🔍
اضغط Esc للإغلاق • Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية أدوية أعراض طبية أمراض شائعة أمراض نادرة التاريخ الجغرافيا القارات تخصصات طبية
الرئيسية / التاريخ / الحرب الأمريكية في أفغانستان
التاريخ

الحرب الأمريكية في أفغانستان

👁 1 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 15/6/2026 ✏️ 15/6/2026
100%

الحرب الأمريكية في أفغانستان — المعروفة رسمياً بـ«عملية الحرية الدائمة» (Operation Enduring Freedom) في مرحلتها الأولى ثم بـ«عملية حارس الحرية» (Operation Freedom’s Sentinel) في مرحلتها الأخيرة، وفي الوجدان الأفغاني وكثير من أدبيات الشرق بـ«احتلال أفغانستان» — أطولُ حرب في التاريخ العسكري الأمريكي، امتدّت من السابع من أكتوبر 2001 حتى الثلاثين من أغسطس 2021، أي عشرين عاماً كاملة بلا انقطاع.
[1]
جاء الغزو الأمريكي استجابةً مباشرةً لهجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي نفّذها تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن من الأراضي الأفغانية التي كانت تحت سيطرة حركة طالبان، وأودت بحياة قرابة ثلاثة آلاف شخص في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا. أعلن الرئيس جورج بوش الابن حربَه المعروفة بـ«الحرب على الإرهاب» وطالب طالبان بتسليم بن لادن، فرفضت، فانطلق الغزو الأمريكي البريطاني المدعوم بتحالف دولي خلال أسابيع. أسقطت القوات الأمريكية نظام طالبان في تسعة أسابيع ودخلت كابل في نوفمبر 2001، غير أن فشلها في تحقيق هدفها الأساسي — القبض على بن لادن في معركة تورا بورا في ديسمبر 2001 حين أفلت عبر الحدود الباكستانية — حوّل الحرب من ضربة جراحية سريعة إلى نزاع عصيّ المخرج. تصاعدت المقاومة عاماً بعد عام، وتضخّم الوجود العسكري مع إدارة أوباما إلى ذروته عام 2011 بنحو مئة ألف جندي أمريكي، وقُتل بن لادن في أبوت آباد الباكستانية في مايو 2011 على يد كوماندوز الـ SEALs الأمريكيين — لكن الحرب لم تنتهِ. جاء خاتمتها في الثالث عشر من أغسطس 2021 حين سقطت كابل في يد طالبان دون قتال يُذكر بعد أسابيع من انسحاب القوات الأمريكية وفق اتفاقية الدوحة، وانهار في أحد عشر يوماً جيشٌ أفغاني بلغت تكاليف تدريبه وتجهيزه ثلاثةً وثمانين مليار دولار. كلّفت الحرب على مدى عقدَين ما يزيد على 2.26 تريليون دولار، وأودت بحياة 2,456 جندياً أمريكياً وما يزيد على 46,000 مدني أفغاني و69,000 شرطي وجندي أفغاني، فيما شرّدت الملايين، وانتهت بعودة طالبان إلى الحكم في ذات الكيفية التي كانت عليها صبيحة الحادي عشر من سبتمبر 2001.
[2]

الحرب الأمريكية في أفغانستان (2001–2021)
التسمية الرسمية الأمريكية Operation Enduring Freedom (2001–2014) / Operation Freedom’s Sentinel (2015–2021)
الفترة الزمنية 7 أكتوبر 2001 – 30 أغسطس 2021 (عشرون عاماً)
الموقع الجغرافي أفغانستان (عمليات ممتدة في باكستان)
الأطراف المتحاربة
جانب الغزو الولايات المتحدة وحلف الناتو (50 دولة) + الحكومة الأفغانية المدعومة
جانب المقاومة حركة طالبان، تنظيم القاعدة، شبكة حقاني، تنظيم داعش خراسان
القادة الرئيسيون
الرؤساء الأمريكيون جورج بوش الابن (2001–2009) / باراك أوباما (2009–2017) / دونالد ترامب (2017–2021) / جو بايدن (2021)
الرؤساء الأفغان حامد كرزاي (2001–2014) / أشرف غني (2014–2021)
قيادة طالبان الملا محمد عمر (مؤسس الحركة — توفي 2013) / الملا أختر منصور / هبة الله أخونزاده
الخسائر الإجمالية الموثّقة
الجنود الأمريكيون القتلى 2,456 قتيلاً + 20,770 جريحاً
قوات الحلفاء 1,144 قتيلاً
الجنود والشرطة الأفغان الحكوميون 66,000 – 69,000 قتيل
المدنيون الأفغان 46,319 قتيلاً (موثّق مباشر) — يرتفع إلى 360,000 بالوفيات غير المباشرة
مقاتلو طالبان والتنظيمات 51,191 – 90,000 قتيل
المتعاقدون المدنيون الأمريكيون 3,917 قتيلاً
العمال الإنسانيون والصحفيون 444 + 72 قتيلاً
التكاليف الاقتصادية
التكلفة الإجمالية الأمريكية 2.261 تريليون دولار (تشمل فوائد الديون — لا تشمل رعاية المحاربين القدامى)
العمليات العسكرية المباشرة 933 مليار دولار
تدريب القوات الأفغانية 83 مليار دولار
مشاريع إعادة الإعمار 145 مليار دولار
فوائد الديون المقترضة 530 مليار دولار
الوثائق والاتفاقيات الرئيسية
اتفاق بون 5 ديسمبر 2001 — أسّس الحكومة الأفغانية الانتقالية
اتفاقية الدوحة 29 فبراير 2020 — اتفاق ترامب–طالبان للانسحاب الأمريكي
سقوط كابل 15 أغسطس 2021 — طالبان تدخل العاصمة دون قتال
COSMALORE · الموسوعة العربية

الخلفية التاريخية

أفغانستان في عقد التسعينيات — صعود طالبان

لفهم الحرب الأمريكية في أفغانستان لا بدّ من استيعاب الفراغ الذي ملأته حركة طالبان في سياق ما خلّفته الحرب السوفيتية الأفغانية من دمار وما أعقبها من حرب أهلية طاحنة. بعد انسحاب السوفيت عام 1989 وانهيار نظام نجيب الله عام 1992، انزلقت أفغانستان في حرب أهلية بين الفصائل المجاهدة المتناحرة التي سبق أن حاربت معاً ضد المحتل السوفيتي؛ تحوّلت كابل إلى ساحة قصف متبادل مستمر بين مليشيات حكمتيار ومسعود وعبد الرشيد دوستم وسواهم، ودفع المدنيون الثمن الأفدح من دم وتهجير. في هذا المناخ من الفوضى والإرهاق، ظهرت حركة طالبان في قندهار عام 1994 برسالة بسيطة: نزع الأسلحة من أيدي الميليشيات وفرض الأمن وتطبيق الشريعة بمفهومهم الخاص. كتسبت شعبيةً شعبية محلية سريعة في جنوب أفغانستان وسط سكان مُنهكَين من سنوات الحرب والنهب، وتلقّت دعماً باكستانياً وسعودياً فتمدّدت بسرعة مذهلة لتسيطر على كابل في سبتمبر 1996. فرضت طالبان نظاماً استثنائياً في صرامته: حُرمت المرأة من التعليم والعمل والخروج بلا محرم، وأُغلقت دور السينما وسُدّت أجهزة التلفزيون، وأُقيمت حدود الجلد والإعدام علناً. حين أتى القاعدة إلى أفغانستان ووفّرت له طالبان ملاذاً آمناً تدريجياً، جمعتهما أيديولوجيا سلفية جهادية مشتركة وإن اختلفت طموحاتهما.
[3]

الحادي عشر من سبتمبر والطريق إلى الحرب

في صباح الحادي عشر من سبتمبر 2001، نفّذ تنظيم القاعدة أشد هجوم إرهابي في التاريخ الأمريكي؛ اختطف تسعة عشر منتسباً للتنظيم أربع طائرات ركاب أمريكية وحوّلوها إلى صواريخ بشرية: اصطدمت طائرتان ببرجَي مركز التجارة العالمي في نيويورك فانهارا، وطائرة ثالثة بمبنى البنتاغون في واشنطن، وسقطت الرابعة في حقل بولاية بنسلفانيا بعد أن حاول الركاب استعادة السيطرة منها. راح في الهجمات نحو 2,977 شخصاً من أكثر من تسعين جنسية. كان بن لادن يتوقع رداً أمريكياً محدوداً يشبه الضربات الصاروخية على أفغانستان والسودان عام 1998 عقب تفجيرات سفارتَي كينيا وتنزانيا، لكن الرئيس بوش أطلق إطاراً أشمل: «الحرب على الإرهاب» التي تجاوزت الرد العسكري المحدود إلى مشروع إقليمي وعالمي.
[1]
طالبت الولايات المتحدة طالبان بتسليم بن لادن وقيادة القاعدة وإغلاق معسكرات التدريب فوراً. ردّت طالبان بأنها لن تسلّم بن لادن لغياب دليل يقيني على تورطه — في موقف أغضب واشنطن — مقترحةً محاكمته في محكمة إسلامية في أفغانستان أو بمشاركة منظمة التعاون الإسلامي، وهو ما رفضته الإدارة الأمريكية رفضاً قاطعاً. حصلت الولايات المتحدة على تفويض من مجلس الأمن بموجب قرارَي 1368 و1373، وعلى تأييد حلف الناتو الذي استنفر المادة الخامسة (الدفاع الجماعي) لأول مرة في تاريخه، وانطلق الغزو.

الغزو وسقوط طالبان

عملية الحرية الدائمة — الأسابيع الأولى

في السابع من أكتوبر 2001، أطلقت الولايات المتحدة وبريطانيا حملةً جويةً مركّزة ضدّ مواضع طالبان والقاعدة في أفغانستان، وكان التحدي اللوجستي ضخماً؛ فأفغانستان دولة محاطة بالبر من كل جهاتها بعيدة عن القواعد البحرية الأمريكية، مما استلزم تنسيقاً معقّداً مع باكستان وأوزبكستان وطاجيكستان. رافقت الضربات الجوية تحريكُ عناصر القوات الخاصة الأمريكية CIA والـ SOF للانتشار مع قوات «التحالف الشمالي» الأفغاني المعارض لطالبان — الذي كان يسيطر على ما يزيد على خمسة بالمئة فحسب من الأراضي في الشمال والشمال الشرقي — وتزويده بالتوجيه الجوي والمال والسلاح. تحرّك التحالف الشمالي بدعم جوي أمريكي مكثّف بسرعة مذهلة: سقطت مزار شريف في التاسع من نوفمبر، ودخل التحالف كابل في الثالث عشر من نوفمبر دون مقاومة تُذكر. استسلمت قندهار — آخر معاقل طالبان وعاصمة حركتهم التاريخية — في السابع من ديسمبر، وولّى الملا عمر وقيادة طالبان إلى المجهول. في التاسع والعشرين من نوفمبر 2001، تجمّع زعماء القبائل والفصائل الأفغانية في مؤتمر بون بألمانيا وتوصّلوا في الخامس من ديسمبر إلى «اتفاق بون» الذي عيّن حامد كرزاي رئيساً للحكومة الانتقالية.
[4]

تورا بورا — اللحظة الفارقة المُهدَرة

في أواخر نوفمبر 2001، تعقّبت أجهزة الاستخبارات الأمريكية أسامة بن لادن ومئات من مقاتلي القاعدة إلى مجمّع الكهوف والأنفاق الجبلية في تورا بورا في سلسلة جبال سفيد كوه على الحدود الأفغانية الباكستانية. كان هذا المعقل الجبلي الوعر — الذي ساعدت الاستخبارات الأمريكية ذاتها في بنائه إبان الحرب السوفيتية — يمتد على نظام متشعّب من الممرات والكهوف تحت الأرض. طلب مسؤول الـ CIA الميداني غاري برنتسن من القيادة الأمريكية إرسال ألف جندي من وحدات الرنجرز لإغلاق مسالك الفرار نحو باكستان، لكن الجنرال تومي فرانكس رفض الطلب مُفضِّلاً الاعتماد على مقاتلي التحالف الشمالي الأفغاني المدعومَين بضربات جوية. بعد ستة عشر يوماً من القتال المتقطع الممتدة من الثاني من ديسمبر، أفلت بن لادن من المحاصرة في السادس عشر من الشهر نفسه — بحسب تقرير لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي عام 2009 — وعبر الحدود إلى المنطقة القبلية الباكستانية على الأرجح ممتطياً جواداً.
[5]
أفرزت تورا بورا واحداً من أكثر القرارات إثارةً للجدل في تاريخ الحرب؛ فمع إفلات بن لادن حُرمت الحرب من هدفها المعلن، وتحوّلت من ضربة جراحية محدودة الأمد إلى حرب عصابات مفتوحة لا أفق واضح لنهايتها. ظلّ بن لادن طليقاً في الأراضي الباكستانية قرابة عقد، قبل أن يُقتل في أبوت آباد على يد كوماندوز الـ SEAL Team Six في الثاني من مايو 2011.

مراحل الحرب ومسار التصعيد

المرحلة الأولى — بناء الدولة والإهمال (2002–2008)

انصرف الرئيس بوش وإدارته بعد تورا بورا والغزو الأفغاني إلى إعداد حرب العراق التي اندلعت في مارس 2003، مما أفضى إلى تهميش شديد للملف الأفغاني في سنوات حاسمة. تراجع عدد القوات الأمريكية في أفغانستان إلى ما دون عشرين ألف جندي، وتركّز الاهتمام السياسي والمالي والاستخباراتي نحو بغداد. في هذا الفراغ، أعادت طالبان تنظيم صفوفها انطلاقاً من ملاجئها في المناطق القبلية الباكستانية المتاخمة لأفغانستان، ولا سيما في وزيرستان الشمالية والجنوبية حيث وجدت بيئةً آمنة خارج متناول القوات الأمريكية. بدأت الهجمات تتصاعد تدريجياً: من أربعة وسبعين هجوماً بعبوات ناسفة في كامل عام 2003 إلى ما يزيد على ألف وسبعمائة هجوم يوميّ في عام 2010. في الوقت ذاته، كانت جهود بناء الدولة الأفغانية تعاني من إشكاليات بنيوية عميقة: الفساد المتجذّر في مؤسسات الحكومة التي نشأت تحت سقف الأموال الأجنبية المتدفقة، وضعف سيادة القانون، وعجز الجيش الأفغاني عن العمل باستقلالية، وغياب أي تقليد مؤسسي راسخ في بلد مزقته أربعة عقود متواصلة من الحروب.
[3]

تصعيد أوباما وذروة القوات

حين تولّى باراك أوباما الرئاسة في يناير 2009، ورث حرباً يرى فيها «الحرب الضرورية» بالمقارنة مع «الحرب الاختيارية» في العراق. في ديسمبر 2009، أعلن أوباما ما عُرف بـ«تصعيد أفغانستان»: نشر ثلاثين ألف جندي إضافي رفع العدد الإجمالي إلى ذروته بقرابة مئة ألف جندي أمريكي في يونيو 2011، في موازاة تعليمات واضحة بأن الانسحاب سيبدأ في يوليو 2011. كانت هذه المعادلة المتناقضة — التصعيد مع تحديد سقف زمني للانسحاب — موضع انتقاد حاد من قادة عسكريين رأوا أن الإعلان المبكر عن موعد الانسحاب أعطى طالبان الثقة باليقين بأنها لن تحتاج إلا للصمود. على الصعيد الميداني، استراتيجية «مكافحة التمرد» (COIN) التي وضعها الجنرال ستانلي ماكريستال ثم الجنرال ديفيد بيتريوس ارتكزت على كسب قلوب الأفغان المدنيين وتدريب قوات أمنية أفغانية واسعة، غير أن مستوى الفساد والتأخر في بناء المؤسسات والتعقيد القبلي جعل تطبيقها الميداني أعسر بكثير من نظريتها.
[6]

مقتل بن لادن وتراجع زخم الحرب

في الثاني من مايو 2011، نفّذت وحدة SEAL Team Six الأمريكية عملية نيبتون سبير واقتحمت مجمعاً سكنياً في أبوت آباد الباكستانية — على مسافة كيلومتر واحد من أكاديمية الجيش الباكستاني — وقتلت أسامة بن لادن. كان البُعد الجغرافي لعملية الاختباء في مدينة باكستانية محصّنة مثار علامات استفهام عميقة حول مستوى علم الاستخبارات الباكستانية أو جهاتها الرسمية، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى إجراء العملية دون إخطار إسلام آباد. أطلقت الولايات المتحدة كذلك برنامجاً موسّعاً من ضربات الطائرات المسيّرة (Drones) في المناطق القبلية الباكستانية استهدفت قيادات طالبان والقاعدة وتنظيم حقاني، وإن خلّفت خسائر مدنية موثّقة أثارت جدلاً واسعاً في القانون الدولي وحقوق الإنسان. أدّى مقتل بن لادن إلى انخفاض الدعم الشعبي الأمريكي للحرب إذ فقدت هدفها الشخصي والرمزي الأبرز، وتواصل التراجع التدريجي في الزخم السياسي لاستمرارها.
[7]

سنوات الانسحاب التدريجي (2014–2020)

في ديسمبر 2014، أعلنت الولايات المتحدة وحلف الناتو نهاية مهمة القتال الرسمية ونقل مسؤولية الأمن إلى القوات الأفغانية، محتفظَين بقوة متبقية أصغر لمهام التدريب والدعم والعمليات الخاصة. غير أن التصعيد الجديد لهجمات طالبان وسيطرتها على مناطق أوسع دفع إدارة أوباما ثم إدارة ترامب إلى تعديل الأهداف والأعداد مراراً. برز في هذه المرحلة فاعل جديد هو تنظيم «داعش خراسان» (ISKP) الذي ظهر في أفغانستان عام 2015 وأجرى عمليات دموية ضد المدنيين والمساجد والأسواق، معقّداً المشهد الأمني أكثر. في عهد ترامب، جرت مفاوضات سرية ثم علنية مع طالبان مباشرةً — متجاوزةً الحكومة الأفغانية التي أُقصيت من طاولة التفاوض — وصولاً إلى اتفاقية الدوحة.

اتفاقية الدوحة وانهيار الدولة

اتفاق 29 فبراير 2020

في التاسع والعشرين من فبراير 2020، وقّع مبعوث الرئيس ترامب زلماي خليل زاده اتفاقية مع طالبان في الدوحة عُرفت بـ«الاتفاقية من أجل إحلال السلام في أفغانستان». قضت الاتفاقية بانسحاب كامل للقوات الأمريكية بحلول مايو 2021 مقابل التزام طالبان بعدم السماح لأي تنظيم — بما فيها القاعدة — بالعمل من الأراضي الأفغانية، والدخول في مفاوضات بين الأفغان. الإشكالية الجوهرية التي أثارها المنتقدون كانت متشعّبة: جلست الولايات المتحدة مع طالبان مباشرةً وأقصت الحكومة الأفغانية الشرعية من طاولة التفاوض؛ لم تكن ثمة آلية تحقق فعّالة من التزامات طالبان؛ حدّد الاتفاق موعد الانسحاب بصرف النظر عن وتيرة المفاوضات الأفغانية الداخلية؛ فضلاً عن أن الاتفاقية لم تشترط وقفاً كاملاً لعمليات طالبان خلال المرحلة الانتقالية. قال الجنرال فرانك ماكنزي رئيس القيادة المركزية الأمريكية لاحقاً أمام الكونغرس إن «توقيع اتفاقية الدوحة أحدث أثراً نفسياً مسموماً في صفوف الحكومة الأفغانية وقواتها الأمنية أكثر من أي عامل آخر».
[8]

السقوط في أحد عشر يوماً

في أبريل 2021، أعلن الرئيس جو بايدن تأجيل الانسحاب الكامل حتى الحادي عشر من سبتمبر 2021 ذكرى هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ثم اختُصر الموعد إلى الحادي والثلاثين من أغسطس. حين بدأ الانسحاب الأمريكي الفعلي في مايو، شرعت طالبان في توسيع سيطرتها الميدانية بسرعة لم يتوقّعها المسؤولون الأمريكيون الذين أبلغوا علناً بأن الحكومة الأفغانية ستصمد لأشهر على الأقل بعد الانسحاب. في الثالث عشر من أغسطس 2021، كانت طالبان تسيطر على معظم ولايات أفغانستان؛ وفي الرابع عشر منه استسلمت ثاني أكبر مدينة قندهار، وفي الخامس عشر دخلت مقاتلو طالبان كابل دون مقاومة تذكر — وكان الرئيس أشرف غني قد غادر البلاد على متن طائرة محمّلاً — في حين سارع الدبلوماسيون الأمريكيون إلى التحليق بمروحيات من السفارة في مشهد استحضر صور إخلاء سايغون 1975. تكدّس مئات الآلاف من الأفغان العاملين مع القوات الأمريكية والمنظمات الغربية عند بوابات مطار كابل الدولي في صور مذهلة التقتها كاميرات العالم وأطفالٌ يُمرَّرون فوق الأسوار الشائكة على يد جنود أمريكيين.
[9]
في السادس والعشرين من أغسطس، نفّذ تنظيم داعش خراسان تفجيراً انتحارياً في بوابة مطار كابل أودى بحياة ثلاثة عشر جندياً أمريكياً وما يزيد على مئة وسبعين أفغانياً في أكثر الأيام دموية للقوات الأمريكية منذ سنوات. غادر آخر جندي أمريكي في الثلاثين من أغسطس 2021، وأُسدل الستار رسمياً على عشرين عاماً من الحرب.

«كانت فكرة أن الجيش الأمريكي يستطيع بناء دولة في أفغانستان من خلال قوة السلاح — وهو ما لا يمكن لأي جيش أجنبي أن يحقّقه — كانت وهماً من البداية. استطعنا تدمير الجيش الذي بنيناه في أحد عشر يوماً. أحد عشر يوماً لتدمير ما بُني في عشرين عاماً.»
— الجنرال مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، أمام الكونغرس، سبتمبر 2021

تكاليف الحرب

التكلفة البشرية

يُشكّل الثمن البشري للحرب الأمريكية في أفغانستان رقماً هائلاً تتفاوت تقديراته بين مصدر وآخر تبعاً لمنهجية الاحتساب. مشروع «تكاليف الحرب» في جامعة براون، وهو المرجع الأكاديمي الأكثر توثيقاً واستشهاداً، يُحصي 176,000 حالة وفاة مباشرة توزّعت بين قتلى مدنيين (46,319) وجنود وشرطة حكوميين أفغان (69,095) ومقاتلي تنظيمات معارضة (52,893) وجنود أمريكيين وحلفاء وعمال متعاقدين. هذا العدد لا يتضمّن الوفيات غير المباشرة المنسوبة للحرب — كالجوع وانهيار المنظومة الصحية والتهجير — التي تُقدّرها نفس الجامعة بما بين 360,000 ومليون شخص إضافي. يُضاف إلى هذا الثمن البشري تشريد نحو خمسة ملايين أفغاني في الداخل وفي دول الجوار. على الجانب الأمريكي، عاد مئات الآلاف من المحاربين يحملون جروحاً نفسية عميقة؛ يُقدّر أن 20% من قدامى المحاربين في أفغانستان والعراق يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) أو الاكتئاب الحاد.
[2]

التكلفة الاقتصادية

يُصنِّف مشروع «تكاليف الحرب» التكلفةَ الإجمالية الأمريكية بما يزيد على 2.261 تريليون دولار بحسب الأرقام المعلنة، مشيراً إلى أن إضافة تكاليف رعاية المحاربين القدامى على المدى البعيد وفوائد الديون المتراكمة ستُوصل الرقم إلى ما بين ستة وثمانية تريليونات دولار. كان العام المالي 2012 الأعلى إنفاقاً بما يزيد على 97.5 مليار دولار. بتبسيط الحساب: كلّفت الحرب المالية الأمريكي ما يعادل نحو 300 مليون دولار في اليوم، أو 16,000 دولار لكل فرد أمريكي. وُجّهت ثمانية وثمانون مليار دولار لبناء وتدريب القوات الأفغانية التي انهارت في أحد عشر يوماً، وكانت هذه اللحظة الأكثر إيلاماً في ملف الحرب: مبلغ يكفي لإعادة بناء بنية تحتية دولة متكاملة ذهب في جيش تبخّر عند أول اختبار حقيقي.
[6]

أفغانستان بعد الانسحاب — عودة طالبان

عادت حركة طالبان إلى حكم أفغانستان في أغسطس 2021 بعد عشرين عاماً بالضبط من إسقاطها، وأعلنت قيام «إمارة أفغانستان الإسلامية» من جديد. بحلول نهاية عام 2021 كانت ملامح الحكم الجديد تتضح: إلغاء وزارة شؤون المرأة واستبدالها بوزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإغلاق المدارس الثانوية والجامعات أمام الفتيات، ومنع المرأة من العمل في القطاع الحكومي والمنظمات غير الحكومية، وفرض اللباس الكامل (البرقع أو الحجاب الشامل) في الأماكن العامة — حتى صدر في ديسمبر 2022 حظرٌ شامل على الجامعات بالنسبة للمرأة. وصف مراقبون دوليون هذه السياسات بأنها «أسوأ نظام تمييزي ضد المرأة في العالم» وفق تعبير الممثل الخاص للأمم المتحدة. على صعيد الوضع الاقتصادي، جمّدت الولايات المتحدة نحو 9.5 مليار دولار من الاحتياطيات الأفغانية في مصرف الاحتياطي الفيدرالي، وانهار النظام المصرفي، وأفادت الأمم المتحدة بأن أكثر من تسعة وعشرين مليون أفغاني — أي ثلاثة أرباع السكان — يعيشون دون خط الفقر بحلول نهاية 2022.
[10]

دروس الحرب والإرث الاستراتيجي

تُعدّ الحرب الأمريكية في أفغانستان مستودعاً فكرياً لبعض أصعب أسئلة السياسة الدولية في القرن الحادي والعشرين. الدرس الأول يتعلق بمحدودية القوة العسكرية المجردة في تحقيق تحولات سياسية مستدامة في مجتمعات متجذّرة التقاليد والهوية؛ أنفقت الولايات المتحدة ما يعادل إجمالي الناتج المحلي لأفغانستان في ثلاثة قرون دفعة واحدة ولم تستطع بناء دولة تصمد عشرين يوماً بعد انسحابها. الدرس الثاني يخصّ إشكالية «بناء الأمة» (Nation Building) في سياق احتلال أجنبي؛ إذ يرى الباحث أشلي تيليس وسواه أن محاولة زرع مؤسسات ديمقراطية غربية الطراز في بلد تتحكم فيه روابط القبيلة والدين والزعامات المحلية كانت مشروعاً بالغ التفاؤل منذ اليوم الأول. الدرس الثالث هو ثمن الإهمال الاستراتيجي؛ فتحويل الاهتمام إلى العراق بين 2003 و2008 ترك الفراغ الذي ملأته طالبان ببطء لكن بثبات. الدرس الرابع هو خطورة تحديد سقف زمني للانسحاب قبل تحقيق الأهداف؛ فالإعلان الأوبامي عام 2009 عن الانسحاب لاحقاً، ثم الاتفاقية الترامبية عام 2020 التي ربطت الانسحاب بجدول زمني ثابت، قدّما لطالبان شيئاً ثميناً: اليقين بأن عليها مجرد الانتظار.
[11]
يبقى السؤال الجوهري الذي لا يزال يشغل المؤرخين والمحللين: هل كانت الحرب حتميةً بالنظر إلى ما فعله القاعدة في سبتمبر 2001، أم كان ثمة مسار آخر يحقّق الأمن الأمريكي بتكاليف أقل وآفاق أوضح؟ الإجابة لا تزال مثار جدل، لكن النتيجة الموضوعية الوحيدة التي لا يختلف فيها اثنان هي أن أفغانستان بعد عشرين عاماً من الحرب وتريليونَين من الدولارات تحكمها طالبان بنفس الأسلوب الذي كانت تحكمها في صبيحة الحادي عشر من سبتمبر 2001.

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
الدولة العثمانية
إمبراطورية إسلامية حكمت ستة قرون
الحضارة الفارسية
حضارة إيرانية قديمة متعددة الأسرات
إبادة الأمريكيين الأصليين
إبادة ممنهجة طالت شعوب أمريكا الأصلية
الإبادة الأرمنية
إبادة الأرمن في الدولة العثمانية 1915
🔍