🔍
اضغط Esc للإغلاق • Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية أدوية أعراض طبية أمراض شائعة أمراض نادرة التاريخ الجغرافيا القارات تخصصات طبية
الرئيسية / التاريخ / الانتداب البريطاني على فلسطين
التاريخ

الانتداب البريطاني على فلسطين

👁 1 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 15/6/2026 ✏️ 15/6/2026
100%

الانتدابُ البريطانيُّ على فلسطين (بالإنجليزية: British Mandate for Palestine)، هو الكيانُ الإداريُّ الذي أدارت بموجبه المملكة المتحدة أراضيَ فلسطين التاريخية في الفترة الممتدة بين عامَي 1920 و1948م، استناداً إلى صكّ انتدابٍ أقرّته عصبة الأمم في الرابع والعشرين من يوليو 1922م. ويُمثّل هذا الانتداب واحداً من أكثر الفصول التاريخية تعقيداً وإثارةً للجدل في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، إذ كان ميداناً لتصادم ثلاثة مشاريع متناقضة: المشروع الاستعماري البريطاني الساعي إلى الهيمنة على المنطقة، والمشروع الصهيوني الرامي إلى إقامة وطنٍ قوميٍّ يهوديٍّ في فلسطين، والمشروع الوطني الفلسطيني المطالِب باستقلال الأرض لأهلها أصحابها الأصليين. وقد أسفر هذا التصادم في نهاية المطاف عن واحدةٍ من أعمق المآسي الإنسانية في القرن العشرين: النكبة الفلسطينية عام 1948م التي هُجِّر فيها ما يزيد على سبعمئة وخمسين ألف فلسطينيٍّ من ديارهم وأراضيهم.[1]

كان الانتداب البريطاني على فلسطين متفرداً بين سائر الانتدابات التي أقرّتها عصبة الأمم عقب الحرب العالمية الأولى؛ فجميع انتدابات الدرجة الأولى (Class A) المصنّفة بحسب درجة نضجها السياسي والاقتصادي حصلت على الاستقلال بحلول عام 1946م — كالعراق عام 1932م والأردن عام 1946م وسوريا ولبنان — أما الانتداب على فلسطين فكان الاستثناء الصارخ الوحيد. ذلك لأن وثيقة الانتداب تضمّنت في ديباجتها التزاماً صريحاً بتطبيق وعد بلفور ومساعدة الحركة الصهيونية في إقامة وطنٍ قوميٍّ يهوديٍّ في فلسطين، مما جعل منح استقلالٍ ديمقراطيٍّ للسكان العرب الأصليين — الذين كانوا يُشكّلون أغلبيةً ساحقةً عند بدء الانتداب — يتعارض تعارضاً جوهرياً مع هذا الالتزام.[2]

خلال الثمانية والعشرين عاماً من عمر الانتداب، تحوّلت فلسطين تحولاً ديموغرافياً واجتماعياً واقتصادياً عميقاً؛ فمن بلدٍ يسكنه عام 1922م نحو 757,000 نسمةٍ تُشكّل فيه الغالبية العربية نحو 89% من المجموع، تحوّل بحلول عام 1947م إلى أرضٍ يتشارك فيها نحو 1.9 مليون نسمة: 67% عربٌ فلسطينيون و33% يهودٌ معظمهم مهاجرون من أوروبا. وقد أسهمت موجات الهجرة اليهودية المتتالية وسياسات البريطانيين المتقلّبة في تشكيل نزاعٍ حتمي اندلع في مناسباتٍ عديدة، قبل أن يبلغ ذروته في الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939م) ثم في نهاية الانتداب الدامية عام 1948م. وقد وصف الكاتب البريطاني آرثر كوستلر معادلة الوضع الفلسطيني بعبارةٍ باتت من أبرز ما قيل في هذا الشأن: “أمّةٌ وعدت بصورةٍ رسمية لأمّةٍ ثانية بأرض أمّةٍ ثالثة.”[3]

الانتداب البريطاني على فلسطين
الاسم الرسمي فلسطين الانتدابية (Mandatory Palestine)
الوضع القانوني انتدابٌ من الدرجة أ تحت سلطة المملكة المتحدة
العاصمة القدس (أورشليم)
اللغات الرسمية العربية — الإنجليزية — العبرية
التأسيس والنهاية
قرار سان ريمو 25 أبريل 1920م
إقرار الانتداب رسمياً 24 يوليو 1922م (عصبة الأمم)
تسلّم بريطانيا السيطرة الرسمية 29 سبتمبر 1923م
نهاية الانتداب 14 مايو 1948م
مدة الانتداب 28 سنة (1920-1948م)
المندوبون السامون البريطانيون
الأول السير هربرت صموئيل (1920-1925م)
الثاني اللورد هربرت بلومر (1925-1928م)
الأخير السير آلان كننغهام (1945-1948م)
المساحة والسكان
المساحة 25,585 كم²
سكان 1922م 757,182 نسمة (78% مسلمون، 11% يهود، 10% مسيحيون، 1% آخرون) [4]
سكان 1947م ~1,900,000 (67% عرب فلسطينيون، 33% يهود)
إجمالي المهاجرين اليهود (1919-1948م) ~450,000 مهاجر [5]
الوثائق والقرارات المحورية
وعد بلفور 2 نوفمبر 1917م
الكتاب الأبيض 1922م (تشرشل) يونيو 1922م — تفسيرٌ للالتزام البريطاني
تقرير لجنة بيل يوليو 1937م — أول مقترح رسمي للتقسيم
الكتاب الأبيض 1939م (ماكدونالد) 17 مايو 1939م — تقييد الهجرة
قرار التقسيم 181 29 نوفمبر 1947م — 33 صوتاً مؤيداً / 13 معارضاً / 10 ممتنعين
COSMALORE · الموسوعة العربية

١. فلسطين في ظل الحكم العثماني: الأرض والناس قبيل الانتداب

كانت فلسطين قبل الانتداب البريطاني جزءاً من الإمبراطورية العثمانية منذ عام 1516م حين فتحها السلطان سليم الأول؛ وكانت تُدار إدارياً ضمن ثلاث متصرفياتٍ وولاياتٍ: ولاية بيروت وتشمل قضائَي عكا ونابلس، ومتصرفية القدس المستقلة التي كانت تخضع مباشرةً لسلطة الآستانة نظراً للأهمية الدينية الاستثنائية للمدينة، وجزءٌ من ولاية الشام يضم مناطق الجولان وأجزاء من الأردن الغربي. كان يسكن فلسطين عشية الحرب العالمية الأولى (1914م) نحو 700,000 إلى 800,000 نسمة، يُشكّل العرب المسلمون والمسيحيون منهم ما يتراوح بين 88 و94 بالمئة، فيما كانت الجالية اليهودية تُقدَّر بنحو 60,000 إلى 85,000 نسمة، معظمهم من اليهود العرب الأصليين (“اليشوف القديم”) ومهاجرو الموجات الأولى من شرق أوروبا الذين وصلوا منذ الثمانينيات (“العليا الأولى والثانية”).

كانت فلسطين أرضاً ذات حضارةٍ زراعيةٍ قروية موزّعةٍ بين قرىً تحتضن الفلاحين (الفلاحين الذين يُشكّلون نحو 70% من السكان العرب) ومدنٍ ساحليةٍ وداخليةٍ كيافا والقدس وحيفا وصفد والناصرة ونابلس وبيت لحم. وقد كان اقتصادها يقوم على زراعة الحبوب والزيتون والحمضيات والعنب، فيما كانت يافا تشتهر بتصدير البرتقال الشهير (برتقال يافا) إلى أسواق أوروبا. كانت الأرض في فلسطين العثمانية تُدار وفق نظام ملكيةٍ معقّد: فثمة الأراضي المملوكة ملكيةً خاصةً (ملك)، والأراضي الأميرية التي تتبع الدولة ويفلحها الفلاحون بعقود استئجار متوارثة، والمشاعات والأراضي الموقوفة. وهذا التعقيد في منظومة الملكية العقارية سيغدو لاحقاً مصدرَ إشكالياتٍ قانونيةٍ ومنازعاتٍ حادة في زمن الانتداب.

شهد الربع الأخير من القرن التاسع عشر بوادر التحوّل القادم؛ ففي عام 1882م بدأت موجة “العليا الأولى” بجلب يهود أوروبا الشرقية الفارّين من المذابح الروسية إلى فلسطين، ليؤسّسوا مستعمراتٍ زراعيةً جديدة بتمويلٍ من الأثرياء اليهود في أوروبا كالبارون رتشيلد. وفي عام 1897م عقد ثيودور هرتزل في بازل المؤتمرَ الصهيوني الأول الذي أعلن هدف إقامة “وطنٍ قومي لليهود في فلسطين” معلناً بذلك انطلاقة المشروع الصهيوني السياسي المنظّم. أدرك الفلسطينيون ومثقّفوهم مبكّراً خطر هذا المشروع؛ فكتب يوسف ضياء الدين الخالدي ورئيس البلدية سليم الخوري أوائل التحذيرات من الخطر الصهيوني، وكان الصحفي نجيب نصّار يُصدر جريدة الكرمل لفضح أهداف المهاجرين الصهيونيين منذ عام 1908م.[6]

٢. وعد بلفور 1917م: الوثيقة التأسيسية لمأساة فلسطين

في الثاني من نوفمبر 1917م، وقّع آرثر جيمس بلفور وزير خارجية المملكة المتحدة رسالةً موجّهةً إلى اللورد ليونيل والتر دي روتشيلد، أبرز وجهاء الجالية اليهودية في بريطانيا، تضمّنت فقرةً قصيرةً غيّرت مسار التاريخ: “إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعينٍ عطفٍ لتأسيس وطنٍ قوميٍّ لليهود في فلسطين، وستبذل قصارى جهدها لتسهيل بلوغ هذه الغاية، مع التفاهم الجليّ بأنه لن يُعمل بشيءٍ قد يُلحق الضرر بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية في فلسطين، أو بالحقوق والوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلدٍ آخر.” كانت هذه الرسالة التي أُعلن عنها رسمياً — المعروفة بـ”وعد بلفور” — وثيقةً لا سابق لها في التاريخ الاستعماري الحديث: فهي وعدٌ قطعته دولةٌ أوروبية لحركةٍ دينية-سياسية أوروبية بأرض شعبٍ آخر لم يُستشَر ولم تُؤخذ رأيه.[7]

تتضافر عواملُ جيوسياسيةٌ عدة في تفسير صدور وعد بلفور في تلك اللحظة تحديداً: فمن جهة، كانت بريطانيا في خضمّ حربٍ عالميةٍ ماضٍ ثقيلٍ وكانت تسعى لاستقطاب الرأي اليهودي الأمريكي ودفع الولايات المتحدة للانضمام الكامل إلى الحرب إلى جانب الحلفاء. ومن جهةٍ ثانية، كانت بريطانيا تخشى أن تسبقها ألمانيا في إصدار وعدٍ مماثل يكسب اليهود الأوروبيين للمحور. ومن جهةٍ ثالثة، كانت الاستراتيجية الإمبراطورية البريطانية تنظر إلى فلسطين ذراعاً في حماية قناة السويس ومنفذاً نحو الهند. فضلاً عن ذلك كانت العلاقات الشخصية بين الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان ووزير المناجم البريطاني ديفيد لويد جورج قد أفضت إلى انتداب وايزمان تقديمَ تقنيةٍ كيميائيةٍ للمجهود الحربي البريطاني (الأسيتون)، مما أوجد تعاطفاً بريطانياً رسمياً مع الحركة الصهيونية.

كانت الفقرة المعيبة في وعد بلفور أنه تكلّم عن “الطوائف غير اليهودية في فلسطين” بدلاً من الاعتراف بوجود “الشعب العربي الفلسطيني” بوصفه أصحاب الأرض؛ فهذه العبارة اختزلت الأغلبية العربية التي كانت تُشكّل 90% من سكان فلسطين في مجرد “طوائف غير يهودية” وحصرت حقوقها المضمونة في الجانب “المدني والديني” دون الاعتراف بأي حقوقٍ سياسية أو وطنية. وقد رصد المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد هذه المعضلة القانونية في كتابه “مسألة فلسطين”، مشيراً إلى أن الوعد منح الصهيونية شرعيةً دوليةً في المطالبة بالأرض بينما أقصى السكان الأصليين من أي اعترافٍ بهويتهم الجماعية.

٣. الغزو العسكري البريطاني وتأسيس الانتداب (1917-1923م)

في الحادي عشر من ديسمبر 1917م، دخل الجنرال البريطاني إدموند أولنبي القدسَ سيراً على قدميه تواضعاً دخل أبوابها بعد معارك طاحنة مع القوات العثمانية، مُعلناً إخراج فلسطين من الحكم العثماني لأول مرةٍ منذ أربعة قرون. واكتملت السيطرة العسكرية البريطانية على فلسطين في أكتوبر 1918م. وفي أعقاب الحرب، أخضعت معاهدة سيفر (1920م) ثم لوزان (1923م) التسوياتِ المتعلقة بالأراضي العثمانية للإطار القانوني الدولي، وكانت مؤتمر سان ريمو (أبريل 1920م) قد أسند إلى بريطانيا الانتداب على فلسطين، فيما أسند إلى فرنسا الانتداب على سوريا ولبنان.

جعلت عصبة الأمم في صكّ الانتداب الصادر في 24 يوليو 1922م مسؤوليةَ بريطانيا مزدوجة الأبعاد ومتناقضة الجوهر: فهي مُكلَّفة في الوقت ذاته بـ”وضع البلاد في أحوالٍ سياسيةٍ وإداريةٍ واقتصاديةٍ تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي” وبـ”صون الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين بصرف النظر عن الجنس والدين.” كما تضمّن صكّ الانتداب تسهيل الهجرة اليهودية والاستيطان الكثيف على الأرض. وعيّن المندوب السامي الأول السير هربرت صموئيل — وهو صهيونيٌّ يهوديٌّ معلَن — ليترأس الإدارة الجديدة، وهو اختيارٌ كشف منذ البداية عن التوجه الحقيقي للسياسة البريطانية. وقد أعلن في أغسطس 1920م عن حصةٍ سنويةٍ للهجرة اليهودية قُدِّرت بـ16,500 مهاجرٍ في السنة الأولى، في انطلاقٍ فوريٍّ لتنفيذ وعد بلفور.[8]

٤. الهيكل القانوني والإداري للانتداب

اتّسم الهيكل الإداري للانتداب البريطاني بسمةٍ نادرة في تاريخ الانتدابات الدولية: فبدلاً من إنشاء مجلسٍ تشريعيٍّ موحّدٍ يمثّل جميع السكان — كما كان القانون الدولي للانتدابات يُوجبه نظرياً — رفض الطرف الفلسطيني المشاركة في مؤسساتٍ تشريعيةٍ يُحكمها الانتداب أو تتجاهل مطالبهم الاستقلالية، فيما أسّس اليهود مؤسساتٍ شبه دولتية موازية. ونتج عن ذلك نظامٌ إداريٌّ مزدوج وغير رسمي يُدير الإدارةَ البريطانيةُ من القمة، بينما يتوازى تحتها مجتمعان شبه مستقلَّين: المجتمع اليهودي (“اليشوف”) بقياداته ومؤسساته، والمجتمع العربي الفلسطيني برجاله ووجهائه.

أنشأت المؤسسة اليهودية منظومةً مؤسسيةً متكاملة الأركان بدعمٍ بريطانيٍّ صريحٍ أو ضمني: فالوكالة اليهودية (Jewish Agency) المُعترف بها رسمياً في المادتَين الرابعة والسادسة من وثيقة الانتداب أُعطيت صلاحياتٍ شبه حكومية. والهستدروت (الاتحاد العمالي اليهودي) أسّس بنية اقتصاديةٍ موازية. والهاغاناه والإيتسيل والليحي كانت تنشئ قواتٍ مسلحة شبه رسمية. والنظام الصحي والتعليمي اليهودي كان يعمل باستقلاليةٍ واسعة. وفي المقابل، كانت السلطات البريطانية تُعيق كثيراً من مساعي الفلسطينيين لبناء مؤسساتٍ موازية وتحظر عليهم في مراحل معينة امتلاك الأسلحة. وقد لاحظ المؤرخ رشيد الخالدي أن هذا التفاوت المؤسسي تراكميٍّ حدَّ من قدرة الفلسطينيين على مواجهة التحولات الديموغرافية والاقتصادية بصورةٍ منظّمة.[9]

اعتمد الانتداب على ثلاث لغاتٍ رسمية — العربية والإنجليزية والعبرية — وهو إجراءٌ لافتٌ من الناحية القانونية؛ إذ أسبغ على العبرية وضعاً رسمياً مساوياً للعربية رغم أن أصحابها كانوا لا يمثّلون إلا أقليةً من السكان. كما أصدرت الإدارة البريطانية نقودَ فلسطينية خاصة بها (“الجنيه الفلسطيني”) وأنشأت جهاز قضاءٍ ومنظومةً ضريبيةً وبنيةً تحتيةً حديثة من طرقٍ ومطاراتٍ وموانئ، كان لها أثرٌ في تغيير الوجه الاقتصادي لفلسطين إجمالاً وإن توزّع هذا الأثر توزيعاً غير متوازنٍ بين الجماعتَين.

٥. موجات الهجرة اليهودية (العليا): التحوّل الديموغرافي المُدَبَّر

تُعدّ موجات الهجرة اليهودية المتتالية (“العليا” بالعبرية، جمع “علياه”) المحرّكَ الأشد تأثيراً في التحوّل الديموغرافي لفلسطين طوال فترة الانتداب؛ فمنذ 1882م حتى 1948م وصلت خمس موجاتٍ كبرى متعاقبة:

العليا الثالثة (1919-1923م): جلبت نحو 40,000 مهاجرٍ معظمهم من روسيا وبولندا وأوروبا الشرقية، كانوا في غالبيتهم من الشباب الاشتراكي الصهيوني الحامل لأيديولوجية بناء المستعمرات الزراعية (الكيبوتز). وقد ارتفع عدد اليهود في فلسطين بسببها من نحو 55,000 إلى نحو 94,000 بحلول 1922م.

العليا الرابعة (1924-1929م): أسهم فيها بشكلٍ رئيسي يهود بولندا الذين أُغلقت أمامهم أبواب الهجرة إلى الولايات المتحدة بموجب قانون الهجرة الأمريكي عام 1924م. جاء معها نحو 82,000 مهاجر إلى فلسطين، كثيرٌ منهم من التجار والحرفيين الذين سكنوا المدن. بلغت الجالية اليهودية بنهايتها نحو 175,000 نسمة.

العليا الخامسة (1929-1939م): كانت الأضخم والأكثر تأثيراً؛ إذ أسفر صعود النازية في ألمانيا عام 1933م وتصاعد معاداة السامية في أوروبا عن موجةٍ كبيرة بلغت نحو 225,000 مهاجر. كانت تحمل إلى فلسطين الأطباء والمهندسين والعلماء والفنانين اليهود الهاربين من المذابح الأوروبية. رفع وصولها عدد اليهود في فلسطين إلى نحو 450,000 نسمة بنهاية الثلاثينيات — أي ما يُعادل نحو 31% من مجموع السكان آنذاك. وقد شكّلت هذه الموجة تحدياً وجودياً للوجود العربي الفلسطيني أشعل الثورة الكبرى.[10]

كانت الهجرة اليهودية مصحوبةً بشراء الأراضي الذي أجرته منظماتٌ يهودية متخصصة كالصندوق القومي اليهودي (JNF) المؤسَّس عام 1901م؛ واعتمدت هذه المنظمات مبدأ “الأرض المحرّرة” القائل بأن الأرض المشتراة لا تُعاد إلى ملكية العرب تحت أي ظرف. وكان الفلاحون الفلسطينيون (“الفلاحون”) الذين كانوا يفلحون الأرض بحقوق استئجار متوارثة يجدون أنفسهم مُطرَدين حين يبيع ملّاكٌ غائبون من بيروت ودمشق أراضيهم للصندوق القومي اليهودي. فقد كانت كثيرٌ من الأراضي التي نُقلت إلى ملكيةٍ يهودية مملوكةً لأثرياء عربٍ غائبين عن فلسطين لا للفلاحين الساكنين عليها. ورصدت لجانٌ بريطانية متعددة هذه المشكلة — كتقرير شو (1930م) وتقرير هوب سيمبسون (1930م) — لكن التوصيات لم تُترجَم إلى إصلاحاتٍ جوهرية.

٦. الأحداث والمواجهات المبكرة 1920-1935م: شرارات النزاع

لم تنتظر حقبة الانتداب طويلاً لتنفجر فيها موجات العنف؛ ففي أبريل 1920م اندلعت أعمال العنف في القدس خلال موسم احتفالات النبي موسى وأسفرت عن سقوط قتلى يهودٍ وعرب. وفي الأول من مايو 1921م، اندلعت أعمال عنفٍ واسعة في يافا وامتدت إلى بتاح تكفا وسائر المستوطنات اليهودية، راح ضحيتها نحو مئة شخصٍ من الجانبَين. كانت هذه المواجهات المبكرة تُعبّر عن موجة قلقٍ فلسطينيٍّ حقيقي ومتصاعد من الهجرة اليهودية المتدفقة وبيع الأراضي.

أصدرت الحكومة البريطانية إثر أعمال 1921م الكتابَ الأبيض الأول (المعروف بـ”كتاب تشرشل الأبيض”) في يونيو 1922م، مُعلنةً فيه أن بريطانيا “لا تعتزم تحويل فلسطين بأسرها إلى وطنٍ قومي يهودي” وأن الهجرة ستُقيَّد بـ”الطاقة الاستيعابية الاقتصادية للبلاد.” غير أن الكتاب الأبيض أبقى على الالتزام بوعد بلفور في جوهره ولم يُوقف الهجرة، مما جعله مُقنِّعاً للسياسة القديمة لا ناقضاً لها.

وفي أغسطس 1929م، اشتعل النزاع على حائط البراق (حائط المبكى) في القدس الذي يُعدّه الفلسطينيون جزءاً لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك فيما يُعدّه اليهود من أقدس مواقعهم الدينية. وتصاعدت الأحداث حتى أسفرت عن مذبحةٍ في الخليل (24-29 أغسطس 1929م) طالت الجالية اليهودية القديمة المقيمة في المدينة بفعل عصاباتٍ فلسطينية، وأودت بحياة 67 يهودياً وعددٍ من الفلسطينيين العرب في المواجهات المختلفة. أودت أحداث 1929م عموماً بحياة 133 يهودياً و116 عربياً. وأصدرت بريطانيا في أعقابها تقرير شو (1930م) الذي حمّل الهجرةَ اليهودية وضغط السوق مسؤوليةَ القلق العربي، ووصّى بتقييد الهجرة وإعادة النظر في بيع الأراضي. وصدر بعده “كتاب باسفيلد الأبيض” عام 1930م الذي مال نحو تقييد الهجرة، لكنه أُسقط عملياً تحت ضغطٍ صهيوني مُنظَّم دفع رئيسَ الوزراء رامزي ماكدونالد إلى التراجع عنه في رسالةٍ علنية إلى وايزمان وصفها الفلسطينيون بـ”رسالة ماكدونالد السوداء.”[11]

٧. الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939م: أطول انتفاضةٍ فلسطينية

في أبريل 1936م، أشعلت أحداث إقليمية وجرائم اغتيالٍ متبادلة بين الجماعتَين فتيلَ أعمق وأطول موجةٍ من العنف الشعبي الفلسطيني المنظّم في تاريخ فترة الانتداب؛ أعلنت الأحزاب العربية الفلسطينية الرئيسية إضراباً عاماً شاملاً وامتنعت عن دفع الضرائب، فيما اندلعت هجماتٌ مسلحة على المنشآت البريطانية والمستوطنين اليهوديين. استمر الإضراب ستة أشهرٍ متواصلة (أبريل-أكتوبر 1936م) — وهو من أطول الإضرابات السياسية في التاريخ — كلّف الاقتصاد العربي الفلسطيني خسائرَ فادحة دون أن يُحقّق مطالبه. وكان زعماء الثورة يطالبون بثلاثة مطالب رئيسية: وقف الهجرة اليهودية، وتحريم بيع الأراضي للصهاينة، وإنشاء حكومةٍ ديمقراطيةٍ مستقلة.

أُوقف الإضراب في أكتوبر 1936م تحت ضغطٍ من الملوك العرب (ملوك شرق الأردن والعراق والسعودية) الذين أوفدوا نداءً إلى الفلسطينيين بوقف الإضراب والانتظار لما ستُسفر عنه لجنة التحقيق البريطانية. لكن الهدوء النسبي لم يدم طويلاً: ففي أعقاب تقرير لجنة بيل (يوليو 1937م) الذي أوصى بتقسيم فلسطين — وهو ما رفضه الفلسطينيون رفضاً مطلقاً — اندلعت المرحلة الثانية من الثورة بشكلٍ أعنف وأكثر تنظيماً. وفي عام 1938م خاصةً وصلت الثورة إلى ذروتها: فسيطر الثوار على مدن الجليل والضفة الغربية واعتُبرت بعض المدن كنابلس والخليل “محررة” لفترات. واستدعى ذلك تحريكاً بريطانياً عسكرياً ضخماً بلغ نحو 25,000 جنديٍّ برّي، خاضوا عملياتٍ قمعيةً واسعة شملت هدم بيوت القرى المشاركة في الثورة وإعدام الثوار الأسرى.[12]

وظفت بريطانيا خلال الثورة تقنياتٍ قمعيةً تُدار اليوم في النقاش الأكاديمي تحت مصطلح “ممارسات الاستعمار العقابي”؛ فقد طبّقت سياسة هدم المنازل جماعياً على القرى المشتبه في مشاركتها، وأنشأت مخيمات اعتقالٍ في صحراء النقب احتجزت فيها آلاف الفلسطينيين دون محاكمة، وعلّقت شبكة من مشانق الإعدام الميدانية. وفي هذه المرحلة، سمحت بريطانيا للهاغاناه اليهودية بالتسلح رسمياً ضمن “الفصائل الليلية الخاصة” (Special Night Squads) التي أسّسها الضابط البريطاني أوردي ويندغيت ودرّب فيها اليهود على أساليب القتال العسكري — وهو ما سيُشكّل لاحقاً نواةَ الجيش الإسرائيلي. أودت الثورة الكبرى بحياة ما يزيد على 5,000 فلسطيني و400 يهودي و200 جندي بريطاني، وكلّفت الاقتصاد الفلسطيني أضراراً جسيمة أعاقت قدرة الفلسطينيين على خوض الجولة القادمة.

٨. لجنة بيل 1937م: أول تقسيمٍ مقترحٍ لفلسطين

عيّنت الحكومة البريطانية لجنةً ملكيةً للتحقيق في أسباب الثورة برئاسة اللورد بيل، فوصلت إلى فلسطين في نوفمبر 1936م وسمعت شهاداتٍ من الطرفَين. وفي يوليو 1937م أصدرت تقريرها الضخم الذي خلص إلى أن “الانتداب مستحيل التطبيق لأن الأهداف اليهودية والعربية في فلسطين متعارضة تعارضاً جذرياً” — وهو اعترافٌ بريطانيٌّ صريح بفشل السياسة التي رسمتها بريطانيا نفسها. وأوصت اللجنة لأول مرةٍ في التاريخ الدولي بتقسيم فلسطين إلى ثلاث مناطق: دولةٌ يهوديةٌ على الجليل والسهل الساحلي (نحو 17% من إجمالي فلسطين)، ودولةٌ عربيةٌ مُلحقة بإمارة شرق الأردن، ومنطقةٌ انتداب دوليٍّ تشمل القدس وبيت لحم والممر الوصلي إلى الساحل. وأوصت بنقل السكان قسراً بين المنطقتَين إن لزم.[13]

قبلت القيادة الصهيونية (وايزمان وبن غوريون) مبدأ التقسيم وإن اعترضت على الحدود المقترحة وطالبت بأراضٍ أوسع. في المقابل، رفض الموقف العربي الفلسطيني الموحّد التقسيمَ رفضاً مطلقاً: فالمجلس القومي الفلسطيني الذي انعقد في بلودان (سوريا) في سبتمبر 1937م أعلن أن فلسطين أرضٌ عربيةٌ لا تقبل التجزئة. وعادت لجنةٌ بريطانية جديدة (لجنة وودهيد) عام 1938م لتفحص جدوى التقسيم فخلصت إلى تعذّر تطبيقه إذ سيكون في الدولة اليهودية عددٌ من العرب يكاد يُعادل عدد اليهود فيها. وتخلّت الحكومة البريطانية رسمياً عن خطة التقسيم في نوفمبر 1938م.

“إن الانتداب لا يمكن أن يُنفَّذ كما هو. إن أهداف العرب واليهود في فلسطين متعارضة تعارضاً لا يمكن التوفيق بينه. دولةٌ عربيةٌ تُضادُّ دولةً يهودية — كلتاهما تتشبث بفلسطين.”
— تقرير لجنة بيل الملكية البريطانية، يوليو 1937م

٩. الكتاب الأبيض 1939م: لحظة التحوّل البريطاني

في السابع عشر من مايو 1939م، أصدر وزير المستعمرات البريطاني مالكولم ماكدونالد وثيقةً أُطلق عليها “الكتاب الأبيض” — وهو ثالث الكتب البيضاء الرئيسية في تاريخ الانتداب — تضمّنت تحولاً دراماتيكياً في السياسة البريطانية جاء استجابةً للثورة الفلسطينية الكبرى والمخاوف المتصاعدة من اندلاع حربٍ أوروبية وما يستدعيه ذلك من الحاجة إلى حياديةٍ عربية. أعلنت الوثيقة عزم بريطانيا إقامة دولةٍ فلسطينيةٍ مستقلة خلال عشر سنوات، وتقييد الهجرة اليهودية بـ75,000 مهاجرٍ خلال الخمس السنوات التالية ثم إيقافها إلا بموافقة العرب، وتقييد بيع الأراضي للصهاينة في مناطق واسعة من فلسطين.

كان ردّ الفعل على الكتاب الأبيض موزّعاً في غرابةٍ لافتة؛ فالقيادة الصهيونية بقيادة بن غوريون رفضته رفضاً نارياً واعتبرته خيانةً بريطانية للوعود الصهيونية وانتهاكاً لوثيقة الانتداب، ومنذئذٍ قرّر بن غوريون خوض “حربٍ ضد البريطانيين وكأن الورقة البيضاء ليست موجودة.” وكان الموقف العربي الفلسطيني مُنقسماً: فبعض القيادة رأى الكتاب الأبيض اعترافاً بمطالبٍ عربية مشروعة، لكنها رفضته لأنه لم يُوقف الهجرة كلياً ولم يُعلن الاستقلال فوراً. وقد حالت الحرب العالمية الثانية التي اندلعت بعد أشهرٍ قليلة دون تطبيق الكتاب الأبيض الذي بات أثراً بعد عين.[14]

١٠. فلسطين في الحرب العالمية الثانية وتداعياتها (1939-1947م)

أوجد اندلاع الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939م معادلاتٍ جديدة قلبت ديناميكيات الانتداب؛ فالقيادة الصهيونية اعتمدت استراتيجية بن غوريون الشهيرة: “نقاتل مع البريطانيين في الحرب كأن الكتاب الأبيض ليس موجوداً، ونقاتل ضد الكتاب الأبيض كأن الحرب ليست موجودة.” وانضمّ عشراتٌ من الآلاف من يهود فلسطين إلى الجيش البريطاني وقاتلوا في صفوفه، بينما كانت الهاغاناه والإيتسيل والليحي تُواصل تنظيمها الداخلي وتدريبها بل وتنفّذ في أوقاتٍ مختلفة عمليات ضد البنية التحتية البريطانية.

أمّا المحرقة النازية (الهولوكوست) التي أبادت ستة ملايين يهودي أوروبي فقد غيّرت المشهد الإنساني والسياسي العالمي تغييراً جذرياً؛ فقضية اللاجئين اليهود الناجين من المعسكرات النازية والساعين للهجرة إلى فلسطين وجدت رياحاً دوليةً في ظهرها لا سيما في الرأي العام الأمريكي الذي مال بقوةٍ إلى إيجاد وطنٍ لضحايا الهولوكوست. وقد وجدت بريطانيا نفسها في مواجهة ضغطَين متعاكسَين: ضغطٌ أمريكيٌّ وصهيونيٌّ لفتح أبواب فلسطين للاجئين اليهود، وضغطٌ عربيٌّ ومخاوف استراتيجية تأبى السماح بذلك. وقرّرت بريطانيا إبقاء القيود على الهجرة وحظرت سفن اللاجئين اليهود القادمة من أوروبا، ومن أشهر هذه الحالات سفينة إكسودوس 1947م التي حملت نحو 4,500 ناجٍ من الهولوكوست ورفضت بريطانيا السماح بدخولهم فلسطين وأعادتهم إلى الموانئ الألمانية — ومثّل ذلك فضيحةً إنسانيةً دوليةً كبرى.

بعد انتهاء الحرب عام 1945م وتصاعد العمليات المسلحة الصهيونية ضد الأهداف البريطانية، وكان من أبرزها تفجير فندق الملك داود في القدس في يوليو 1946م الذي نفّذه إيتسيل بقيادة مناحيم بيغن وأودى بحياة 91 شخصاً من الجنود البريطانيين والفلسطينيين العرب ويهود فلسطينيين موظفَين في المبنى — وجدت بريطانيا نفسها مُنهكةً ماديياً ومعنوياً عاجزةً عن إدارة الانتداب وسط الضغط الدولي من كل جانب.

١١. الأمم المتحدة وقرار التقسيم 181 (1947م)

في فبراير 1947م، أعلنت الحكومة البريطانية رسمياً عزمَها إنهاء الانتداب وإحالة القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة. وفي مايو 1947م أنشأت الأممُ المتحدة لجنةً خاصةً من إحدى عشرة دولةً حيادية سُمّيت “لجنة الأمم المتحدة الخاصة بشأن فلسطين” (UNSCOP) لدراسة الأوضاع وتقديم توصياتٍ للحل. زارت اللجنة فلسطين وعدداً من مخيمات اللاجئين اليهود في أوروبا. رفض الجانب الفلسطيني التعاون مع اللجنة وإن أدلى ممثلون فلسطينيون ببعض الإفادات. في الثالث من سبتمبر 1947م رفعت اللجنة تقريرها المتضمّن خيارَين: خطة التقسيم (دعمتها 7 دول) وخطة الدولة الفيدرالية الموحّدة (دعمتها 3 دول وامتنعت واحدة).[15]

في التاسع والعشرين من نوفمبر 1947م، صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار التقسيم 181 وأقرّته بثلاثةٍ وثلاثين صوتاً مؤيداً وثلاثةَ عشر صوتاً معارضاً وعشرة ممتنعة. وقد أعطى القرار الدولة اليهودية نحو 56.47% من مساحة فلسطين وإن كانت الجالية اليهودية لا تملك أكثر من 6-7% من الأراضي ولا تُشكّل إلا ثُلثَ السكان، فيما خُصّص للدولة العربية 42.88% والجزء المتبقي بما فيه القدس منطقةً دوليةً. وقد واجه القرار انتقاداتٍ قانونيةً وأخلاقيةً موثّقة: فالجمعية العامة للأمم المتحدة لم تضم إلا 56 دولةً آنذاك لا الـ193 التي تضمها اليوم، وكانت ضمن الدول المؤيدة دولٌ خاضعة لضغوطٍ أمريكية (هايتي وليبيريا وهندوراس غيّرت مواقفها في اللحظات الأخيرة تحت ضغوط واشنطن). وكانت الدول العربية جميعها معارِضة.

رحّب الجانب الصهيوني بقرار التقسيم رسمياً وإن رأت قيادته الداخلية أنه خطوةٌ أولى لا نهائية. في المقابل، رفضه الجانب الفلسطيني والدول العربية رفضاً قاطعاً معلنين أن قرار الأمم المتحدة لا يملك الشرعية لأنه يقضي بتوزيع أرض شعبٍ دون استشارته وبمنح الأغلبية المساحية لأقليةٍ وافدة حديثاً. وما إن أُعلن القرار حتى اندلعت موجاتٌ من الاشتباكات المسلحة بين الجماعتَين في فلسطين شكّلت المرحلة الأولى من حرب 1948م.[16]

١٢. نهاية الانتداب والنكبة الفلسطينية 1948م

منذ نوفمبر 1947م وحتى مايو 1948م، خاضت القوات اليهودية المنظّمة (الهاغاناه والإيتسيل والليحي) والقوى الفلسطينية وبعض المتطوعين العرب حرباً شرسةً في المدن والقرى والطرقات، بينما كانت القوات البريطانية تنسحب تدريجياً دون تدخّلٍ يُذكر. وتحوّل ميزان القوى لصالح الجانب اليهودي تدريجياً لأسبابٍ تتعلق بالتسليح والتنظيم وعدم التكافؤ المؤسسي المتراكم طوال سنوات الانتداب. فنفّذت الميليشيات الصهيونية في الفترة من ديسمبر 1947م حتى مايو 1948م العملياتِ المُسمّاة “خطة دالِت” التي استهدفت التوسع خارج حدود خطة التقسيم وتأمين أراضٍ استراتيجية.

في التاسع من أبريل 1948م، شنّت قوات الإيتسيل والليحي هجوماً على قرية دير ياسين العربية قرب القدس وارتكبت فيها مجزرةً راح ضحيتها ما بين مئةٍ وعشرة ومئةٍ وسبعة وعشرين فلسطينياً بين قتيلٍ وجريح بحسب التقديرات. كان لهذه المجزرة والإعلان الصهيوني عنها عبر الراديو أثرٌ نفسيٌّ ضخمٌ في بثّ الرعب وتسريع موجات النزوح الفلسطيني الجماعي.

في الرابع عشر من مايو 1948م الساعة الرابعة مساءً بالتوقيت المحلي، أعلن دافيد بن غوريون في متحف تل أبيب قيامَ دولة إسرائيل. وفي الساعات اللاحقة أعلنت الجيوش العربية (المصرية والأردنية والسورية والعراقية واللبنانية بمشاركة سعودية محدودة) دخولها فلسطين. واستمر القتال بهدناتٍ متقطعة حتى مطلع 1949م، لتنتهي باتفاقياتٍ لوقف إطلاق النار وُقِّعت ثنائياً بين إسرائيل وكلٍّ من مصر والأردن ولبنان وسوريا.

أسفرت حرب 1948م عمّا يُعرف عند الفلسطينيين بالنكبة (كارثة التشريد الكبرى): فقد هُجِّر ما يزيد على 750,000 فلسطيني من أصل نحو 900,000 يسكنون المناطق التي غدت دولة إسرائيل، ودُمِّر أو أُخلي ما يزيد على 530 قريةً وبلدةً فلسطينية. وإلى اليوم يُعدّ هؤلاء اللاجئون وذرّيّاتهم — الذين بلغ عددهم بحلول عام 2023م نحو خمسةٍ وثمانين مليوناً وفق وكالة الأونروا — من أكبر تجمعات اللاجئين في العالم واللاجئين الأطول انتظاراً لحقهم في العودة المكفول بموجب القرار الأممي 194 الصادر في ديسمبر 1948م.[17]

١٣. الإرث التاريخي للانتداب البريطاني: جذورٌ لنزاعٍ لا يزال قائماً

يُمثّل الانتداب البريطاني على فلسطين نقطةَ البداية الحقيقية للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي الذي لا يزال يُدار بشكلٍ مختلفٍ تماماً عمّا قدّمه القانون الدولي وعدٌ بحلٍّ له منذ ثمانية عقود. وتتجلّى تعقيداتٌ بنيويةٌ موروثة من حقبة الانتداب في أشكالٍ حيّة حتى اليوم: فمسألة اللاجئين وحق العودة مستمدّةٌ مباشرةً من أحداث 1948م، والتقسيم المكاني لفلسطين الإجمالية بين الأراضي المُعترف بإسرائيل عليها وقطاع غزة والضفة الغربية المحتلَّين نتيجةٌ مباشرة لسياسات الانتداب ثم حرب 1948م. والقدس التي أوصى قرار التقسيم بجعلها منطقةً دوليةً لا تزال في صلب النزاع.

يتواصل الجدل الأكاديمي حول المسؤولية البريطانية في تشكيل هذا النزاع؛ فمدرسةٌ من المؤرخين تُحمِّل بريطانيا مسؤوليةً رئيسيةً لأنها تبنّت وعد بلفور الذي تعارض جوهرياً مع حقوق السكان الأصليين، ثم واصلت الهجرةَ في الوقت الذي كانت فيه عنصراً حاسماً في تغيير التوازن الديموغرافي، وأخيراً أعادت المشكلة إلى الأمم المتحدة دون حلٍّ يحفظ حقوق الفلسطينيين. وفي المقابل، تُجادل مدرسةٌ أخرى بأن بريطانيا وجدت نفسها حبيسة التزاماتٍ متناقضة أعطتها بالإرادة الحرة أو تحت ضغط الحرب، ولم تجد مخرجاً من المعضلة.

يبقى الانتداب البريطاني على فلسطين علامةً فارقةً في تاريخ القانون الدولي والسياسة الاستعمارية؛ فهو أثبت بصورةٍ قاطعة مخاطر قيام دولةٍ استعمارية كبرى بمنح تعهّداتٍ تعارضية متناقضة في أرضٍ آهلةٍ دون استشارة أهلها، وأن اللجوء إلى صيغٍ قانونيةٍ دوليةٍ مُتفق عليها وفق معادلاتٍ بين القوى الكبرى دون احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها لا يُنتج حلاً بل يُبذر بذوراً لنزاعٍ حتمي. وكان التناقض بين الوعد للصهيونية والواجب نحو السكان الأصليين تناقضاً لا يمكن لأي سياسةٍ بريطانية أن تُحلّ بين شقَّيه.

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
الحضارة الفارسية
حضارة إيرانية قديمة متعددة الأسرات
الدولة العثمانية
إمبراطورية إسلامية حكمت ستة قرون
إبادة الأمريكيين الأصليين
إبادة ممنهجة طالت شعوب أمريكا الأصلية
الإبادة الأرمنية
إبادة الأرمن في الدولة العثمانية 1915
🔍