الثورة العربية الكبرى هي الثورة المسلحة التي أعلنها الشريف حسين بن علي، أمير مكة المكرمة، ضد الحكم العثماني في العاشر من يونيو عام 1916م، بهدف معلن يتمثل في تحرير الأقطار العربية من السيطرة العثمانية المباشرة وإقامة دولة عربية مستقلة موحدة تمتد من الحجاز جنوباً إلى بلاد الشام شمالاً. وقد جاءت هذه الثورة في سياق الحرب العالمية الأولى، عقب انضمام الدولة العثمانية إلى جانب ألمانيا في الحرب، واستندت في انطلاقها إلى مراسلات سرية جرت بين الشريف حسين والمفوض السامي البريطاني في القاهرة السير هنري مكماهون بين عامي 1915م و1916م، وعدت فيها بريطانيا بدعم استقلال الأقطار العربية مقابل قيام الشريف حسين بالثورة ضد العثمانيين ومساعدة الحلفاء في الحرب. وقد قاد الثورة عسكرياً أبناء الشريف حسين، وعلى رأسهم الأمير فيصل بن الحسين، بمساعدة ودعم عسكري بريطاني تجسد بشكل بارز في شخص الضابط البريطاني توماس إدوارد لورنس، المعروف لاحقاً بـ”لورنس العرب”، الذي عمل مستشاراً ومنسقاً ميدانياً للقوات العربية غير النظامية. ورغم أن الثورة نجحت عسكرياً في السيطرة تدريجياً على مناطق واسعة من الحجاز، وصولاً إلى ميناء العقبة عام 1917م ثم دمشق عام 1918م، فإن آمال الاستقلال العربي الموحد التي رافقت انطلاقها اصطدمت سريعاً بواقع سياسي مغاير تماماً، إذ كشفت الحكومة السوفيتية الثورية في نوفمبر 1917م عن اتفاقية سايكس بيكو السرية التي كانت بريطانيا وفرنسا قد عقدتاها فيما بينهما عام 1916م لتقاسم مناطق النفوذ في الأقطار العربية بعد الحرب، وهو ما تناقض جوهرياً مع الوعود التي قُطعت للشريف حسين، ومهد لاحقاً لانهيار حلم الدولة العربية الموحدة وخضوع المنطقة لأنظمة الانتداب البريطاني والفرنسي.
| معلومات عامة | |
| التسمية | الثورة العربية الكبرى |
| التاريخ | 10 يونيو 1916م – 30 أكتوبر 1918م |
| النطاق الجغرافي | الحجاز، شبه الجزيرة العربية، بلاد الشام |
| القيادة والأطراف | |
| القائد السياسي | الشريف حسين بن علي، أمير مكة |
| القيادة العسكرية الميدانية | الأمير فيصل بن الحسين |
| المستشار البريطاني | توماس إدوارد لورنس (لورنس العرب) |
| الخصم | الدولة العثمانية |
| محطات فاصلة | |
| مراسلات حسين-مكماهون | يوليو 1915م – مارس 1916م |
| إعلان الثورة | 10 يونيو 1916م |
| فتح العقبة | 6 يوليو 1917م |
| دخول دمشق | 1 أكتوبر 1918م |
| الكشف عن اتفاقية سايكس بيكو | نوفمبر 1917م |
الخلفية: التوتر بين العرب وحكومة الاتحاديين
تصاعد التوتر بين الأقطار العربية الخاضعة للحكم العثماني وحكومة “الاتحاد والترقي” التركية القومية بشكل حاد في العقد الذي سبق الثورة، إذ تبنت الحكومة الاتحادية سياسة تتريك متزايدة الصرامة أثارت استياء واسعاً في الأوساط العربية المتعلمة والوجهاء، فيما فاقمت الظروف الاقتصادية المتردية وسياسة التجنيد الإجباري القسري خلال سنوات الحرب من حدة هذا الاستياء الشعبي المتصاعد[1]. وقد بلغ هذا التوتر ذروته حين شنت السلطات العثمانية حملة قمع واسعة بحق الناشطين القوميين العرب، تُوّجت بإعدام واحد وعشرين من وجهاء دمشق وبيروت شنقاً علناً في مايو عام 1916م بأمر من الوالي العثماني جمال باشا، بتهمة التآمر مع القوى الأجنبية، وهي الحادثة التي قوّضت ما تبقى من ولاء عربي للسلطنة، ودفعت كثيراً من الشرائح المترددة إلى النظر بمزيد من التعاطف نحو خيار الشريف حسين بالثورة[2]. وفي الوقت ذاته، كانت العلاقات بين الشريف حسين، الذي تولى إمارة مكة منذ عام 1908م، وحكومة الاتحاديين قد تدهورت بشكل حاد قبيل الحرب أصلاً، مما دفعه إلى استكشاف خيار التحالف مع بريطانيا كبديل استراتيجي.
مراسلات حسين-مكماهون
مع دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا في أكتوبر عام 1914م، أعادت السلطات البريطانية النظر في عرض الشريف حسين السابق بالثورة مقابل ضمانات باستقلال عربي بعد هزيمة العثمانيين، وذلك في ظل مخاوف بريطانية جدية من تهديد محتمل لطرق مواصلاتها الحيوية نحو الهند عبر قناة السويس والبحر الأحمر، لا سيما بعد أن أعلنت الدولة العثمانية “الجهاد” لحشد تأييد المسلمين ضد الحلفاء[3]. وقد تبادل الشريف حسين والمفوض السامي البريطاني في القاهرة السير هنري مكماهون عشر رسائل بين يوليو 1915م ومارس 1916م، عُرفت لاحقاً بـ”مراسلات حسين-مكماهون”، عبّر فيها حسين عن مطلبه بالاعتراف باستقلال دولة عربية واسعة تشمل معظم الأقطار العربية الناطقة بالعربية شرق مصر، فيما وعد مكماهون نيابة عن بريطانيا بـ”الاعتراف بالاستقلال العربي ودعمه” في المناطق المطلوبة، مع استثناءات محددة شملت مناطق ضمن دائرة النفوذ الفرنسي في الساحل السوري ومصالح بريطانية في بغداد والبصرة[4]. غير أن صياغة هذه المراسلات اتسمت بغموض متعمد حول الحدود الجغرافية الدقيقة للدولة العربية الموعودة، وهو غموض يرى مؤرخون أنه كان مقصوداً من الجانب البريطاني لتجنب الالتزام الصريح بحدود قد تتعارض مع تفاهمات سرية أخرى كانت لندن تعقدها في الوقت ذاته مع فرنسا، وهو ما فتح لاحقاً الباب أمام خلافات حادة بعد الحرب، لا سيما بشأن مستقبل فلسطين التي أصرت بريطانيا لاحقاً على استثنائها من الوعد، بينما اعتبرها حسين مشمولة به[5].
إعلان الثورة وانطلاق العمليات العسكرية
أعلن الشريف حسين بن علي رسمياً بدء الثورة العربية الكبرى في العاشر من يونيو عام 1916م، مطلقاً أول رصاصة من داره في مكة المكرمة إيذاناً ببدء العمليات العسكرية ضد الحامية العثمانية في المدينة، وقد انضم إليه في قيادة هذه الثورة أبناؤه الأربعة، وعلى رأسهم الأمراء علي وعبد الله وفيصل وزيد[6]. وقد شهدت المراحل الأولى للثورة تعثراً نسبياً، إذ ظلت أعداد المقاتلين العرب النظاميين محدودة نسبياً، فيما واجهت القوات الثائرة صعوبة في حصار المدينة المنورة المحصنة جيداً تحت قيادة الوالي العثماني فخري باشا، الذي استمر في الصمود بها حتى استسلامه أخيراً بعد حصار طويل استمر نحو ثلاثين شهراً[7]. وقد بدأ زخم الثورة يتصاعد بشكل ملحوظ اعتباراً من ديسمبر عام 1916م، حين نجح الأمير فيصل، بمساعدة الضابط البريطاني توماس إدوارد لورنس ودعم بحري بريطاني، في صد هجوم عثماني على ميناء ينبع، وهو ما منح الثورة زخماً معنوياً وعسكرياً متجدداً[8].
فتح العقبة والتقدم شمالاً
مثّلت معركة العقبة في السادس من يوليو عام 1917م نقطة تحول محورية في مسار الثورة، إذ نجحت قوات فيصل غير النظامية، عبر مسيرة صحراوية جريئة استغرقت أسابيع عبر مسالك يصعب توقعها، في مباغتة الحامية العثمانية في ميناء العقبة الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر من جهته البرية غير المحصنة، حيث كانت الدفاعات العثمانية موجهة بحرياً فقط توقعاً لهجوم من جهة البحر، فسقطت المدينة بعد هجوم خاطف بقيادة الجمال، لتصبح لاحقاً قاعدة انطلاق أساسية لعمليات الثورة شمالاً نحو فلسطين وسوريا[9]. وقد كشف فيصل، أثناء هذه المرحلة تحديداً، عن معرفته باتفاقية سايكس بيكو السرية التي عقدتها بريطانيا وفرنسا فيما بينهما لتقاسم مناطق النفوذ في الأقطار العربية، وهي معرفة يرى بعض المؤرخين أن لورنس نفسه كان قد اطلع عليها منذ وقت مبكر أواخر عام 1916م لكنه أخفاها عن قيادة الثورة العربية لأكثر من عام كامل[10]. وقد واصلت القوات العربية غير النظامية، بالتنسيق مع الجيش البريطاني الرئيسي بقيادة الجنرال إدموند اللنبي، التقدم شمالاً عبر شن غارات متكررة على خط سكة حديد الحجاز الاستراتيجي وتأمين الجناح الشرقي للجيش البريطاني الزاحف عبر فلسطين، وصولاً إلى دخول العاصمة السورية دمشق في الأول من أكتوبر عام 1918م، ثم حلب في الشهر ذاته، لتنتهي بذلك العمليات العسكرية الرئيسية للثورة مع انهيار السيطرة العثمانية على بلاد الشام بأكملها.
إن الثورة العربية ليست حرباً بين أمتين، بل ثورة أمة عربية موحدة تسعى لاسترداد استقلالها وحريتها المسلوبة منذ قرون.
— من بيانات الشريف حسين بن علي المعلنة عن أهداف الثورة العربية الكبرى، 1916
اتفاقية سايكس بيكو والوعود المتضاربة
كشفت الحكومة السوفيتية الثورية الجديدة، في تصرف رمزي أثار صدمة دبلوماسية واسعة، عن نص اتفاقية سايكس بيكو السرية في نوفمبر عام 1917م، عقب عثورها على وثائقها في أرشيف وزارة الخارجية الروسية القيصرية، وهي الاتفاقية التي كان الدبلوماسيان مارك سايكس البريطاني وجورج بيكو الفرنسي قد تفاوضا عليها سراً منذ عام 1916م لتقسيم أراضي الدولة العثمانية العربية إلى مناطق نفوذ بريطانية وفرنسية مباشرة وغير مباشرة بعد انتهاء الحرب[11]. وقد تناقضت بنود هذه الاتفاقية بشكل جوهري مع الوعود التي قُطعت للشريف حسين في مراسلاته مع مكماهون، إذ خصصت الاتفاقية مناطق واسعة من سوريا الداخلية والساحلية للنفوذ الفرنسي المباشر وغير المباشر، ومناطق العراق للنفوذ البريطاني، فيما وُضعت فلسطين تحت إدارة دولية خاصة، دون أن تعكس هذه التقسيمات وعود الاستقلال العربي الموسّع التي كانت قد قُطعت سابقاً. ويرى مؤرخون متخصصون أن الغموض المتعمد في صياغة مراسلات حسين-مكماهون كان يهدف تحديداً إلى تجنب أي التزام صريح قد يتعارض لاحقاً مع هذه الاتفاقية السرية الموازية أو مع وعد بلفور الذي صدر لاحقاً عام 1917م بدعم إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين، وهو ما جعل الوعود البريطانية الثلاثة، لحسين وللفرنسيين وللحركة الصهيونية، متضاربة فيما بينها بشكل يصعب التوفيق بينه[12].
الحكومة العربية في دمشق وانهيارها
عقب دخول قوات فيصل ظافرة إلى دمشق، شكّل حكومة عربية مؤقتة سعت لتجسيد حلم الدولة العربية المستقلة، وحضر فيصل شخصياً مؤتمر الصلح في باريس عام 1919م ممثلاً للمطالب العربية، غير أنه عاد من هذا المؤتمر محبطاً بعد أن لقيت مطالبه تجاهلاً واسعاً من القوى المنتصرة الكبرى[13]. ورغم هذا الإحباط، أعلن المؤتمر السوري الوطني المنعقد في دمشق فيصل ملكاً على المملكة العربية السورية في السابع من مارس عام 1920م، غير أن مؤتمر سان ريمو الذي انعقد في الشهر التالي منح فرنسا انتداباً رسمياً على سوريا بموجب صك عصبة الأمم، متجاهلاً هذا الإعلان الملكي العربي تماماً[14]. وحين وجّهت فرنسا إنذاراً نهائياً لحكومة دمشق بقبول شروط الانتداب الفرنسي، رفض القوميون السوريون هذا الإنذار وقرروا خوض معركة عسكرية غير متكافئة، جرت في السادس عشر من يوليو عام 1920م في منطقة ميسلون الجبلية قرب الحدود اللبنانية، حيث سحقت القوات الفرنسية المدرعة الجيش السوري المرتجل الصغير سحقاً كاملاً، منهية بذلك حلم المملكة العربية السورية بعد أشهر قليلة فقط من إعلانها، في مشهد وُصف تاريخياً بأنه أقرب إلى حالة “الخيانة” لآمال الثورة العربية الكبرى التي انطلقت أساساً بوعد الاستقلال الموحد[15].
الإرث التاريخي والجدل حول الثورة
لا تزال الثورة العربية الكبرى تحتل مكانة مركزية ومثيرة للجدل في الذاكرة التاريخية العربية حتى اليوم، إذ يُنظر إليها من جهة بوصفها اللحظة التأسيسية الأولى للقومية العربية الحديثة ومحاولة جادة لكسر أربعة قرون من الحكم العثماني المباشر، فيما يرى منتقدون، وعلى رأسهم مؤرخون عرب معاصرون، أنها انتهت عملياً بما يشبه “الخيانة” البريطانية الفرنسية لوعودها الأصلية، إذ استُبدل الحكم العثماني في نهاية المطاف بأنظمة انتداب أوروبية مباشرة لم تختلف جوهرياً من حيث فقدان السيادة الوطنية الكاملة. وقد أرست هذه الثورة، رغم إخفاقها في تحقيق هدفها الأساسي بإقامة دولة عربية موحدة مستقلة، الأساس السياسي لقيام الأسرة الهاشمية الحاكمة في كل من العراق والأردن لاحقاً، إذ تُوّج فيصل بن الحسين ملكاً على العراق عام 1921م بعد خروجه من سوريا، فيما أصبح أخوه عبد الله أميراً على شرق الأردن في العام ذاته، وهو الإرث السياسي المباشر الذي لا يزال ممتداً حتى اليوم في المملكة الأردنية الهاشمية.