شكّلت ثورة الرابع عشر من تموز (يوليو) سنة 1958م نقطة تحول جذرية في تاريخ العراق الحديث، إذ أطاحت خلال ساعات قليلة بنظام الحكم الملكي الهاشمي الذي استمر سبعة وثلاثين عامًا منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، وأعلنت قيام الجمهورية العراقية الأولى[1]. وقد نفّذ هذا الانقلاب المسلح تنظيم سري من ضباط الجيش عُرف بحركة الضباط الأحرار، بقيادة الزعيمين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، مستلهمَين تجربة الضباط الأحرار في مصر وثورة جمال عبد الناصر ضد الملكية هناك سنة 1952م[1]. وقد أدى الانقلاب إلى مقتل الملك فيصل الثاني، آخر ملوك العراق، ووصيّ العرش السابق الأمير عبد الإله، إلى جانب رئيس الوزراء التاريخي نوري السعيد، الرجل الذي هيمن على السياسة العراقية لعقود طويلة وارتبط اسمه بالتحالف الوثيق مع بريطانيا[2]. ولم تكن هذه الثورة حدثًا معزولًا، بل جاءت تتويجًا لتراكم طويل من السخط الشعبي على سياسات موالية للغرب اعتُبرت متناقضة مع التطلعات القومية العربية المتصاعدة في تلك الحقبة، وعلى رأسها الانضمام إلى حلف بغداد المدعوم غربيًا سنة 1955م، والاصطفاف مع بريطانيا وفرنسا خلال العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956م[2].
| معلومات عامة | |
| اسم الحدث | ثورة 14 تموز 1958 (انقلاب 1958 العسكري) |
| المكان | بغداد، العراق |
| التاريخ | 14 تموز (يوليو) 1958م[2] |
| القوة المنفذة | تنظيم الضباط الأحرار، اللواء التاسع عشر والعشرون[1] |
| القائدان الرئيسان | عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف[1] |
| النتائج المباشرة | |
| مصير الملك فيصل الثاني | قُتل خلال الانقلاب في 14 تموز 1958[2] |
| مصير نوري السعيد | اغتيل على يد الجموع، 15 تموز 1958[3] |
| النظام الجديد | إعلان الجمهورية العراقية، رئاسة محمد نجيب الربيعي ورئاسة وزراء عبد الكريم قاسم |
| نهاية حكم قاسم | انقلاب شباط (فبراير) 1963 بقيادة عبد السلام عارف، ومقتل قاسم[4] |
أولًا: العراق الملكي ونشأة النظام الهاشمي
تأسست المملكة العراقية الحديثة في أعقاب الحرب العالمية الأولى تحت الانتداب البريطاني، وتوّج فيصل الأول، من الأسرة الهاشمية الحجازية، ملكًا عليها، لتستمر هذه الأسرة الحاكمة في السلطة حتى سنة 1958م. وقد شهدت نهاية عشرينيات القرن العشرين خطوة مهمة نحو استقلال الدولة العراقية، إذ أبلغت بريطانيا العراق سنة 1929م بأن الانتداب سينتهي سنة 1932م، فجرى التفاوض على معاهدة استقلال جديدة تولى تشكيل الحكومة المسؤولة عن التفاوض عليها الجنرال نوري السعيد نفسه، ووُقعت هذه المعاهدة في يونيو سنة 1930م، ونصّت على قيام “تحالف وثيق” بين البلدين يشمل تشاورًا كاملًا في السياسة الخارجية المشتركة، على أن يتولى العراق حفظ الأمن الداخلي والدفاع عن نفسه بدعم بريطاني[5]. وقد ظل نوري السعيد، الذي بدأ مسيرته العسكرية ضابطًا في الجيش العثماني قبل أن ينضم إلى الثورة العربية الكبرى بقيادة الأمير فيصل، الشخصية المهيمنة على السياسة العراقية طوال العهد الملكي، محافظًا على علاقة وثيقة مع بريطانيا امتدت لعقود طويلة تالية[3].
ثانيًا: حلف بغداد وتصاعد السخط الشعبي
مع تزايد المشاعر القومية العربية المعادية للنفوذ الغربي في العراق بعد الحرب العالمية الثانية، تعذر على نوري السعيد تجديد المعاهدة الأنجلو-عراقية القديمة رغم دعمه الحثيث لها، فلجأ سنة 1955م إلى صيغة بديلة عبر رعاية الولايات المتحدة لحلف بغداد، وهو اتفاقية أمنية متبادلة بين دول الشرق الأوسط، آملًا أن يحل هذا الحلف إشكالية المعاهدة العالقة مع بريطانيا وأن يحفّز دولًا عربية أخرى على الانضمام إليه لتثبيت زعامته لحركة الوحدة العربية، غير أن حجم الاستياء الشعبي من الغرب كان قد بلغ مبلغًا جعل هذا الحلف عاجزًا عن تحقيق ذلك الهدف[3]. وقد أدى الحلف، الذي ضم إلى جانب العراق كلًا من تركيا وإيران وباكستان وبريطانيا تحت اسم منظمة المعاهدة المركزية لاحقًا، إلى عزلة إقليمية متزايدة للعراق عن محيطه العربي، خاصة بعد رفض مصر وسوريا الانضمام إليه واعتباره أداة لخدمة المصالح الغربية على حساب استقلالية القرار العربي[6]. وقد فاقم من هذه العزلة اتحاد فيصل الثاني الرسمي مع الأردن في اتحاد عربي هاشمي في فبراير سنة 1958م، وهو تحالف كان مرتبطًا بدوره ارتباطًا وثيقًا بالغرب، في وقت كانت فيه الوحدة المصرية السورية الوليدة، المعروفة بالجمهورية العربية المتحدة، قد أثارت حماسًا جارفًا في الشارع العربي عمومًا وفي العراق خصوصًا[4].
ثالثًا: تنظيم الضباط الأحرار والتخطيط السري للانقلاب
في هذا المناخ المشحون بالسخط، تبلور داخل الجيش العراقي تنظيم سري من الضباط القوميين عُرف بالضباط الأحرار، استلهم اسمه وتوجهه مباشرة من التجربة المصرية التي أطاحت بالملك فاروق سنة 1952م، وقد استمر التخطيط لهذا التحرك سرًا لفترة، إلى أن تهيأت الفرصة المناسبة لتنفيذه في يوليو سنة 1958م[1]. وقد كان الفتيل المباشر لتحرك الضباط هو طلب الملك حسين ملك الأردن مساعدة عسكرية عراقية خشية امتداد الاضطرابات المعادية للغرب من لبنان إلى بلاده، فكُلّف اللواء التاسع عشر بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم بالتحرك نحو الأردن عبر بغداد، غير أن العقيد عبد السلام عارف، بدلًا من مواصلة السير نحو الحدود الأردنية، قاد كتيبته مباشرة إلى قلب بغداد وأعلن قيام الجمهورية الجديدة فورًا[1].
رابعًا: صبيحة 14 تموز ومقتل العائلة المالكة
في ساعات الفجر الأولى من يوم 14 تموز 1958م، نفّذت وحدات من اللواء التاسع عشر انقلابًا عسكريًا سريعًا ومباغتًا لم يواجه أي مقاومة تُذكر، فاجتاح المتمردون القصر الملكي، وحوصر الملك فيصل الثاني وأفراد أسرته وحاشيته وهم يستعدون لمغادرة القصر، وأُمروا بالتوجه نحو حائط القصر حيث أُطلقت عليهم النار جماعيًا، فلقي الملك حتفه قبل وصوله إلى المستشفى، فيما نجت زوجة الأمير عبد الإله من الحادثة رغم إصابتها[2]. وقد أذاع الثوار عبر إذاعة بغداد، التي سيطروا عليها فورًا، بيانًا يعلن سقوط النظام الملكي وقيام الجمهورية، فخرجت حشود غفيرة من الناس إلى شوارع بغداد مهللة، مطالبة بمقتل رجلي السلطة القويين اللذين طالما مثّلا في نظر الشارع العراقي رمز الهيمنة الغربية على البلاد، وهما نوري السعيد وعبد الإله[1].
لقد قامت الثورة لتعيد للشعب العراقي كرامته وسيادته الكاملة على أرضه وثرواته.
— من بيان الثورة الأول الذي أذيع عبر إذاعة بغداد، 14 تموز 1958
خامسًا: مصير نوري السعيد ونهاية الحقبة الملكية
حاول نوري السعيد الفرار من بغداد متنكرًا بزي امرأة محجبة، غير أن الجموع الغاضبة تعرّفت عليه في اليوم التالي مباشرة، الخامس عشر من تموز، فقُتل على يد الحشود المحتشدة في الشوارع، لتُسدل بذلك الستارة نهائيًا على حياة الرجل الذي هيمن على السياسة العراقية لأكثر من ثلاثة عقود متواصلة[3]. وهكذا انطوت خلال يومين فقط صفحة الحكم الهاشمي في العراق التي استمرت منذ سنة 1921م، لتُعلن دولة عراقية جديدة جمهورية النظام، تولى فيها اللواء محمد نجيب الربيعي منصب رئيس الدولة الرمزي، فيما أمسك عبد الكريم قاسم بالسلطة الفعلية بوصفه رئيسًا للوزراء ووزيرًا للدفاع في آن واحد.
سادسًا: حكم عبد الكريم قاسم وصراعه مع القوميين
واجه عبد الكريم قاسم فور توليه السلطة تحديًا مصيريًا يتعلق بمسألة الوحدة العربية، ففي وقت كانت فيه الوحدة المصرية السورية قد أشعلت حماسًا واسعًا في الأوساط الشعبية العراقية، فضّل قاسم تحقيق استقرار داخلي أولًا قبل النظر في أي شكل من أشكال الاندماج مع الجمهورية العربية المتحدة، وهو موقف أثار استياء الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي أخذ يسعى للإطاحة بحكمه[4]. وقد أدى هذا الخلاف الأيديولوجي إلى تصدّع سريع في تحالف الضباط الأحرار أنفسهم، إذ كان عبد السلام عارف، الرفيق الأقرب لقاسم في تنفيذ الانقلاب، مؤيدًا متحمسًا للنزعة القومية الناصرية، فجاب أنحاء العراق مادحًا عبد الناصر، الأمر الذي وضعه في مواجهة مباشرة مع رئيسه السابق قاسم[4]. وفي مارس سنة 1959م، اندلعت في الموصل انتفاضة مسلحة علنية قادها معارضون قوميون لسياسات قاسم، فيما اندلع في المقابل تمرد كردي أضعف الدعم العسكري لحكمه، إذ انشغل جزء كبير من الجيش في محاولة مضنية لا تكاد تنتهي لإخماد هذا التمرد، وهو استنزاف عسكري متواصل ساهم مع الاستياء الناجم عن التطهيرات العسكرية المتكررة في دفع عدد من الضباط نحو معارضة علنية لحكم قاسم[4].
سابعًا: نهاية عهد قاسم وانقلاب 1963
لم يصمد حكم عبد الكريم قاسم أمام هذا التراكم من الأزمات الداخلية سوى قرابة خمس سنوات، إذ قاد عبد السلام عارف نفسه في فبراير سنة 1963م عناصر عسكرية منشقة في انقلاب جديد أطاح بحكومة قاسم وأودى بحياة قاسم نفسه، لينضم بذلك اسم قاسم إلى قائمة طويلة من ضحايا العنف السياسي الذي أصبح سمة متكررة في تاريخ العراق الجمهوري المبكر[4]. وهكذا فتحت ثورة 1958م، التي انطلقت بوعد إنهاء الهيمنة الأجنبية وإرساء حكم وطني مستقر، الباب أمام سلسلة متعاقبة من الانقلابات العسكرية استمرت لسنوات تالية، إلى أن استقر الحكم أخيرًا في يد حزب البعث العراقي سنة 1968م، في مسار يعكس عمق الهشاشة البنيوية التي ورثتها الدولة العراقية الجمهورية عن حقبة انتقالية عاصفة بدأت بتلك الليلة الحاسمة من صيف 1958م.