرئيسية للمخيمات رسمياً عام 1930م، وامتدت شبكة مخيماتها في أواسط الأربعينيات عبر كامل أراضي الاتحاد من القطب الشمالي إلى آسيا الوسطى ومن بحر البلطيق إلى الشرق الأقصى[15].

أمسى الغولاغ مستودعاً لأصناف شتى من المحتجزين: الفلاحون الرافضون للتجميع الزراعي، وأعضاء الحزب المشتبه في ولاءاتهم، والضباط العسكريون المتهمون بالخيانة، والمثقفون المتهمون بأفكار مناهضة للنظام، وأعداد ضخمة من المواطنين العاديين وقعوا ضحايا وشايات كاذبة أو اعتراضات لا أساس لها سوى مناخ الرعب الذي أوجده ستالين. ومنذ 1929م وحتى وفاة ستالين عام 1953م، مرّ على الغولاغ ما يزيد على ثمانية عشر مليون شخص وفق تقديرات المؤرخين استناداً إلى ما أُفرج عنه من أرشيفات سوفيتية. لقي مئات الآلاف منهم حتفهم في تلك المخيمات نتيجة الظروف المناخية القاسية والتغذية المتردية والعمل المُضني وسوء المعاملة[16].

وفي الفترة بين 1936 و1938م، شهد الاتحاد السوفيتي ما يُعرف بـ”التطهير الكبير” أو “الرعب الكبير” وهو ذروة الإرهاب الستاليني. شنّ ستالين حملة تصفية شاملة استهدفت قيادات الحزب الشيوعي من رفاق لينين التاريخيين، وضباط الجيش الأحمر حتى كاد أن يُجرّد جيشه من كفاءاته القيادية، والمثقفين والإداريين والعلماء والمهندسين. أُعدم في تلك الفترة وحدها ما لا يقل عن 750,000 شخص وفق التقديرات المحافظة، فيما رحل مئات الآلاف آخرون إلى المخيمات. بُنيت محاكمات تلك التطهيرات على اعترافات انتُزعت تحت التعذيب، وكانت أحياناً عروضاً مسرحية أُعدّت نصوصها سلفاً[17]. وقد وصف الأديب الروسي الشهير ألكسندر سولجينيتسين تلك المخيمات في روايته الخالدة “يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش” وفي ثلاثيته الموسوعية “أرخبيل الغولاغ”، اللتين فضحتا أمام العالم أهوال تلك المنظومة الإجرامية وأكسبتاه جائزة نوبل للأدب عام 1970م.

إنك تجلس، تنظر وتفكر: لماذا أنا هنا؟ ما الذي فعلته؟ والجواب الذي تجده في نهاية المطاف هو أنك لم تفعل شيئاً. أنت هنا لأن الدولة قررت ذلك.
— ألكسندر سولجينيتسين، “أرخبيل الغولاغ”، 1973م

الاتحاد السوفيتي والحرب العالمية الثانية: الجبهة الشرقية والثمن الباهظ

في الثاني والعشرين من يونيو 1941م، انهارت معاهدة مولوتوف-ريبنتروب التي عقدها ستالين مع هتلر عام 1939م لتأمين حدوده الغربية، حين شنّت قوات المحور الغازية عملية “بارباروسا” أضخم غزو بري في التاريخ العسكري؛ إذ توغّلت ثلاثة ملايين ونصف جندي ألماني وحلفائهم على طول جبهة تمتد أكثر من 2,900 كيلومتر. اجتاحت الجيوش الألمانية المناطق الغربية من الاتحاد السوفيتي بسرعة مذهلة، وطوّقت جيوشاً سوفيتية بالكامل وأسرت الملايين من جنودها في أشهر قليلة، حتى اقتربت من ضواحي موسكو في نهاية العام نفسه. أُخذ ستالين على حين غرة رغم التحذيرات الاستخباراتية المتكررة، وأصيبت القيادة السوفيتية بشلل مؤقت في الأسابيع الأولى للغزو[18].

غير أن الشتاء الروسي القارس وتمدّد خطوط الإمداد الألمانية وصمود لينينغراد (بتروغراد) في حصار مضنٍ امتد تسعمئة يوم كاملة، والمقاومة الشرسة للجيش الأحمر وعزيمة السكان المدنيين أوقفت المدّ الألماني. وكانت معركة ستالينغراد (أغسطس 1942م – فبراير 1943م) نقطة التحول الكبرى في الحرب؛ إذ تمكّن الجيش الأحمر من تطويق الجيش الألماني السادس بقيادة المارشال باولوس وإجباره على الاستسلام. كان الثمن البشري هائلاً: نحو مليون وثلاثمئة ألف قتيل وجريح من الجانبَيْن في تلك المعركة وحدها. ومنذ ستالينغراد، استمر الجيش الأحمر في دفع الألمان غرباً في حرب استنزاف هائلة انتهت باستسلام ألمانيا في مايو 1945م وبالجيش الأحمر وهو يرفع علمه الأحمر على مبنى الرايخستاغ في برلين[19]. بلغت خسائر الاتحاد السوفيتي البشرية في الحرب حداً لا يكاد يُصدَّق: ما يُقارب سبعةً وعشرين مليون قتيل بين مدني وعسكري، وهو ما يُعادل تقريباً أكثر من نصف إجمالي ضحايا الحرب العالمية الثانية على مستوى العالم، مُشكّلاً أفدح فاتورة بشرية دفعتها أمة واحدة في صراع مسلح في التاريخ المعاصر.

أسهمت تلك الحرب إسهاماً بالغاً في تشكيل الهوية السوفيتية والروسية؛ فـ”الحرب الوطنية العظمى” كما أسمى السوفيت تلك المواجهة الضارية مع النازية، أُدرجت في صميم الوعي الجمعي وتحوّلت إلى أسطورة تأسيسية. كان انتصار الاتحاد السوفيتي على الرايخ النازي إنجازاً تاريخياً شكّل ركيزة شرعية النظام السوفيتي لعقود، وأتاح لموسكو أن تُحوّل دول أوروبا الشرقية إلى دول تابعة تُشكّل “الكتلة السوفيتية” في الحرب الباردة اللاحقة.

الحرب الباردة: نصف قرن من الرعب المتوازن

في غضون سنوات قليلة من انتهاء الحرب العالمية الثانية، آل النظام الدولي إلى ثنائية قطبية حادة تحكمها القوتان العظميان المنتصرتان: الولايات المتحدة التي تحمل نموذج الرأسمالية الليبرالية والديمقراطية الغربية، والاتحاد السوفيتي الحامل راية الاشتراكية الماركسية-اللينينية. أُسدل حديد كرتن يفصل أوروبا بين شرقها السوفيتي الخاضع لهيمنة موسكو وغربها الملتحق بحلف الناتو الأطلسي. لم يكن الصراع حرباً مباشرة بين القوتَيْن بل كان سباقاً تسليحياً ونووياً محموماً، وصراعاً على النفوذ عبر الحروب بالوكالة في كوريا وفيتنام وأفغانستان وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتنافساً في التحالفات الدولية وتصدير النماذج الأيديولوجية[20].

وعلى صعيد السباق النووي تحديداً، أفجر الاتحاد السوفيتي قنبلته الذرية الأولى في أغسطس 1949م، مُنهياً الاحتكار النووي الأمريكي الذي لم يدم غير أربع سنوات. ثم أفجر قنبلته الهيدروجينية الأولى عام 1953م. وفي ظروف الإرهاب المتبادل من “تدمير مؤكد متبادل” (MAD)، تسابق البلدان على تكديس الترسانات النووية حتى بلغت مجموع رؤوسهم النووية في ذروتها أكثر من ستين ألف رأس مُدمِّر. وكاد العالم أن يرى أسوأ كوارثه حين اشتعلت أزمة الصواريخ الكوبية في أكتوبر 1962م، حين نصّب الاتحاد السوفيتي صواريخه في كوبا على مسافة تسعين ميلاً فقط من الحدود الأمريكية، ورد الرئيس كينيدي بفرض الحصار البحري وطالب بسحبها. في أشد لحظات التوتر في تاريخ البشرية، تبادل الزعيمان خروتشوف وكينيدي الرسائل واختارا معاً التراجع عن الهاوية، لتنتهي الأزمة بانسحاب الصواريخ السوفيتية مقابل تعهّد أمريكي علني بعدم غزو كوبا وانسحاب سري لصواريخها الأمريكية من تركيا[21].

سباق الفضاء: حين أصبح الكون ساحةً للتنافس

في الرابع من أكتوبر 1957م، أطلق الاتحاد السوفيتي في المدار الأرضي القمر الصناعي “سبوتنيك-1″، وهو كرة معدنية صغيرة لا يتجاوز قطرها ثمانية وخمسين سنتيمتراً، لكن وقعها على الوعي العالمي كان مدوياً. استطاع الاتحاد السوفيتي أن يُطلق أول جسم صنعه الإنسان في الفضاء الخارجي قبل الولايات المتحدة التي كانت تُعدّ رائدة التكنولوجيا. أشعل هذا الحدث ذعراً استراتيجياً في واشنطن واستحث تعظيماً للإنفاق على البحث العلمي الأمريكي وتأسيس وكالة ناسا عام 1958م. وفي أبريل 1961م، أطلق الاتحاد السوفيتي القمر الصناعي البشري الأول “يوري غاغارين” الذي أتمّ دورة كاملة حول الأرض في غضون 108 دقائق، لتُسجّل تلك اللحظة التاريخية أول رحلة إنسان إلى الفضاء الخارجي وعودته سالماً[22]. تواصلت الإنجازات السوفيتية في الفضاء: أول امرأة في الفضاء (فالنتينا تيريشكوفا، 1963م)، وأول مشي في الفضاء خارج المركبة (أليكسي ليونوف، 1965م). غير أن الأمريكيين استعادوا الريادة حين أوطأ نيل أرمسترونغ قدمه سطح القمر في يوليو 1969م في برنامج أبولو، في حين ظل البرنامج السوفيتي للهبوط على القمر حبيس السرية ثم أُجهض بسبب وفاة مصمّمه العبقري سيرغي كورولييف عام 1966م.

مرحلة ما بعد ستالين: إصلاحات خروتشوف وعصر البريجنيفية الراكدة

حين مات ستالين في مارس 1953م، فُتح الباب أمام موجة من “إزالة الستالينية” بقيادة نيكيتا خروتشوف الذي استلم زمام الحزب بعد صراع خلافة قصير. في خطابه السري الشهير أمام المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في فبراير 1956م، فضح خروتشوف جرائم ستالين وعبادة شخصه وقمع المخالفين، في مشهد هزّ الشيوعية العالمية في عمقها. انعكس ذلك في ما عُرف بـ”ذوبان الجليد”، إذ أُفرج عن كثير من سجناء الغولاغ السياسيين وخُفِّف القمع الأيديولوجي نسبياً وأُتيح قدر من النقد الأدبي والفني[23]. وقد تميّزت مرحلة خروتشوف بانفراج نسبي مع الغرب، وبالتنافس التقني المُبهر في الفضاء، وبأزمات حادة كأزمة الصواريخ الكوبية 1962م وبناء جدار برلين 1961م. أسقطه رفاقه في الحزب عام 1964م ورمّوا به جانباً.

جاء ليونيد بريجنيف (1964-1982م) ليحكم الاتحاد السوفيتي في أطول مراحله بعد ستالين. في عهده، بلغ الاتحاد السوفيتي ذروة توازن التسليح مع الولايات المتحدة حين وقّع بريجنيف اتفاقيات الحدّ من التسلح “سالت” في السبعينيات. غير أن تلك الحقبة ستُعرف لاحقاً بـ”مرحلة الجمود” (Stagnation)؛ إذ رسّخت الطغمة الحاكمة سلطتها وسدّت أبواب الإصلاح، بينما تآكل الاقتصاد بفعل ثقل الإنفاق العسكري وقصور الإنتاجية الصناعية وانهيار الحوافز في ظل نظام المخطط المركزي الجامد. شهدت سنوات بريجنيف أيضاً الغزو السوفيتي لأفغانستان عام 1979م الذي أدخل الاتحاد في مستنقع عسكري استنزفه لعشر سنوات متواصلة كان فيها نظيراً للتدخل الأمريكي في فيتنام وسبباً في استنزاف هائل للموارد والسمعة[24].

الخطط الخمسية والاقتصاد المخطط: الإنجاز والإخفاق

بنى الاتحاد السوفيتي اقتصاده على مبدأ التخطيط المركزي الشامل الذي تتولى فيه الدولة ممثَّلةً بهيئة التخطيط العامة “غوسبلان” تحديد أولويات الإنتاج وحجمه وتوزيع الموارد في جميع قطاعات الاقتصاد. عرف الاتحاد السوفيتي في تاريخه ثلاثة عشر خطة خمسية بدأت عام 1928م. أنجزت الخطط الخمسية الأولى معجزة صناعية بكل المقاييس في الظروف التي نشأت فيها: قفز الناتج الصناعي قفزات هائلة، وأُنشئت مدن صناعية في السهول السيبيرية الموحشة وفي وسط آسيا، وبُنيت المصانع والسدود والسكك الحديدية والمستشفيات والمدارس بوتيرة تتجاوز الخيال[25]. في نهاية الثلاثينيات، كان الاتحاد السوفيتي قد تحوّل من دولة فلاحية نصف معزولة إلى الدولة الصناعية الثانية أو الثالثة في العالم من حيث الإنتاج الصناعي الثقيل.

بيد أن الطبيعة البنيوية لنظام التخطيط المركزي كانت تحمل في أحشائها بذور الإخفاق على المدى البعيد؛ فالاقتصاد الذي تحدّد فيه الوزارات والمخططون المركزيون من موسكو كميات الإنتاج وأسعار كل شيء بدقة كمّية تفصيلية، دون آلية سعرية حرة تعكس ندرة الموارد وأولويات المستهلكين، يُعاني حتماً من خلل متصاعد. في السبعينيات والثمانينيات، كانت الفجوة بين الاقتصاد الغربي المتجدّد تكنولوجياً والاقتصاد السوفيتي الجامد تتّسع باطراد: أجهزة الكمبيوتر والإلكترونيات والتقنيات الاستهلاكية أسرعت في الغرب بينما ظل الاتحاد السوفيتي يُنتج كميات من الفولاذ والحديد دون القدرة على تلبية حاجات المواطنين من السلع الاستهلاكية الأساسية. كانت الطوابير الطويلة أمام محلات الطعام وشحّ البضائع في المتاجر الحكومية قسمات راسخة في الحياة السوفيتية اليومية في تلك السنوات[26].

غورباتشوف والإصلاح الأخير: بيريسترويكا وغلاسنوست

في مارس 1985م، وصل ميخائيل غورباتشوف إلى منصب الأمين العام للحزب الشيوعي رجلاً إصلاحياً من جيل أصغر يدرك بعمق إشكاليات الاقتصاد السوفيتي المتعثّر والتقادم التقني ومشكلات الفساد الإداري. أطلق غورباتشوف برنامجَيْن إصلاحيَّيْن مترابطَيْن سيُغيّران وجه الاتحاد تغييراً جذرياً: “البيريسترويكا” (إعادة الهيكلة) التي استهدفت إصلاح الاقتصاد بإدخال عناصر من آليات السوق كالسماح للمؤسسات بقدر من الاستقلالية وتشجيع القطاع التعاوني الخاص؛ و”الغلاسنوست” (الشفافية) التي رفعت قيوداً على حرية الصحافة والتعبير وأتاحت انتقاد المسؤولين وفتح صفحات من التاريخ السوفيتي الداكن[27].

أفضت الغلاسنوست إلى نتائج تجاوزت ما تصوّره غورباتشوف؛ إذ فتحت الباب أمام موجة متصاعدة من المطالبات بالاستقلال في الجمهوريات التي كانت تخضع للهيمنة الروسية عبر عقود. في دول البلطيق (إستونيا ولاتفيا وليتوانيا) وفي جورجيا وأرمينيا وأذربيجان وأوكرانيا ومولدوفا، اشتعلت حركات قومية أعلنت رفضها للهيمنة السوفيتية وطالبت بالاستقلال أو على الأقل بسيادة مُعزّزة. وبالتوازي مع ذلك، أفضت البيريسترويكا إلى زعزعة “الاقتصاد الموجَّه” دون بناء بديل ناجح، فانفجر التضخم وعجّت الأسواق بالفوضى[28].

وفي أغسطس 1991م، شنّ مسؤولون سوفيت متشددون رافضون للإصلاح انقلاباً عسكرياً أطاحوا فيه بغورباتشوف وأعلنوا السيطرة على الحكم. غير أن الانقلاب فشل في غضون ثلاثة أيام أمام مقاومة شعبية عارمة بزعامة رئيس جمهورية روسيا الاتحادية بوريس يلتسين الذي وقف على دبابة أمام مقر البرلمان في مشهد سيُصبح رمزياً. أعلنت الجمهوريات بعد ذلك الانقلاب الفاشل استقلالها تباعاً بوتيرة متسارعة. وفي الثامن من ديسمبر 1991م، وقّع قادة روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا في بيلوفيجسكايا بوشا “اتفاقية بيلوفيجيا” التي أعلنوا فيها أن الاتحاد السوفيتي لم يعد موجوداً وأسّسوا “رابطة الدول المستقلة” بديلاً. وفي الخامس والعشرين من ديسمبر 1991م، تخلّى غورباتشوف عن منصبه في خطاب بثّه التلفزيون، وفي مساء ذلك اليوم أُنزل العلم الأحمر السوفيتي عن الكرملين آخر مرة وحلّت محله راية روسيا الاتحادية. وفي السادس والعشرين من ديسمبر صوّت المجلس الأعلى للاتحاد رسمياً على انحلال الاتحاد[29].

الاتحاد القديم انهار قبل أن يبدأ الجديد بالعمل. وهذا هو المأزق الذي وجدت نفسي فيه.
— ميخائيل غورباتشوف، خطاب الاستقالة، 25 ديسمبر 1991م

الجمهوريات الخمس عشرة: التنوع الهائل داخل الاتحاد

ضمّ الاتحاد السوفيتي في صيغته الأخيرة خمس عشرة جمهورية اشتراكية تمثّل تنوعاً إثنياً ولغوياً وجغرافياً وثقافياً بالغ الاتساع. كانت الجمهورية الروسية (RSFSR) بفارق كبير أكبر الجمهوريات مساحةً وعدد سكان وثقلاً اقتصادياً، إذ كانت تمثّل أكثر من ثلاثة أرباع مساحة الاتحاد ونصف سكانه تقريباً. وكانت أوكرانيا ثاني أكبر الجمهوريات من حيث السكان والثقل الاقتصادي، وكانت تُعدّ “سلة الغذاء” للاتحاد بسبب أراضيها الزراعية الخصبة. أما الجمهوريات الثلاث البلطيقية (إستونيا ولاتفيا وليتوانيا) فقد اتسمت بمستوى معيشي أعلى نسبياً وبارتباط ثقافي أوثق بأوروبا الغربية، وكانت أولى الجمهوريات في المطالبة بالاستقلال[30]. وفي جمهوريات آسيا الوسطى الخمس (كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان وقيرغيزستان)، كانت المجتمعات ذات الغالبية المسلمة تحمل هوياتها الإثنية والدينية العميقة تحت ستار الأيديولوجيا السوفيتية. وفي القوقاز، كانت جورجيا وأرمينيا وأذربيجان تحتضن ثقافات وتاريخاً وعلاقات متشابكة تضمّنت نزاعات إثنية كامنة ستنفجر مع انهيار الاتحاد.

الإرث الحضاري والعلمي: ما بقي بعد السقوط

رغم انهيار الاتحاد السوفيتي، فإن إرثه الحضاري والعلمي والأكاديمي لا يُمكن محوه أو تجاهله؛ إذ يُمثّل جانباً حقيقياً لا يقل في موضوعيته التاريخية عن روايات جرائمه ومظالمه. بنى الاتحاد السوفيتي منظومة تعليمية من أوسع وأرسخ ما عرفه العالم في القرن العشرين؛ فمعدلات الإلمام بالقراءة والكتابة ارتفعت من أقل من ثلاثين بالمئة في روسيا القيصرية إلى قرابة مئة بالمئة. وأنتج العلماء والمهندسون السوفيت إسهامات جوهرية في الفيزياء النووية والرياضيات وعلم الفضاء والكيمياء وعلم الأحياء والطب. ومنح نظام التعليم السوفيتي الجماهيري المجانية الفرصة لأبناء الطبقات الفقيرة للصعود الأكاديمي بصورة غير مسبوقة[31].

على صعيد الثقافة والفنون، أنتج الاتحاد السوفيتي موسيقيين ومؤلفين موسيقيين من عيار شوستاكوفيتش وبروكوفييف وخاتشاتوريان، وروائيين وشعراء تجرّأوا أحياناً على كسر الخطوط الحمراء كبوريس باسترناك وميخائيل بولغاكوف وأنا أخماتوفا. وعلى الرغم من رقابة الدولة الأيديولوجية الجامدة، نجح فنانو ومبدعو الاتحاد السوفيتي في إنتاج أعمال خالدة في الأدب والموسيقى والسينما والأداء الاستعراضي شكّلت جزءاً لا يُنكر من التراث الإنساني المشترك. كما اشتهر الاتحاد السوفيتي بمستوى الرعاية الصحية العامة والمجانية ورياضاته الأولمبية التي استأثرت بنصيب وافر من الميداليات في الألعاب الدولية على مدى العقود[32].

ما بعد الانحلال: الدول الخمس عشرة وإرث الاتحاد

تفككت الدولة العملاقة إلى خمس عشرة دولة مستقلة وُجدت مع استقلالها أمام تحديات جسيمة: كيفية بناء اقتصادات سوق من اقتصادات مخطّطة قسراً، وكيفية بناء مؤسسات ديمقراطية من منظومة أحادية الحزب، وكيفية رسم الحدود والتعامل مع الأقليات الإثنية في دول كثيراً ما نشأت حدودها بقرار سوفيتي مركزي لا بمنطق جغرافي أو ديموغرافي متسق. مرّت روسيا الاتحادية بالأزمة الأشد وطأةً في التسعينيات حيث انهارت اقتصادياً تحت وطأة “العلاج بالصدمة” الرأسمالي المتسرّع، قبل أن تستعيد استقرارها نسبياً في العقد الأول من الألفية الثالثة. واندلعت حروب إثنية دموية في ناغورني قره باغ بين أذربيجان وأرمينيا، وفي جورجيا (أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية)، وفي طاجيكستان، وصولاً إلى حروب الشيشان الروسية في التسعينيات وما بعدها[33].

يُشكّل إرث الاتحاد السوفيتي حتى اليوم عاملاً حاكماً في جيوسياسة الفضاء ما بعد السوفيتي؛ فروسيا بوتين لا تزال تسعى إلى استعادة قدر من النفوذ الإقليمي الذي فقدته، وتنتهج سياسة تعيد توظيف مفردات “الفضاء السوفيتي السابق” لتبرير أطماع إمبريالية جديدة. وقد أفضت هذه النزعة في نهاية المطاف إلى الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022م في ما يُعدّ من أشد نتائج انهيار الاتحاد السوفيتي إيلاماً وأعمقها ترسّخاً في القرن الحادي والعشرين.

خاتمة: درس التاريخ من العملاق المتشقّق

انتهى الاتحاد السوفيتي لا في المعركة العسكرية بل تحت ثقل تناقضاته الداخلية وجمود نظامه وعجزه عن التكيّف مع متطلبات عالم متسارع التغيير. أسدل انحلاله الستارَ على حقبة ثنائية القطبية وفتح عصراً جديداً من الأحادية القطبية الأمريكية المؤقتة. ويظل الاتحاد السوفيتي من أكثر التجارب السياسية والاجتماعية والاقتصادية استثارةً للسؤال والنقاش في التاريخ البشري الحديث: ما الذي أمكن تغييره ليبقى الحلم؟ وما الذي في طبيعة التجربة ذاتها جعل نهايتها حتمية؟ لا تزال تلك الأسئلة تُثير الجدل الأكاديمي والسياسي حول العالم، وكأن الاتحاد السوفيتي حتى في انهياره رفض أن يختفي من مسرح الجدال الإنساني[34].