🔍
اضغط Esc للإغلاق • Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية أدوية أعراض طبية أمراض شائعة أمراض نادرة التاريخ الجغرافيا القارات تخصصات طبية
الرئيسية / التاريخ / الحرب الأهلية الصينية
التاريخ

الحرب الأهلية الصينية

👁 1 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 15/6/2026 ✏️ 15/6/2026
100%

تُعدّ الحرب الأهلية الصينية (1927-1949م) من أطول الصراعات الداخلية في القرن العشرين وأبعدها أثراً في تاريخ البشرية، إذ انتهت بميلاد أكثر دول العالم سكاناً في صورتها الحديثة، وبتشكيل ثنائية جيوسياسية لا تزال تتحكم في العلاقات الدولية حتى اليوم: جمهورية الصين الشعبية في البرّ الصيني الكبير، وجمهورية الصين (تايوان) في الجزيرة المحاذية. خاضت الحرب حزبان لا يتشاركان رؤيةً واحدة ولا مستقبلاً: الحزب القومي الصيني (الكومينتانغ/KMT) بقيادة الجنرال تشيانغ كاي شيك، وهو حزب قومي محافظ يستند إلى المدن والطبقات التجارية والملاك والجيش التقليدي؛ والحزب الشيوعي الصيني (CCP) بقيادة ماو تسي تونغ، الذي اكتشف في الفلاحين الريفيين المظلومين وقوداً ثورياً لا ينضب. امتدت الحرب رسمياً من 1927م حتى 1949م، وإن تخللتها هدنة مضطربة بين 1937م و1945م حين اضطر الطرفان للتحالف أمام الغزو الياباني، ثم استؤنفت بشراسة أكبر في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية. وقد تتبّعت الحرب منحنىً درامياً مدهشاً: بدأت بهجوم قومي كاسح يوشك أن يُبيد الحركة الشيوعية في مهدها، ثم مرّت بالمسيرة الطويلة الملحمية التي نقلت بقايا الجيش الأحمر عبر آلاف الأميال من الوعورة، ثم انتهت بانهيار الكومينتانغ انهياراً مفاجئاً وسريعاً أدهش المراقبين الغربيين أنفسهم. وفي الأول من أكتوبر 1949م، وقف ماو تسي تونغ فوق بوابة تيانانمن في بكين وأعلن للعالم: «لقد قام الشعب الصيني»، مُنهياً «قرن الإذلال» الذي بدأ بالحرب الأفيونية، وفاتحاً حقبة جديدة لمئة وأربعة وثلاثين مليوناً من البشر.
[1]

الحرب الأهلية الصينية
الاسم بالصينية 国共内战 (Guógòng nèizhàn) — الحرب الداخلية بين القوميين والشيوعيين
التاريخ الرسمي أغسطس 1927 – ديسمبر 1949م (الطور الأخير)
المراحل الطور الأول 1927-1937 / الهدنة 1937-1945 / الطور الثاني 1946-1949
الموقع الصين القارية — من منشوريا شمالاً حتى غوانغدونغ جنوباً
النتيجة انتصار الشيوعيين — تأسيس جمهورية الصين الشعبية (1 أكتوبر 1949م)
أطراف النزاع
الكومينتانغ (القوميون) جمهورية الصين بقيادة تشيانغ كاي شيك
الحزب الشيوعي الصيني الجيش الأحمر / جيش التحرير الشعبي بقيادة ماو تسي تونغ
الداعم الخارجي للقوميين الولايات المتحدة الأمريكية (مساعدات مالية وعسكرية)
الداعم الخارجي للشيوعيين الاتحاد السوفيتي (دعم محدود في منشوريا في المراحل الأخيرة)
القادة الرئيسيون
قادة الكومينتانغ تشيانغ كاي شيك (القائد الأعلى)، باي تشونغشي، ويدميير (المستشار الأمريكي)
قادة الشيوعيين ماو تسي تونغ، تشو دي (القائد العسكري)، تشو إن لاي، لين بياو، بنغ ده هواي
الأرقام والخسائر
قوات الكومينتانغ (1946م) ~4,300,000 جندي
جيش التحرير الشعبي (1946م) ~1,200,000 مقاتل
الخسائر العسكرية الإجمالية ~1,200,000 قتيل في الطور الأخير (1946-1949)
المنسحبون إلى تايوان ~2,000,000 جندي ومدني
أبرز الأحداث والمعارك
مجزرة شنغهاي (1927م) الشرارة الأولى — تصفية الشيوعيين من الكومينتانغ
المسيرة الطويلة (1934-1935م) 9,650 كم عبر 11 مقاطعة — بقاء الشيوعيين ونهضتهم
حادثة شيان (1936م) أجبرت تشيانغ على التحالف مع الشيوعيين ضد اليابان
حملة لياوشن (1948م) خسارة الكومينتانغ لمنشوريا — نقطة التحول الكبرى
إعلان جمهورية الصين الشعبية 1 أكتوبر 1949م — بكين، ساحة تيانانمن
COSMALORE · الموسوعة العربية

السياق التاريخي

سقوط الإمبراطورية وفوضى أمراء الحرب

لفهم الحرب الأهلية الصينية على وجهها الكامل، لا بدّ من استيعاب حجم الانهيار الحضاري الذي خلّفته نهاية أسرة تشينغ عام 1912م. أسقطت ثورة 1911م آخر الأسر الإمبراطورية الصينية، وأعلنت جمهورية الصين برئاسة سون يات سن مؤسس حزب الكومينتانغ، غير أن هذه الجمهورية الوليدة وجدت نفسها أمام تحديات وجودية فورية: غياب مؤسسات دولة راسخة، وقاعدة اقتصادية هشّة تغلب عليها الزراعة الإقطاعية، وجيش مفكك تتنازعه ولاءات إقليمية، وضغوط أجنبية لا تتوقف. وفي أعقاب وفاة يوان شيكاي عام 1916م الذي انتزع الرئاسة من سون يات سن ثم فشل في إعلان نفسه إمبراطوراً، تفككت الصين إلى مناطق نفوذ يسيطر عليها أمراء الحرب — الجنرالات المحليون المسلحون الذين يحكمون مقاطعاتهم بالقوة دون أي مشروع سياسي موحّد. ومضت الصين في حالة فوضى سياسية عميقة طوال عقد العشرينيات، وأصبحت كلٌّ من موسكو البلشفية وطوكيو الإمبراطورية تراقب بانتباه هذا الجسد المنهك الواسع الأرجاء الغني بموارده.
[2]

الكومينتانغ والشيوعيون: التحالف الأول ونقاط التمزق

في عام 1921م، أُسّس الحزب الشيوعي الصيني في شنغهاي بحضور ثلاثة عشر مندوباً يمثّلون نحو خمسة وخمسين عضواً فحسب — وكان ماو تسي تونغ واحداً من هؤلاء المندوبين، ممثلاً لمحافظة هونان. في السنوات التالية، دخل الحزب الشيوعي تحت توجيه موسكو في تحالف «الجبهة المتحدة الأولى» مع الكومينتانغ بهدف مشترك هو توحيد الصين وطرد أمراء الحرب، وكان ذلك ترتيباً سوفيتياً يرى في الكومينتانغ «الحزب الجماهيري» المناسب لقيادة المرحلة الوطنية قبل الثورة الاشتراكية. وقد تلقّى الكومينتانغ في تلك المرحلة دعماً سوفيتياً في بناء أكاديمية فامبوا العسكرية التي أسّسها تشيانغ كاي شيك ودرّس فيها مستشارون من موسكو جيلاً من الضباط الذين قاتل بعضهم لاحقاً في صفوف متعارضة. ثم جاءت الحملة الشمالية (1926-1928م) التي أطلقها الكومينتانغ لتوحيد الصين وطرد أمراء الحرب، ففتحت مدناً وأقاليم واحدة تلو الأخرى، لكنها في الوقت ذاته أتاحت للشيوعيين تنظيم الطبقة العمالية في المدن المُحرَّرة تنظيماً طموحاً جعل تشيانغ يرى فيه منافساً خطيراً لا حليفاً مؤتمناً.
[3]

مجزرة شنغهاي وبداية الحرب

الثاني عشر من أبريل 1927م: الشرارة الدامية

في الثاني عشر من أبريل 1927م، نفّذ تشيانغ كاي شيك أحد أكثر الانقلابات الداخلية دموية في تاريخ الصين الحديث. كان الجيش الوطني قد دخل شنغهاي للتو، وكانت النقابات العمالية الشيوعية قد سيطرت عملياً على المدينة وأسهمت في استقبال الجيش. أصدر تشيانغ أوامره لميليشيات سرية — يُعتقد أنها مرتبطة بعصابات الجريمة المنظمة في شنغهاي — بالهجوم على مقار النقابات والخلايا الشيوعية في الساعات الأولى من الصباح، فاعتُقل مئات من أعضاء الحزب الشيوعي وأُعدموا على عجل في الشوارع، وانضمت وحدات من الجيش الوطني لاحقاً إلى عمليات التصفية التي امتدت لأيام. وقد تفاوتت التقديرات حول أعداد الضحايا بين ثلاثمئة وخمسة آلاف قتيل في شنغهاي وحدها، قبل أن تمتد موجة المجازر إلى كانتون وووهان وسائر المدن.
[4]
جسّد الكاتب الفرنسي أندريه مالرو هذه اللحظة في روايته الشهيرة «وضع بشري» (La Condition Humaine، 1933م)، إذ حوّلها إلى استعارة فلسفية عن الثورة والخيانة والموت — فكسب عليها جائزة غونكور وخلّد بها ذاكرة يوم قتل فيه الثوار بعضهم.

لم تكن الثورة قطاراً يمكن التوقف به في المحطة التي تختارها. إنها إما أن تذهب إلى آخر الطريق، أو أن تسقط في المنتصف.
— ماو تسي تونغ، خطاب في يينان، 1937م

الطور الأول: حرب الحصار والفرار (1927-1937م)

الجمهورية السوفيتية الصينية في جيانغشي

بعد مجزرة شنغهاي وما أعقبها من تصفيات، لجأت بقايا الحزب الشيوعي إلى الأرياف تحت ضغط اضطراري أثبت لاحقاً أنه كان قراراً استراتيجياً عبقرياً. كان ماو تسي تونغ قد توصّل بالتجربة الميدانية إلى قناعة تُخالف الأرثوذكسية الماركسية التقليدية: الثورة الصينية لن تنبثق من البروليتاريا العمالية في المدن — كما كانت موسكو تُقرّر — بل من الفلاحين الريفيين الأكثر عدداً والأشد تضرراً والأكثر استعداداً للانتفاض. وفي عام 1931م، أعلن ماو في رويجين بمحافظة جيانغشي قيام «جمهورية الصين السوفيتية» الخاضعة لسلطة الحزب الشيوعي، مُنظِّماً الأرياف المحيطة ومُوزِّعاً الأراضي على الفلاحين ومُجنِّداً جيشاً أحمر متصاعداً. ولفهم التحول الجذري الذي أحدثه هذا التوجه: كان ماو يحوّل «عيب» اللجوء إلى الريف إلى قوة استراتيجية، إذ جعل الجيش الأحمر يسبح في «بحر من الشعب» كما وصفه هو ذاته، محتضَناً بحيث لا يمكن للقوات القومية المدرّبة على حرب الميدان الكلاسيكية من استئصاله.
[5]
شنّ الكومينتانغ بين 1930م و1934م خمس حملات إحاطة وإبادة (encirclement campaigns) متتالية ضد المعاقل الشيوعية في جيانغشي بموارد بشرية وعسكرية متصاعدة في كل حملة. نجح الجيش الأحمر في التصدّي للحملات الأربع الأولى بأساليب حرب العصابات التي طوّرها ماو: الانسحاب أمام العدو، والهجوم على نقاط ضعفه المتفرقة، وتجنّب المواجهة الكلاسيكية على الجبهات المفتوحة. لكن الحملة الخامسة (1933-1934م) جاءت بعقيدة مختلفة: خطط المستشار الألماني هانس فون سيكت لبناء منظومة من الحصون والأبراج المتشابكة تُطوِّق المناطق الشيوعية تدريجياً وتخنق إمداداتها، فأفضى ذلك إلى ضغط متصاعد لا يمكن تجاوزه بحرب العصابات التقليدية.
[6]

المسيرة الطويلة: الملحمة التأسيسية للشيوعية الصينية

في السادس عشر من أكتوبر 1934م، بينما أحكمت حملة الإحاطة الخامسة طوقها على المعاقل الشيوعية في جيانغشي، انطلق ما سيُعرف بـ«المسيرة الطويلة» (长征، تشانغ تشينغ): اختراق جيش أحمر قوامه نحو ستة وثمانين ألف مقاتل وآلاف من المرافقين للخطوط القومية في نقاطها الأضعف، واتجاهه غرباً وشمالاً في رحلة بالغة القسوة. اجتازت القوات أربعةً وعشرين نهراً وثمانية عشر سلسلةً جبلية — خمس منها مكتسية بالثلج — وعبرت أحد عشر مقاطعة في رحلة دامت ثلاثمئةً وثمانية وستين يوماً وقطعت نحو تسعة آلاف وستمئة وخمسين كيلومتراً. كانت الطائرات القومية تُلاحق العمودَ المنسحب والقوات المعادية تُهاجم أجنحته باستمرار، فانهالت الخسائر بلا رحمة: وصل الجيش في أشهره الثلاثة الأولى إلى مدينة تسوني في مقاطعة غوييتشو وقد فقد نصف عديده تقريباً.
[7]
وفي يناير 1935م، خلال توقف في تسوني، انعقد مؤتمر حزبي طارئ شهد إعادة صياغة القيادة السياسية والعسكرية وتصاعد ماو إلى موقع الهيمنة الفعلية في الحزب — وهو ما كان سيصبح من أبرز نقاط التحول في تاريخ الحزب والصين معاً. استمرت المسيرة حتى بلغت قواتها الشاندية في أكتوبر 1935م إلى ينان في مقاطعة شانشي الشمالية، حيث أُسّست القاعدة الشيوعية الجديدة. لم يصل من بدأوا المسيرة إلى نهايتها إلا ثمانية آلاف تقريباً — أي أقل من عشرة بالمئة من عدد المنطلقين. بيد أن الأثر الأيديولوجي لهذه الملحمة تجاوز بكثير ما تُشير إليه أرقام الناجين: تحوّلت المسيرة الطويلة في الوجدان الشيوعي الصيني إلى أسطورة تأسيسية تُثبت قدرة الثوار على الصمود أمام ما يبدو مستحيلاً، واستخدمها ماو طوال حياته أيقونةً لما يمكن للشعب أن يُنجزه بالعزيمة والإيمان بالقضية.
[8]

حادثة شيان وإعادة التحالف

في الثاني عشر من ديسمبر 1936م، جرى حدث استثنائي أفضى إلى تغيير جذري في مسار السياسة الصينية: اعتُقل تشيانغ كاي شيك في مدينة شيان (西安) من قِبَل اثنين من جنرالاته — تشانغ شيولانغ وينغ هوتشينغ — اللذَين كانا يقودان قوات نشرها تشيانغ لمحاربة الشيوعيين في الشمال، وبدلاً من ذلك كانا يميلان إلى التحالف معهم ضد اليابان. خلال ثلاثة عشر يوماً من الاحتجاز، جرت مفاوضات متوترة دخل فيها تشو إن لاي شخصياً ممثلاً للشيوعيين. انتهت الحادثة باتفاق على «الجبهة المتحدة الثانية»: تعهّد الكومينتانغ بوقف الحملات ضد الشيوعيين، وتعهّد الشيوعيون بالتعاون ضد الغزو الياباني. وكانت اليابان قد احتلت منشوريا منذ 1931م وكانت تُوسّع نفوذها جنوباً، مما جعل الخطر الياباني هاجساً حقيقياً يُلجم حسابات الحرب الأهلية مؤقتاً. في يوليو 1937م، وبعد شهور من هذه الحادثة، اندلعت الحرب الصينية اليابانية الثانية الشاملة، وأُحيي التحالف رسمياً بين الطرفين — وإن ظل تحالفاً مضطرباً شهد مناوشات ومشادات تحت ستار التعاون في مواجهة العدو المشترك.
[9]

الهدنة والحرب اليابانية (1937-1945م)

خلال سنوات الحرب الصينية اليابانية (1937-1945م)، بدا الطرفان متحدَين ظاهرياً ضد العدو الخارجي، في حين كان كلٌّ منهما يُراقب الآخر ويُوسّع نفوذه. كان الكومينتانغ يتحمّل العبء الأكبر من ضربات الجيش الياباني المنضبط، ففقد في سنوات الحرب خيرة وحداته العسكرية المُدرَّبة وكوادره الإدارية في معارك نانجين وغيرها، وهو ما استنزفه بشكل لم يعوَّض عنه. وفي المقابل، استغل الشيوعيون سنوات الحرب اليابانية في توسيع قاعدتهم الجماهيرية في المناطق الريفية تحت ستار المقاومة الوطنية: مارسوا إصلاحاً زراعياً معتدلاً، وأعادوا تنظيم الفلاحين، وبنوا شبكة من الكوادر السياسية امتدت في الريف الصيني الشاسع. ولاحظ المراقبون الأجانب آنذاك — ومنهم المجموعة الأمريكية في مهمة «ديكسي» التي زارت ينان — أن الشيوعيين يتمتعون بروح معنوية عالية وكوادر قيادية منضبطة ودعم شعبي حقيقي، في حين كانت مناطق الكومينتانغ تعاني تصاعداً حاداً في الفساد ومعاناة المدنيين من الضرائب الجائرة. ولمّا سقطت القنبلتان الذريتان على هيروشيما وناغازاكي واستسلمت اليابان في أغسطس 1945م، وجد الطرفان نفسيهما أمام سباق للسيطرة على الأقاليم التي كانت اليابان تحتلها — وكان التدخل السوفيتي البالغ الأهمية في منشوريا وقيامه بنقل العتاد الياباني المُستسلم إلى القوات الشيوعية عاملاً حاسماً في تشكيل الموازين العسكرية للطور الأخير.
[10]

الطور الثاني والحاسم (1946-1949م)

المفاوضات الفاشلة والحرب المستأنفة

في الأشهر الأولى التالية لاستسلام اليابان، بعثت الولايات المتحدة بالجنرال جورج مارشال إلى الصين مبعوثاً خاصاً لتيسير مفاوضات الهدنة وتشكيل حكومة ائتلافية تجمع الطرفين. في يناير 1946م، أعلن مارشال وقفاً لإطلاق النار، وانعقدت جلسات تفاوضية أُنتجت فيها وثائق أملت فيها واشنطن أن تُفضي إلى استقرار. غير أن عقوداً من الحقد والريبة المتبادلة لم تُصحَّح بمجرد وثيقة: في يونيو 1946م، انهار وقف إطلاق النار وعادت الحرب أشرس مما كانت. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ضخّت في الكومينتانغ نحو مليارَي دولار من المساعدات، فإن هذه المساعدات وصلت إلى جهاز دولة كانت تأكله الفساد وتُغرقه المحسوبية: كتب تشيانغ كاي شيك بنفسه في يوميات يونيو 1948م أن الكومينتانغ لم يُهزَم بفعل الأعداء بل بفعل الانهيار الداخلي.
[11]

حملات 1948م: انقلاب الموازين

في عام 1948م، دارت ثلاث حملات كبرى قرّرت مصير الحرب قبل نهايتها الرسمية. حملة لياوشن (Liaoshen، سبتمبر-نوفمبر 1948م) في منشوريا: أسقطت قوات الجنرال لين بياو الشيوعية المدن الكبرى في منشوريا وأسرت أو أبادت أكثر من أربعمئة وسبعين ألف جندي من القوات القومية، مُنهيةً الوجود العسكري للكومينتانغ في شمال الصين بضربة واحدة. ثم حملة هواي-هاي (Huaihai، نوفمبر 1948م-يناير 1949م) في وسط الصين: أطاح فيها جيش التحرير الشعبي بأكثر من خمسمئة وخمسين ألف جندي قومي في أكبر معركة برية في الحرب. ثم حملة بينجين-تيانجين (يناير 1949م) التي أسقطت المدينتين الكبريين للشمال وفتحت الطريق نحو الجنوب والعاصمة نانجينغ.
[1]
كانت الخسائر القومية في ثلاثة أشهر من المعارك تفوق ما خسره الكومينتانغ في سنوات كاملة، وكانت أسباب الهزيمة المتسارعة متشعّبة: تدفّق وحدات بأسلحتها وقادتها إلى صفوف جيش التحرير الشعبي، واستمرار الانهيار المعنوي في جيش لم يعد يفهم لمَ يقاتل ولمَن، وتفاقم أزمة التضخم الاقتصادي الذي حوّل الليرة الصينية إلى ورق لا قيمة له وأفقر الطبقة الوسطى التي كانت تُشكّل الحاضنة الطبيعية للنظام القومي.

العوامل الحاسمة في انتصار الشيوعيين

يُشكّل السؤال عن أسباب سقوط الكومينتانغ رغم تفوقه العددي والمادي في 1946م أحد أكثر المسائل إثارةً في التأريخ السياسي للقرن العشرين. كان الكومينتانغ يبدأ الطور الأخير بأربعة ملايين وثلاثمئة ألف جندي في مقابل مليون ومئتَي ألف لدى الشيوعيين، وكان يتلقى دعماً أمريكياً بمئات الملايين من الدولارات. ومع ذلك، انهار في أقل من أربع سنوات. ثمة جملة من العوامل المتشابكة التي يُجمع المؤرخون على أهميتها وإن تفاوتوا في أوزانها النسبية: أولاً، الفساد البنيوي الذي نخر الكومينتانغ من الداخل، إذ كان الضباط يبيعون الأسلحة الأمريكية للشيوعيين أو يُهرّبون الإمدادات إلى السوق السوداء، وكان المسؤولون يسرقون المساعدات الأمريكية. ثانياً، التضخم الكارثي الذي دمّر ثقة الفئات الوسطى الحضرية بالحكومة: ارتفع مؤشر الأسعار من مئة عام 1937م إلى ثلاثمئة وثمانية وسبعين ألفاً ومئتين وسبعة عشر بحلول 1946م، ثم استمر الصعود حتى صار المواطن يحتاج حقيبة من الأوراق النقدية لشراء وجبة طعام. ثالثاً، إصلاح الأراضي الشيوعي الذي جعل الفلاحين — وهم ثمانون بالمئة من الصينيين — يُقاتلون في صفوف الشيوعيين أو يدعمونهم لوجستياً، إذ رأوا في انتصارهم وعداً بالأرض والكرامة. رابعاً، الاستسلام الجماعي لوحدات قومية كاملة — بعضها بقادتها وأسلحتها — الذي حوّل الجيش الشيوعي من متلقٍّ للعتاد إلى موزّع له.
[12]

إعلان الجمهورية الشعبية

في الأول من أكتوبر 1949م، وقف ماو تسي تونغ على بوابة تيانانمن الشهيرة الجنوبية لمجمّع المدينة المحظورة في بكين، وأعلن أمام حشد كبير من الجماهير والمسؤولين قيام «جمهورية الصين الشعبية» بكلمات باتت من أكثر العبارات اقتباساً في تاريخ القرن العشرين. كانت قوات الكومينتانغ لا تزال تسيطر على مناطق جنوبية واسعة، غير أن الانهيار كان كاملاً في جوهره: إذ فرّ تشيانغ كاي شيك وحكومته ونحو مليونَي جندي ومدني عبر مضيق تايوان إلى الجزيرة الجنوبية، مُعلِناً تايبيه عاصمةً مؤقتة لـ«جمهورية الصين» الشرعية وعازماً على استعادة البرّ الصيني. كان جيش التحرير الشعبي قد وصل إلى حافة المضيق، ولم يحَل بينه وبين الهجوم المحتمل على تايوان إلا اندلاع الحرب الكورية في يونيو 1950م، التي دفعت الرئيس ترومان إلى إرسال الأسطول الأمريكي السابع إلى مضيق تايوان حائلاً دون أي هجوم، وبذلك كانت الحرب الكورية هي التي أنقذت تايوان وجعلتها واقعاً جيوسياسياً مستدياماً.
[10]

الأهمية التاريخية

في تشكيل نظام القطبين وتداعيات الحرب الباردة

أحدث «سقوط الصين» — كما سمّاه الرأي العام الأمريكي في 1949م — زلزالاً في السياسة الداخلية الأمريكية وفي المنظومة الدولية للحرب الباردة. ففي واشنطن، حمّل الجمهوريون الإدارة الديمقراطية لترومان مسؤولية «خسارة الصين»، في حملة ضغط أسهمت في تأجيج مناخ «الماكارثية» ومطاردة الشيوعيين في الإدارة الأمريكية. وعلى الصعيد الدولي، أتاح انتصار الشيوعيين في الصين وجود قوة نووية شيوعية عملاقة في آسيا تُوازي دور الاتحاد السوفيتي في أوروبا، ما أشعل مخاوف «التوميّة» (Domino Theory) لدى صانعي السياسة الأمريكية وأضاف مبرراً إضافياً للتدخل في كوريا وفيتنام ولاوس وكمبوديا. كذلك أفرزت جمهورية الصين الشعبية وجمهورية الصين في تايوان سؤال التمثيل الدولي الذي بقي عالقاً حتى عام 1971م حين أُقرّ بعضوية الصين الشعبية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن على حساب تايوان.
[10]

مسألة تايوان: الحرب التي لم تنته

من أبرز خصائص الحرب الأهلية الصينية أنها لم تنتهِ بمعاهدة سلام رسمية ولم تُوقَّع هدنة خاتمة، فهي من الناحية القانونية الرسمية «مُجمَّدة» لا منتهية. تُعلن جمهورية الصين الشعبية أن تايوان جزء لا يتجزأ من أرضها وأن توحيدها أمر محتوم، وتُعلن جمهورية الصين في تايوان نفسها ورثاء الحكومة الصينية الشرعية. وقد حافظت أمريكا حتى الآن على سياسة «الصين الواحدة» الغامضة التي تقرّ رسمياً بموقف بكين دون أن تقبله صراحةً، مع الاستمرار في بيع الأسلحة لتايوان. وفي كل مرة تتصاعد التوترات عبر مضيق تايوان، يستحضر المراقبون حرباً أهلية لم تُحسَم في 1949م وتزداد احتمالات استئنافها تعقيداً مع مرور العقود.
[2]

في التأريخ وإشكاليات السردية

لا تزال الحرب الأهلية الصينية موضع تأريخ مُتجادَل بين ثلاثة سرديات متنافسة: السردية الرسمية الصينية الشعبية التي تُقدّمها انتصاراً ثورياً لشعب الصين ضد الفساد الرجعي والإمبريالية الأمريكية ذات التدخل الصريح؛ والسردية التايوانية التي تُصوّر الكومينتانغ حكومةً شرعية مُغتصَبة بالقوة، وتُقدّم تجربة تايوان الاقتصادية والديمقراطية اللاحقة دليلاً على ما كان يمكن أن تكون عليه الصين. والسردية الأكاديمية الغربية المتطورة التي طوّرت — ولا سيما منذ فتح بعض الأرشيفات الصينية والسوفيتية — قراءات أكثر تعقيداً تُبرز عوامل الاقتصاد السياسي والديناميكيات الاجتماعية ودور المجاعة والفساد بجانب أيديولوجيات المتحاربين. وفي الصين اليوم، لا تزال المسيرة الطويلة يومَ تيانانمن ومجزرة شنغهاي تُقرأ عبر عدسة سردية رسمية لا تتسامح كثيراً مع المراجعة النقدية، في حين تُولد كل موجة من الانفتاح الأرشيفي والبحث الأكاديمي قراءات أكثر دقةً وأقل شعاراتية.
[3]

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
الحضارة الفارسية
حضارة إيرانية قديمة متعددة الأسرات
الدولة العثمانية
إمبراطورية إسلامية حكمت ستة قرون
إبادة الأمريكيين الأصليين
إبادة ممنهجة طالت شعوب أمريكا الأصلية
الإبادة الأرمنية
إبادة الأرمن في الدولة العثمانية 1915
🔍