🔍
اضغط Esc للإغلاق • Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية أدوية أعراض طبية أمراض شائعة أمراض نادرة التاريخ الجغرافيا القارات تخصصات طبية
الرئيسية / التاريخ / الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان
التاريخ

الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان

👁 1 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 15/6/2026 ✏️ 15/6/2026
100%

المقدمة

الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان هو نظامٌ استعماري مُقنَّع بغطاء قانوني دولي، فرضته فرنسا على بلاد الشام في أعقاب انهيار الدولة العثمانية وانتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918. وُلد هذا الكيان من رحم الاتفاقيات السرية وخيانة الوعود العربية، إذ استندت فرنسا إلى قرارات مؤتمر سان ريمو الصادرة في 25 أبريل 1920، ثم إلى صك الانتداب الذي أقرّته عصبة الأمم رسمياً في سبتمبر 1923، لتفرض سيطرتها المطلقة على أراضٍ كانت قد أُعطيت وعوداً بالاستقلال ولم تُوفَّ لها تلك الوعود. امتدّ الانتداب من عام 1920 حتى جلاء آخر جندي فرنسي عن سوريا في 17 أبريل 1946، فيما أُعلن استقلال لبنان في 22 نوفمبر 1943، ليشكّل مجموع هذه الحقبة واحدةً من أكثر المراحل تعقيداً وتأثيراً في التاريخ العربي المعاصر.

لم يكن الانتداب مجرّد إدارة عسكرية مؤقتة، بل كان مشروعاً استعمارياً شاملاً أعاد رسم الجغرافيا السياسية، وفرّق الوحدة الجغرافية لسوريا الطبيعية إلى كيانات مجزّأة؛ فقسّمت فرنسا أراضي الانتداب إلى ست دويلات متفرقة في المرحلة الأولى، ثم دمجتها لاحقاً في وحدات أكبر، مع إبقاء لبنان كياناً مستقلاً بحدوده الموسّعة. في هذه الحقبة اندلعت أعنف الثورات الشعبية التي شهدها المشرق العربي في القرن العشرين، وفي مقدّمتها الثورة السورية الكبرى 1925-1927 بقيادة سلطان باشا الأطرش، فضلاً عن معركة ميسلون عام 1920 التي أسّست لأشكال النضال الوطني الحديث. كما أفرز الانتداب تحولات بنيوية عميقة في المجالين الاجتماعي والاقتصادي، طبعت سوريا ولبنان بأثرٍ لا يزال ماثلاً حتى اليوم في بنيتيهما السياسية والطائفية.

المعلومات الأساسية

الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان
Mandat français sur la Syrie et le Liban
معلومات عامة
الفترة الزمنية 1920 – 1946
دولة الانتداب الجمهورية الفرنسية الثالثة
المرجعية القانونية المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم
قرار الانتداب مؤتمر سان ريمو، 25 أبريل 1920 [1]
إقرار الصك الرسمي 29 سبتمبر 1923 (عصبة الأمم) [2]
الجغرافيا السياسية
العاصمة الإدارية بيروت (مقر المفوضية السامية)
الكيانات الإدارية المُنشأة ست دويلات أولاً، ثم دمجت في دولتين كبريين
المساحة الإجمالية نحو 300,000 كم² (شاملة المناطق المنتدبة)
سنجق الإسكندرونة انتُزع وضُمّ لتركيا عام 1939
المفوّضون الساميون الرئيسيون
أول مفوّض سامٍ الجنرال هنري غورو (1919–1923)
آخر مفوّض سامٍ الجنرال بيار جوان (1944–1946)
أبرز الأحداث
معركة ميسلون 24 يوليو 1920
الثورة السورية الكبرى 1925 – 1927
استقلال لبنان 22 نوفمبر 1943
جلاء سوريا (عيد الجلاء) 17 أبريل 1946 [3]
اللغات الرسمية العربية والفرنسية
العملة الليرة السورية (ربطت بالفرنك الفرنسي)
COSMALORE · الموسوعة العربية

الخلفية التاريخية وجذور الانتداب

١. سوريا في نهاية العهد العثماني

لفهم الانتداب الفرنسي في عمقه الحقيقي، لا بدّ من الإحاطة بالسياق الذي وُلد فيه هذا الكيان الاستعماري. كانت سوريا الطبيعية —بمعناها الجغرافي الشامل الذي يضمّ سوريا الحالية ولبنان وفلسطين والأردن وأجزاء من تركيا— تُشكّل قلب المشرق العربي وعصبه الحضاري. وقد ظلّت تحت الحكم العثماني قرابة أربعة قرون، من الفتح العثماني عام 1516 حتى انهيار الدولة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى. غير أن العقد الأخير من الحكم العثماني شهد صحوة قومية عربية واسعة، لا سيما في أوساط المثقفين والضباط، ممن التحقوا بجمعيات سرية كالعهد والفتاة، وطالبوا بالإصلاح أو الاستقلال [4].

عندما انضمت الدولة العثمانية إلى المحور الألماني في الحرب العالمية الأولى عام 1914، فتح ذلك الباب أمام بريطانيا لاستمالة العرب نحو الثورة على السلطنة بوعود استقلالية سخيّة. وكانت المراسلات الشهيرة بين الشريف حسين بن علي، شريف مكة، والمندوب السامي البريطاني هنري مكماهون بين عامَي 1915 و1916 تتضمّن وعوداً بريطانية بإقامة مملكة عربية مستقلة تشمل معظم الأراضي العربية —بما فيها سوريا— مقابل مشاركة العرب في الثورة ضد الأتراك [5]. أشعلت هذه الوعود الثورةَ العربية الكبرى عام 1916 التي بدأت من الحجاز، ودفع العرب دماءهم ثمناً لاسترداد أوطانهم من قبضة العثمانيين.

٢. اتفاقية سايكس-بيكو: الخيانة المُعلنة

في الوقت الذي كانت بريطانيا تُقدّم فيه وعوداً للعرب، كانت في الوقت ذاته تُبرم سرّاً اتفاقيةً مع فرنسا وروسيا تقضي بتقسيم المشرق العربي بين الدول المنتصرة. كانت اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916، التي سُمّيت بأسماء مفاوضَيها البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج بيكو، توزّع مناطق النفوذ؛ فمنحت فرنسا السيطرة على سوريا ولبنان وجنوب الأناضول، بينما حازت بريطانيا على العراق وفلسطين والأردن. ولم تكتشف الدول العربية أمر هذه الاتفاقية إلا بعد أن أفشاها البلاشفة الروس إثر ثورتهم عام 1917، وهو ما أثار موجة غضب عارمة وشعوراً عميقاً بالغدر والخداع [6].

على المستوى العملي، تمكّنت قوات الثورة العربية بقيادة الأمير فيصل بن الحسين ودعم البريطانيين، ولا سيما الضابط الاستخباراتي البريطاني توماس إدوارد لورانس المعروف بـ”لورانس العرب”، من إسقاط الوجود العثماني في سوريا والدخول إلى دمشق في أكتوبر 1918. أسّس فيصل أول حكومة عربية في دمشق، وعيّن على رأسها رضا باشا الركابي، وشرع في بناء المؤسسات الحديثة للدولة [7]. وكان الفرنسيون طوال هذه الفترة يتعاملون مع الوجود العربي في سوريا باعتباره حضوراً مؤقتاً لا بدّ من تصفيته في الوقت المناسب.

٣. المؤتمر السوري العام وإعلان المملكة

في مواجهة المطامع الفرنسية المتصاعدة، عُقد في دمشق في مارس 1920 المؤتمر السوري العام، الذي ضمّ ممثلين من كافة أرجاء سوريا الطبيعية بما فيها لبنان وفلسطين وشرق الأردن. وانتخب المؤتمر هاشم الأتاسي رئيساً له، وأصدر في الثامن من مارس 1920 قراراً تاريخياً أعلن فيه استقلال سوريا الطبيعية الموحّدة وتنصيب الأمير فيصل ملكاً دستورياً عليها، رافضاً صراحةً أي انتداب فرنسي أو بريطاني، ومطالباً بالوحدة العربية الكاملة [8]. كان هذا الإعلان تحدّياً صريحاً للإرادة الاستعمارية الغربية، ومحاولةً جادة لتأسيس دولة عربية حديثة قبل أن تُحكم القوى الكبرى قبضتها على المنطقة.

كذلك قرّر المؤتمر رفض اتفاق فيصل-كليمنصو الذي كان يقضي بقبول الانتداب الفرنسي على سوريا بصورة مجتزأة، إذ رأى الوطنيون السوريون أن هذا الاتفاق يُسوّغ الوجود الفرنسي المسلح ويُهدّد وحدة البلاد. وطالب المؤتمر بقبول انتداب أمريكا أو بريطانيا بوصفه “مساعدة فنية فقط”، ورفض صريح للانتداب الفرنسي الشامل [9]. غير أن تلك الإرادة الشعبية لم تجد صدىً في القرارات الدولية التي أُقرّت بعيداً عن إرادة الشعوب.

مؤتمر سان ريمو وفرض الانتداب

١. قرارات سان ريمو المصيرية

انعقد مؤتمر سان ريمو في المدينة الإيطالية التي تحمل الاسم ذاته بين الثامن عشر والسادس والعشرين من أبريل 1920، وحضره ممثلو الدول المنتصرة الكبرى: رئيس وزراء بريطانيا ديفيد لويد جورج، ورئيس وزراء فرنسا ألكسندر ميلران، ورئيس وزراء إيطاليا فرانشيسكو نيتي، إضافةً إلى ممثل ياباني [10]. وفي هذا المؤتمر، جرى التطبيق العملي لما نصّت عليه اتفاقية سايكس-بيكو من توزيع للنفوذ، فصدر القرار بوضع سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، فيما خُصّصت فلسطين والعراق وشرق الأردن للانتداب البريطاني. كانت هذه القرارات تُجسّد الغدر التام بالوعود التي قُطعت للعرب في مراسلات الشريف حسين-مكماهون، وتُكرّس منطق تقسيم المشرق وفق المصالح الاستعمارية لا وفق إرادة شعوبه.

استندت تلك القرارات من الناحية القانونية إلى المادة الثانية والعشرين من ميثاق عصبة الأمم، التي أرست نظام الانتداب ونصّت على أن الدول والأقاليم التي كانت تتبع الإمبراطوريات المهزومة وتعتبر “غير قادرة على أن تحكم ذاتها” يجوز وضعها تحت “وصاية” دولة منتدبة [11]. وهو توصيف رفضه الشعب العربي جملةً وتفصيلاً، مؤكّداً أنه يمتلك الأهلية الكاملة للحكم الذاتي وإدارة شؤونه، وأن ما يُدّعى من “تعليم ومساعدة” ليس إلا ستاراً للاستعمار المباشر. وقد أكّد بعض المؤرخين أن مؤتمر سان ريمو وليس اتفاقية سايكس-بيكو هو الذي رسم فعلياً حدود الشرق الأوسط الحديثة كما نعرفها اليوم [12].

٢. إنذار غورو وتصفية الحكم العربي

لم تمضِ أشهر قليلة على قرارات سان ريمو حتى قاد المشهد الجنرال هنري غورو الذي أُسندت إليه قيادة قوات الشرق الفرنسية ومنصب المفوّض السامي الأول على سوريا ولبنان. في الرابع عشر من يوليو 1920، بعث غورو إلى الملك فيصل بإنذار مُحدَّد المهل يقضي بجملة من المطالب الجوهرية: قبول الانتداب الفرنسي قبولاً صريحاً، وتسليم قوة السكة الحديدية لدمشق-حمص للفرنسيين، وتقليص الجيش السوري وتسليح عناصره، وعقوبة المقاومة والعصاة، ورفض قرارات المؤتمر السوري المتعلقة باستقلال فلسطين [13]. وكانت المهلة المحدّدة أربعة أيام فقط، ممّا يجعل هذا الإنذار تحدّياً سافراً لا يتوقّع أحد قبوله بسلام.

وجد فيصل نفسه أمام خيارات بالغة القسوة؛ فجيشه كان يفتقر إلى التجهيز الكافي، ودعم بريطانيا سُحب بصورة عملية، وفرنسا تزحف بقوة ساحقة. قبل فيصل الإنذار بعد مداولات مع وزرائه، وبدأت الحكومة تسريح الجيش دون نظام واضح. غير أن الاضطراب ساد، وفي تلك الأجواء المحتقنة رفض وزير الحربية يوسف العظمة الاستسلام ووقف الجيش أمام الدبابات الفرنسية في واحدة من أبطولية لحظات التاريخ العربي.

معركة ميسلون: ملحمة الكرامة المهزومة

١. وقائع المعركة وأبطالها

في فجر الرابع والعشرين من يوليو 1920، كتب التاريخ السوري والعربي واحدةً من أكثر صفحاته توهّجاً بالبطولة وإيلاماً بالمآل. انتشرت قوة من المتطوعين السوريين لا يتجاوز عددها ثلاثة آلاف مقاتل، إلى جانب عدد محدود من الضباط النظاميين، في موقع ميسلون الحصين الواقع على الطريق المؤدّي من دمشق إلى بيروت، في مواجهة جيش فرنسي منظّم قوامه تسعة آلاف جندي مزوّد بالطائرات والدبابات والمدافع الثقيلة [14]. قاد الدفاع يوسف العظمة، وزير الحربية في الحكومة العربية السورية، وهو الضابط الذي سبق أن حارب الحلفاء في الدردنيل وحارب العثمانيين من أجل الاستقلال، فكان يفهم تماماً ما تعنيه الكرامة وما ثمنها.

دارت المعركة في صباح ذلك اليوم بين قوتين غير متكافئتين البتّة؛ إذ كان الفارق في العدد والعدة شاسعاً لا يترك هامشاً للأمل العسكري. ومع ذلك صمد المتطوعون ساعات عدة، حتى سقط يوسف العظمة شهيداً على أرض المعركة، مُؤثراً الموت الكريم على الاستسلام أو الفرار. في اليوم ذاته دخل الجنرال غورو على رأس قواته إلى دمشق، وتُروى أنه توقّف عند قبر صلاح الدين الأيوبي وقال: “ها قد عدنا يا صلاح الدين”[15]. وقد نُفي الملك فيصل من سوريا، ولجأ أولاً إلى فلسطين ثم إلى أوروبا قبل أن تُوفّر له بريطانيا عرش العراق تعويضاً لما فقده في الشام.

٢. دلالات ميسلون وأبعادها

لا يمكن تقليص معركة ميسلون إلى حادثة عسكرية منهية بهزيمة حتمية، بل هي لحظة تأسيسية في الوعي الوطني السوري والعربي. وقد وثّق الأرشيف الفرنسي أن أكثر من خمس وثلاثين ثورة وانتفاضة كانت تحصل في سوريا كل عام طوال فترة الانتداب، ممّا يؤكّد أن الشعب السوري لم يقبل قطّ خضوعه للاحتلال، وأن ميسلون كانت البذرة الأولى لثورات متعاقبة [16]. وقد كتب الشاعر الكبير أحمد شوقي قصيدته الشهيرة في رثاء يوسف العظمة ومن ماتوا معه، وأضحى يوسف العظمة أيقونةً للكرامة الوطنية التي تُفضّل الفناء المشرّف على الاستسلام المهين.

لم تكن معركة ميسلون التي قادها الشهيد يوسف العظمة حدثاً وطنياً عادياً، بل إن هذه المعركة التي أسّست لأشكال النضال الوطني ضد الغزاة والمستعمرين وضعت اللبنة الأولى في بناء الاستقلال وإنجاز يوم الجلاء.
— وكالة الأنباء السورية (سانا)، 24 يوليو 2021

البنية الإدارية للانتداب الفرنسي

١. التقسيم إلى دويلات: سياسة فرّق تسُد

بعد دخوله دمشق في أغسطس 1920، باشر الجنرال غورو بتطبيق أول مشاريعه الكبرى: تفتيت الجغرافيا السورية الموحّدة إلى كيانات مجزّأة. قسّمت فرنسا المناطق التي تحت سيطرتها إلى ست دويلات متفرقة: دولة دمشق (1920)، ودولة حلب (1920)، ودولة العلويين (1920)، ودولة جبل الدروز (1921)، وسنجق الإسكندرونة ذاتي الحكم (1921)، ودولة لبنان الكبير (1920) التي أُعلن عنها في الأول من سبتمبر 1920 [17]. وقد استندت هذه التقسيمات جزئياً إلى التركيبة الطائفية والمناطقية، في ما يبدو تطبيقاً واعياً لسياسة “فرّق تسُد” التي دأبت عليها الإمبراطوريات الاستعمارية.

كان إنشاء دولة لبنان الكبير حدثاً استثنائياً بالغ الأهمية في هذا السياق؛ إذ وسّعت فرنسا حدود ولاية لبنان العثمانية الصغيرة لتضمّ إليها مناطق كانت تاريخياً جزءاً من الولايات السورية: بيروت وطرابلس وصيدا وصور والبقاع والجبل اللبناني. وقد استجابت فرنسا بذلك لمطالب الجماعة المارونية الكاثوليكية التي كانت الحليف التقليدي لها في المشرق العربي [18]. وفي عام 1923، أقرّت عصبة الأمم رسمياً الانتداب على سوريا ولبنان بوصفه كيانين منفصلين، وإن كانا خاضعَين لسلطة مفوّض سامٍ واحد مقرّه بيروت.

غير أن إنشاء لبنان الكبير بهذه الصيغة الموسّعة أخلّ بالتوازن الديموغرافي في الكيان الجديد؛ فبينما كانت ولاية لبنان القديمة ذات غالبية مارونية واضحة، ضمّت الحدود الجديدة أعداداً كبيرة من المسلمين السنة والشيعة والدروز الذين لم يسعوا إلى الانفصال عن سوريا. وقد أسّس هذا التغيير الديموغرافي لتوترات لا تزال تُعاد صياغتها في السياسة اللبنانية حتى يومنا هذا [19].

٢. إعادة الدمج والمرحلة الثانية

بعد الثورة السورية الكبرى التي كشفت عن تعقيدات التقسيم وصعوبة إدارة دويلات متعددة، لجأت فرنسا تدريجياً إلى إعادة دمج هذه الكيانات في وحدات أكبر. ففي عام 1930، صدر الدستور السوري الذي وحّد دولتَي دمشق وحلب في “دولة سوريا” واحدة، مع الإبقاء على المناطق الخاصة لجبل الدروز والعلويين بوضع مستقل [20]. وبقيت دولة لبنان الكبير كياناً مستقلاً بصورة تامة.

على صعيد السلطة الإدارية، تمركزت في يد المفوّض السامي الفرنسي الذي تمتّع بصلاحيات واسعة النطاق تشمل: إصدار التشريعات، والسيطرة على السياسة الخارجية والمالية والعسكرية، وتعيين كبار الموظفين والقضاة. وإلى جانب هذا الجهاز الإداري المباشر، حافظت فرنسا على حضور ضباط فرنسيين في كافة المؤسسات الحكومية الرئيسية. واستمرّت الليرة السورية مرتبطةً بالفرنك الفرنسي، ممّا جعل الاقتصاد السوري رهيناً بالسياسات المالية الفرنسية وتقلّباتها.

الثورة السورية الكبرى 1925-1927

١. الجذور والأسباب

لم تُخمّد هزيمة ميسلون جمر الثورة في النفوس السورية، بل بقيت الجمر تحت الرماد تنتظر موجة الهواء التي تُشعل النيران من جديد. تراكمت أسباب عميقة جعلت اندلاع ثورة واسعة أمراً حتمياً: فقد عانت سوريا من سياسات ضرائبية جائرة، وتضييق متصاعد على الصحافة الوطنية والتعليم باللغة العربية، وتجاوزات الموظفين الفرنسيين وضباطهم في مختلف المناطق. فضلاً عن ذلك، أثار تعيين المسؤول الفرنسي الجديد على جبل الدروز غضب أبناء الجبل بسبب سياساته الاستفزازية وتجاهله للشيوخ والزعماء المحليين الذين اعتادوا إدارة شؤون مجتمعاتهم بصورة ذاتية [21].

في مايو 1925، بدأت المواجهة الأولى عندما اعتدت القوات الفرنسية على جبل العرب في جنوب سوريا. وكانت الشرارة المباشرة عندما أقدمت السلطات الفرنسية على اعتقال عدد من زعماء الجبل، فانتفضت العشائر الدرزية بقيادة سلطان باشا الأطرش الذي أصبح لاحقاً القائد العام للثورة. وفي الحادي والعشرين من يوليو 1925، خاض الأطرش مع مجاهديه معركة الكفر، وقضى على القوة الفرنسية التي أُرسلت للقبض عليه، ثم أعلن الثورة رسمياً في بيانٍ لافت دعا فيه “إلى السلاح” وأكّد على “وحدة البلاد السورية ساحلاً وداخلاً، والاستقلال التام ونيل الحرية غير المنقوصة” [22].

٢. انتشار الثورة وملاحمها

امتدّت جذور الثورة لتشمل دمشق وحمص وحماة ومناطق واسعة من سوريا ولبنان. وسعى سلطان باشا الأطرش إلى تجاوز الطابع المناطقي والطائفي للثورة، فأكّد دائماً على الوحدة الوطنية ورفض الانقسامات الطائفية. ودليل ذلك أنه حين عرض عليه الفرنسيون الاستقلال بجبل الدروز وحده وتأسيس دولة مستقلة بزعامته، رفض هذا العرض رفضاً قاطعاً مصرّاً على الوحدة الوطنية السورية الشاملة [23]. كذلك انضمّ إلى الثورة حزب الشعب الوطني بقيادة الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، وهو ما أضفى على الثورة طابعاً سياسياً وطنياً متكاملاً يجمع بين الكفاح المسلح والنضال السياسي.

خاضت قوات الثورة معارك مجيدة عديدة، أبرزها: معركة المزرعة في الثاني من أغسطس 1925، ومعارك الإقليم الكبرى، ومعركة صلخد، والمسيفرة، والسويداء. وقد ردّت فرنسا بعنف مفرط، فضربت دمشق بالمدافع الثقيلة في أكتوبر ونوفمبر 1925، وأدّى ذلك إلى تدمير أحياء كاملة في قلب العاصمة القديمة وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، في مشهد استنكره كثير من المراقبين الأوروبيين أنفسهم [24].

امتدّت الثورة حتى عام 1927، وانتهت بتفوّق القوة العسكرية الفرنسية الساحقة دون أن تنتهي روح المقاومة. ومن أبرز ما خلّفته الثورة أنها أجبرت فرنسا على مراجعة أساليبها الإدارية، والإقرار بدرجة أكبر من المشاركة السياسية للسوريين، وكان من ثمارها المتأخرة إصدار الدستور السوري عام 1930.

السياسات الفرنسية وأثرها في البنية الداخلية

١. السياسة الطائفية والتقسيمية

اعتمدت فرنسا منهجاً ممنهجاً في تعميق الانقسامات الطائفية والمذهبية بوصفها أداةً لإضعاف الوحدة الوطنية. في سوريا، أنشأت قوة شريفة خاصة تُعرف بـ”القوى الخاصة” ضمّت بصورة رئيسية عناصر من الأقليات الدينية كالعلويين والدروز والمسيحيين، بدلاً من الاعتماد على تجنيد عام متوازن. وهو ما أرسى في وعي تلك الجماعات إحساساً خاصاً بالمكانة، وفي المقابل أثار ريبة السنة وشعورهم بالإقصاء [25]. وقد نبّه المؤرخ البريطاني ستيفان هيمسلي لونغريغ في كتابه الكلاسيكي “سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي” إلى أن فرنسا نجحت في جعل بعض النخب المحلية شريكةً لها في إدارة الانتداب، وهو ما منح النظام قدراً من القدرة على الاستمرار رغم المقاومة الشعبية المتواصلة [26].

في لبنان، كان التمييز الطائفي أوضح وأشدّ أثراً؛ إذ حظي الموارنة وسائر المسيحيين بتفضيل فرنسي واضح على الصعيدَين الإداري والتعليمي، وأُرسي في عام 1932 تعداد سكاني شهير أظهر أغلبية مسيحية، وهو التعداد الوحيد الذي اعتُمد أساساً لنظام التوزيع الطائفي للمناصب الرسمية، واستمرّ سارياً بصورة قانونية وعرفية حتى اتفاق الطائف عام 1989 [27].

٢. السياسة الاقتصادية: الاستنزاف والتهميش

كان الانتداب الفرنسي اقتصادياً نموذجاً استنزافياً كلاسيكياً. ربطت فرنسا الليرة السورية واللبنانية بالفرنك الفرنسي ربطاً ثابتاً، ممّا أخضع السياسة النقدية المحلية للمتطلبات الفرنسية. منحت الشركاتُ الفرنسية امتيازاتٍ احتكارية في قطاعات حيوية كالسكك الحديدية والكهرباء والمياه ومرفأ بيروت. وفي عام 1939، رصد مفتّش حكومي فرنسي مالي يدعى دوشاتيل حقيقةً صادمة حين أشار إلى أن “تركيا بدأت تتجاوز اقتصادياً سوريا، وهو ما لم يكن متوقّعاً حدوثه قبل سنين قليلة مضت”[28]. وهو اعتراف صريح من المصدر الفرنسي نفسه بفشل السياسة الاقتصادية للانتداب في تحقيق تنمية حقيقية.

في المقابل، استثمرت فرنسا في البنية التحتية الجديدة في لبنان أكثر نسبياً منها في سوريا، وعلى وجه الخصوص في مدينة بيروت التي حوّلتها إلى مركز تجاري ومصرفي متوسطي، ممّا جعلها تؤدّي دور “سويسرا الشرق”. وقد استفاد من هذا التوجّه الموارنةُ اللبنانيون واليهود والشركات الأوروبية، فيما ظلّ الداخل السوري يعاني من تخلّف بنيوي نسبي [29].

٣. التعليم والثقافة والهوية

انتهجت فرنسا سياسة ثقافية تدريجية ترمي إلى نشر الثقافة الفرنسية وتعزيز حضور اللغة الفرنسية على حساب العربية. فدعمت المدارس الكاثوليكية وبعثات الآباء اليسوعيين التي أسّست الجامعة اليسوعية في بيروت، وأُنشئت الجامعة السورية الحكومية في دمشق عام 1923. كذلك أُدخلت اللغة الفرنسية إلزاميةً في المناهج الرسمية جنباً إلى جنب مع العربية. وعلى الرغم من أن هذه السياسة الثقافية أنتجت جيلاً من المثقفين الثنائيي اللغة، فإنها أثارت في الوقت ذاته مقاومة وطنية حادة من قبل التعليم الديني التقليدي والمدارس العربية التي رأت في الفرنسة تهديداً للهوية.

لبنان الكبير في ظل الانتداب

١. نشأة الكيان اللبناني الحديث

أُعلن قيام دولة لبنان الكبير في الأول من سبتمبر 1920 على يد الجنرال هنري غورو في بيروت، وهو الإعلان الذي حمل في طيّاته جدلاً لم يُحسم حتى اليوم. فبينما استقبله الموارنة وكثير من المسيحيين باعتباره إنجازاً تاريخياً أعاد وصل ما انقطع بين المتن اللبناني والسواحل والأرياف التي ينتمون إليها، رأى فيه كثير من المسلمين تجزئةً مصطنعة تنتزعهم من محيطهم السوري العربي الطبيعي وتضعهم في كيان مُصمَّم لخدمة مصالح بعينها [30].

أُقرّ الدستور اللبناني عام 1926 وهو أول دستور جمهوري في الشرق العربي، وقد تأثّر تأثّراً واضحاً بنموذج الجمهورية الفرنسية؛ فنصّ على رئيس جمهورية منتخب من البرلمان، وبرلمان مُنتخب بالاقتراع العام، مع توزيع طائفي للمناصب الكبرى. وتُعدّ مرحلة الانتداب في لبنان من الناحية الدستورية أكثر تقدماً نسبياً مقارنةً بسوريا، غير أن ذلك التقدم جاء في إطار فرنسي لم يُفضِ إلى استقلال فعلي بل إلى شكل من أشكال الوصاية الراقية [31].

٢. الميثاق الوطني وطريق الاستقلال

منذ منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، راحت تتبلور في لبنان صيغة وطنية تقريبية بين كبار رجال السياسة من الطائفتين المسيحية والمسلمة. تجسّدت هذه الصيغة فيما أصبح يُعرف بـ”الميثاق الوطني اللبناني” غير المكتوب، وهو يقوم على معادلة واضحة: يتخلّى المسيحيون عن مطلبهم التقليدي بالحماية الفرنسية، ويتخلّى المسلمون عن مطلبهم بالاندماج مع سوريا والعالم العربي، وذلك سبيلاً إلى استقلال وطني حقيقي. وقد تجسّد هذا الميثاق في شخصَي رياض الصلح القيادي السني وبشارة الخوري القيادي الماروني، اللذان باتا يمثّلان القطبين المحوريين في هذا التوافق التاريخي [32].

الحرب العالمية الثانية وأُفق الاستقلال

١. الانقسام الفرنسي وتداعياته

أدخلت الحرب العالمية الثانية متغيراً جوهرياً على مشهد الانتداب. حين سقطت فرنسا أمام ألمانيا النازية في يونيو 1940، انقسمت الأراضي الفرنسية وحكومتها إلى كيانين متعارضَين: حكومة فيشي الموالية لألمانيا، وحركة فرنسا الحرة بقيادة الجنرال شارل ديغول. وفي سوريا ولبنان، آثرت السلطة المدنية والعسكرية الفرنسية المحلية الانضمام إلى حكومة فيشي، ممّا جعل هذه الأراضي تقع تحت سيطرة مؤيّدي ألمانيا [33]. وقد أثار ذلك مخاوف بريطانية بالغة بشأن أمن المنطقة واستقرارها.

في يونيو 1941، شنّت قوات بريطانية ومعها وحدات فرنسا الحرة حملةً عسكرية سريعة على سوريا ولبنان، وأخرجت قوات فيشي منهما. وفي إطار هذه الحملة، أعلنت فرنسا الحرة عن استقلال سوريا ولبنان، وكان الجنرال جورج كاترو ممثّلاً لديغول يؤكّد هذا الوعد. غير أن الإعلان جاء ضمن إطار الانتداب نفسه، وقد صرّح رجال المفوضية “بعدم وجود أية نية لتغيير فعلي قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية” [34].

٢. استقلال لبنان عام 1943

أُجريت انتخابات برلمانية في لبنان في أغسطس 1943، وجاءت بأغلبية وطنية واضحة. فانتُخب بشارة الخوري رئيساً للجمهورية، وكلّف رياض الصلح تشكيل الحكومة. وفي نوفمبر 1943، أقدم البرلمان اللبناني على خطوة استفزازية حين عدّل الدستور بصورة أحادية لإزالة كافة النصوص التي تُشير إلى الانتداب الفرنسي. غضبت السلطات الفرنسية من هذه الجرأة واعتقلت الرئيس الخوري ورئيس الحكومة الصلح وعدداً من الوزراء في الثالث عشر من نوفمبر 1943 وأودعتهم قلعة راشيا. أشعل ذلك الاعتقال احتجاجات شعبية عارمة في لبنان وموجة غضب دولية واسعة، وتحت هذا الضغط المزدوج أذعنت فرنسا وأفرجت عن المعتقلين في الثاني والعشرين من نوفمبر 1943، الذي أصبح يوم الاستقلال اللبناني [35].

٣. الاستقلال السوري وجلاء 1946

في سوريا جرت انتخابات عام 1943 وفاز فيها الوطنيون، وانتُخب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية. غير أن فرنسا لم ترضَ بالتنازل السلس عن نفوذها. ففي مايو 1945، وكانت الحرب العالمية الثانية قد أوشكت على نهايتها، أقدمت القوات الفرنسية على احتلال البرلمان السوري وقطع الكهرباء عن دمشق، ثم وجّهت مدافعها نحو المدينة القديمة وقتلت ما يُقدَّر بأربعمائة سوري وهدمت مئات المنازل [36]. كان هذا العنف المفرط في لحظة انتصار الحلفاء على النازية —وفرنسا نفسها في طليعتهم— يثير السخرية المُرّة والاستنكار الدولي الواسع.

تدخّلت بريطانيا بصرامة وطالبت فرنسا بوقف العمليات العسكرية وسحب قواتها. وفي مارس 1945، دُعيت سوريا ولبنان للمشاركة في مؤتمر سان فرانسيسكو لتأسيس الأمم المتحدة كعضوَين مؤسّسين، وهو ما شكّل اعترافاً دولياً رسمياً باستقلالهما. وحين طرحت فرنسا وبريطانيا مشروع قرار أمام مجلس الأمن الجديد يطالب بالجلاء، لجأ الاتحاد السوفياتي إلى استخدام حق النقض (الفيتو) لأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة [37]. في نهاية المطاف، انسحب آخر جندي فرنسي من سوريا في السابع عشر من أبريل 1946 الذي غدا عيد الجلاء والذكرى الوطنية السورية بامتياز [38].

الإرث التاريخي وآثار الانتداب البعيدة

١. سنجق الإسكندرونة: الجرح المفتوح

من أشدّ إرث الانتداب الفرنسي إيلاماً في الوجدان السوري إهداءُ فرنسا لسنجق الإسكندرونة (لواء إسكندرون) إلى تركيا عام 1939. كان هذا السنجق ذاتَ الغالبية العربية الواضحة قد مُنح وضعاً انتقالياً بين عامَي 1937 و1938، ثم أُجريت فيه انتخابات تُشير الوقائع إلى أنها جرت في ظل تلاعب إحصائي فرنسي-تركي مُدبَّر. ضمّت تركيا السنجق في يونيو 1939 وغيّرت اسمه إلى “هاتاي”. وقد جاء هذا القرار ثمناً فرنسياً لاستمالة تركيا بعيداً عن محور روما-برلين، وهو ما يعني أن فرنسا ضحّت بجزء من الأرض السورية التي لا تملكها أصلاً خدمةً لمصالحها الاستراتيجية الخاصة [39].

٢. الحدود الموروثة والإشكاليات المعاصرة

أنتجت الحدود التي رسمها الانتداب الفرنسي مشكلات بنيوية في العلاقة بين سوريا ولبنان لا تزال تُلقي بظلالها حتى اليوم. فالحدود اللبنانية-السورية لم تُرسم على أسس جغرافية أو قومية أو تاريخية واضحة، بل جاءت في معظمها انعكاساً لمصالح التقسيم الإداري الفرنسي. وقد ظلّت هذه الحدود مصدر توتر دوري بين البلدين، ولم تُعترف بها سوريا رسمياً إلا في وقت متأخر. أما نظام الميثاق الوطني اللبناني المبني على التوازن الطائفي المُبتكَر في زمن الانتداب، فقد حمل في جيناته التعقيدات التي تفجّرت في الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) وما تلاها من أزمات [40].

٣. القراءات التاريخية للانتداب

تتباين القراءات التاريخية للانتداب الفرنسي تبايناً حاداً بحسب المرجعية الثقافية للمؤرخ وزاوية نظره. يميل المؤرّخون الأوروبيون والأمريكيون في أغلب الأحيان إلى التركيز على الوثائق الرسمية الفرنسية وإبراز الجوانب “التحديثية” للانتداب كبناء الطرق والمدارس والمؤسسات. في حين يُؤكّد المؤرّخون العرب —مستنيدين إلى شهادات المحكومين ومذكراتهم ووثائق النضال الوطني— الطابعَ الاستعمارياً الاستغلالياً للمرحلة [41]. أما المؤرّخ الأكاديمي فيليب خوري في كتابه الأساسي “سوريا والانتداب الفرنسي: سياسات القومية العربية 1920-1945″، فيرى أن ما أتاح للانتداب الاستمرار ليس القوة وحدها، بل القدرة على التفاوض مع نخبة الوجهاء والأعيان الذين وجدوا في التعاون مع الفرنسيين ضمانةً لمصالحهم الطبقية [42].

كان معظم الوطنيين يشيدون بمبادئ الثورة الفرنسية في الحرية والعدالة والمساواة، ويتساءلون لماذا تتنكر الأجهزة الفرنسية المهيمنة لهذه المبادئ؟
— من أحاديث زعماء الحركة الوطنية السورية، نقلاً عن مؤرّخين سوريين

٤. أثر الانتداب في تشكّل الهوية الوطنية

على الرغم من مآسيه ونقائصه، أسهم الانتداب بصورة جدلية في صياغة الهويات الوطنية السورية واللبنانية. فالمقاومة الشعبية المتواصلة ضد الاحتلال أفضت إلى تعميق الوعي الوطني وصهر التنوّع القبلي والطائفي في بوتقة مشتركة من الانتماء. وكان النضال ضد الفرنسيين يجمع في صفوفه علوياً وسنياً ودرزياً ومسيحياً على أرضية الوطنية الجامعة. بل إن بعض الباحثين يرون أن وجود “العدو المشترك” كان عاملاً جوهرياً في إنضاج المشروع الوطني السوري وترسيخ أُسسه العابرة للطوائف [43].

خلاصة تحليلية

يظل الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان فصلاً من أكثر فصول التاريخ العربي المعاصر تركيباً وتناقضاً. فهو من جهة يُجسّد النموذج الكلاسيكي للاستعمار الذي يرتدي ثوب الوصاية والمساعدة، مُخفياً وراءه مصالح استراتيجية واقتصادية ونفوذاً دينياً -فرنسا بوصفها حامية الكاثوليك في المشرق- وأطماع إقليمية موروثة من حملات نابليون. ومن جهة أخرى، يمثّل الانتداب البيئةَ التاريخية التي فيها وُلدت دولتان معاصرتان بهويتيهما ودستوريهما ومؤسساتيهما، وإن جاءتا في ظروف تنفي الاختيار الحر والإرادة الذاتية. أما الإرث الأعمق والأبعد أثراً، فيكمن في الحدود المُرسَمة والأنظمة الطائفية المُرسَّمة التي لا تزال تُشكّل بنية الحياة السياسية في كلا البلدين حتى الساعة [44].

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
الدولة العثمانية
إمبراطورية إسلامية حكمت ستة قرون
الحضارة الفارسية
حضارة إيرانية قديمة متعددة الأسرات
إبادة الأمريكيين الأصليين
إبادة ممنهجة طالت شعوب أمريكا الأصلية
الإبادة الأرمنية
إبادة الأرمن في الدولة العثمانية 1915
🔍