🔍
اضغط Esc للإغلاق • Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية أدوية أعراض طبية أمراض شائعة أمراض نادرة التاريخ الجغرافيا القارات تخصصات طبية
الرئيسية / التاريخ / الإمبراطورية النمساوية المجرية
التاريخ

الإمبراطورية النمساوية المجرية

👁 1 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 15/6/2026 ✏️ 15/6/2026
100%

الإمبراطوريةُ النمساويةُ المجريةُ (بالألمانية: Österreichisch-Ungarische Monarchie، وبالمجرية: Osztrák–Magyar Monarchia)، المعروفةُ أيضاً بـ”الملكية المزدوجة” أو “الملكية الثنائية” (Doppelmonarchie)، كانت دولةً أوروبيةً كبرى نشأت في الثلاثين من مارس 1867م بموجب التسوية الدستورية التاريخية الشهيرة بـ”الأوسغلايش” (Ausgleich — أي التسوية أو الحلّ الوسط)، وانتهت في الحادي والثلاثين من أكتوبر 1918م غداةَ هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، لتتفتّت إلى دولٍ خلفٍ عديدة أعادت رسم خريطة وسط أوروبا وشرقها رسماً جذرياً. وقد كانت هذه الإمبراطورية في مرحلتها الذهبية ثاني أكبر دولةٍ في أوروبا مساحةً بعد روسيا القيصرية، وثالثها تعداداً بعد روسيا وألمانيا، إذ بلغت مساحتها 621,538 كيلومتراً مربعاً وضمّت عام 1910م نحو 52 مليون نسمةٍ من أكثر من إحدى عشرة قوميةً وعشر لغاتٍ رئيسية.[1]

كانت الإمبراطورية النمساوية المجرية تجربةً سياسيةً لا نظير لها في تاريخ أوروبا الحديثة؛ فهي لم تكن دولةً موحّدة بالمعنى الكلاسيكي ولا كونفيدراليةً رخوة الروابط، بل كانت نظاماً دستورياً هجيناً يقوم على توافقٍ دقيقٍ بين حكومتَين مستقلتَين تتشاركان إمبراطوراً واحداً وثلاث وزاراتٍ مشتركة (الشؤون الخارجية والدفاع والمالية المرتبطة بهما). وقد أتاح هذا البناء الدستوري المعقّد للنمسا والمجر أن تتقاسما الهيمنة على كتلةٍ متعددة الأعراق بالغة التنوع تضم الألمان والمجريين والتشيك والبولنديين والكروات والسلوفاك والسلوفينيين والرومانيين والصرب والإيطاليين والأوكرانيين، في تجربةٍ حوكميةٍ شاهدةٍ على صعوبة إدارة التنوع في عصرٍ تصاعد فيه الوعي القومي بشكلٍ محموم.[2]

اشتُهرت الإمبراطورية النمساوية المجرية بأنها كانت في مطلع القرن العشرين مسرحاً لواحدةٍ من أخصب المراحل الحضارية في تاريخ أوروبا الفكري والفني؛ ففي فيينا العاصمة وحدها أبدعت عقولٌ من أمثال سيغموند فرويد مؤسس التحليل النفسي، وغوستاف كليمت وإيغون شيله رائدَي الفن التعبيري الحداثي، وغوستاف مالر وأرنولد شونبرغ ثوريَّا الموسيقى الحديثة، ولودفيغ فيتغنشتاين أحد أبرز فلاسفة القرن العشرين، وأدولف لوس وأوتو فاغنر رائدَي العمارة الوظيفية الحديثة. كما كانت براغ تحتضن فرانز كافكا، وبودابست تُنتج الحضارة المجرية الثرية بمبدعيها الكثيرين. وقد وصف المؤرخ كارل شورسكي هذه المرحلة بأنها “انفجار حضاريٌّ فريد أفرزه تعارض السياسة والفن في مجتمعٍ يحتضر.”[3]

أدّت الإمبراطورية النمساوية المجرية دوراً محورياً في اندلاع الحرب العالمية الأولى؛ فاغتيال ولي العهد الأرشيدوق فرانز فرديناند في سراييفو في الثامن والعشرين من يونيو 1914م كان الشرارة التي أشعلت دومينو التحالفات الأوروبية وقادت إلى أضخم حربٍ عرفتها البشرية حتى ذلك الحين. وبنهاية الحرب عام 1918م، كانت الإمبراطورية قد تفككت إلى دولٍ جديدة: النمسا والمجر وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا (كيانٌ مُجمَّع)، فيما أضافت رومانيا وإيطاليا وبولندا أجزاءً من أراضيها. وهكذا لم تُسدَل الستارة على إمبراطوريةٍ فحسب، بل تحوّل نظامٌ سياسيٌّ بأسره في وسط أوروبا.

الإمبراطورية النمساوية المجرية
الاسم الرسمي بالألمانية Österreichisch-Ungarische Monarchie
الاسم الرسمي بالمجرية Osztrák–Magyar Monarchia
الشعار الوطني Indivisibiliter ac Inseparabiliter (لاتيني: غير منقسمة وغير منفصلة)
النشيد الوطني Gott erhalte, Gott beschütze (النمساوي) / Himnusz (المجري)
عواصم الإمبراطورية فيينا (الشطر النمساوي) — بودابست (الشطر المجري)
اللغات الرسمية الألمانية — المجرية + اللغات الإقليمية المعترف بها
الديانة الرسمية الكاثوليكية الرومانية (الأغلب) مع تعددٍ دينيٍّ واسع
التأسيس والزوال
تاريخ الإنشاء 30 مارس 1867م — تسوية الأوسغلايش
تتويج فرانز يوزيف ملكاً على المجر 8 يونيو 1867م — في كنيسة ماتياس، بودابست
انتهاء الإمبراطورية 31 أكتوبر 1918م (فيينا) / 16 نوفمبر 1918م (بودابست)
مدة الإمبراطورية 51 سنة (1867-1918)
الحكام
لقب الحاكم إمبراطور النمسا وملك المجر
فرانز يوزيف الأول 1867 – 1916م (نحو 68 عاماً في الحكم إجمالاً)
كارل الأول (الأخير) 1916 – 1918م
الأسرة الحاكمة هابسبورغ-لورين (Habsburg-Lothringen)
الجغرافيا والسكان
المساحة 621,538 كم² (1905م) [4]
السكان (1910م) ~52,800,000 نسمة
القوميات الكبرى الألمان — المجريون — التشيك — البولنديون — الكروات — السلوفاك — الرومانيون — الصرب — السلوفينيون — الإيطاليون — الأوكرانيون
النظام السياسي
نوع الحكم ملكيةٌ دستوريةٌ مزدوجة (Real Union)
الوزارات المشتركة الشؤون الخارجية — الدفاع — المالية المشتركة
رئاسة الوزراء النمساوية فريدريك فون بيوست (أول) — هاينريش لاماش (آخر)
رئاسة الوزراء المجرية جيولا أندراشي (أول) — ميهاي كارولي (آخر)
الدول الخلف (بعد 1918م)
الدول الخلف الكبرى النمسا — المجر — تشيكوسلوفاكيا — يوغوسلافيا — رومانيا (أجزاء) — إيطاليا (أجزاء) — بولندا (أجزاء)
معاهدة سانت جيرمان 10 سبتمبر 1919م (مع النمسا)
معاهدة تريانون 4 يونيو 1920م (مع المجر)
COSMALORE · الموسوعة العربية

١. السياق التاريخي: أسرة هابسبورغ وإمبراطورية النمسا قبل 1867م

لا يمكن فهم الإمبراطورية النمساوية المجرية بمعزلٍ عن التاريخ الطويل لأسرة هابسبورغ التي حكمت الأراضي النمساوية قروناً متعاقبة؛ فهذه الأسرة الحاكمة التي تعود جذورها إلى سويسرا القرن الثالث عشر الميلادي كانت قد بنت بصبرٍ واستراتيجيةٍ دينية وزيجاتٍ محسوبة أضخمَ إمبراطوريةٍ أوروبية في مطلع العصر الحديث، بلغت ذروتها في عهد شارل الخامس (1519-1556م) الذي امتدت ممتلكاته من إسبانيا إلى أمريكا اللاتينية وهولندا والنمسا وأجزاء من إيطاليا وألمانيا. وقد أفضى التنافس الديني والسياسي الحاد مع بروسيا الناشئة في القرن الثامن عشر، ولا سيما ملوكها من فريدريك الكبير، إلى تحولاتٍ عميقة في الواقع الجيوسياسي الأوروبي.

أعلن الإمبراطور فرانسيس الثاني عام 1804م تأسيس الإمبراطورية النمساوية رسمياً — مستبقاً بذلك انهيار الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي حصل عام 1806م — وذلك في مواجهة التمدد النابليوني الطاغي الذي أعاد رسم أوروبا من الألف إلى الياء. وبعد هزيمة نابليون ومؤتمر فيينا 1814-1815م، عادت النمسا تحت قيادة المستشار النابه الأمير ميترنيخ لتحتل موقعاً محورياً في النظام الأوروبي كقطبٍ محافظٍ موازنٍ للحركات الليبرالية والقومية المتنامية. لكن أحداث عام 1848م — عام الثورات الأوروبية — كشفت هشاشة هذا النظام؛ إذ اهتزّت الإمبراطورية بموجاتٍ ثوريةٍ متزامنة في فيينا وبراغ وبودابست وميلانو، لم يُخمدها الإمبراطور الشاب فرانز يوزيف الذي تولّى العرش عام 1848م إلا بالقمع الشديد والاستعانة بالجيش الروسي لسحق الثورة المجرية.[5]

كان عاما 1859م و1866م منعطفَين مصيريَّين في تشكيل الإمبراطورية النمساوية المجرية؛ فحرب عام 1859م ضد فرنسا-بييمونت أفقدت النمسا معظم ممتلكاتها في لومبارديا-فينيتو الإيطالية، ثم جاء الانتكاس الأشد في يوليو 1866م بالهزيمة الساحقة أمام بروسيا في معركة كونيغريتز (سادوفا) التي أقصت النمسا نهائياً من قيادة الاتحاد الألماني ومن أي دورٍ في مستقبل الوحدة الألمانية. أدرك فرانز يوزيف في ضوء هذه الهزائم أن استمرار إمبراطوريته يستلزم تسويةً داخليةً مع القوة الأكثر إلحاحاً: المجريون الذين لم يكفّوا عن المطالبة باستقلالٍ حقيقيٍّ منذ ثورتهم المسحوقة عام 1848م. وكانت تلك اللحظة مناسبةً لأوسغلايش 1867م.

٢. أوسغلايش 1867م: التسوية التي صنعت الإمبراطورية

تُمثّل تسوية الأوسغلايش (Ausgleich — 8 فبراير 1867م) حدثاً دستورياً لا نظير له في التاريخ الأوروبي الحديث؛ إذ أنتجت كياناً سياسياً فريداً لا يُصنَّف بسهولة في أي من القوالب القانونية المعروفة: لا هو دولةٌ موحّدة ولا هو اتحادٌ فيدرالي ولا هو كونفيدرالية، بل “اتحادٌ حقيقيٌّ” (Real Union) تجمع فيه دولتان مستقلتان تحت إمبراطورٍ واحد. كان المفاوضون الرئيسيون من الجانب المجري هما فيرينتس دياك — الذي أُطلق عليه لاحقاً لقب “حكيم الأمة” — والكونت جيولا أندراشي، فيما مثّل الجانب النمساوي الوزير فريدريك فون بيوست.

بموجب التسوية، تقاسمت النمسا والمجر السلطة على النحو التالي: أُنشئت وزاراتٌ مشتركة ثلاث يعيّنها الإمبراطور وتخضع لرقابةٍ برلمانيةٍ مشتركة عبر وفودٍ منتخبة من البرلمانَين (وزارة الشؤون الخارجية، ووزارة الدفاع، ووزارة المالية المشتركة). وأُنشئت تعريفةٌ جمركيةٌ مشتركة يُعاد التفاوض عليها كل عشر سنوات. في المقابل، احتفظت المجر بحكومةٍ ومجلس نوابٍ مستقلَّين كاملاً وصلاحياتٍ تشريعيةٍ تامةً في شؤونها الداخلية. وأما الشطر النمساوي من الإمبراطورية (المعروف رسمياً بالمناطق الممثَّلة في المجلس الإمبراطوري — قيسلايثانيا) فقد احتفظ هو الآخر بحكومته وبرلمانه المستقل.[6]

يكشف التحليل الدقيق لهذه التسوية أنها كانت اتفاقاً ثنائياً حصرياً بين القوميتَين الأقوى (الألمان-النمساويون والمجريون) دون مشاركة القوميات الأخرى البالغ عددها التشيك والبولنديون والكروات والسلوفاك وسواهم. هذا الإقصاء من طاولة التفاوض كان مصدر استياءٍ مزمنٍ بين هذه الشعوب؛ فالتشيك مثلاً كانوا يطالبون بتسويةٍ مماثلة تمنح بوهيميا وضعاً موازياً للمجر، لكن فرانز يوزيف — الذي قبِل بمضضٍ شديدٍ التنازلاتِ للمجريين — رفض رفضاً قاطعاً توسيع التسوية لتشمل القوميات الأخرى، خشيةَ أن يُفضي ذلك إلى تفكيكٍ كاملٍ للبنية الإمبراطورية.

في الثامن من يونيو 1867م، أُقيم في كنيسة ماتياس (Matthias Church) ببودابست حفلُ تتويجٍ استثنائيٌّ تُوِّج فيه فرانز يوزيف ملكاً على المجر بالاستناد إلى تقاليد التتويج المجرية العريقة، مُضيفاً بذلك لقب “ملك المجر” إلى لقب “إمبراطور النمسا”. وكانت الإمبراطورة إليزابيث (سيسي) — زوجته ذات الشخصية الاستثنائية التي كانت تكنّ للمجر والمجريين محبةً حارّة اعتُبرت من العوامل المُيسِّرة للتسوية — تقف إلى جانبه في مشهدٍ رمزيٍّ كثيف الدلالة.

٣. التركيبة القومية: إمبراطوريةٌ لا يجمعها جامع

شكّلت التعددية القومية في الإمبراطورية النمساوية المجرية خاصّيتها الأكثر إثارةً للجدل الأكاديمي والسياسي؛ إذ تجمّعت في رقعةٍ جغرافيةٍ واحدة شعوبٌ وقوميات وأديانٌ ولغاتٌ شتى في ما وصفه الكاتب الكبير روبرت موزيل في روايته “رجلٌ بلا صفات” بـ”كاكانيا” — مُختصِراً التسمية الرسمية “إمبراطوريٌّ ملكيٌّ” الفريدة في لغتَي الإمبراطورية. فوفق إحصاء عام 1910م، كانت الإمبراطورية تضمّ في الشطر النمساوي: 35.6% ألماناً، و23.8% تشيكاً وسلوفاكاً ومورافيين، و17.8% بولنديين، و12.6% أوكرانيين (روتينيين)، وأقليات إيطالية وسلوفينية وكرواتية وأخرى. وفي الشطر المجري: 54.5% مجريين، و16.1% رومانيين، و10.4% سلوفاكيين، و10.4% كروات وصرب، وأقليات ألمانية وأوكرانية وغيرها.[7]

كان كلٌّ من هذه الشعوب يحمل وعياً قومياً متصاعداً في القرن التاسع عشر، مستلهِماً من موجة الرومانسية القومية الأوروبية التي رفعت من شأن اللغة والتاريخ والثقافة الشعبية معياراً للهوية الجماعية. وكان بعض هذه الشعوب — كالتشيك والبولنديين والكروات — يمتلك تاريخاً سياسياً من الاستقلالية أو الحكم الذاتي الجزئي، فيما كانت شعوبٌ أخرى كالسلوفاك والسلوفينيين تُعبّر بصورةٍ رئيسية عن هويتها عبر الثقافة واللغة في غياب دولةٍ تاريخية محددة. وجد الحكام النمساويون والمجريون أنفسهم في وضعٍ متناقض: فهم يحتاجون إلى هذه الشعوب جنوداً وموظفين ودافعي ضرائب، لكنهم يرفضون في الوقت ذاته منحها الاستقلالية السياسية التي قد تُفتّت الإمبراطورية.

أفضى هذا التوتر إلى سياساتٍ متباينةٍ بين الشطرَين؛ ففي الشطر النمساوي (قيسلايثانيا)، أُقرّ عام 1867م قانونٌ للقوميات منح الشعوب حقوقاً لغويةً وتعليميةً نسبية، وبعض الإدارات المحلية تستخدم لغاتٍ إقليمية. أما في الشطر المجري (ترانسلايثانيا)، فكانت السياسة الأشد قسوةً: فالقانون المجري للجنسيات (1868م) أعلن أن جميع مواطني المجر يُشكّلون “أمةً مجريةً واحدة غير منقسمة”، ومضى المسؤولون المجريون في تطبيق سياسةٍ تمجرةٍ (Magyarization) تدريجيةٍ في مجالات التعليم والإدارة والقضاء، أثارت سخطاً شديداً لدى الأقليات السلوفاكية والرومانية والكرواتية والصربية.

٤. فرانز يوزيف الأول: ثمانية وستون عاماً في الحكم

تُعدّ شخصية الإمبراطور فرانز يوزيف الأول (18 أغسطس 1830 — 21 نوفمبر 1916م) من أكثر شخصيات التاريخ الأوروبي الحديث إثارةً للجدل والتحليل؛ فقد تولّى العرش عام 1848م وهو في الثامنة عشرة من عمره في خضمّ ثوراتٍ تهزّ الإمبراطورية، ورحل عن الحياة عام 1916م في أثناء الحرب العالمية الأولى عن ستةٍ وثمانين عاماً، مُسجِّلاً بذلك واحداً من أطول عهود الملوك في التاريخ الحديث. وقد قضى فرانز يوزيف معظم حياته تحت وطأة مصائب شخصية مأساوية: اغتيال أخيه الإمبراطور ماكسيميليان في المكسيك عام 1867م، وانتحار نجله ولي العهد رودولف في قضية ماييرلينغ عام 1889م، واغتيال زوجته الإمبراطورة إليزابيث (سيسي) في جنيف عام 1898م، واغتيال ابن أخيه فرانز فرديناند في سراييفو عام 1914م.

وصف المؤرخون فرانز يوزيف بأنه إمبراطورٌ من طراز القرن التاسع عشر يُحكم الحكم عبر البيروقراطية والانضباط والصبر الهائل؛ كان يُفطر مُبكّراً جداً (في الرابعة صباحاً في بعض الأوقات) ويُمضي ساعاتٍ طويلة في مكتبه يوقّع الوثائق الإمبراطورية بيده. كان شخصياً محافظاً مُقاوماً للتغيير وللحداثة، يُؤمن بالبيروقراطية أداةً للضبط لكنه لا يثق كثيراً بالأيديولوجيات السياسية. وقد كتب عنه المؤرخ البارون في مذكراته: “كان فرانز يوزيف يعمل طوال اليوم وطوال الأسبوع وطوال السنة، لكنه يُعالج الملفات لا يحلّ المشكلات — وكان في ذلك نموذجاً مثالياً للبيروقراطي لا للإمبراطور.”[8]

رغم الانتقادات، أتاحت طول مدة حكم فرانز يوزيف استقراراً نسبياً لإمبراطوريةٍ تعجّ بالتناقضات؛ فالتوازن الدقيق بين القوميات المتنافسة كان يستلزم يداً بالغة المهارة في الموازنة والمناورة والتأجيل، وهو ما أجاده فرانز يوزيف إجادةً ملحوظة لعقودٍ طويلة. بيد أن حرب البوسنة والبلقان في القرن العشرين كشفت أن هذا التوازن الدقيق لم يكن قابلاً للاستمرار مع صعود الأيديولوجيات القومية المتطرفة.

٥. البنية الاقتصادية: إمبراطوريةٌ في طور التحديث

شهدت الإمبراطورية النمساوية المجرية في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ثورةً صناعيةً وتحديثيةً قلبت وجهها الاقتصادي؛ فرغم بدايتها الزراعية الغالبة، تسارعت وتيرة التصنيع منذ الثمانينيات خاصةً في المناطق الصناعية بالشطر النمساوي (بوهيميا، سيليزيا، النمسا السفلى) وبدرجةٍ أقل في الشطر المجري. وبحلول عام 1914م كانت الإمبراطورية تحتل المرتبة الخامسة في إنتاج الصلب أوروبياً وتضم شبكةً من السكك الحديدية بلغت نحو 22,981 كيلومتراً — وهو رقمٌ يعكس حجم الاستثمار الإمبراطوري في البنية التحتية.

كانت بوهيميا (تشيكيا الحديثة) المحرّكَ الصناعي الأقوى في الإمبراطورية؛ فمناطق كسوديتنلاند وبراغ وبيلسن كانت تُنتج الفولاذ والفحم والمعدات والزجاج والمنسوجات وآليات الهندسة، وكانت صناعة الأسلحة (المصانع المرتبطة بمجموعة سكودا) تُطوّر ذاتها بصورةٍ ملحوظة. في المقابل، ركّزت الأراضي المجرية على إنتاجٍ زراعيٍّ وافر من الحبوب ومنتجات عالية الجودة وبعض الصناعات الغذائية. وكان الجمركُ المشترك بين الشطرَين يُتيح تبادلاً اقتصادياً وثيقاً يُحقق نظرياً تكاملاً بين الصناعة النمساوية والزراعة المجرية، وإن لم يخلُ من توتراتٍ دوريةٍ بين الطرفَين حول توزيع الأعباء الضريبية المشتركة.[9]

تمثّل فيينا وبودابست أبرز نتاجات هذا النمو الاقتصادي في عالم العمارة والبنية التحتية الحضرية؛ فالرينغشتراسه الفيينية (Ringstraße) بمبانيها الضخمة الفارهة التي بُنيت بين الستينيات والتسعينيات من القرن التاسع عشر — ومنها متحف التاريخ الطبيعي ومتحف تاريخ الفن والبرلمان وبلدية المدينة ودار الأوبرا — جسّدت طموح الإمبراطورية بالتعبير عن ثقلٍ حضاريٍّ يوازي القوى الكبرى. وبودابست التي وُلدت رسمياً عام 1873م من دمج ثلاث مدن (بودا وأوبودا وبيشت) تحوّلت إلى عاصمةٍ حديثة بالغة الأبهة في بضعة عقود، شاطرت فيينا الزعامة الحضارية داخل الإمبراطورية.

٦. فيينا 1900م: عاصمةٌ تُنتج الحداثة

في مطلع القرن العشرين، كانت فيينا عاصمة الإمبراطورية النمساوية المجرية قد تحوّلت إلى ما لم تكن تنتظره أسرة هابسبورغ المحافظة: مختبراً للحداثة في أبعادها الفكرية والفنية والعلمية كافة. يُلخّص المؤرخ كارل شورسكي هذه الظاهرة بمقولته الشهيرة: إن صعود السياسة الشعبوية في فيينا أواخر القرن التاسع عشر دفع جيلاً كاملاً من المثقفين والفنانين خارج الميدان السياسي نحو الإبداع الفني والفكري، مُنتجاً بذلك ثقافةً حداثيةً متفجرة ومتشعّبة في مجالاتٍ شتى في آنٍ واحد.

في الفنون التشكيلية، أسّس غوستاف كليمت (1862-1918م) وزملاؤه عام 1897م حركة “الانفصال الفيينية” (Wiener Secession) التي أعلنت استقلالها عن الأكاديمية الفنية المحافظة ورفضت “الفن من أجل المؤسسة” لصالح “الفن من أجل الفن.” أنتج كليمت بعدها لوحاتٍ كـ”القبلة” و”جوديث” و”الأفاعي المائية” التي مزجت الرمزية اللاهوتية بالإيروتيكية الجريئة في أسلوبٍ تزييني ذهبيٍّ لا يُقلَّد. وتبعه إيغون شيله (1890-1918م) بأسلوبٍ تعبيريٍّ أكثر إحكاماً وقسوةً في تصوير الجسد الإنساني. أما أوسكار كوكوشكا فطوّر تعبيريةً صاخبة أعلنت قطيعةً مع الجمال الكلاسيكي.

في الموسيقى، كانت فيينا تحتضن الثورة الموسيقية الكبرى على يدَي غوستاف مالر (1860-1911م) مدير دار الأوبرا الفيينية، الذي حوّل السيمفونية إلى ملحمةٍ فلسفيةٍ ضخمة تصارع الموت والبقاء والمعنى. وجاء أرنولد شونبرغ (1874-1951م) ليُعلن نهاية السيادة التونالية التي حكمت الموسيقى الغربية قروناً ويُؤسّس أسلوب “التعبيريةِ اللاتونالية” ثم “الأسلوب الاثنا عشريَّ”، في زلزالٍ موسيقيٍّ أثار جدلاً صاخباً وجدّد الموسيقى الكلاسيكية تجديداً جذرياً. وفي براغ المجاورة، كان المؤلف الموسيقي التشيكي الكبير أنتونين دفوراك يُصوغ هويةً موسيقيةً وطنيةً من عصارة التراث الشعبي التشيكي.[10]

أما في الفكر والعلم، فقد طوّر سيغموند فرويد (1856-1939م) في عيادته الفيينية نظريته التحليل النفسي التي شكّلت واحدةً من أكثر الأيديولوجيات الفكرية أثراً في القرن العشرين، كاشفاً ما وصفه بـ”اللاوعي” مؤسّساً علماً جديداً لفهم النفس الإنسانية. وكان لودفيغ فيتغنشتاين (1889-1951م) يُطوّر في نفس العاصمة الفلسفةَ التحليلية للغة التي ستُغيّر وجه الفلسفة الأنغلوسكسونية في القرن العشرين. وفي براغ كان فرانز كافكا (1883-1924م) يكتب بالألمانية عالَمه المتشعّب من القلق والبيروقراطية واللامعنى الذي قرأه النقاد إسقاطاً فنياً على تناقضات الإمبراطورية الموشكة على الانهيار.

٧. السياسة الخارجية والبلقان: عقدةُ الإمبراطورية الكبرى

تمحورت السياسة الخارجية للإمبراطورية النمساوية المجرية في العقود التي سبقت الحرب العالمية الأولى حول منطقة البلقان التي باتت مسرحاً للصراع الدولي الأشد خطورةً في القارة الأوروبية؛ فبعد الهزيمة أمام بروسيا عام 1866م والانسحاب من ساحة الصراع على الزعامة الألمانية، أعاد فرانز يوزيف توجيه طموحاته نحو جنوب شرق أوروبا حيث كانت الإمبراطورية العثمانية المتراجعة تترك فراغات نفوذٍ متتالية. وكانت هذه المنطقة ذاتها تشهد صعوداً قومياً صربياً وبلغارياً ورومانياً ويونانياً، متعارضاً مع مصالح كلٍّ من النمسا والمجر وروسيا القيصرية.

استحوذت الإمبراطورية النمساوية المجرية على ولايتَي البوسنة والهرسك عام 1878م بموجب قرارات مؤتمر برلين، وأدارتهما بوصفهما منطقةً مشتركة بين الشطرَين النمساوي والمجري. ثم في أكتوبر 1908م ضمّتهما رسمياً في خطوةٍ استفزّت روسيا وصربيا واستدعت مواجهةً دبلوماسيةً حادة وصلت إلى حافة الحرب. وكانت هذه الأزمة البوسنية ترسم خريطة التحالفات والعداوات التي ستُفجَّر عام 1914م.[11]

كانت صربيا في نظر فيينا الخطرَ الوجودي الأول؛ إذ كانت صربيا الصاعدة — المُشجَّعة من روسيا — تستقطب أنظار السلاف الجنوبيين داخل الإمبراطورية ومنهم الكروات والصرب البوسنيون والسلوفينيون، مُهدِّدةً بجذبهم إلى مشروعٍ يوغوسلافيٍّ موحَّد يُقتطع من الجسد الإمبراطوري. وكان الموقف النمساوي يرى في كل انتصارٍ صربي تقدّماً نحو انهيارٍ الإمبراطورية من الداخل، وهو ما جعل قيادة الأركان النمساوية برئاسة فرانز كونراد فون هوتسندورف تضغط على مدى سنواتٍ لاستغلال أي مناسبةٍ لشنّ حربٍ وقائية على صربيا.

٨. اغتيال فرانز فرديناند: الرصاصة التي أشعلت العالم

في الثامن والعشرين من يونيو 1914م، زار الأرشيدوق فرانز فرديناند — ولي عهد الإمبراطورية النمساوية المجرية — مع زوجته دوقة هوهنبرغ صوفي سراييفو عاصمة ولاية البوسنة التابعة للإمبراطورية، للإشراف على مناوراتٍ عسكرية في المنطقة. وكان التاريخ الذي اختاره للزيارة — الذكرى الخامسة والعشرون لمعركة كوسوفو المؤلمة في الذاكرة الصربية — يعكس قدراً من قلّة الإدراك السياسي بمشاعر السكان المحليين. في ذلك اليوم، كمن ستةٌ من أعضاء منظمة “يد الإتحاد” الصربية السرية (واليد السوداء) في مواقع متفرقة على طريق موكب الأرشيدوق.[12]

في محاولةٍ أولى فاشلة، رمى نيدلجكو تشابرينوفيتش قنبلةً على الموكب لكنها انفجرت تحت السيارة التالية مُصيبةً بعض المرافقين. وحين عاد الموكب في طريقٍ مُعدَّل، وقف المتطرف غافريلو برينسيب بالقرب من ملتقى الشوارع فوجد نفسه فجأةً على مقربةٍ من سيارة الأرشيدوق التي أخطأت الاتجاه وتوقفت. أطلق برينسيب رصاصتَين أودتا بحياة الأرشيدوق وزوجته معاً. وقد أفضى هذا الاغتيال في غضون أسابيع — عبر آليةٍ من الإنذارات والتحالفات والحسابات الخاطئة — إلى انزلاق كبرى قوى أوروبا إلى الحرب العالمية الأولى.

مثّل فرانز فرديناند مفارقةً تاريخيةً لافتة؛ فرغم أن اغتياله كان الذريعة الفورية للحرب، إلا أن الأدلة التاريخية تُشير إلى أنه كان شخصياً أقل الأطراف رغبةً في الحرب مع صربيا. وكان يدعو إلى إصلاحٍ دستوريٍّ داخلي يمنح القوميات السلافية صوتاً أكبر في إدارة الإمبراطورية — وهو ما كان قد أثار استياء المؤسسة المجرية تحديداً التي رأت في أي توسّعٍ للتمثيل السلافي تهديداً لهيمنتها. وقد كتب المؤرخ فولكر أولريتش أن “اغتيال أحد أبرز المعارضين للحرب في نمسا-هنغاريا أعطى المتحمسين للحرب فيها الذريعةَ المثلى.”

٩. الحرب العالمية الأولى: التآكل والانهيار

في الثامن والعشرين من يوليو 1914م، أعلنت الإمبراطورية النمساوية المجرية الحربَ على صربيا، مُطلِقةً سلسلة التفعيل التحالفي التي جرّت الدول الكبرى إلى الحرب الشاملة واحدةً تلو الأخرى. وجدت الإمبراطورية نفسها تُقاتل على جبهاتٍ متعددة في وقتٍ واحد: الجبهة الشرقية ضد روسيا القيصرية، والجبهة الجنوبية ضد صربيا ثم رومانيا (التي انضمت للحلفاء عام 1916م)، والجبهة الإيطالية بعد إعلان إيطاليا الحرب عام 1915م. وفي كل جبهةٍ من هذه الجبهات، كشف الجيش النمساوي المجري عن هشاشةٍ بنيوية عميقة: فقيادته العليا كانت غير منسجمة، وجنوده الذين ينتمون إلى قومياتٍ مختلفة كانت درجات ولائهم تتفاوت تفاوتاً كبيراً.[13]

كانت الهزيمة في حصار برزيميسل (1914-1915م) إحدى أفدح الكوارث العسكرية للإمبراطورية في مطلع الحرب؛ فهذا الحصن الاستراتيجي في غاليسيا (بولندا الحديثة) الذي سقط في يد الروس بعد حصارٍ مرير، استنزف عشراتٍ من الألوف من الجنود وأسفر عن استسلام ما يزيد على مئةٍ وعشرين ألف جنديٍّ نمساوي مجري. وفي الجبهة الإيطالية، جرت معارك إيزونزو الاثنتا عشرة (1915-1917م) مجازرَ طاحنةً بين الجانبَين دون حسمٍ يُذكر. وفي صيف 1916م أطلق الجنرال الروسي بروسيلوف هجوماً ضخماً على الجبهة الشرقية أسفر عن تدمير كبيرٍ للقوة البشرية والمعنوية للجيش النمساوي المجري.

توفي فرانز يوزيف في الحادي والعشرين من نوفمبر 1916م، خلفه على العرش كارل الأول (كارل الرابع ملكاً على المجر) الذي حاول — دون جدوى — فتح قنواتٍ سرية للتفاوض مع الحلفاء بحثاً عن سلامٍ منفصل. وبحلول خريف 1918م كانت الجبهات تنهار بالتوالي: في أكتوبر 1918م بدأت القوميات المختلفة تُعلن استقلالها من جانبٍ واحد — الدولة التشيكوسلوفاكية في الثامن والعشرين من أكتوبر، ومملكة الصرب والكروات والسلوفين في الأول من نوفمبر. وفي الثالث من نوفمبر 1918م وقّعت الإمبراطورية وثيقة هدنة فيلا غيوستي مع إيطاليا، وتخلّى كارل الأول عن السلطة في الحادي عشر من نوفمبر دون أن يُوقّع وثيقة تنازلٍ رسمية.

١٠. معاهدات ما بعد الحرب: تقسيم التركة

أعادت معاهدتا سانت جيرمان-أن-لاي (10 سبتمبر 1919م) وتريانون (4 يونيو 1920م) رسم خريطة وسط أوروبا رسماً جذرياً؛ فمعاهدة سانت جيرمان مع الشطر النمساوي قلّصت النمسا إلى دويلةٍ صغيرة تضم 84,000 كيلومتر مربع من مساحةٍ كانت 676,000 كيلومتراً، وحرمتها من الانضمام إلى ألمانيا رغم رغبةٍ واسعةٍ في ذلك بدافع القومية الألمانية. أما معاهدة تريانون مع المجر فكانت قسوتها صاخبة الصدى؛ إذ فقدت المجر 71% من أراضيها السابقة و58% من سكانها، ورأت ملايين المجريين الإثنيين ينضمون إلى دولٍ جديدة كرومانيا وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا — وهو جرحٌ لا يزال حاضراً في الوجدان السياسي المجري حتى اليوم.[14]

وُلدت من رحم الإمبراطورية المنهارة دولٌ جديدة تعكس مشهداً أوروبياً مُعاداً تشكيله وفق مبدأ “تقرير المصير القومي” الذي أعلنه الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون في نقاطه الأربع عشرة. لكن التطبيق لم يكن نقياً بالمطلق؛ إذ ضمّت الدول الجديدة بدورها أقلياتٍ قوميةً عديدة لم تتمتع بتقرير المصير، فيما بقيت تشابكات الحدود والنزاعات الإثنية مصدرَ توتراتٍ مزمنة ستُغذّي الشرارةَ الثانية للصراع الأوروبي في الحرب العالمية الثانية.

١١. الإرث المتشعّب: ما بقي من الإمبراطورية المنهارة

يُمثّل تقييم إرث الإمبراطورية النمساوية المجرية ميداناً ثرياً للجدل الأكاديمي؛ فمن جهة، كان فيها الكثير مما يُصنَّف نموذجاً حضارياً راقياً: تعليمٌ جامعيٌّ رفيع المستوى، ومؤسساتٌ ثقافيةٌ عالميةٌ الصيت، وقضاءٌ مستقلٌّ نسبياً، وحريةٌ صحفيةٌ أوسع مما كان سائداً في روسيا القيصرية وسائر الأنظمة الملكية المطلقة المجاورة، وتنوعٌ دينيٌّ تعامل معه القانون بشيءٍ من الاعتراف. وقد وصف الكاتب النمساوي ستيفان زفايغ في مذكراته الشهيرة “عالم الأمس” المناخ الثقافي والفكري في فيينا ما قبل الحرب وصفاً مُتغنّياً بأيامٍ من الانفتاح والأمان لم يرَ لها مثيلاً بعد الحرب.

ومن جهةٍ أخرى، كانت الإمبراطورية تحمل في بنيتها تناقضاتٍ لا يمكن تسويتها بالإصلاح وحده؛ فنظام الأوسغلايش أعطى امتيازاً للقومية الألمانية والمجرية على حساب القوميات الأخرى، وسياسات التمجرة في الشطر المجري أثارت مرارةً عميقة. وكانت الإمبراطورية تسير على حافة شريطٍ رفيعٍ يوازن بين مصالح متضاربة، في ظل نظامٍ أكثر ملاءمةً لعالم ما قبل الأيديولوجيات القومية منه لعصر القرن العشرين الغليان.

يلخّص المؤرخ البريطاني أ. ج. ب. تايلور الإمبراطورية النمساوية المجرية بعبارةٍ تجمع المفارقة بامتياز: “كانت إمبراطوريةً لا يُحبّها أحدٌ من رعاياها حُبّاً صادقاً، لكن الجميع أدركوا بعد زوالها كم كانت ثمينة.” وتبقى اليوم الدول التي ورثت أراضيها — النمسا والمجر وتشيكيا وسلوفاكيا وسلوفينيا وكرواتيا وأجزاء من رومانيا وبولندا — تحمل في ثناياها أبعاداً من الإرث الإمبراطوري مرئيةً في الهندسة المعمارية والموروث القانوني والتقاليد الموسيقية والذاكرة الثقافية المشتركة لمنطقةٍ أوروبيةٍ فريدة لا تزال تجمعها خيوطٌ من تاريخٍ طال الفراق لكنه لم ينسَ.

“لم تُبنَ النمسا-هنغاريا لتعيش؛ بل بُنيت لتُتيح لشعوبٍ لا يمكنها أن تتحد أن تتعايش.”
— روبرت أ. كان، مؤرخ إمبراطورية هابسبورغ، كتاب “تاريخ إمبراطورية هابسبورغ 1526-1918م”، 1974م

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
الدولة العثمانية
إمبراطورية إسلامية حكمت ستة قرون
الحضارة الفارسية
حضارة إيرانية قديمة متعددة الأسرات
إبادة الأمريكيين الأصليين
إبادة ممنهجة طالت شعوب أمريكا الأصلية
الإبادة الأرمنية
إبادة الأرمن في الدولة العثمانية 1915
🔍