🔍
اضغط Esc للإغلاق • Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية أدوية أعراض طبية أمراض شائعة أمراض نادرة التاريخ الجغرافيا القارات تخصصات طبية
الرئيسية / التاريخ / حرب بوير
التاريخ

حرب بوير

👁 1 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 15/6/2026 ✏️ 15/6/2026
100%

حرب البوير — المعروفة أكاديمياً بـ«الحرب الجنوب أفريقية» (South African War) أو «حرب الأنغلو-بوير الثانية» (Second Anglo-Boer War)، وفي الوعي الأفريكاني بـ«الحرب الإنغليزية» — نزاعٌ مسلح اندلع في الحادي عشر من أكتوبر 1899 وانتهى بمعاهدة فيريينيغينغ في الحادي والثلاثين من مايو 1902، خاضته الإمبراطورية البريطانية ضد جمهوريتَي البوير المستقلتَين: جمهورية جنوب أفريقيا (الترنسفال) وجمهورية أورانج الحرة في جنوب أفريقيا.
[1]
البوير (Boers) — وتعني الكلمة «المزارعين» بالهولندية — هم المستوطنون البروتستانت الأوروبيون الذين هبطوا سواحل رأس الرجاء الصالح مع شركة الهند الشرقية الهولندية منذ عام 1652، وتطوّروا على مدى قرنَين ونصف إلى شعب أفريكاني (Afrikaner) متميّز بلغته الأفريكانسية ونسيجه القبلي المحافظ وأيديولوجيته الدينية الكالفينية المتشددة. حين اكتُشف الذهب في الترنسفال عام 1886 في أكبر احتياطيات ذهبية في العالم، تحوّلت أرض الكنعانيين الصغيرة الهادئة إلى مسرح لأكبر قوة استعمارية في التاريخ. أودت الحرب بحياة ما يزيد على مئة وخمسين ألف إنسان بين عسكري ومدني، وكلّفت الخزينة البريطانية أكثر من مئتَي مليون جنيه استرليني لتكون أكلف حروب بريطانيا منذ نابليون، وأنتجت ما اعتُبر رسمياً أول معسكرات تركيز ممنهجة في التاريخ الحديث أودت بحياة ثمانية وعشرين ألف من البوير — 79% منهم أطفال — وما بين أربعة عشر وعشرين ألفاً من الأفارقة السود في معسكرات منفصلة. لم تكن حرب البوير غزواً استعمارياً عادياً: فقد كانت المرآة الأولى التي رأت فيها بريطانيا العظمى — في أوج إمبراطوريتها — انعكاسَ ثمن القوة وحدودها وتساؤلاتها الأخلاقية الداخلية، وشكّلت مختبراً بشرياً طوراً تكتيكياً لأساليب الحرب الحديثة التي ستتجلى كاملةً في الحرب العالمية الأولى.
[2]

حرب البوير الثانية (1899–1902)
التسمية الدولية Second Anglo-Boer War / South African War
التسمية الأفريكانية Tweede Vryheidsoorlog — حرب الحرية الثانية
الفترة الزمنية 11 أكتوبر 1899 – 31 مايو 1902 (سنتان وسبعة أشهر)
الموقع الجغرافي جنوب أفريقيا — الترنسفال، أورانج الحرة، كولونيا ناتال، مستعمرة رأس الرجاء
الأطراف المتحاربة
الإمبراطورية البريطانية بريطانيا + كندا + أستراليا + نيوزيلندا + الهند + كولونيا رأس الرجاء
جمهوريتا البوير جمهورية الترنسفال (SAR) + جمهورية أورانج الحرة (OFS)
متطوعون أجانب متطوعون من ألمانيا وروسيا وأيرلندا والولايات المتحدة والنمسا دعموا البوير
القادة الرئيسيون
بريطانيا اللورد روبرتس (القائد الأول) — اللورد كيتشنر (القائد الثاني) — اللورد ميلنر (المفوض السامي)
جمهورية الترنسفال بول كروغر (رئيس الجمهورية) — لويس بوثا — يان سموتس
جمهورية أورانج مارتينوس ستين (الرئيس) — كريستيان ده ويت (قائد حرب العصابات)
المراحل الرئيسية
المرحلة الأولى أكتوبر 1899 – فبراير 1900 — هجوم البوير وهزائم بريطانيا في «الأسبوع الأسود»
المرحلة الثانية فبراير – سبتمبر 1900 — التقدم البريطاني واحتلال العواصم
المرحلة الثالثة سبتمبر 1900 – مايو 1902 — حرب العصابات ومعسكرات التركيز
الخسائر الإجمالية
القتلى البريطانيون نحو 22,000 (5,774 في المعارك + 16,000 بالأمراض)
قتلى البوير العسكريون نحو 7,000 – 14,000 مقاتل
وفيات معسكرات التركيز (البوير) 27,927 – 28,000 (79% منهم أطفال)
وفيات معسكرات التركيز (الأفارقة) 14,154 – 20,000 أفريقي أسود
المحتجزون إجمالاً 117,000 بوير + 119,000 أفريقي أسود في 46 معسكراً
التكلفة الاقتصادية أكثر من 200 مليون جنيه إسترليني (أعلى تكلفة حرب بريطانية منذ نابليون)
الوثائق الرئيسية
معاهدة فيريينيغينغ 31 مايو 1902 — ضمّت الترنسفال وأورانج للإمبراطورية البريطانية
تقرير إيميلي هوبهاوس 1901 — أول وثيقة تكشف الكارثة الإنسانية في معسكرات التركيز
اتحاد جنوب أفريقيا 1910 — دمج الكيانات الأربعة في مستعمرة موحّدة
COSMALORE · الموسوعة العربية

الخلفية التاريخية

البوير وجذور الهوية الأفريكانية

لا يمكن فهم حرب البوير بمعزل عن تاريخ استثنائي تشكّل على مدى قرنَين ونصف في أقصى جنوب أفريقيا. حين رسا أوّل أسطول هولندي في رأس الرجاء الصالح عام 1652 ليؤسّس محطة توقف للسفن في طريقها إلى الهند، لم يكن أحد يتخيّل أن من فيه يضع بذرة شعب. جلبت شركة الهند الشرقية الهولندية مستوطنيها تباعاً — فلاحون هولنديون وألمان وهوغونوت فرنسيون فرّوا من اضطهاد لويس الرابع عشر — فامتزجوا في كيان بشري جديد طوّر لغة خاصة به هي الأفريكانسية (Afrikaans) المشتقة من الهولندية، وديانةً بروتستانتية كالفينية متصلبة تؤمن بأنه شعب مختار من الله ليرث هذه الأرض كما ورث الإسرائيليون كنعان. حين استولت بريطانيا على مستعمرة رأس الرجاء عام 1806، شعر البوير المستقلون الشراسو الطبع بالاختناق تحت القوانين البريطانية التي لا تعرف أعرافهم ولا تحترم رؤيتهم للعلاقة مع السكان الأصليين. في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، خاض البوير «الهجرة الكبرى» (Great Trek) — مسيرة عبر شبه القارة الأفريقية بالعربات والماشية والأسلحة — فراراً من الحكم البريطاني نحو الداخل حيث أسّسوا جمهوريتَين مستقلتَين: الترنسفال (جمهورية جنوب أفريقيا) وأورانج الحرة. هذه الملحمة المؤسِّسة أنتجت هويةً قومية راسخة وكبرياء استقلال عصيّاً على التنازل.
[3]

الذهب والماس — المحفّزان الحقيقيان للحرب

ظلّت العلاقة البريطانية البوير متوترةً ومتأرجحة طوال القرن التاسع عشر — شملت حرب البوير الأولى القصيرة (1880–1881) التي انتهت بهزيمة بريطانية مُحرجة وإعادة الحكم الذاتي للترنسفال — غير أن ما غيّر كل شيء تغييراً جذرياً كان الأرض ذاتها وما بطنت. في عام 1867، اكتُشفت الألماس في كيمبرلي، ثم في عام 1886 اكتُشف الذهب في منطقة ويتووترسراند (Witwatersrand) في الترنسفال في أكبر احتياطيات ذهبية عرفها العالم الحديث حتى ذلك الوقت. في غضون سنوات تحوّلت أرض فلاحين هادئة إلى وجهة هجرة جماعية؛ تدفّق ما يُعرف بـ«الأوتلاندرز» (Uitlanders — الأجانب باللغة الأفريكانسية)، وغالبيتهم من البريطانيين والأوروبيين، على الترنسفال حتى كادوا يعادلون السكان الأصليين من البوير في العدد. أعطى ذلك حجج رجال الإمبراطورية البريطانية كسيسيل رودس — صانع أحلام الإمبراطورية البريطانية الأفريقية من رأس الرجاء إلى القاهرة — ذريعةً لانتزاع حق التمثيل السياسي للأوتلاندرز في الترنسفال. رفض الرئيس بول كروغر هذا الطلب رفضاً مطلقاً خشيةً من أن منح الأجانب حق التصويت يعني ببساطة نهاية استقلال البوير وسيادة الترنسفال.
[4]

غارة جيمسون والطريق إلى الحرب

في الحادي والعشرين من ديسمبر 1895، انطلق اللفتنانت كولونيل لياندر ستار جيمسون — الصديق المقرّب لسيسيل رودس وإدارة مستعمرة رأس الرجاء — على رأس خمسمئة مسلح من مستعمرة بيتشوانالاند البريطانية متوغّلاً في أراضي الترنسفال. كانت الخطة الأصلية أن يشعل هذا التوغّل انتفاضةً من الأوتلاندرز داخل الترنسفال لتبرير التدخل البريطاني وإسقاط حكم كروغر. فشلت الانتفاضة التي لم تقع، وأُسر جيمسون مع رجاله وسلّمهم كروغر إلى بريطانيا ليُحاكموا. كان الفشل الكلي من الناحية العسكرية لكنه كان كارثةً من الناحية السياسية: منح كروغر والبوير يقيناً لم يعودوا في حاجة إلى أدلة عليه بأن بريطانيا تنوي ابتلاعهم، وحوّل الرأي العام العالمي نحو التعاطف مع جمهوريتَي البوير الصغيرتَين في مواجهة الإمبراطورية العملاقة. بعث القيصر الألماني ويلهلم الثاني بـ«برقية كروغر» الشهيرة يهنّئ فيها رئيس الترنسفال بإحباط الغزو، فزاد من توتر العلاقات البريطانية الألمانية ومن صرامة التعاطف الدولي مع البوير.
[1]
توالت بعد غارة جيمسون مفاوضاتٌ متقطعة بين المفوض السامي البريطاني اللورد ميلنر والرئيس كروغر، وكانت ميلنر يتفاوض وهو يخطط للحرب في الوقت ذاته. حين أصدر كروغر في أكتوبر 1899 إنذاراً يطالب فيه بسحب القوات البريطانية المتراكمة على الحدود، لم يكن يريد حرباً بل يسابق استعداداً بريطانياً مقبلاً، فكان ردّ بريطانيا رفض الإنذار وانطلقت الحرب.

المراحل العسكرية للحرب

المرحلة الأولى — البوير يضربون بسرعة

حين اندلعت الحرب في الحادي عشر من أكتوبر 1899، فاجأت قوات البوير الرشيقة المتحرّكة الجيشَ البريطاني البطيء المدجّج بعتاده التقليدي. كان البوير يقاتلون كمجنّدي فرسان من الكوماندو (Commando) — وحداتٍ قبلية من المزارعين المسلّحين المدرّبين على الرماية منذ الصغر — يجيدون استغلال التضاريس ويتحرّكون بخفة وسرعة فائقتَين. في الفترة الممتدة بين العاشر والخامس عشر من ديسمبر 1899 — الفترة التي عُرفت بـ«الأسبوع الأسود» (Black Week) — مُني الجيش البريطاني بثلاث هزائم متتالية مذلة: في ماغيرسفونتين حيث صدّ البوير تقدّم الفرقة الهايلاندية البريطانية بنيران من الخنادق، وفي ستورمبيرغ، وفي كولينسو حيث دمّر قنّاصة البوير من مواضع مرتفعة الأرتال البريطانية المتقدمة في سهل مكشوف. أحدثت هذه الهزائم صدمةً في لندن وأعلنت للعالم أن الجنود البريطانيين يواجهون عدواً مختلفاً عمّا ألفوه في حروب أفريقيا وآسيا. حاصر البوير في الوقت ذاته ثلاث مدن إستراتيجية: ليدي سميث وماركينغ وكيمبرلي.
[1]

المرحلة الثانية — التدفق البريطاني وسقوط العواصم

ردّت بريطانيا على «الأسبوع الأسود» بضخّ قوات ضخمة وتعيين قيادة جديدة؛ وصل اللورد روبرتس قائداً أعلى واللورد كيتشنر رئيساً لأركانه، وتصاعد الحضور العسكري البريطاني إلى ما يقارب نصف مليون رجل من بريطانيا وأستراليا وكندا ونيوزيلندا والهند وجنوب أفريقيا نفسها — مواجهاً قوة بوير لا تتجاوز ثمانية وثمانين ألف مقاتل. في فبراير 1900، نجح روبرتس في فكّ حصار كيمبرلي وأسر الجنرال البوير كرونيي وما يزيد على أربعة آلاف رجل في معركة باردبيرغ، وهو انتصار أعاد التوازن المعنوي إلى الجانب البريطاني. تقدّمت الجيوش البريطانية شمالاً بشكل منهجي واحتلّت بلوم فونتين عاصمة أورانج في مارس 1900 وبريتوريا عاصمة الترنسفال في يونيو 1900، وفرّ الرئيس كروغر إلى المنفى في هولندا حيث أمضى سنواته الأخيرة حتى وفاته عام 1904. اعتقد القادة البريطانيون وكثير من المراقبين أن سقوط العواصم يعني نهاية الحرب، لكن ما جاء بعدها كان الأصعب.

المرحلة الثالثة — حرب العصابات ومنهج الأرض المحروقة

بعد سقوط عواصمها، لجأت قوات البوير المتبقية — تحت قيادة عبقريَّين في حرب العصابات هما لويس بوثا في الترنسفال وكريستيان ده ويت في أورانج — إلى تكتيكات أذهلت الجيش البريطاني واستنزفته بصورة غير متوقعة. تحرّكت كوماندوهات البوير بخفّة خاطفة عبر السهول الأفريقية الشاسعة: تُغير على خطوط سكك حديد الإمداد البريطانية، ثم تتفرّق قبل الملاحقة، وتستعيد التجمّع في مكان آخر. كانت القوة البريطانية الهائلة عاجزة عن إخماد تمرّد يذوب في أرضه. ردّ اللورد كيتشنر بتصعيد ممنهج: أصدر أوامر بحرق مزارع البوير وبيوتهم ومخازنهم ومحاصيلهم في سياسة الأرض المحروقة (Scorched Earth Policy)، وأقام شبكة ضخمة من المخافر والتحصينات عبر السهول تربطها الأسلاك الشائكة لتقليص حرية تحرك المقاتلين، وأنشأ — لمنع الكوماندوهات من الحصول على الغذاء والملجأ — ما أطلق عليه «معسكرات اللاجئين» (Refugee Camps) التي تحوّلت في الواقع إلى أولى معسكرات التركيز المنظّمة في التاريخ.
[5]

معسكرات التركيز — الفصل الأكثر قتامة

نشأة المعسكرات والأحوال فيها

في ستة وأربعين معسكراً أُقيمت عبر أنحاء جنوب أفريقيا، حُشر ما يزيد على مئة وسبعة عشر ألف امرأة وطفل من البوير، إضافةً إلى مئة وتسعة عشر ألف أفريقي أسود في معسكرات منفصلة مخصّصة لهم — وإن كانت أحوالهم أشدّ سوءاً وعنايتهم بهم أندر. كانت الحياة في هذه المعسكرات تعيسةً بأبسط المقاييس الإنسانية؛ صفوف من الخيام أو المباني البدائية محاطة بالأسلاك الشائكة، وحصص غذائية متقشّفة عمداً لمن لم يكن عندهم ذوو يقاتلون في صفوف البريطانيين، ومياه ملوّثة، وصرف صحي معدوم أو شبه معدوم في مخيمات تكتظّ بأعداد لم تُصمَّم لها أصلاً. انتشرت الأوبئة كالنار في هشيم: الحصبة وحمّى التيفوئيد والالتهابات الرئوية والزحار، في حقبة ما قبل المضادات الحيوية حيث كان كل وباء يعني الموت للكثيرين وللأطفال أكثر الجميع. في ذروة الكارثة عام 1901، كان معدل الوفيات في بعض المعسكرات يتجاوز في حسابه السنوي 34% من المعتقلين — رقم يوازي بعض أسوأ أوبئة التاريخ. أودت المعسكرات مجتمعةً بحياة سبعة وعشرين ألف وتسعمائة وسبعة وعشرين بوير أجمعت الدراسات على أن تسعةً وسبعين بالمئة منهم كانوا أطفالاً دون السادسة عشرة من العمر.
[6]

إيميلي هوبهاوس — الضمير الذي لم يصمت

في ديسمبر 1900، وصلت إلى جنوب أفريقيا امرأة بريطانية من كورنوول اسمها إيميلي هوبهاوس، ابنة رجل دين وناشطة إنسانية أسّست «صندوق دعم نساء وأطفال جنوب أفريقيا» قبل أن تصل. حصلت بعد جهد على إذن عسكري يمكّنها من زيارة المعسكرات وتوزيع بعض الإمدادات. حين خرجت من أول زيارة كانت قد رأت ما لم يُصدَّق: أطفال عظام منحولون تسقط أجفانهم من الهزال، أمهات يبكن فوق صغار يلفظون أنفاسهم في خيام صيف لاهبة، مرضى يُرفض علاجهم لضعف الإمدادات. عادت إلى بريطانيا تحمل تقريراً من أربعين صفحة أوجزت فيه ما رأته وقرأته في وصف دقيق وموضوعي، وعُرضت أمام وزير الدولة للمستعمرات جوزيف تشامبرلين في جلسة استمرت ساعتَين. أذكى تقريرها المنشور عام 1901 نقاشاً برلمانياً حاداً: وصف لويد جورج السياسة البريطانية بأنها «سياسة إبادة»، ونعتها هنري كامبل-بانرمان زعيم المعارضة بـ«أساليب البربرية» في عبارة أصبحت علامةً على تحوّل الرأي العام البريطاني.
[7]
دفعت الفضيحة الحكومةَ البريطانية إلى إرسال «لجنة فوسيت» النسائية الرسمية برئاسة ميليسنت غاريت فوسيت للتحقيق في المعسكرات، وأيّدت نتائجها جوهر ما قالته هوبهاوس مع توصيات بإصلاحات عملية. صدرت تحسينات جزئية — اتُّسعت الحصص الغذائية وأُرسل مزيد من الأطباء — لكن الوقت كان قد أودى بعشرات الآلاف. كانت هوبهاوس تُدعى في بريطانيا «خائنة» و«المرأة الملعونة»، لكنها كانت في بوتيريا وبلوم فونتين ملاك رحمة حقيقياً.

«كلّ شيء كان ينقصهم. كنّ لا يملكن ما يكفي من الطعام، ولا الملابس، ولا الماء النقي. الأطفال يموتون كالذباب. ذهبت لزيارة طفل في الرابعة من عمره لم يبقَ منه سوى عينَين كبيرتَين بنيّتَين وأسنان بيضاء، شفتاه أصبحتا جلداً ناشفاً لا تنطبقان. كان جسده تاركاً لعظامه تبرز دون حياء.»
— إيميلي هوبهاوس، تقرير عن زيارة معسكرات النساء والأطفال في مستعمرتَي رأس الرجاء ونهر أورانج، 1901

المعسكرات وسابقة التاريخ

يتّسع الجدل الأكاديمي حول توصيف معسكرات التركيز البريطانية في حرب البوير؛ إذ تُشير عالمة التاريخ الاجتماعي إليزابيث فان هاينينغن في دراستها المعمّقة الصادرة بالأمريكان هيستوريكال ريفيو إلى أن الوفيات لم تكن نتيجة سياسة إبادة مقصودة، بل ثمرة للإهمال والضغط اللوجستي وسوء التغذية والأوبئة في عصر ما قبل المضادات الحيوية. في المقابل، يرى الباحث كلان دي ويت في دراسته المرجعية المحفوظة في جامعة ولاية فلوريدا أن المسؤولية المباشرة تقع على عاتق القيادة البريطانية التي أصدرت أوامر تدمير المزارع وزجّ العائلات في المخيمات دون تخطيط كافٍ. فارق التوصيف الجوهري يكمن في الفرق بين الإهمال الإجرامي والإبادة المقصودة — وكلاهما في خانة الجريمة، وإن بدرجات مختلفة. وما يجمع المؤرخين هو أن المعسكرات البريطانية في جنوب أفريقيا مثّلت سابقةً تاريخية وثّقتها الصحافة والتحقيقات وجلسات البرلمان، وأثارت نقاشاً أخلاقياً عاماً حول حدود سلوك الحرب — نقاش لم يكن ليقع بهذا الحجم في عصور الحروب السابقة. وحين بنى الألمان معسكرات الإبادة بعد أربعة عقود، كانوا يعرفون السابقة البريطانية ولا يتردّدون في الاستشهاد بها.
[8]

معاهدة فيريينيغينغ والنتائج

في الحادي والثلاثين من مايو 1902، وُقِّعت معاهدة فيريينيغينغ (Vereeniging) بين البريطانيين والبوير في مدرسة ابتدائية في بريتوريا. خضع البوير وقبلوا السيادة البريطانية على الترنسفال وأورانج، وفقدوا استقلالهم الجمهوري الذي قاتلوا من أجله، مقابل ضمانات بريطانية بمبالغ تعويضية لإعادة تأهيل المزارع المحروقة (ثلاثة ملايين جنيه)، وحفظ اللغة الأفريكانسية في المدارس والمحاكم، ووعد بالحكم الذاتي مستقبلاً تجسّد في منح الأراضي استقلالاً ذاتياً عام 1906 ثم في تأسيس الاتحاد الجنوب أفريقي عام 1910. مسألة حقوق السكان الأفارقة السود — الذين قاتل كثيرون منهم إلى جانب بريطانيا ودفعوا ثمن الحرب بأعداد من القتلى في المعسكرات — أُجِّلت صراحةً إلى ما بعد تحقيق الحكم الذاتي، في حلّ يرضي البوير المنتصرين في النهاية بأن يحكموا أنفسهم — وأفارقتهم — دون تدخل بريطاني.
[9]

الأثر على الإمبراطورية البريطانية

أحدثت حرب البوير تشقّقاً في مرآة الإمبراطورية البريطانية لم يلتئم بعدها. كانت بريطانيا حين اندلعت الحرب في أوج كبريائها الفيكتوري وعقب الاحتفالات الضخمة بعيد اليوبيل الماسي للملكة فيكتوريا عام 1897 — أعظم إمبراطورية في التاريخ البشري تبلغ ذروتها. كشفت الحرب أمام الجميع ومن بينهم البريطانيون أنفسهم ثلاثة إشكاليات بنيوية عميقة: أن جيشاً من نصف مليون مقاتل احتاج قرابة ثلاث سنوات ومئتَي مليون جنيه لهزيمة جمهوريتَين يبلغ سكانهما معاً أقل من ثلاثة وثلاثين ألف مقاتل — وهو ما كشف هشاشة بنى الجيش البريطاني وأساليبه العتيقة. وأن الأساليب الحربية المستخدمة — من الأرض المحروقة إلى معسكرات التركيز — أثارت ردود فعل دولية عدائية واسعة وحوّلت التعاطف العالمي من الإمبراطورية القوية إلى الجمهوريتَين الصغيرتَين؛ فانحازت ألمانيا وفرنسا وهولندا وروسيا والولايات المتحدة عاطفياً للبوير، بينما أرسلت ألمانيا وروسيا وأيرلندا متطوّعين قاتلوا في صفوفهم. وأن المعارضة الداخلية في بريطانيا نفسها — التي تجلّت في خطب لويد جورج وكامبل-بانرمان وحملات هوبهاوس — شكّلت سابقةً في المعارضة الأخلاقية الداخلية للحرب الاستعمارية لم يألفها الرأي العام البريطاني بهذا الحجم. أفضى كل ذلك إلى إصلاحات عسكرية جوهرية في السنوات التالية، جهّزت الجيش البريطاني لكنها لم تمنع الصدمة الأكبر المقبلة في أوروبا.
[3]

الإرث على الهوية الأفريكانية وجذور الفصل العنصري

كان الأثر الأعمق والأكثر مرارةً لحرب البوير على الهوية الجمعية للمجتمع الأفريكاني، وإرثها الأثقل على مسار جنوب أفريقيا. حوّلت معسكرات التركيز الأثمان البشرية للحرب إلى تجربة جيلية مؤسِّسة في الذاكرة الأفريكانية: الأمهات اللواتي شهدن وفاة أطفالهن، وأجداد لا يزال أحفادهم يحتفظون بنسخ من صور المعسكرات. تحوّلت هذه الذاكرة في القرن العشرين إلى وقود للقومية الأفريكانية التي وجدت في الحزب القومي ثم في سياسات الفصل العنصري (Apartheid) بعد 1948 أداةَ الانتقام ومشروع الهيمنة. دور الأفارقة السود في الحرب — الذين قاتل كثيرون منهم إلى جانب البريطانيين طمعاً في وعود بحقوق ما بعد الحرب — كان إرثاً مخيّباً؛ فمعاهدة فيريينيغينغ تجاهلت حقوقهم تماماً، واتحاد 1910 أقصاهم من التمثيل السياسي، ومهّدت الأرضية ثمانية وثلاثين عاماً لانتخابات 1948 التي أتت بحزب يان سموتس (أحد قادة حرب البوير!) وخصومه القوميين إلى السلطة وأسّست نظام الفصل العنصري الرسمي. ما جمعه المؤرخون بالمقارنة أن ما بدأ كحرب بين الإمبريالية البريطانية وقومية البوير انتهى بإرثٍ يجمع تراكمَين من الظلم: سحق البوير في المعسكرات، وإقصاء الأفارقة الذين لم يكسبوا مما وعدهم به ناصرهم البريطاني شيئاً.
[2]

حرب البوير وتحوّل الحرب الحديثة

يُدرج المؤرخون العسكريون حرب البوير مختبراً تكتيكياً مبكراً للأساليب التي ستُحدّد شكل الحرب العالمية الأولى. كانت قوات البوير تمتلك بنادق ماوزر الألمانية الحديثة ذات البارود عديم الدخان وأسلوب التمويه الطبيعي والحفر والتخندق، مما فرض على البريطانيين خسائر فادحة حين حاولوا التقدم في صفوف مكشوفة وفق أسلوب القرن التاسع عشر. أثبتت الحرب أن الدفاع بالبنادق الحديثة يكسر الهجوم المعاكس بصورة تجعل الأساليب الكلاسيكية انتحاراً، وأن حرب العصابات في أرض واسعة لا يُقهر بالتفوق العددي وحده. الجنرال هندنبرغ والضباط الألمان المراقبون للحرب أخذوا دروسها في حسبانهم، وكذلك فعل ضباط بريطانيون شباب منهم ضابط الاستخبارات الشاب ويليام ريتشموند إدمونز الذي كتب تقارير دقيقة عن فاعلية التخندق والأسلاك الشائكة والتنسيق المدفعي — تقارير لم تُقرأ بالشكل الكافي، كما أثبتت مجازر أغسطس 1914 بدماء الجيوش الأوروبية.

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
الدولة العثمانية
إمبراطورية إسلامية حكمت ستة قرون
الحضارة الفارسية
حضارة إيرانية قديمة متعددة الأسرات
إبادة الأمريكيين الأصليين
إبادة ممنهجة طالت شعوب أمريكا الأصلية
الإبادة الأرمنية
إبادة الأرمن في الدولة العثمانية 1915
🔍