تُعدّ الحرب الأفيونية الثانية (1856-1860م)، المعروفة أيضاً بـ«حرب السهم» أو «الحرب الأنجلو-فرنسية في الصين»، امتداداً منطقياً وتصعيداً جذرياً للصراع الذي أشعلته الحرب الأفيونية الأولى قبل أقل من خمسة عشر عاماً، غير أنها تجاوزتها في حجم الدمار وبُعد التداعيات وعمق الإذلال الذي ألحقته بالصين.
[1]
جمعت هذه الحرب للمرة الأولى قوتين غربيتين كبريين — بريطانيا وفرنسا — في تحالف عسكري مشترك ضد أسرة تشينغ الحاكمة في الصين، وشهدت أعنف المعارك التي خاضتها تلك الأسرة مع القوى الغربية حتى ذلك الحين، إذ بلغت ذروتها بدخول القوات الحليفة إلى بكين ذاتها — حدثٌ لم يُسبق في تاريخ الصين الحديث — وإحراق القصر الصيفي القديم يوانمينغيوان (圓明園)، أحد أعظم روائع العمارة والفن في تاريخ البشرية.
[2]
اندلعت شرارة الحرب عام 1856م بذريعة هشّة هي حادثة سفينة «السهم» (Arrow)، ثم تصاعدت عبر مرحلتين عسكريتين رئيسيتين أُنجز فيهما احتلال مدينة كانتون، وتقدّمت القوات شمالاً نحو تيانجين وأسرت الحصون المدافعة عن بوابة بكين، وانتهت الحرب بتوقيع اتفاقية بكين (اتفاقية شمال بيجين) في أكتوبر 1860م. فرضت الاتفاقية شروطاً أشد إرهاقاً وإذلالاً من معاهدة نانكين الأولى: تعويضات باهظة، وفتح ميناء تيانجين وعشرة موانئ جديدة، والتنازل عن شبه جزيرة كولون لبريطانيا، وتشريع تجارة الأفيون رسمياً، وحق إقامة السفارات الأجنبية داخل بكين للمرة الأولى في تاريخ الصين. وقد مثّلت هذه الحرب ومعاهداتها منعطفاً حاسماً في مسار «قرن الإذلال» الذي تحتلّ الصين فيه موقع الطرف المُذعن لا المتفاوض، وأسهمت في تسريع التحولات البنيوية العميقة التي ستُؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار أسرة تشينغ عام 1912م.
[3]
| الحرب الأفيونية الثانية | |
| الاسم بالإنجليزية | Second Opium War / Arrow War |
| الاسم بالصينية | 第二次鸦片战争 (Dì èr cì yāpiàn zhànzhēng) |
| أسماء أخرى | حرب السهم (Arrow War) — الحرب الأنجلو-فرنسية في الصين |
| التاريخ | 8 أكتوبر 1856 – 18 أكتوبر 1860م |
| المدة | أربع سنوات |
| الموقع | جنوب الصين وشمالها: كانتون، تيانجين، بكين |
| النتيجة | انتصار بريطاني-فرنسي حاسم — اتفاقية بكين (1860م) |
| أطراف النزاع | |
| الطرف الأول | الإمبراطورية البريطانية |
| الطرف الثاني | الإمبراطورية الفرنسية (نابليون الثالث) |
| الطرف الثالث | أسرة تشينغ الحاكمة في الصين |
| أطراف هامشية | الولايات المتحدة وروسيا (دعم دبلوماسي وتدخل جزئي) |
| القادة الرئيسيون | |
| قادة بريطانيا | اللورد إلجين (جيمس بروس)، السير هوب غرانت، هاري باركس |
| قادة فرنسا | البارون غرو (جان-باتيست لويس غرو)، الجنرال مونتوبان |
| قادة الصين | يي مينغشن (حاكم كانتون)، سينغي ريتشن (قائد المغول)، الأمير غونغ (المفاوض) |
| الإمبراطور الصيني | شيانفنغ (咸豐帝، حكم 1850-1861م) |
| القوات والخسائر | |
| القوات الحليفة | نحو 17,000 إلى 25,000 جندي (حملة 1860م) |
| خسائر الحلفاء | أقل من 900 قتيل وجريح في المعارك الكبرى |
| خسائر الصين | تقديرات تتراوح بين عشرات الآلاف |
| النتائج الرئيسية | |
| معاهدة تيانجين (1858م) | فتح 10 موانئ، حق السفارات في بكين، تشريع التبشير |
| اتفاقية بكين (1860م) | التنازل عن كولون، تشريع الأفيون، تعويضات 16 مليون تاييل |
| حريق يوانمينغيوان | 18 أكتوبر 1860م — احتراق القصر الصيفي القديم |
السياق التاريخي
إرث الحرب الأولى والإخفاقات المتراكمة
لم تنتهِ الحرب الأفيونية الأولى بإنهاء التوتر البنيوي بين الصين والقوى الغربية؛ بل كشفت عن جوهره وجعلته أكثر حدّةً وتعقيداً. فمعاهدة نانكين (1842م) وما تلاها من معاهدة بوق التكميلية (1843م) خلّفت في الجانبين شعوراً مشتركاً بعدم الرضا، وإن تباينت أسبابه جذرياً. فمن ناحية الصين، كانت المعاهدات تُمثّل إهانة غير مسبوقة لدولة اعتادت أن تُملي لا أن تُملى عليها، وكان كثير من المسؤولين يتعاملون مع بنودها على مضض، يُؤجّلون تطبيقها ويُضيّقون تفسيرها قدر الإمكان. أما بريطانيا، فبعد أن استوعبت ثمار معاهدة نانكين، وجدت أن المكاسب التجارية الفعلية جاءت دون التوقعات الكبيرة: فالصين لم تنفتح انفتاحاً كاملاً، وبقيت مناطق شاسعة من الداخل محظورة، ولم يكن بمقدور الدبلوماسيين الأجانب الإقامة في بكين أو التعامل مع الحكومة الإمبراطورية وجهاً لوجه، إذ كانت الصين لا تزال ترفض تعيين سفارات أجنبية دائمة في عاصمتها.
[1]
فضلاً عن ذلك، كانت معاهدة نانكين تتضمن بنداً يُجيز مراجعة شروطها بعد اثني عشر عاماً، فتحوّل هذا البند إلى ذريعة لمطالب بريطانية جديدة قوبلت برفض صيني صريح، لأن بكين كانت ترى في مبدأ المراجعة ثغرةً لتوسيع الامتيازات لا آليةً لتحقيق التوازن. وفي هذا السياق المتأزم، كانت الصين تعاني أيضاً من أزمة داخلية طاحنة هي ثورة تايبينغ (太平天國, 1850-1864م)، التي راح ضحيتها عشرون مليون إنسان وفق أكثر التقديرات تحفظاً، وهو ما أوهن قدرة أسرة تشينغ العسكرية والمالية وجعل الموقف بالغ الهشاشة في مواجهة أي ضغط خارجي جديد.
[3]
الإطار الأوروبي: بريطانيا وفرنسا على أعتاب الحرب
كانت بريطانيا في منتصف الخمسينيات من القرن التاسع عشر في أوج قوتها الصناعية والإمبراطورية، وكانت السياسة الخارجية البريطانية تحت قيادة اللورد بالمرستون — رئيس الوزراء وقتذاك — تتسم بنزعة توسعية أيديولوجية لا تقبل الإذلال ولا تُقدّم التهاون. كانت بريطانيا ترى في الانفتاح التجاري الإجباري مبدأً حضارياً يُغني الأمم لا مجرد مصلحة اقتصادية، وكانت مستعدة لاستخدام قوتها العسكرية التي لا مثيل لها لإنفاذ هذا المبدأ. أما فرنسا تحت الإمبراطورية الثانية بقيادة نابليون الثالث، فكانت تبحث عن موطئ قدم استراتيجي في آسيا لمنافسة النفوذ البريطاني، وأتاحت لها حادثة اغتيال مبشّر فرنسي هو الأب أوغست شابدلين في مقاطعة غوانغشي في فبراير 1856م الذريعةَ اللازمة للانضمام إلى الحملة البريطانية بحجة الانتقام لشرف رعاياها.
[3]
وقد مثّل هذا التحالف الأنجلو-فرنسي نقلةً نوعية في ميزان القوى: فبينما اضطلعت بريطانيا وحدها بالحرب الأفيونية الأولى، أصبحت الصين الآن في مواجهة قوتين أوروبيتين ضخمتين تعمل قواتهما بتنسيق يجعل التصدّي لهما شبه مستحيل بالإمكانات العسكرية المتاحة للصين في تلك المرحلة.
الحوادث المشعلة
حادثة سفينة السهم: الذريعة الواهية
في الثامن من أكتوبر 1856م، صعد موظفون جمركيون صينيون إلى سفينة شحن راسية في ميناء كانتون تُدعى «السهم» (Arrow)، واعتقلوا اثني عشر من أفراد طاقمها الصينيين بتهم يشتبه فيها تتعلق بالقرصنة والتهريب.
[4]
لم تكن هذه العملية بحد ذاتها مثيرةً للجدل؛ فالسفينة كانت مسجّلة في هونغ كونغ البريطانية، لكن تسجيلها كان قد انتهى بالفعل قبل الحادثة بأيام قليلة، وكانت تخضع من الناحية القانونية للسلطة القضائية الصينية. بيد أن القبطان توماس كينيدي الموجود على ظهر سفينة مجاورة أفاد بأن الجنود الصينيين أنزلوا العلم البريطاني من السفينة، وهو الادعاء الذي تمسّك به القنصل البريطاني في كانتون هاري باركس ورفعه إلى السلطات العليا باعتباره إهانةً لا تُحتمل للعلم البريطاني وانتهاكاً سافراً لمعاهدة نانكين. وقد طالب باركس الحاكمَ الصينييَ يي مينغشن (葉名琛) بالإفراج الفوري عن المعتقلين والاعتذار الرسمي. استجابت الصين للطلب الأول جزئياً وأفرجت عن الطاقم، لكنها رفضت الاعتذار مؤكدةً حقها السيادي في تفتيش السفن المشتبه بها.
[5]
استغلّت بريطانيا هذا الرفض ذريعةً فورية لتصعيد عسكري: ففي السادس والعشرين من أكتوبر 1856م، بدأت سفينة حربية بريطانية قصف مدينة كانتون بقذيفة واحدة كل عشر دقائق، ثم دمّر البريطانيون أربعة حصون صينية ساحلية وأغرقوا أكثر من عشرين سفينة صينية، مُثيرين بذلك رد فعل شعبياً غاضباً في كانتون أحرق خلاله صينيون مستودعات التجار الأجانب في ديسمبر 1856م.
[6]
وقد أثارت هذه الحادثة داخل البرلمان البريطاني ذاته جدلاً أشدّ مما أثارته الحرب الأولى: إذ هاجم زعيم المعارضة ريتشارد كوبدن الحكومةَ بقسوة، مستنكراً أن تُشنّ حرب بسبب سفينة كان تسجيلها منتهياً، وقرّر البرلمان في فبراير 1857م بالأغلبية إدانة سياسة بالمرستون. لكن بالمرستون لجأ إلى حلّ البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة، فاز فيها بأغلبية أكبر، مما منحه تفويضاً شعبياً لمواصلة الحرب.
[1]
المرحلة الأولى: سقوط كانتون (1857م)
في أواخر عام 1857م، وبعد تأخيرات فرضتها الحاجة إلى تحويل قسم من القوات البريطانية إلى الهند لإخماد ثورة السيبوي (1857م)، وصل اللورد إلجين (جيمس بروس، الكونت الثامن) إلى المنطقة مفوّضاً سامياً بريطانياً بصلاحيات واسعة، في حين قاد الجانب الفرنسي البارونُ غرو. في الثامن والعشرين من ديسمبر 1857م، شنّت القوات الأنجلو-فرنسية المشتركة هجوماً منسّقاً على كانتون، وكانت القوة الحليفة تتألف من نحو 5,000 جندي بريطاني وأكثر من 1,000 جندي فرنسي. سقطت المدينة بسرعة لافتة، وأُسر حاكمها يي مينغشن الذي رفض حتى آخر لحظة أي تفاوض مع «البرابرة»، وأُرسل مسجوناً إلى كلكتا حيث لقي حتفه بعد أقل من عام.
[3]
حافظت القوات الحليفة على سيطرتها الفعلية على كانتون طوال قرابة أربع سنوات، حتى 1861م، في سابقة لم تشهدها الحرب الأولى. ولم يكن الاحتلال مجرد ترتيب عسكري، بل أقام الحلفاء إدارةً مشتركة موازية في المدينة بديلاً عن الإدارة الصينية، في ما يُشير إلى نوايا استعمارية تتخطى مجرد انتزاع الامتيازات التجارية.
التقدم شمالاً: حصون تاكو ومعاهدة تيانجين (1858م)
حملة 1858م ومعاهدة تيانجين
بعد استقرار الوضع في كانتون، تحرّكت القوات الحليفة شمالاً في مطلع عام 1858م نحو ميناء تيانجين (天津)، البوّابة المائية الرئيسية لبكين. كانت حصون تاكو (大沽口炮台) — المنظومة الدفاعية الحامية لمصبّ نهر هاي المؤدي إلى تيانجين ومنها إلى العاصمة — تمثّل العقبة الميدانية الرئيسية في طريق القوات الحليفة. في مايو 1858م، هاجمت السفن الحربية البريطانية والفرنسية هذه الحصون وأسقطتها بعد قتال متفاوت الضراوة.
[7]
أفضى هذا التقدم إلى إجبار الحكومة الصينية على إرسال مفاوضين رفيعي المستوى، وفي يونيو 1858م وقّعت الصين معاهدة تيانجين مع كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وروسيا. كانت بنود هذه المعاهدة أشمل وأثقل وطأةً من معاهدة نانكين: فقد نصّت على حق الدول الغربية في إقامة سفارات دائمة في بكين للمرة الأولى في التاريخ الصيني، وهو ما رأت فيه الصين انتهاكاً صريحاً لمفهوم البروتوكول الإمبراطوري الذي لا يُجيز لأحد المطالبة بالتمثيل الدبلوماسي الدائم في «المدينة المقدسة». كذلك نصّت المعاهدة على فتح عشرة موانئ جديدة أمام التجارة الغربية — بما فيها هانكو ونانجين — وحق السفن التجارية والحربية الأجنبية في الملاحة الحرة في نهر يانغتسي وأنهار أخرى داخل البلاد، وحق الأجانب في التنقل والإقامة والتبشير في أرجاء الصين كافة. وفي مفاوضات شنغهاي اللاحقة في الأشهر التالية من العام ذاته، جرى تشريع استيراد الأفيون بصورة رسمية نهائية.
[8]
رفض التصديق والانتصار الصيني الوحيد
لم تمضِ أشهر على توقيع معاهدة تيانجين حتى بدا أن الأمل في تنفيذها ضئيل: فقد انتهى بالإمبراطور شيانفنغ تحت ضغط وزراء متشددين إلى رفض التصديق على المعاهدة، خصوصاً البند المتعلق بإقامة السفارات الأجنبية في بكين الذي بدا في عيون البلاط الإمبراطوري أشدّ الإهانات وأجسرها. وحين حاول الأسطول البريطاني في يونيو 1859م الدخول نحو تيانجين لمرافقة المبعوثين الدبلوماسيين في طريقهم إلى بكين للتصديق الرسمي، كان القائد العسكري الصيني المغولي الموهوب سينغي ريتشن (僧格林沁) قد أعاد تحصين حصون تاكو وعزّزها بمدفعية أثقل وأكثر دقة. صدّت حصون تاكو المُحصَّنة الأسطولَ البريطاني صدّاً مُفاجئاً وعنيفاً: غرقت بعض السفن البريطانية وتضرّرت أخريات، وسقط نحو 500 قتيل وجريح في صفوف الحلفاء. كان هذا الانتصار الصيني الأوحد في سياق الحرب بأكملها، وقد أثار ابتهاجاً كبيراً في أوساط البلاط الإمبراطوري المُرهَق، ودفع بعض المتشددين في بكين إلى الاعتقاد بأن «البرابرة» قابلون للهزيمة إذا صمدت الإرادة.
[9]
غير أن هذا الانتصار الميداني كان يحمل في طياته بذور الكارثة الأكبر: فقد أشعل الغضبَ في لندن وباريس، ودفع الحكومتين إلى تجهيز حملة أضخم وأكثر تصميماً مما سبق، مصمّمةً هذه المرة على الوصول إلى العاصمة ذاتها وإجبار الإمبراطور شخصياً على قبول الهزيمة.
المرحلة الحاسمة: الزحف على بكين (1860م)
معركة باليكاو وانهيار آخر دفاع
في صيف 1860م، عادت القوات الأنجلو-فرنسية بزخم تعبوي أكبر بكثير: نحو 17,000 إلى 25,000 جندي مُنظّم ومسلّح تسليحاً حديثاً يتقدّم نحو بكين عبر البر بعد اختراق حصون تاكو. أعاد سينغي ريتشن بناء دفاعاته، وجمع أفضل ما تبقّى من القوات الصينية المنتظمة وفلول الفرسان المغول ليصدّ التقدم الحليف. في الثامن والعشرين من سبتمبر 1860م، جرت معركة باليكاو (八里橋 Baliqiao) على مسافة ثمانية أميال شمال شرق بكين: التقى فيها آخرُ دفاع منظّم صيني — الفرسانُ المغول بسيوفهم ورماحهم ومعهم مدفعية عتيقة — وجيشٌ حليف يتقدّم بالمشاة المنضبطين ومدفعية الميدان الحديثة. كانت النتيجة كارثةً عسكريةً صينيةً شاملة لا مفرّ منها: انهارت صفوف الفرسان المغول تحت نيران المدفعية الدقيقة قبل أن يتمكنوا من التماسّ الفعلي مع العدو، وخسر الجيش الصيني آلافاً من قتلى وجرحى في غضون ساعات معدودة، في حين لم يتجاوز عدد قتلى الجانب الحليف بضعة عشرات.
[10]
مع انهيار خط الدفاع الأخير، فرّ الإمبراطور شيانفنغ وحاشيته متسرّعين نحو قصر شنغده الصيفي في مقاطعة ريهى، تاركاً أخاه الأمير غونغ (恭親王, Prince Gong) في بكين ليواجه المحتلّين ويتفاوض باسم الإمبراطورية المهزومة. وفي الثاني عشر من أكتوبر 1860م، دخلت القوات البريطانية والفرنسية مدينةَ بكين — المدينةَ المقدسة التي لم يطأها أجنبي غير مرحَّب به في تاريخها الطويل.
[2]
حرق يوانمينغيوان: الجريمة الثقافية الكبرى
القصر الصيفي القديم: تحفة على الأرض
لفهم الثقل التاريخي والرمزي لحريق يوانمينغيوان (圓明園)، لا بدّ من استحضار صورة المكان كما كان قبل تدميره. كان يوانمينغيوان «حديقة الكمال والضياء»، مجمّعاً إمبراطورياً شيّده الأباطرة على مدى ما يزيد على مئة وخمسين عاماً ابتداءً من القرن الثامن عشر، يمتدّ على مساحة تفوق ثمانين ميلاً مربعاً في ضواحي بكين الشمالية الغربية، ويضمّ أكثر من مئتي مبنى بين قصور وأجنحة ومعابد ومسارح ومكتبات وأروقة فنية، وتتخللها بحيرات اصطناعية وجسور وحدائق مبهجة وتحف فنية لا تُحصى من الذهب والفضة والمنسوجات والبورسلين والمخطوطات النادرة ومنحوتات اليشم والأعمال الفنية الصينية الكلاسيكية.
[2]
وكان المجمّع يضمّ كذلك «القصور الأوروبية» (西洋樓، شيانغلو) التي صمّمها رهبان يسوعيون في القرن الثامن عشر بأسلوب الباروك الأوروبي بأمر الإمبراطور تشيانلونغ، وكانت نافوراتها ومنحوتاتها العجيبة قِبلةَ إعجاب كل من وصفها. وكان يُقال إن جمال هذا المجمّع كان موحياً للشاعر الإنجليزي كولريدج بقصيدته الشهيرة «قبلاي خان» عام 1797م. بعبارة أخرى، كان يوانمينغيوان أحد أعظم ما شيّدته يدُ الإنسان في التاريخ الثقافي لأيٍّ من الحضارات.
[7]
قرار الإحراق: الانتقام السياسي والتدمير الممنهج
قبيل دخول القوات الحليفة إلى بكين، جرت أحداث أشعلت غضب القيادة البريطانية على وجه الخصوص: فحين توجّه المفاوض الدبلوماسي البريطاني هاري باركس وعدد من الضباط البريطانيين والفرنسيين تحت علم الهدنة للتفاوض، اعتُقلوا من قِبَل القوات الصينية وأُودعوا السجن في ظروف مهينة. وحين أُفرج عنهم بعد أن دخلت القوات الحليفة بكين في أكتوبر 1860م، تبيّن أن عدداً منهم قد لقوا حتفهم تحت وطأة الإساءة، وعاد باقوهم في أحوال جسدية يرثى لها من جرّاء الإهانة والتعذيب، مما أثار غضباً إنسانياً وسياسياً عارماً في صفوف القيادة الحليفة.
[10]
أصدر اللورد إلجين حينئذٍ قراره بتدمير يوانمينغيوان رداً على هذه الأفعال، رافضاً البديلَ المقترح بإحراق مدينة المحظور (الفوربيدن سيتي، المدينة المقدسة)، إذ رأى أن هذا الأخير سيُلحق الضرر بالشعب الصيني عامةً، بينما يطال تدمير القصر الصيفي الإمبراطورَ شخصياً، المسؤول الأول عن التدهور في معاملة الأسرى. وفي الثامن عشر من أكتوبر 1860م، أضرم الجنود البريطانيون النار في يوانمينغيوان — وكان الفرنسيون قد نهبوه بالفعل لكنهم رفضوا المشاركة في إحراقه. ظلّ الدخانُ يتصاعد على مدى ثلاثة أيام كاملة، وأصبح ظلامه يُظلّم سماء بكين في نهار واضح.
[11]
حين أُبلّغ بما كان ينوي اللورد إلجين فعله، شعرت بضيق شديد. إنه لأمر مُحزن حقاً أن نُضطر إلى حرق هذا المكان الجميل.
— الجنرال تشارلز غوردون (غوردون الخرطوم لاحقاً)، رسالة إلى والدته، أكتوبر 1860م
ولم يكن الحريق فعل دمار عشوائي وحسب، بل سبقه نهبٌ منهجي استمرّ أياماً: فقبل إيقاد النار، تسابقت القوات البريطانية والفرنسية في سلب كل ما يمكن حمله من تحف وذهب وفضة وساعات وخزف ومنسوجات. وما زالت قطع أثرية مصدرها يوانمينغيوان — يُمكن تتبّع منشئها بالوثائق — موجودةً اليوم في متاحف أوروبية كبرى، وتُشكّل مصدر توتر دبلوماسي بين الصين وعدد من الدول الأوروبية حتى الوقت الراهن. وقد كتب فيكتور هوغو رسالةً شهيرة عام 1861م عبّر فيها عن صدمته من هذا الفعل، واصفاً ما جرى بأنه سرقة نفّذتها قوتان «متحضرتان» بحق حضارة أكثر عراقة منهما.
[2]
اتفاقية بكين: نهاية الحرب وتعمّق الهزيمة
بنود الاتفاقية وتداعياتها الفورية
في الثامن عشر من أكتوبر 1860م، في اليوم ذاته الذي شهد اكتمال إحراق يوانمينغيوان، وقّع الأمير غونغ اتفاقية بكين (北京條約) باسم إمبراطورية تشينغ، في حين وقّع اللورد إلجين والبارون غرو باسم بريطانيا وفرنسا على التوالي. ورغم أن روسيا لم تشارك في الحرب عسكرياً، فإن الدبلوماسي الروسي نيكولاي إغناتيف أسهم في التوسط بين الأطراف، مما أتاح له انتزاع معاهدة منفصلة بموجبها تنازلت الصين لروسيا عن ما يزيد على 600,000 كيلومتر مربع من الأراضي شرق نهر الأوسور — المنطقة التي أسّست روسيا فيها لاحقاً مدينة فلاديفوستوك على الساحل الهادئ.
[12]
أبرز بنود اتفاقية بكين: أولاً، التصديق الرسمي على معاهدة تيانجين التي رُفض التصديق عليها سابقاً بما تضمّنته من فتح الموانئ وإقامة السفارات. ثانياً، التنازل عن شبه جزيرة كولون (جزء من يابرة الصين المتاخمة لجزيرة هونغ كونغ) لبريطانيا تنازلاً دائماً، لتنضمّ إلى هونغ كونغ في تشكيل نواة المستعمرة البريطانية هناك. ثالثاً، فتح ميناء تيانجين الاستراتيجي أمام التجارة الأجنبية. رابعاً، منح تعويضات ضخمة بلغت ثمانية ملايين تاييل لكل من بريطانيا وفرنسا. خامساً، حق تجنيد الشركات البريطانية للعمال الصينيين «الكولي» (苦力) لنقلهم إلى مناطق الاستعمار البريطاني في العالم — وهو بند فتح باب ما عُرف بـ«تجارة الكولي» التي تحوّلت إلى نوع جديد من العبودية المقنّعة.
[10]
التداعيات والنتائج البعيدة المدى
تشريع الأفيون وانتشار الإدمان
ربما كان أشدّ بنود معاهدتَي تيانجين وبكين أثراً في الحياة اليومية للصينيين هو تشريع استيراد الأفيون وتجارته بصورة رسمية، إذ لم تعد الصين قادرةً بعد ذلك على الادعاء بأن هذه التجارة محظورة أو تسعى إلى مكافحتها. وقد أفضى ذلك إلى توسع هائل في حجم التجارة وانتشار الإدمان: فبحلول الثمانينيات من القرن التاسع عشر، كانت الصين تستورد نحو 6,500 طن من الأفيون سنوياً، فضلاً عن الأفيون الصيني المحلي الإنتاج الذي صار مشروعاً هو الآخر.
[2]
وكان التأثير الاجتماعي مدمّراً في بنيويته: ففي بعض المناطق الحضرية وصلت نسبة المدمنين إلى أرقام مفزعة تمسّ كافة طبقات المجتمع، من الفلاحين إلى العمال والحرفيين والجنود والموظفين وكبار المسؤولين. وقد ذهب بعض المؤرخين إلى أن إدمان الأفيون كان أحد العوامل البنيوية التي أوهنت قدرة المجتمع الصيني على مقاومة الضغوط الداخلية والخارجية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ولم تعلن الصين خلوّها الكامل من إدمان الأفيون إلا في عهد ماو تسي تونغ بعد عام 1949م، وفق ما أعلنته الحكومة الصينية.
[13]
تسارع حركة التحديث: حركة التقوية الذاتية
كانت الصدمة الكاملة من هزيمة الحرب الأفيونية الثانية — ولا سيما وصول الأجانب إلى بكين وإحراق القصر الصيفي — العاملَ المحرّك لأشمل حركة إصلاحية شهدتها الصين حتى ذلك الحين: «حركة التقوية الذاتية» (洋務運動 Yangwu Yundong)، التي قادها مسؤولون إصلاحيون كبار أبرزهم الأمير غونغ وزينغقوفان ولي هونغجانغ خلال الفترة الممتدة بين ستينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر. وقد سعت هذه الحركة إلى تحديث القدرة العسكرية والصناعية الصينية عبر استيراد التقنيات الغربية وإنشاء ترسانات وسفن حربية حديثة ومصانع ومدارس تقنية، مع الحفاظ على «الجوهر الصيني» في الثقافة والنظام السياسي. وقد أتاحت اتفاقية بكين لهذه الحركة مساحةً نسبية من الاستقرار الخارجي تمكّنت خلالها من تنفيذ بعض مشاريعها الطموحة.
[3]
غير أن هزيمة الصين أمام اليابان عام 1895م — التي كانت تُعدّ حتى وقت قريب دولةً أدنى مكانةً من الصين في المنظومة الإقليمية — كشفت قصور هذا التحديث الجزئي وأثبتت أنه لا يكفي دون إصلاح هياكل الحكم والنظام السياسي نفسه.
[8]
روسيا: الرابح الصامت من الحرب
من الأبعاد الجيوسياسية النادرة الذكر في روايات الحرب الأفيونية الثانية أن روسيا القيصرية خرجت منها بمكاسب إقليمية هائلة دون أن تُطلق رصاصة واحدة. فبفضل وساطة الدبلوماسي الروسي البارع نيكولاي إغناتيف وتلاعبه الذكي بمخاوف الطرفين في مرحلة المفاوضات، وقّعت الصين معاهدة بكين مع روسيا التي بموجبها تنازلت عن أراضٍ شاسعة شرق نهر الأوسور (بمساحة تزيد على 600,000 كيلومتر مربع وفق بعض التقديرات)، مما أتاح لروسيا الوصول إلى الساحل الهادئ غير المتجمّد حيث أسّست مدينة فلاديفوستوك عام 1860م ذاته.
[12]
وقد كان هذا التنازل الإقليمي الروسي-الصيني ثمرةً للتهديد الضمني الروسي بأنها قادرة على الانضمام إلى الحلفاء وتعظيم خسائر الصين إذا لم تُبدِ مرونةً. وقد ظلّت هذه الأراضي التي خسرتها الصين لروسيا مصدرَ استياء تاريخي وتوتر دبلوماسي متقطّع حتى القرن العشرين.
يوانمينغيوان في الذاكرة المعاصرة
لا يزال موقع يوانمينغيوان المُحترَق يقف على أطراف بكين اليوم شاهداً حجرياً صامتاً: أعمدة وأقواس رخامية مُتكسّرة في فضاء مفتوح، تُزورها سنوياً ملايين الزوار الصينيين في ما يشبه أداء طقس وطني للحزن والاعتزاز في الآن ذاته. وقد رفضت الحكومات الصينية المتعاقبة إعادة البناء، مُفضّلةً إبقاء الأطلال على حالها شاهدةً على الإذلال التاريخي بدلاً من استعادة الجمال الغابر. وفي العقود الأخيرة، طالبت الصين بشكل متصاعد باسترداد التحف الأثرية المنهوبة الموجودة في المتاحف الأوروبية، كما أثارت بعض القطع التي بيعت في مزادات دولية موجات من الجدل الدبلوماسي.
[7]
وقد استحضر الرئيس الصيني شي جين بينغ الحديث عن الإذلال التاريخي بما فيه احتلال بكين وإحراق يوانمينغيوان مراراً في خطابات «حلم الصين» (中国梦)، مُصوّراً نهوض الصين المعاصر رداً تاريخياً على صفحة الانكسار التي بدأت مع الحربين الأفيونيتين. وقد جعل هذا من جرح 1860م جزءاً فاعلاً في الهوية السياسية الصينية الراهنة، لا إحالةً تاريخيةً مجردة.
[1]
في التأريخ والإرث الفكري
تتباين قراءات المؤرخين للحرب الأفيونية الثانية تبايناً يعكس الاختلافات الأيديولوجية والوطنية العميقة. فالمدرسة الصينية التقليدية، التي يتبنّاها علماء الحضارة الصينية ومؤرخو «الوطنية الثقافية»، ترى في الحرب تعبيراً صريحاً عن الإمبريالية الغربية العدوانية ونموذجاً كاملاً للاستغلال والإذلال. في المقابل، كان المؤرّخون الغربيون الكلاسيكيون يميلون إلى تقديم الحرب باعتبارها «نشراً لحرية التجارة» و«فتح المجتمعات المنغلقة»، وإن شهدت الكتابة التاريخية الغربية في القرن العشرين انعطافةً نقديةً واضحة نحو الاعتراف بطابعها التوسعي والعدواني. وتُعدّ المؤرّخة البريطانية جوليا لوفيل في كتابها «حرب الأفيون: المخدرات والأحلام وصنع الصين» (2011م) والمؤرّخ الأمريكي بيتر وورد فاي في كتابه «الحرب الأفيونية 1840-1842م» من أبرز من قدّموا قراءات أكاديمية عميقة متوازنة تجمع بين استيعاب الموقف الصيني والتحليل النقدي للسياسة البريطانية. وتظل الحرب الأفيونية الثانية، بكلّ ما تنطوي عليه من توتر بين «حقوق التجارة» و«السيادة الوطنية» وبين «العقاب القانوني» و«الجريمة الثقافية»، نموذجاً خصباً لفهم آليات الاستعمار وإشكاليات الميراث التاريخي في العلاقات الدولية المعاصرة.
[14]