المقدمة
اتفاقية سايكس بيكو، المعروفة رسمياً بـ”اتفاقية آسيا الصغرى”، هي وثيقة سرية وُقِّعت في السادس عشر من مايو عام 1916م، بين الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، بمصادقة الإمبراطورية الروسية القيصرية، إبّان أحلك فصول الحرب العالمية الأولى. حملت الاتفاقية اسم مفاوضَيها الرئيسيَّين؛ البريطاني السير مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج بيكو، وجاءت ثمرةً لمفاوضات شاقة امتدت من نوفمبر 1915 حتى مايو 1916، كانت هدفها الأساسي تقسيم الأراضي العربية الخاضعة للدولة العثمانية إلى مناطق نفوذ بريطانية وفرنسية، في حال انتهت الحرب بهزيمة الأتراك. كشفت الاتفاقية علناً لأول مرة في نوفمبر 1917، حين نشرتها الحكومة البلشفية الروسية الجديدة بعد ثورتها، فأشعلت موجة واسعة من الغضب والصدمة في العالم العربي الذي كان يخوض ثورته الكبرى ضد العثمانيين على أمل الاستقلال، بعد وعود بريطانية صريحة تمثّلت في مراسلات الحسين مكماهون 1915-1916م.
يمتد أثر هذه الاتفاقية الغيابي الموجع على مساحة القرن الفائت بأكمله؛ إذ رسم المفاوضان خطوطاً على الخريطة بأقلام الرصاص، فتحوّلت إلى حدود فاصلة بين دول، وإلى جراح لم تندمل في الذاكرة العربية الجماعية. وُلدت من رحم هذا التقسيم دول الشرق الأوسط الحديثة كما نعرفها اليوم: سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، والعراق والأردن وفلسطين تحت السيطرة البريطانية. ولم تقتصر إشكاليات الاتفاقية على البُعد الجغرافي فحسب، بل امتدت لتشمل تجاهلاً صارخاً للتركيبة الإثنية والدينية والقبلية للمنطقة، فضلاً عن تناقضها الصريح مع وعود الاستقلال الممنوحة للشريف الحسين بن علي، ومع وعد بلفور اللاحق الصادر عام 1917م بشأن إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. وتبقى هذه الاتفاقية حتى اليوم مصدراً للجدل الأكاديمي والسياسي، وشاهداً حياً على ما يمكن أن تصنعه القوة الاستعمارية من أقلام الرصاص والمصالح الضيقة في رقعة حضارات عريقة.
| اتفاقية سايكس بيكو | |
|---|---|
| معلومات عامة | |
| الاسم الرسمي | اتفاقية آسيا الصغرى (Asia Minor Agreement) |
| تاريخ التوقيع | 16 مايو 1916م [1] |
| بدء المفاوضات | نوفمبر 1915م |
| الموقِّعون | إدوارد غراي (بريطانيا)، بول كامبون (فرنسا) |
| المفاوضون الرئيسيون | السير مارك سايكس (بريطانيا)، فرانسوا جورج بيكو (فرنسا) |
| الممثل الروسي | سيرغي سازونوف وزير خارجية روسيا القيصرية |
| طبيعة الاتفاقية | سرية، ثنائية (مع موافقة روسية) |
| الغرض | تقسيم الأراضي العربية العثمانية إلى مناطق نفوذ |
| الكشف عنها | نوفمبر 1917م (نشرتها الحكومة البلشفية الروسية) [2] |
| التقسيم الجغرافي | |
| المنطقة الحمراء (بريطانيا) | وسط وجنوب العراق (بغداد والبصرة) |
| المنطقة الزرقاء (فرنسا) | الساحل السوري ولبنان وجنوب تركيا |
| المنطقة (أ) – النفوذ الفرنسي | داخلية سوريا ومنطقة الموصل |
| المنطقة (ب) – النفوذ البريطاني | داخلية العراق والأردن |
| المنطقة البنية (دولية) | فلسطين تحت إدارة دولية مشتركة [3] |
| السياق التاريخي | |
| الحدث المحيط | الحرب العالمية الأولى (1914-1918م) |
| الاتفاقيات المرتبطة | مراسلات الحسين-مكماهون (1915م)، وعد بلفور (1917م)، معاهدة سان ريمو (1920م) |
| الدول المولودة منها | سوريا، لبنان، العراق، الأردن، فلسطين |
| الإطار القانوني اللاحق | نظام الانتداب عصبة الأمم، معاهدة لوزان 1923م |
| شخصيات المفاوضين | |
| مارك سايكس | 1879-1919م، نبيل بريطاني وعضو برلمان محافظ |
| فرانسوا جورج بيكو | 1870-1951م، دبلوماسي فرنسي ومحامٍ، قنصل سابق في بيروت |
السياق التاريخي: “المسألة الشرقية” وانهيار الرجل المريض
لكي يُدرك المرء أبعاد اتفاقية سايكس بيكو في عمقها الحقيقي، ينبغي له أن يعود إلى جذور ما عُرف في الأدبيات الدبلوماسية الأوروبية بـ”المسألة الشرقية” (The Eastern Question)؛ وهو المصطلح الذي ابتكرته الدبلوماسية الأوروبية في القرن التاسع عشر للتعبير عن ذلك الهاجس المتصاعد المتعلق بمصير الأراضي الشاسعة التي ترزح تحت السيطرة العثمانية في حال انهيار تلك الدولة التي باتت تُوصف ساخرةً بـ”الرجل المريض في أوروبا”. فمنذ منتصف القرن التاسع عشر، كانت الدول الأوروبية الكبرى تتراقص في رقصة دبلوماسية محسوبة حول الجسد العثماني المحتضر، تنتظر لحظة السقوط لتتقاسم الإرث الثمين[4].
في مارس 1915م، أبرمت بريطانيا اتفاقية سرية مع روسيا القيصرية تعدّها الأولى في سلسلة من الصفقات السرية؛ إذ وعدت لروسيا بضمّ القسطنطينية عاصمة الأتراك ومضيق الدردنيل والشبه جزيرة الغاليبولي إلى سيادتها، وهو ما كانت تحلم به موسكو منذ قرون بحثاً عن منفذ إلى البحار الدافئة. وكانت هذه الرغبة الروسية بالتحديد أحد العوامل التي دفعت الأتراك إلى الانضمام إلى جانب ألمانيا والنمسا في الحرب[5]. وبموازاة ذلك، كانت بريطانيا وفرنسا تخوضان نقاشات معمّقة حول ما يمكن أن يؤول إليه الهلال الخصيب والبلاد الشامية والرافدان بعد زوال السيطرة العثمانية، وكانت المصالح الاستراتيجية لكلتا الدولتين حاضرة بقوة في ذلك التخطيط المبكر.
كانت فرنسا تُطالب بما تعدّه حقاً تاريخياً في “سوريا الكبرى”، مستندةً إلى تقاليد الحماية الدينية للمسيحيين الشرقيين التي رسّختها منذ القرن السادس عشر في عهد السلطان سليمان القانوني، وإلى نفوذها الثقافي العميق الممثَّل في المدارس والجامعات والمؤسسات الدينية التي أنشأتها في بلاد الشام طوال العقود الماضية. أما بريطانيا، فكانت أعينها على خط الإمداد الحيوي إلى الهند، وعلى حقول نفط الموصل وبغداد والبصرة التي بدأت أهميتها الاستراتيجية تتضح مع التحول من الفحم إلى النفط في تشغيل السفن الحربية، وعلى منافذ الخليج العربي والبحر المتوسط[6].
أما الإمبراطورية العثمانية ذاتها، فلم تكن في مطلع الحرب العالمية الأولى في وضع يُبعث منه على الاطمئنان؛ فقد دخلت الحرب رسمياً في أكتوبر 1914م إلى جانب دول المحور، وكانت خلفها ثلاثة عقود من الإصلاحات المتقطعة والحروب المنهِكة وفقدان الأراضي في البلقان والحرب الإيطالية-التركية في ليبيا. وفي هذا السياق من التوقعات بالانهيار العثماني القريب، بدأت المفاوضات الأنجلو-فرنسية تأخذ منحىً أكثر جدية وتحديداً، لتفضي في نهاية المطاف إلى اتفاقية سايكس بيكو.
الشخصيتان المحوريتان: بين النبيل البريطاني والدبلوماسي الفرنسي
إن أردنا فهم روح الاتفاقية وطبيعة ما أنتجته من حدود، فلا بد من التوقف عند شخصيتَي المفاوضَين اللذَين منحاها اسمها، وهما يمثلان نماذج مختلفة تمام الاختلاف في الرؤية والأسلوب.
السير مارك سايكس (1879-1919م) كان بارونياً إنجليزياً من أسرة أرستقراطية ثرية تمتلك أراضٍ واسعة في مقاطعة يوركشاير الشمالية، ولد لأب غريب الأطوار ثري اسمه تاتون سايكس. سلك مسلك المغامرة منذ صباه؛ فقد شهدت حياته المبكرة رحلات مطوّلة إلى الأراضي العثمانية، وخدمة في حرب جنوب أفريقيا (البوير)، قبل أن يلتحق بالسياسة عضواً في البرلمان البريطاني عن حزب المحافظين[7]. كان سايكس يحمل صورة رومانسية مبالغاً فيها عن الشرق والعرب، لكن تلك الرومانسية كانت في جوهرها رومانسية إمبريالية أبوية ترى في الشعوب الشرقية أقواماً تحتاج إلى وصاية غربية وتوجيه. دخل إلى مفاوضات باريس-لندن بتوصية من اللورد كيتشنر وزير الحرب، وكان يمثل مكتب الحرب لا وزارة الخارجية، مما أضفى على تفاوضه طابعاً عسكرياً-استراتيجياً أكثر من كونه دبلوماسياً مدنياً بالمعنى الدقيق. وصفه بعض معاصريه بأنه “جيد الطوية لكنه متشقّق”؛ وهو تعبير كان يُعبّر عن تناقض شخصيته بين الحماس الصادق والتبسيط المُفرِط[8]. مات سايكس في عام 1919م مصاباً بوباء الإنفلونزا الإسبانية بينما كان يحضر مؤتمر باريس للسلام، ومات قبل أن يرى بعينيه ما أفرزته الحدود التي رسمها من كوارث.
أما فرانسوا جورج بيكو (1870-1951م) فكان يمثل النموذج المعاكس في أسلوبه؛ محامٍ بدأ مسيرته في محاكم الاستئناف بباريس قبل أن ينضم إلى السلك الدبلوماسي عام 1896م، وتدرّج في مناصب قنصلية عدة حتى وصل إلى منصب القنصل العام في بيروت قُبيل الحرب العالمية الأولى[9]. في بيروت، أقام بيكو علاقات وثيقة مع الزعامات المارونية المسيحية، وأتقن بالتالي رؤية المنطقة من زاوية الكاثوليكية الفرنسية والمصالح الاستعمارية. كان ابن المؤرخ الفرنسي المعروف جورج بيكو، وكان وريثاً لتقليد أكاديمي وسياسي راسخ. وبوصفه عضواً في “الحزب الاستعماري الفرنسي”، دافع باستماتة عن حق فرنسا في سوريا الكبرى الممتدة من الإسكندرون شمالاً حتى سيناء جنوباً، ومن الموصل شرقاً إلى الساحل المتوسطي غرباً. وكان أكثر صرامةً وتشدداً في المفاوضات من سايكس؛ يتعامل مع خريطة المنطقة بعين القانوني الدقيق لا بعين المستكشف الرومانسي[10]. وقد عُيِّن لاحقاً مفوضاً ساميّاً في فلسطين وسوريا بين 1917 و1919م، ثم سفيراً في الأرجنتين، وعاش حتى عام 1951م شاهداً على ما صنعت يداه من خارطة الشرق الأوسط الحديث.
مسار المفاوضات: من المطالب القصوى إلى التقسيم السري
بدأت المفاوضات رسمياً في نوفمبر 1915م، حين قدّم بيكو بوصفه مندوباً أول للسفارة الفرنسية في لندن، مطالبَ فرنسا القصوى أمام لجنة بريطانية مشتركة بين الوزارات. كانت المطالب الفرنسية الابتدائية تشمل “سوريا المتكاملة” بحدود واسعة جداً، مما وضع المفاوضين في نقطة انطلاق متباعدة جداً[11]. بعد ذلك انتقلت المفاوضات إلى مرحلة ثنائية مباشرة بين سايكس وبيكو، وكانت محادثة ماراثونية بالمعنى الحرفي للكلمة؛ عشرات الجلسات التي تتراجع فيها الخطوط وتتقدم على خريطة ممدودة أمام الرجلين، بينما تتجاذب الحجج القانونية والتاريخية والاستراتيجية.
توصّل الرجلان إلى صيغة أولية في يناير 1916م، ثم أُدخلت عليها تعديلات في فبراير من العام ذاته[12]. وكانت إحدى الإشكاليات الكبرى التي واجهها سايكس هي فشله في ضمّ جميع الأراضي الواقعة جنوب خط يمتد بين حيفا وكركوك إلى النفوذ البريطاني، وهو ما كان يُمثّل هدفه الاستراتيجي الأساسي. في المقابل، نجح بيكو في تثبيت الحضور الفرنسي في منطقة الموصل شمال العراق، وهي منطقة كانت بريطانيا تطمع في السيطرة عليها بدورها لما تحمله من ثروات نفطية واعدة. وقد أُضفيت الصياغة الرسمية النهائية في مايو 1916م بصورة رسائل متبادلة بين وزارات خارجية الدول الثلاث: فرنسا وبريطانيا وروسيا القيصرية[13]. ووقّع على الوثيقة رسمياً كلٌّ من السير إدوارد غراي وزير الخارجية البريطاني، وبول كامبون السفير الفرنسي في لندن.
وقد قيل في مرحلة لاحقة إن سايكس نفسه عبّر عن ندمه على بعض جوانب الاتفاقية؛ ففي مرحلة لاحقة من الحرب أدرك التناقض الصارخ بين ما وعد به العرب وما رسمه من خطوط للتقسيم. أما الفيلد مارشال السير هنري ويلسون رئيس أركان الإمبراطورية البريطانية فقد وصف الاتفاقية لاحقاً بقوله إنها يجب أن “تُمزَّق بأي طريقة ممكنة”[14]، وهو حكم قاسٍ يكشف عن الإدراك البريطاني المبكر للأخطاء الجوهرية في تلك الوثيقة.
مضمون الاتفاقية: تشريح التقسيم
نصّت الاتفاقية في صياغتها الأصلية على تقسيم المنطقة إلى أربع مناطق رئيسية، وهي تقسيم يجمع بين السيطرة المباشرة ومناطق النفوذ غير المباشر[15]:
أولاً: المنطقة الحمراء (السيطرة البريطانية المباشرة): شملت وسط وجنوب العراق، وتحديداً ولايتَي بغداد والبصرة، ووصلت إلى شواطئ الخليج العربي. كانت هذه المنطقة تحت الإدارة البريطانية المباشرة دون أي وساطة أو حكم عربي ذاتي. واضحٌ أن المصلحة البريطانية في هذه المنطقة كانت تجمع بين البُعد الاستراتيجي المتمثل في الطريق إلى الهند، والبُعد الاقتصادي المتمثل في ثروات النفط التي بدأت تُكشف في تلك الحقبة[16].
ثانياً: المنطقة الزرقاء (السيطرة الفرنسية المباشرة): امتدت لتشمل الشريط الساحلي السوري من أدنة شمالاً حتى صيدا جنوباً، وجبل لبنان ومنطقة اللاذقية وكيليكيا في جنوب الأناضول. وكانت هذه المنطقة تمثّل الحضن الفرنسي الطبيعي لمجتمعات المسيحيين الشرقيين الذين رعت فرنسا علاقاتها بهم منذ قرون، ولا سيما الموارنة في جبل لبنان[17].
ثالثاً: المنطقة (أ) – النفوذ الفرنسي: هي المنطقة الداخلية من سوريا الكبرى، أي الجزء الداخلي من بلاد الشام الذي يضم دمشق وحمص وحماة وحلب، إضافةً إلى منطقة الموصل في شمال العراق. كانت هذه المنطقة مخصصة نظرياً لحكومة عربية مستقلة أو دولة عربية، لكن مع حصول فرنسا على حق الأولوية في المشاريع والقروض وتقديم المستشارين الأجانب. وبمعنى آخر، كانت حكومة عربية في الشكل وسيطرة فرنسية في الجوهر[18].
رابعاً: المنطقة (ب) – النفوذ البريطاني: تمثّل المنطقة الداخلية من العراق، وتشمل ما سيصبح لاحقاً الأردن وأجزاء من صحراء النقب حتى سيناء. وكانت مخصصة بدورها لدولة عربية أو حلف من الدول العربية تحت النفوذ البريطاني، مع حق الأولوية البريطاني في المشاريع والاستشارات.
خامساً: المنطقة البنية (الإدارة الدولية): كانت فلسطين مقرّرةً لإدارة دولية مشتركة تضم بريطانيا وفرنسا وروسيا، مع مراعاة مصالح الدول المسيحية الأخرى في هذه الأرض المقدسة. وقد جاء هذا الاختيار تحديداً نتيجة ضغوط روسية لضمان حضورها في الأماكن المقدسة المسيحية، وتحسّباً بريطانياً لمتطلبات الديبلوماسية الدينية الدولية[19].
أما على صعيد البنود الاقتصادية، فنصّت المادة الثامنة من الاتفاقية على إبقاء التعريفة الجمركية التركية سارية المفعول لمدة عشرين عاماً في جميع المناطق، وحظر إنشاء جمارك داخلية بين المناطق المختلفة؛ وهو بند يهدف إلى الحفاظ على وحدة السوق الإقليمي بما يخدم مصالح الدولتَين الاستعماريتَين[20]. ونصّت المادة التاسعة على أن لا تتنازل فرنسا عن حقوقها في المنطقة الزرقاء لأي دولة أخرى غير الدول العربية دون موافقة بريطانية مسبقة، والعكس بالعكس؛ وهو ما يكشف عن طبيعة هذه العلاقة الاستعمارية الثنائية القائمة على الاعتراف المتبادل بحصص النفوذ.
الوعود المتناقضة: مراسلات الحسين-مكماهون ووعد بلفور
لا يمكن قراءة اتفاقية سايكس بيكو بمعزل عن وثيقتَين أخريَيَن وُجدتا في السياق ذاته وتناقضتا مع بعضهما تناقضاً صارخاً، مشكّلتَين معاً منظومة من التناقضات الدبلوماسية التي كانت مدفونةً كالألغام تحت ظاهر الوعود الحسنة.
الوثيقة الأولى هي مراسلات الحسين-مكماهون التي جرت بين يوليو 1915 ومارس 1916م؛ وهي مجموعة رسائل تبادلها الشريف الحسين بن علي أمير مكة مع السير هنري مكماهون المفوض البريطاني السامي في مصر[21]. في تلك الرسائل، وعدت بريطانيا بدعم استقلال العرب في معظم المناطق العربية مقابل إشعال الثورة العربية ضد الأتراك. وفي رسالته الشهيرة المؤرخة في 24 أكتوبر 1915م، وعد مكماهون بـ”الاعتراف باستقلال العرب ودعمه في الأراضي التي يقترحها” الشريف، وكانت تلك الأراضي تشمل شبه الجزيرة العربية وسوريا الكبرى بما فيها لبنان وفلسطين والأردن والعراق. فتح هذا الوعد الباب أمام الثورة العربية الكبرى التي انطلقت في يونيو 1916م، وكان الشريف الحسين قد أعلن أنه يريد إقامة دولة عربية تمتد من حلب شمالاً إلى عدن جنوباً[22]. غير أن اتفاقية سايكس بيكو كانت قد وُقِّعت قبل أسابيع قليلة من إعلان الثورة، في تناقض صارخ لا يصحّ تبريره بأي منطق دبلوماسي أو أخلاقي. وقد صرّح اللورد كرزون لاحقاً في اجتماع سري عام 1918م بأن رسالة مكماهون “تضمّنت وعداً بأن فلسطين ستكون عربية مستقلة”[23].
إن بريطانيا والفرنسية مستعدتان أن تعترفا وتحميا دولة عربية مستقلة أو حلف دول عربية في المناطق المبيّنة في الخريطة الملحقة بهذا الاتفاق.
— المادة الأولى من اتفاقية سايكس بيكو، 16 مايو 1916م
الوثيقة الثانية هي وعد بلفور الصادر في نوفمبر 1917م، حين كتب آرثر جيمس بلفور وزير الخارجية البريطاني رسالته الشهيرة إلى اللورد روتشيلد يعلن فيها دعم بريطانيا لـ”إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”. جاء هذا الوعد ليُضاف إلى التناقضات المتراكمة؛ ففلسطين كانت وُعد بها للعرب في مراسلات مكماهون، ثم خُصِّصت لإدارة دولية في سايكس بيكو، ثم وُعد بها ليكون فيها وطن يهودي في وعد بلفور. وهكذا وُعدت بأرض واحدة لثلاث جهات مختلفة في ثلاث وثائق متتالية[24]. وقد لخّص مؤرخ بريطاني المفارقة الصارخة بقوله إن “الغموض كان مقصوداً”، وإن دبلوماسية بريطانيا أرادت دعم العرب دون التزام ملزم يتعارض مع سايكس بيكو أو وعد بلفور[25].
الكشف عن الاتفاقية: الصدمة البلشفية وموجة الغضب العربي
في نوفمبر 1917م، أثّر حدث بعيد جغرافياً تأثيراً مدوياً في مآلات منطقة الشرق الأوسط؛ إذ انتصرت الثورة البلشفية في روسيا وأسقطت النظام القيصري، وسارع البلاشفة بقيادة لينين إلى الاستيلاء على أرشيفات الخارجية الروسية الإمبريالية ونشر ما فيها من معاهدات سرية، بهدف فضح الطابع الاستعماري لدول الحلفاء وتحقيق مكاسب دعائية لصالح الثورة الاشتراكية[26]. كان من بين تلك الوثائق المنشورة نص اتفاقية سايكس بيكو بكل تفاصيلها، فأُذيع في الصحافة الروسية أولاً ثم نشرته وكالات الأنباء الدولية.
وقعت الصدمة على العرب الذين كانوا يخوضون ثورتهم الكبرى يوماً بعد يوم، ظانّين أنهم يُقاتلون من أجل وطنهم المستقل. وصفت المصادر العربية المعاصرة ردود الأفعال بأنها كانت مزيجاً من الذهول والغضب والشعور بالخيانة. أُرغم الشريف الحسين على مواجهة الحقيقة المُرّة: أن الوعود البريطانية التي أسّس عليها ثورته كانت تتعارض تعارضاً جذرياً مع ما وقّع عليه البريطانيون والفرنسيون في السر. حاول البريطانيون في البداية طمأنته بأن الاتفاقية لن تطبَّق حرفياً وأن الاعتبارات العربية ستُراعَى، غير أن الأحداث اللاحقة أثبتت أن تلك الطمأنينة لم تكن أكثر من مسكّن مؤقت[27].
استقبل الرأي العام الدولي الأمر بموجة واسعة من النقد والإدانة؛ وكانت الولايات المتحدة الأمريكية التي دخلت الحرب عام 1917م بقيادة الرئيس وودرو ويلسون ومبادئه الأربعة عشر القائمة على حق تقرير المصير، في حرج واضح إزاء ما يُجريه حلفاؤها من صفقات استعمارية بالية تتناقض مع مبدأ تقرير المصير الذي رفعوه شعاراً. فتح الكشف عن الاتفاقية نقاشاً واسعاً حول طبيعة الأهداف الحقيقية للحلفاء في الحرب، وألقى بظلاله الثقيلة على مفاوضات السلام في باريس عام 1919م.
مرحلة ما بعد الحرب: من الاتفاقية إلى نظام الانتداب
أسفر انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية عن مرحلة تطبيق كانت أكثر تعقيداً مما رسمته اتفاقية سايكس بيكو في صيغتها الأصلية. فالواقع السياسي الناجم عن الحرب كان قد تجاوز كثيراً الحسابات الأولية للمفاوضَين؛ فروسيا القيصرية انهارت وخرجت من الساحة الدولية، وإيطاليا التي أُبلغت بالاتفاقية في أغسطس 1916م وأثارت طموحاتها مُلحقةً بها اتفاقية سان جان دو موريان في أبريل 1917م التي وعدتها ببعض مناطق جنوب غرب الأناضول، خرجت هي الأخرى خالية الوفاض من تلك الوعود[28].
على الأرض، كانت القوات العربية بقيادة الأمير فيصل بن الحسين والمستشار البريطاني توماس إدوارد لورنس (لورنس العرب) قد توغّلت في سوريا وأسّست حكومةً عربية في دمشق في سبتمبر 1918م. وظلّت بريطانيا لفترة تبدو مؤيدةً للطموحات العربية، غير أن الخيانة جاءت في مؤتمر سان ريمو في أبريل 1920م حين رسّم الحلفاء الخارطة الاستعمارية وفق ما يشبه روح سايكس بيكو: فحصلت فرنسا على انتداب عصبة الأمم على سوريا ولبنان، وأُخرجت القوات العربية من دمشق بالقوة في معركة ميسلون في يوليو 1920م، فيما حصلت بريطانيا على انتداب العراق وفلسطين وشرق الأردن[29].
أسدل مؤتمر لوزان عام 1923م الستارَ على هذه المرحلة بشكل قانوني رسمي، إذ رسم حدود تركيا الجديدة وأنهى أي آمال إيطالية في الأناضول. أما نظام الانتداب الذي أقرّته عصبة الأمم فكان أكثر من مجرد صيغة قانونية بديلة؛ فهو وإن اختلف في الشكل عن مناطق النفوذ التي رسمتها سايكس بيكو، إلا أنه حمل في جوهره الهيمنة الاستعمارية ذاتها مُقنَّعةً بلغة حضارية ووصائية تتحدث عن “مساعدة الشعوب غير الناضجة” على الوصول إلى الاستقلال[30].
لقد أفرز هذا النظام خارطة جديدة للمنطقة كانت تختلف في تفاصيلها الكثير من الاتفاقية الأصلية، بما دفع بعض المؤرخين إلى الجدل في أن “سايكس بيكو” بالمعنى الحرفي لم تُطبَّق كاملةً قط، وأن الحدود التي نعرفها اليوم هي في الواقع نتاج مؤتمر سان ريمو ومعاهدة لوزان أكثر من كونها نتاج الاتفاقية الأصلية. يقول المؤرخ الفرنسي هنري لورنس أستاذ بالكوليج دو فرانس إن خطوط سايكس بيكو الأصلية “لا تشابه في شيء” الحدود المعروفة اليوم، وإن الاتفاقية الأولى لم تذكر قط “دولة يهودية ولا لبنان مستقلاً”[31].
القضية الكردية: ضحية منسية في خرائط التقسيم
من أشد ما أفرزته اتفاقية سايكس بيكو من إشكاليات مأساويةً وأطولها أمداً، ما آلت إليه القضية الكردية؛ وهي إشكالية يمكن وصفها بالجرح المفتوح الذي لم يُعالَج قط. فالشعب الكردي الذي يضم عشرات الملايين من البشر الذين تجمعهم لغة وثقافة وهوية مشتركة، وجد نفسه موزعاً على أربع دول هي تركيا والعراق وسوريا وإيران، نتيجة خطوط ذلك التقسيم التي لم تأخذ التوزيع الجغرافي للكرد في الحسبان البتة[32].
كان كرد الإمبراطورية العثمانية يشكّلون مجموعة سكانية متماسكة في منطقة شاسعة تعرف بكردستان التاريخية، وكانت معاهدة سيفر عام 1920م قد نصّت في مادتيها 62 و64 على إمكانية منح الكرد حكماً ذاتياً مقدّمةً للاستقلال، غير أن معاهدة لوزان عام 1923م جاءت لتلغي تلك النصوص كلياً وتُرسي هيمنة الدولة التركية على الجزء الأكبر من الأراضي الكردية. ومنذ ذلك الحين، تحوّلت القضية الكردية إلى مصدر توتر متواصل يُلقي بظلاله على سياسات تركيا والعراق وسوريا وإيران، ولم يتحقق للكرد وطن قومي مستقل حتى يومنا هذا، وإن كان الكرد في العراق قد أحرزوا عام 1992م قدراً من الحكم الذاتي أعاد إلى الواجهة الجدلَ حول إرث سايكس بيكو[33].
الإرث الدائم: كيف شكّلت الاتفاقية الشرق الأوسط المعاصر
يكاد لا يمرّ عقد من عقود القرن العشرين والحادي والعشرين دون أن يُستشهد بسايكس بيكو سبباً لأزمة، أو موضعاً لمقارنة، أو إطاراً تفسيرياً لصراع. وهذا الحضور الدائم في وعي المنطقة هو بحد ذاته شاهد على حجم الأثر الذي تركته تلك الاتفاقية.
على صعيد الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، يرى كثير من المحللين والمؤرخين أن جذوره تضرب مباشرةً في التناقضات الدبلوماسية التي أحدثتها المرحلة ذاتها التي وُلدت فيها سايكس بيكو. فالوعود المتضاربة للعرب واليهود في آنٍ معاً أرست أسس صراع لم ينتهِ منذ إعلان دولة إسرائيل عام 1948م حتى اليوم. وحين تخلّت بريطانيا عن انتدابها على فلسطين عام 1947م، أحالت الأمر إلى الأمم المتحدة التي اقترحت التقسيم بين دولة يهودية ودولة عربية، فكان ما أعقب ذلك من اندلاع النزاع المسلح[34].
على صعيد لبنان، قامت دولته الحديثة على مبدأ التوازن الطائفي الذي أرساه الانتداب الفرنسي بمراعاة الغالبية المارونية المسيحية حينذاك، غير أن التحولات الديموغرافية وتعقيدات الهويات الطائفية في دولة تجمع بين مسلمين ومسيحيين ودروز في مساحة محدودة، أفضت إلى حرب أهلية مدمّرة امتدت بين 1975 و1990م، وإلى أزمات متجددة لا تزال تُعصف بالدولة اللبنانية.
في العراق، كان تقسيم سايكس بيكو الذي ضمّ ثلاث ولايات عثمانية متباينة (الموصل وبغداد والبصرة) ذات تركيبة طائفية وإثنية مختلفة (سنّة وشيعة وكرد) في كيان واحد، أحد العوامل البنيوية التي جعلت الدولة العراقية هشّةً أمام الانقلابات والاستبداد والحرب والانهيار. وقد أفضى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م إلى انهيار الدولة وصعود التنظيمات المتطرفة، وكان من أبرزها تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) الذي نشر عام 2014م مقطع فيديو يظهر فيه جرّافٌ يهدم الحاجز الحدودي بين العراق وسوريا، وبينما يعلو صوت المعلّق قائلاً: “هذه ليست أول حدود سنُحطّمها”، كانت تلك الحدود بالتحديد هي خطوط سايكس بيكو[35].
إن الشرق الأوسط الحديث المعرَّف بأمم متشقّقة وصراعات عصيّة وأحقاد متجذّرة لم يُولد من عداوات قديمة، بل صُهر في بوتقة الحرب العالمية الأولى. وثيقته التأسيسية ليست إعلان استقلال، بل اتفاق سري رسمه موظفان استعماريان.
— Explaining History Podcast، نوفمبر 2025م
الجدل الأكاديمي: هل سايكس بيكو مسؤولة عن كل شيء؟
رغم حضور اتفاقية سايكس بيكو الطاغي في الخطاب السياسي والإعلامي العربي كتفسير لكل ما أصاب المنطقة من بلاء، فإن المؤرخين المتخصصين يقدّمون صورةً أكثر دقة وتعقيداً. وهذا الجدل الأكاديمي ليس ترفاً فكرياً بل ضرورة منهجية لفهم التاريخ فهماً حقيقياً بعيداً عن التبسيط المُخلّ.
يجادل عدد من الباحثين بأن حدود الشرق الأوسط التي نعرفها اليوم لم تصدر مباشرةً من اتفاقية 1916م، بل كانت نتيجة عمليات متراكمة من التفاوض وإعادة الرسم التي جرت في الفترة 1916-1923م، وفي مؤتمرات سان ريمو ولوزان والقاهرة. ويصل بعضهم إلى القول إن الاتفاقية الأصلية تحمل أهمية “ثانوية” مقارنةً بالاتفاقيات اللاحقة، وإن إسباغ كل تبعات المنطقة عليها هو مبالغة لا تخدم الفهم التاريخي[36].
في المقابل، يرى فريق آخر من الباحثين أن الأهمية الحقيقية لسايكس بيكو ليست في خطوطها الحرفية بل في ما أرسته من “نموذج” لتدخل القوى الخارجية في رسم مصير الشرق الأوسط بمعزل عن إرادة سكانه. فالاتفاقية ترسّخ مبدأً استعمارياً أعمق يتمثل في افتراض أن شعوب المنطقة قاصرة عن رسم مصيرها بنفسها وأن القوى الأوروبية الكبرى هي الوصيّة الطبيعية عليها. ويخلص تحليل نشرته الدورية الأكاديمية الدولية للبحوث (IJRPR) إلى أن “الأثر الدائم لسايكس بيكو لا يكمن فحسب في نتائجها الخرائطية بل في الأطر الأيديولوجية والسياسية التي فرضتها”[37].
أما الدكتورة إليزابيث مونييه الأستاذة في جامعة كامبريدج وأستاذة الدراسات العربية الحديثة، فتحذّر من الإفراط في تحميل الاتفاقية مسؤولية ما يجري اليوم في المنطقة، قائلةً: “ربط نزاعات اليوم باتفاقية سايكس بيكو يُبسّط تعقيدات السياسات الشرق أوسطية المعاصرة”[38]. وترى أن الأزمات المتلاحقة في المنطقة لها أسبابها الراهنة والمحلية التي لا ينبغي اختزالها في خطوط رُسمت قبل أكثر من قرن. بيد أنها تقرّ في الوقت ذاته بأن الإرث الرمزي للاتفاقية بالغ الأثر بوصفها تجسيداً حياً للخداع الغربي وانعدام الثقة.
وفي موازنة تلك الآراء الأكاديمية، يمكن القول إن سايكس بيكو ليست “السبب الوحيد” لكل أزمات الشرق الأوسط، لكنها “الرصيف الذي بُني عليه” الكثير منها؛ فهي أرست منطق الدول الاصطناعية وزرعت التناقضات البنيوية في تكوينها، وفرضت حدوداً قطعت أواصر قبائل وعشائر وأسر وطرق تجارية كانت متصلة منذ قرون. وفي هذا المعنى، فإن إشكاليات العراق وسوريا ولبنان وفلسطين لا تُفسَّر تفسيراً حقيقياً دون العودة إلى تلك الخطوط المرسومة بأقلام الرصاص في المكاتب الباريسية اللندنية عام 1916م[39].
سايكس بيكو في الذاكرة العربية والثقافة الشعبية
امتدّت اتفاقية سايكس بيكو من كونها وثيقة تاريخية إلى أن تصبح رمزاً ثقافياً وسياسياً حاضراً في الوجدان العربي الجمعي بصورة لافتة. فقد وجدت طريقها إلى الأدب والشعر والسينما والأغنية والخطاب السياسي من أقصى الخليج إلى أقصى المغرب، وغدا اسمها مرادفاً في التداول الشعبي للخيانة الغربية والمؤامرة الاستعمارية بوجه عام.
في الأدب، استحضر المبدعون العرب صورة “خريطة سايكس بيكو” و”أقلام الرصاص التي قسّمت الوطن” في أعمال روائية وقصائد لا تحصى. وفي الخطاب السياسي، نادراً ما تمرّ أزمة عربية دون أن تستحضر أصوات الخطباء والسياسيين ذكرى تلك الاتفاقية دليلاً على الأسباب العميقة للمعاناة. وقد كرّست الذكرى المئوية للاتفاقية عام 2016م هذا الحضور الرمزي، إذ أُقيمت مؤتمرات وندوات وأُعدّت تقارير في كل العواصم العربية، وفي مراكز الدراسات والجامعات حول العالم تناولت أثر تلك السنوات المئة على المنطقة[40].
ومن أكثر الاستخدامات الحديثة إثارةً لرمزية سايكس بيكو ما فعله تنظيم داعش حين جعل من “تحطيم الحدود الاستعمارية” شعاراً مركزياً في دعايته، وأشار إلى أن ما يقوم به هو “تصحيح تاريخي” لما أحدثته سايكس بيكو. وقد كشف هذا الاستخدام كيف يمكن لخطاب “ما بعد الاستعمار” أن يُسخَّر في خدمة أجندات عنيفة ومتطرفة، وكيف أن الجرح الاتفاقية لا يزال مفتوحاً بما يكفي ليُغذّي خطابات الغضب والرفض.
خاتمة: خط في الرمل لم يُمحَ بعد
مضى أكثر من قرن على اللحظة التي رسم فيها مارك سايكس وفرانسوا بيكو خطوطهما على الخريطة الممدودة أمامهما في مكاتب وزارات الخارجية الأوروبية، وما زالت تلك الخطوط تُلقي بظلالها الثقيلة على كل ركن في المنطقة الممتدة من الفرات إلى النيل. لم تكن سايكس بيكو مجرد خطأ في رسم الحدود؛ بل كانت تجسيداً لنزعة استعمارية أعمق تفترض أن القوى الكبرى تمتلك حق تشكيل مصير الشعوب الأخرى وفق مصالحها، متجاهلةً ما تراكم عبر القرون من هويات وانتماءات وارتباطات جغرافية وثقافية وتاريخية.
خلّفت الاتفاقية دولاً مصطنعة تجمع في حدود واحدة مجتمعات لم تكن تشترك بما يكفي من القواسم المشتركة، وشعوباً مزّقها التقسيم عن إخوانها وامتداداتها الطبيعية. وأفرزت تناقضات دبلوماسية صنعت أجواء الخيانة والغدر التي أسّست لبنية عدم الثقة بين العرب والغرب، وهي بنية لا تزال حاضرة حتى في أعقد العلاقات الدولية المعاصرة. وفي كل مرة تشتعل فيها أزمة في الشرق الأوسط، يعود الناس ليتساءلوا: ماذا لو كانت تلك الخطوط رُسمت بطريقة مختلفة؟ وماذا لو كان العرب قد نالوا ما وُعدوا به؟ وهي أسئلة تبقى في صميم البحث التاريخي ولا تملك إجابات قاطعة، لكنها تشهد على حجم الأثر الذي تركه قلمان في يدَي دبلوماسيَّين على مستقبل ملايين البشر وأجيالهم المتعاقبة[41].