🔍
اضغط Esc للإغلاق • Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية أدوية أعراض طبية أمراض شائعة أمراض نادرة التاريخ الجغرافيا القارات تخصصات طبية
الرئيسية / التاريخ / الحرب العالمية الأولى
التاريخ

الحرب العالمية الأولى

👁 1 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 15/6/2026 ✏️ 15/6/2026
100%

الحرب العالمية الأولى — المعروفة في جيل مُعاصريها بـ«الحرب الكبرى» (The Great War) وبـ«الحرب على الحروب» قبل أن يُثبت القرن العشرون استحالة هذا الوصف — نزاعٌ مسلح كوني اندلع في الثامن والعشرين من يوليو 1914 وانتهى رسمياً في الحادي عشر من نوفمبر 1918، وشمل في ذروته نحو ثلاثين دولة وأشرك أكثر من خمسة وستين مليون جندي نظامي ومتطوع من جميع قارات العالم، وأودى بحياة ما يتراوح بين سبعة عشر وعشرين مليون إنسان بين عسكري ومدني.
[1]
لم تكن الحرب العالمية الأولى مجرد حدث تاريخي بالغ الخسائر، بل كانت نقطة الانكسار الحضاري الأعمق التي قسّمت التاريخ الأوروبي والإنساني إلى ما قبلها وما بعدها؛ فهي التي أنهت العالم القديم بنظامه الإمبراطوري الرزين وطبقاته وقيمه ووهمه بالتقدم الحتمي، وهي التي أنجبت العالم الجديد بثوراته ودكتاتورياته وحركات تحرره وحربه العالمية الثانية. نبعت هذه الحرب من تراكم أربعة عوامل بنيوية تحوّلت معها أوروبا مطلع القرن العشرين إلى «برميل بارود» على حد تعبير المؤرخ كريستوفر كلارك: القومية المتصاعدة والإمبريالية التنافسية والتسابق على التسلح وشبكة التحالفات المتشابكة، فلمّا اغتيل الأرشيدوق فرانز فرديناند في سراييفو في الثامن والعشرين من يونيو 1914، تحوّل ما كان ينبغي أن يبقى أزمةً بلقانية محلية إلى جحيم كوني في سبعة وثلاثين يوماً بالضبط.
[2]
شهدت الحرب تحولات ثورية في أساليب الحروب وأسلحتها: الخنادق الممتدة ثمانمائة كيلومتر من بحر المانش إلى الحدود السويسرية، وأول توظيف ممنهج للغاز الكيميائي سلاحاً حربياً، وظهور الطائرة العسكرية والدبابة والغواصة والمدفعية الثقيلة المتحركة، وبروز مفهوم «الحرب الشاملة» الذي طال فيها المدنيون والاقتصاد والمجتمع لا الميدان العسكري وحده. أفضت الحرب إلى سقوط أربع إمبراطوريات كبرى في وقت واحد: العثمانية والنمساوية المجرية والروسية والألمانية، وقيام خريطة سياسية جديدة لأوروبا والشرق الأوسط لا يزال العالم يعيش في ظلالها، وتأسيس عصبة الأمم أولى محاولات بناء نظام أمن جماعي دولي، وزرع بذور الحرب العالمية الثانية في أحكام معاهدة فرساي المُذِلّة. في العالم العربي والإسلامي كان الأثر لا يقل عمقاً: فالحرب هي التي قضت على الخلافة العثمانية وأطلقت الثورة العربية الكبرى وأنتجت اتفاقية سايكس-بيكو وإعلان بلفور واتفاقيات التقسيم التي رسّخت الحدود والمظالم التي يعيش في ظلها الشرق الأوسط حتى اليوم.
[3]

الحرب العالمية الأولى (1914–1918)
التسمية الدولية World War I / The Great War / La Grande Guerre
الفترة الزمنية 28 يوليو 1914 – 11 نوفمبر 1918 (4 سنوات و3 أشهر و14 يوماً)
النطاق الجغرافي أوروبا، الشرق الأوسط، أفريقيا، جنوب آسيا، المحيط الأطلسي والهندي والهادئ
الأطراف المتحاربة
دول الوفاق (الحلفاء) فرنسا، الإمبراطورية البريطانية، روسيا (حتى 1917)، إيطاليا (من 1915)، الولايات المتحدة (من 1917)، اليابان، رومانيا، صربيا، اليونان، البرتغال وسواها
دول التحالف المركزي الإمبراطورية الألمانية، الإمبراطورية النمساوية المجرية، الإمبراطورية العثمانية (من نوفمبر 1914)، بلغاريا (من 1915)
القادة الرئيسيون
ألمانيا القيصر فيلهلم الثاني / المارشال هيندنبورغ / الجنرال لودندورف / الجنرال فاللكنهاين
فرنسا الرئيس بوانكاريه / الجنرال جوفر / الجنرال فوش / الجنرال بيتان
بريطانيا رئيس الوزراء هربرت أسكويث ثم لويد جورج / المارشال فرنش ثم هيغ / الأميرال جيليكو
روسيا القيصر نيقولا الثاني / الجنرال بروسيلوف / الجنرال رنينكامف
الولايات المتحدة الرئيس وودرو ويلسون / الجنرال جون بيرشينغ (بلاك جاك)
الإمبراطورية العثمانية السلطان محمد الخامس / أنور باشا / مصطفى كمال (غاليبولي)
الخسائر الإجمالية
القتلى العسكريون 9,000,000 – 11,000,000 جندي
القتلى المدنيون 6,000,000 – 10,000,000 مدني
الجرحى العسكريون 21,000,000 جريح
ضحايا الإنفلونزا الإسبانية 20,000,000 – 50,000,000 (1918–1919)
المُجنَّدون إجمالاً أكثر من 65,000,000 مقاتل
ألمانيا (أكثر الدول قتلاً) 2,000,000 قتيل عسكري
روسيا 1,700,000 قتيل عسكري
فرنسا 1,400,000 قتيل عسكري
الإمبراطورية البريطانية 1,100,000 قتيل عسكري
أبرز المعارك
معركة فردان فبراير – ديسمبر 1916 — 700,000 ضحية
معركة السوم يوليو – نوفمبر 1916 — أكثر من 1,000,000 ضحية
معركة تانينبيرغ أغسطس 1914 — هزيمة ساحقة للروس
حملة غاليبولي 1915–1916 — 250,000 ضحية حليفة
معركة يوتلاند البحرية مايو–يونيو 1916 — أضخم معركة بحرية في الحرب
الوثائق المحورية
إنذار النمسا لصربيا 23 يوليو 1914 — العشرة بنود التي أشعلت الحرب
النقاط الأربعة عشر لويلسون 8 يناير 1918 — مشروع النظام العالمي الجديد
الهدنة 11 نوفمبر 1918 — الساعة 11:00 صباحاً
معاهدة فرساي 28 يونيو 1919 — بنود السلام المُقيِّدة
اتفاقية سايكس-بيكو مايو 1916 — تقسيم المشرق العربي
إعلان بلفور 2 نوفمبر 1917 — الوعد بالوطن القومي اليهودي
COSMALORE · الموسوعة العربية

الخلفية التاريخية والأسباب البنيوية

أوروبا مطلع القرن العشرين — الجمر تحت الرماد

لا يمكن فهم انفجار أغسطس 1914 بمعزل عن عقد كامل من التوترات المتراكمة والأزمات المتكررة التي جعلت من أوروبا مطلع القرن العشرين — وهي في أوج ثروتها وتقدمها التقني وإمبراطورياتها الشاسعة — برميل بارود ينتظر شرارة. كانت أوروبا في الظاهر تعيش «عصراً ذهبياً»: الثورة الصناعية أنجبت ثروات غير مسبوقة، والتجارة الدولية بلغت مستويات لم تبلغ مثيلها حتى العولمة المعاصرة، والفنون والعلوم والفلسفة تزدهر في مرحلة وصفها الفرنسيون بـ«لا بيل إيبوك» (La Belle Époque — العصر الجميل). لكن تحت هذا البريق الحضاري كانت أربعة تيارات عميقة تشتد ضغطاً ومخاضاً. القومية التي انتشرت منذ ثورة 1848 طرحت مطالب تقرير المصير وأيقظت في الإمبراطوريات المتعددة القوميات شعوباً تريد استقلالها: الصرب والكروات والتشيك والبولنديون والأوكرانيون واليونانيون والأرمن ومجموعات لا تُحصى وجدت في الخرائط الإمبراطورية سجوناً لا أوطاناً. والإمبريالية أدخلت القوى الكبرى في تنافس محموم على المستعمرات وطرق التجارة وموارد أفريقيا وآسيا، وبلغت الأزمة المغربية الأولى (1905) والثانية (1911) حافة الحرب قبل أن تُحلّ بالتسوية الدبلوماسية. والتسابق على التسلح دفع الدول إلى إنفاق نسب متصاعدة من ميزانياتها على الجيوش والأساطيل: بلغ الإنفاق العسكري الألماني وحده بين 1900 و1914 ما يزيد على عشرة مليارات مارك في برنامج بناء أسطولي طموح استنفر قلق بريطانيا واستثار تنافسها. وشبكة التحالفات التي نسجها بسمارك بذكاء ودقة لعزل فرنسا تحوّلت بعد رحيله إلى آلية تضخيم تلقائي للأزمات: التزام يُفضي إلى التزام ومواجهة تستدعي مواجهة حتى تتحول جريمة اغتيال فردية إلى حرب عالمية.
[4]

نظام التحالفات — الفخ الذي نصبه الأوروبيون لأنفسهم

في عام 1879 أبرم المستشار الألماني أوتو فون بسمارك تحالفاً ثنائياً بين ألمانيا والنمسا المجر، عُرف بالتحالف الثنائي (Dual Alliance)، وأضاف إليه إيطاليا عام 1882 ليُصبح التحالف الثلاثي (Triple Alliance)؛ ثم كسر بسمارك حصار الشراكات بمعاهدة إعادة التأمين السرية مع روسيا 1887. حين أُقيل بسمارك عام 1890 بمبادرة من القيصر فيلهلم الثاني المتهوّر الطموح، تخلّت برلين عن تجديد المعاهدة مع روسيا، فبحثت موسكو عن شريك آخر فوجدته في باريس. تشكّل التحالف الفرنسي الروسي عام 1894 ليوجد كتلة موازية لتحالف ألمانيا والنمسا. وفي مطلع القرن العشرين، مقلقةً من التمدد الألماني البحري وحسابات القوة في أوروبا والمستعمرات، تصالحت بريطانيا مع فرنسا (الوفاق الودي — Entente Cordiale — 1904) ثم مع روسيا (1907) مؤسِّسةً «الوفاق الثلاثي» (Triple Entente). هكذا تشكّل كتلتان متوازيتان: ألمانيا والنمسا وإيطاليا في مواجهة فرنسا وروسيا وبريطانيا، مع بنود سرية للمساندة العسكرية تضمن أن أي تنازع بين عضو في أي كتلة وعضو في الكتلة الأخرى سيجرّ بقية أعضاء الكتلتَين إليه. بتعبير المؤرخ البريطاني كريستوفر كلارك في كتابه الأثير «أحالم المنامبيلون» (The Sleepwalkers)، ذهب قادة أوروبا 1914 إلى الحرب كالنيام يسيرون دون أن يدركوا كاملاً إلى أين يقودهم سيرهم.
[5]

خطة شليفن — الكارثة المخطَّطة

في عام 1905، أعدّ رئيس هيئة الأركان الألمانية المارشال ألفريد فون شليفن خطته الاستراتيجية العظمى في مواجهة الحرب على جبهتَين: ألمانيا ستواجه فرنسا غرباً وروسيا شرقاً في آنٍ معاً، وبما أن روسيا تحتاج أسابيع لتعبئة جيوشها الضخمة بسبب مساحتها الشاسعة وسككها الحديدية البطيئة، فستنهال الضربة الألمانية أولاً على فرنسا بعبور بلجيكا المحايدة في هجوم كاسح من الشمال الغربي يحاصر باريس ويُسقط الجيش الفرنسي في ستة أسابيع، ثم تُنقَل القوات شرقاً بالسكك الحديدية الألمانية الفعّالة لمواجهة الروس. كانت الخطة براقة من الناحية النظرية لكنها كانت تستلزم شرطاً قاتلاً: أن يمرّ الجيش الألماني ببلجيكا المحايدة محطّماً ضماناتها الدولية التي تكفلها بريطانيا. حين نفّذت ألمانيا الخطة في أغسطس 1914 بجيش يبلغ تسعة وثلاثين لواءً عبر بلجيكا، كانت النتيجة المباشرة دخول بريطانيا الحرب دفاعاً عن ضمانات التزاماتها البلجيكية — وهو ما تنبّأ به القليلون من مخطّطي الخطة. وانكسرت خطة شليفن أمام المارن (الحد الأول من المارن — سبتمبر 1914) حين أوقف الفرنسيون الزحف الألماني وفشلت الضربة الحاسمة في ستة أسابيع مما أدخل ألمانيا في أشد ما تخشاه: الحرب على جبهتَين المطوّلة التي كان شليفن قد أعدّ خطته تحديداً لاجتنابها.

الشرارة — اغتيال سراييفو وأزمة يوليو

الأرشيدوق فرانز فرديناند وولي عهد الانتظار

في الثامن والعشرين من يونيو 1914، الذي صادف الذكرى الخامسة والعشرين لزواج ولي العهد النمساوي، توجّه الأرشيدوق فرانز فرديناند وزوجته الكونتيسة صوفي خوتيك إلى مدينة سراييفو عاصمة البوسنة لإجراء زيارة رسمية وإشراف على مناورات عسكرية. كان فرانز فرديناند الابن الثالث وولي العهد الذي ورث المنصب بعد انتحار ابن الإمبراطور ووفاة أبيه، رجلاً معقّد الشخصية وإن مال في قرارة نفسه نحو فيدرالية إمبراطورية أشمل تعطي السلاف والكروات والمجر صلاحيات مساوية — وهو ما جعله مقلقاً للقوميين الصرب الذين رأوا فيه حلّاً إصلاحياً يُضعف مشروع «يوغوسلافيا الكبرى». جمعية «اليد السوداء» (Ujedinjenje ili smrt — الوحدة أو الموت) بقيادة العقيد درجوتين دميتريفيتش أرغانتين، نظّمت فصيلاً من ستة شبّان بوسنيين صرب مسلّحين بمسدسات وقنابل يدوية لاغتيال الأرشيدوق. في الطريق الرسمي عبر شارع أبيلاي، رمى المهاجم نيدلجكو تشابرينوفيتش قنبلةً على موكب الأرشيدوق فارتدّت عن السيارة وجرحت ضابطاً في السيارة الخلفية. أُكمل الموكب طريقه إلى بلدية سراييفو، وقرّر الأرشيدوق في طريق العودة التوجه لزيارة المصابين في المستشفى. في تقاطع طريق عشوائي خاطئ اضطرّت سيارة الأرشيدوق إلى الوقوف للالتفاف، وكان الشاب غافريلو برينسيب (تسعة عشر عاماً) قد خرج بعد إخفاق المحاولة الأولى مكتئباً ليجلس في مقهى قريب فوجد نفسه فجأةً وجهاً لوجه مع سيارة الأرشيدوق الواقفة على بُعد خطوتَين؛ فأخرج مسدسه وأطلق رصاصتَين: الأولى في رقبة فرانز فرديناند، الثانية في بطن صوفي. ماتت صوفي بعد دقائق، ومات فرانز فرديناند وهو يتمتم اسمها.
[2]

أزمة يوليو — سبعة وثلاثون يوماً فصلت السلام عن الحرب

ما تلا الاغتيال كان أزمة دبلوماسية تُدرَّس اليوم في كل أكاديمية دولية علاقات دولية بوصفها النموذج المثالي لكيفية تحوّل الأزمة الإقليمية إلى حرب كونية بفعل قرارات بشرية مندفعة وأنظمة آلية لا توقّف. في الثامن من يوليو، أبرق وزير الخارجية النمساوي برشتولد إلى برلين يستطلع الموقف، فمنحه القيصر فيلهلم الثاني ومستشاره تيوبالد فون بيتمان هولفيغ في الخامس من يوليو «الشيك الأبيض» الشهير — تأكيدٌ للدعم الألماني المطلق لأي إجراء نمساوي — دون أن يقدّروا أن النمسا ستستخدمه لشنّ حرب. في الثالث والعشرين من يوليو، أرسلت النمسا إلى صربيا إنذاراً من عشرة بنود أُعدّ عمداً ليكون مستحيل القبول؛ طالب بإشراك محققين نمساويين في التحقيق الداخلي الصربي بتورط المنفّذين وهو ما مسّ السيادة الصربية مسّاً صريحاً. قبلت صربيا تسعةً من البنود العشرة واقترحت إحالة الخلاف على محكمة التحكيم الدولية؛ غير أن النمسا رأت في الرفض الجزئي ذريعةً أعلنت الحرب بموجبها على صربيا في الثامن والعشرين من يوليو 1914. انطلقت الآلية من ذلك اليوم: أعلنت روسيا تعبئتها العامة دفاعاً عن صربيا السلافية في الأول من أغسطس، فأعلنت ألمانيا الحرب على روسيا في اليوم ذاته وعلى فرنسا في الثالث من أغسطس، ودخلت ألمانيا بلجيكا في الرابع منه تنفيذاً لخطة شليفن، فأعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا في الرابع من أغسطس. في سبعة وثلاثين يوماً من الاغتيال إلى بريطانيا في الحرب، تحوّلت الشرارة البلقانية إلى حريق أوروبي.
[6]

الجبهة الغربية

سقوط الخطط وولادة الخندق

في أغسطس 1914، انطلق الجيش الألماني من منظومة شليفن في زحف منظّم نحو الغرب عبر بلجيكا ولوكسمبورغ في أكبر تحشيد عسكري في تاريخ أوروبا حتى ذلك الحين — أربعة وثلاثون لواءً تتدفق غرباً في حركة وصفها المؤرخون بأنها أشبه بـ«باب يدور حول مفصله». أشعل سقوط مدينة لييج البلجيكية المحصّنة صدمةً في الضمير الأوروبي، لا سيما أن الجيش الألماني أعدم مدنيين بلجيكيين وأحرق مدينة لوفان التاريخية وكنيستها ومكتبتها الجامعية في ما نعتته الصحافة البريطانية بـ«وحشية الهون». تقدّمت القوات الألمانية بسرعة مذهلة نحو باريس حتى كادت تنظر إليها من قرى كالسوم، وفرّت الحكومة الفرنسية إلى بوردو. غير أن الميرن الأولى في سبتمبر 1914 كانت نقطة التحوّل الحاسمة؛ جمع الجنرال جوفر شظايا جيشه الفرنسي وانتزع من «سيارات تاكسي باريس» الشهيرة — ست مائة سيارة أجرة تشحن جنوداً إلى خط المعركة في ظاهرة لم تُعهد — وأوقف الزحف الألماني في معركة استمرت أسبوعاً كاملاً (5–12 سبتمبر). اضطرّ الألمان للتراجع إلى نهر إين، فبدأت «سباق نحو البحر» حين حاول كل طرف إيجاد الجناح المكشوف للآخر فانتهى الأمر بامتداد خطوط الخنادق من بحر المانش شمالاً حتى الحدود السويسرية جنوباً — ثمانمائة كيلومتر تقريباً — لتُرسي أمام العالم شكل الحرب الجديدة التي لم يتخيلها أحد.
[7]

الحياة في الخنادق — الجحيم اليومي

كانت الخنادق تجربةً إنسانية قاسية بكل معنى الكلمة؛ فالجندي الذي يدخلها يعيش في ثلاثة مستويات من الكابوس المتداخل. على المستوى الجسدي: ما يقال عن الخندق لا يُقارَن بما يُعاش فيه — مياه راكدة تغمر القدمين أياماً تُنتج ما سمّاه الأطباء «قدم الخندق» (Trench Foot) الذي يُفضي إلى الغرغرينا والبتر؛ فئران ضخمة تتغذّى على الجثث ترتفع في بعض المقاطع إلى أعداد تُقدَّر بمليونَين على الجبهة الغربية وحدها؛ قمل لا يفارق ملابس الجنود وأجسامهم؛ رائحة الجثث المدفونة في جدران الخندق أو الطافية في «الأرض اللا أحدية» (No Man’s Land) بين الخندقَين. على المستوى النفسي: ما أطلق عليه الأطباء «صدمة الصدفة» (Shell Shock) وهو ما يُعرَّف اليوم باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، حالةٌ يصفها الجندي الإنجليزي ويلفرد أوين في شعره بأنها «خوف دائم وتوقع مُحمَّل بالموت في أي لحظة». وعلى مستوى الكثافة: الخنادق شيّدت شبكةً معقدة من المواضع الدفاعية تضم خندق الصطف الأمامي (Fire Trench) وخندق الدعم (Support Trench) وخندق الاحتياط (Reserve Trench) تصل بينها ممرات الاتصال، مع مقاعد رمي وشبكات أسلاك شائكة أمامها وبنادق رشاشة تغطّي كل القطاعات. في هذا الواقع البائس، وُلدت أدبيات الحرب الكبرى الأكثر حدةً في التاريخ الأوروبي: أشعار ويلفرد أوين وزيغفريد ساسون ووالت ويتمان تصف الجحيم الحقيقي لا الجحيم الملحمي.
[8]

الأسلحة الجديدة — ثورة القتل

الحرب العالمية الأولى كانت ميداناً لأكبر تجريب مسلح في التاريخ البشري؛ أُدخلت في سنواتها الأربع أسلحة وأساليب غيّرت بنية الحرب ذاتها للأبد. في الثاني والعشرين من أبريل 1915، عند إيبر (Ypres) في بلجيكا، كشف الألمان للأوّل مرة بالنسبة للجبهة الغربية عن سلاح الغاز الكيميائي — أسطوانات من الكلور أُفرغت في اتجاه الريح نحو خطوط الحلفاء في سحابة خضراء مصفرّة لم يُدرك الجنود الفرنسيون ما هي قبل فوات الأوان. صرخ ضحايا الكلور لاحتراق رئاتهم ومات آلاف في ساعات. ردّ الحلفاء بتطوير أقنعة الغاز وباستخدام الغاز هم أيضاً، وتصاعد سباق المختبرات الكيميائية بين الطرفَين حتى بلغ ذروته بغاز الخردل (Mustard Gas) الألماني عام 1917 الذي لا تحميه الأقنعة لأنه يؤثر في الجلد وليس الرئة فحسب. كذلك ظهرت الدبابة للمرة الأولى في التاريخ في معركة السوم في سبتمبر 1916 حين استخدم البريطانيون سبعاً وأربعين دبابة من طراز «مارك I» في هجوم اختبار في فليرز — كوسيلت، وإن كانت الهجمة لم تحقق الاختراق المأمول بسبب قلّة الأعداد وهشاشة التصميم الأول. الطائرة العسكرية كذلك تطورت من كاشف استطلاعي بسيط إلى مقاتل ومنصة قصف ومطاردة: وُلد فن المعركة الجوية (dogfight) فوق غيوم الجبهة الغربية حيث تنافس الآس والطيارون المغامرون كالفريق الأحمر مانفريد فون ريشتهوفن ذلك البارون الأحمر الذي أسقط ثمانيةً وسبعين طائرة قبل أن يُقتل عام 1918 في ملحمة شعر الجو الأوروبي بوجعها لفترة طويلة. والغواصة (U-Boot) الألمانية هي السلاح الأشد قدرةً على خنق بريطانيا التي تعتمد على الاستيراد البحري؛ في ذروة الحرب الغواصاتية عام 1917 كانت الغواصات الألمانية تُغرق خمسةً وثلاثين سفينة حليفة في الأسبوع.

معركة فردان — «مطحنة البشر»

في الحادي والعشرين من فبراير 1916، أطلق الجيش الألماني هجوماً بات يُعرَّف في التاريخ العسكري بـ«خطة الاستنزاف» (Ausbulting Strategie): لم يكن الهدف الاستيلاء على فردان بالضرورة، بل «إراقة دم الجيش الفرنسي حتى يموت» وفق تعبير صارخ الصراحة للجنرال فاللكنهاين. اختيرت فردان لأنها أهم قلعة فرنسية تاريخية وأكثر الأماكن رمزيةً في الوجدان القومي الفرنسي: فرنسا لن تتخلى عنها أياً كان الثمن، وبذلك ستُستنزف قواها البشرية بمجابهة الهجمات الألمانية المتواصلة. استمرت معركة فردان من فبراير حتى ديسمبر 1916 — عشرة أشهر من أشد معارك تاريخ البشرية دموية — ومرّ عبرها ما يزيد على سبعين بالمئة من الجيش الفرنسي كله تقريباً في نظام التناوب الذي ابتكره الجنرال فيليب بيتان. أُطلقت ملايين القذائف على أرض لا تتجاوز عشرة كيلومترات، وتحوّلت تربة فردان إلى حقل صلب من شظايا الحديد حتى بات الزرع مستحيلاً فيها لعقود. راح في المعركة ثلاثمائة وسبعة وسبعون ألفاً من الجانب الفرنسي وثلاثمائة وسبعة وثلاثون ألفاً من الجانب الألماني — ما يزيد على سبعمئة ألف ضحية في معركة بلا نتيجة حاسمة. كُرِّم الجنرال بيتان بوصفه «منقذ فردان» وغدت كلمة «Ils ne passeront pas» (لن يمروا) شعاراً للمقاومة الفرنسية حتى اليوم.
[9]

معركة السوم — أكثر أيام الجيش البريطاني دماءً

في الأول من يوليو 1916 الساعة السابعة والنصف صباحاً، خرج مئة وعشرون ألف جندي بريطاني من خنادقهم على طول جبهة السوم في شمال فرنسا للتقدم نحو الخطوط الألمانية مشياً في صفوف منتظمة واثقةً من أن الأيام السبعة من القصف المدفعي المكثف الذي سبقه قد دمّرت الخطوط الألمانية. ما لم يعلمه القادة البريطانيون أن الملاجئ الألمانية كانت أعمق وأمتن مما تصوّروا — بعض القبائل بلغت عمق اثني عشر متراً تحت الأرض — وأن معظم الجنود الألمانيين كانوا قد صمدوا في مواضعهم طوال القصف. حين صمت المدفع وانطلق الهجوم، خرج الألمان من ملاجئهم ونصبوا رشاشاتهم وكان الجنود البريطانيون يسيرون نحوهم في السهل المكشوف عاجزين عن الإسراع بسبب ثقل تجهيزاتهم. راح في ذلك اليوم الواحد وحده سبعة وخمسون ألفاً وأربعمائة وسبعون جندياً بريطانياً بين قتيل وجريح، منهم تسعة عشر ألفاً وأربعمائة وعشرون قتيلاً. كان ذلك أسوأ يوم في تاريخ الجيش البريطاني في أي حرب في أي عصر. استمرت المعركة حتى نوفمبر 1916 وأودت بأكثر من مليون ضحية من الجانبَين مقابل مكاسب إقليمية لا تتجاوز عشرة كيلومترات في بعض المناطق.
[8]

الجبهة الشرقية

حرب المناورة في الشرق

على النقيض من الجمود الخنقي للجبهة الغربية، كانت الجبهة الشرقية تتحرك على مساحات شاسعة بحركة مناورة مستمرة — تتحرك الجيوش مئات الكيلومترات تقدماً وتراجعاً — وإن لم تكن أقل دموية. في أغسطس 1914، حقّق الجنرال الألماني الميداني هيندنبورغ ولودندورف انتصاراً ساحقاً في تانينبيرغ (26–30 أغسطس) حيث أُحيطت الجيش الثاني الروسي وأُسر قائده الجنرال سامسونوف الذي انتحر في الغابة بعد الهزيمة وفقد خمسة وعشرين ألفاً قتيلاً وسبعةً وتسعين ألفاً أسيراً من جيش قوامه مئة وخمسة وثلاثون ألفاً. في المقابل، أوقعت روسيا خسائر فادحة في النمسا في معارك غاليتشيا بدايةً، فاحتلّت مناطق واسعة من الأرض النمساوية. الهجوم الروسي الأعظم جاء في «هجوم برويسيلوف» (Brusilov Offensive) في صيف 1916 حين انطلق الجنرال أليكسي برويسيلوف بأربعة جيوش روسية في هجوم منسّق بديع التنظيم استرجع أراضيَ واسعة وأوقع في النمسا والمجر قرابة مليون ضحية، وكاد يُخرج النمسا من الحرب لولا التدخل الألماني المسرع. غير أن ثورة فبراير 1917 وسقوط القيصر نيقولا الثاني أنهيا روسيا كطرف حربي فعلي، وأفضى وصول البلاشفة إلى السلطة في ثورة أكتوبر إلى توقيع معاهدة بريست-ليتوفسك في مارس 1918 التي أخرجت روسيا رسمياً من الحرب بشروط مُذِلّة.
[10]

الجبهة العثمانية والحرب في الشرق الأوسط

دخول الإمبراطورية العثمانية الحرب

في الثالث عشر من نوفمبر 1914، أعلنت الإمبراطورية العثمانية الجهادَ الإسلامي ضد الحلفاء ودخلت الحرب إلى جانب التحالف المركزي في قرار ذو دلالات جيوسياسية بالغة. كان رجال القوة الثلاثة — ثلاثة من زعماء حزب الاتحاد والترقي: أنور باشا وطلعت باشا وجمال باشا — يطمحون في توظيف الحرب لإحياء مجد الإمبراطورية المنهكة، واستعادة ما خسرته في البلقان، وإزاحة النفوذ البريطاني والروسي من محيطها. أدار العثمانيون حرباً على جبهات متعددة: الجبهة القوقازية ضد روسيا حيث انتهى الهجوم الشتوي في سريكاميش (1914–1915) بكارثة ذهب فيها ثمانية وستون ألف عسكري عثماني قتلاً وتجمداً من أصل تسعة وسبعين ألفاً؛ والجبهة الفلسطينية والسورية ضد البريطانيين حيث سقطت القدس للجنرال اللنبي في ديسمبر 1917؛ والجبهة العراقية حيث مُنيت بريطانيا بهزيمة موجعة في الكوت (1916) قبل أن تستعيد بغداد عام 1917.

حملة غاليبولي — أكبر إخفاقات الحلفاء

بين فبراير 1915 ويناير 1916، شهدت شبه جزيرة غاليبولي التركية في مضيق الدردنيل حملةً بريطانية أسترالية نيوزيلندية هي من أجرأ التصوّرات وأشد الإخفاقات في الحرب. بلور لها وزير الأسطول ونستون تشرشل رؤيةً استراتيجية براقة: اختراق الدردنيل بحرياً يفتح طريق إسطنبول، وسقوط إسطنبول يُخرج العثمانيين من الحرب ويفتح ممراً بحرياً لتسليح روسيا. بدأت بمحاولة بحرية خالصة في فبراير أُحبطت بالألغام البحرية التركية وإصابات حادة في السفن الحليفة. تلتها إنزالات برية في الخامس والعشرين من أبريل 1915 على شواطئ «أنزاك كوف» وكيب هيلز — والأنزاك (ANZAC) اختصار للفيلق الأسترالي النيوزيلندي الذي تبعث تضحياته فيه مطلع الهوية القومية لكلا البلدَين حتى اليوم. كانت خرائط قيادة الحلفاء مغلوطة وتضاريس الشواطئ الجبلية شاملة لدفاعات تركية أُحكم تنظيمها بإشراف الجنرال الشاب مصطفى كمال الذي وقف في اليوم الأول قبال جنوده الهاربين صارخاً بهم: «لا أمركم بالهجوم بل أمركم بالموت! في الوقت الذي نموت فيه نحن، ستأتي قوات وقادة آخرون ليأخذوا أماكننا». بعد ثمانية أشهر من القتال المستمر وجهاً لوجه في مسافة لا تتجاوز أحياناً عشرين متراً، أُجليت القوات الحليفة في يناير 1916 دون أن تحقق أياً من أهدافها، خلفاً وراءها مئتَين وخمسين ألف ضحية حليفة وقريباً منها عثمانياً.
[3]

الثورة العربية الكبرى ودور لورنس

في يونيو 1916، أعلن الشريف الحسين بن علي أمير مكة الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين — ثورةٌ قامت على وعود بريطانية سرية برسائل مكماهون-حسين (1915) تُشير إلى إقامة دولة عربية مستقلة على معظم أراضي المشرق العربي. التفّ حول الثورة المقدار والعميد البريطاني توماس إدوارد لورنس، الضابط الأثري المتقن للعربية، الذي أصبح المنسّق العسكري والصديق الشخصي للأمير فيصل بن الحسين. نفّذ لورنس والمجاهدون العرب حرب عصابات بديعة ضد خطوط السكك الحديدية العثمانية في الحجاز وسوريا، في أكثر صفحات الحرب استلهاماً للخيال في الأدب والسينما. ما أخفاه البريطانيون عن حليفهم العربي في الوقت ذاته هو أن مبعوثَيهم السير مارك سايكس وفرانسوا جورج-بيكو كانا يرسمان في الخفاء خريطة تقسيم المشرق العربي بين بريطانيا وفرنسا في اتفاقية سايكس-بيكو السرية (مايو 1916)، وأن وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور كان يعد في الثاني من نوفمبر 1917 يهودَ العالم في إعلانه الشهير بـ«إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين» — تناقضٌ صريح مع الوعود العربية خلّف جراحاً لا تزال نازفة حتى اليوم.

مجازر الأرمن — الإبادة الجماعية

في الخضمّ المضطرب لعام 1915 وبعد هزيمة الجيش العثماني في سريكاميش على الجبهة القوقازية، أصدرت حكومة الاتحاد والترقي في أبريل 1915 أوامر بترحيل الأرمن من الأناضول الشرقي إلى بادية سوريا، وصاحبت عمليات الترحيل موجاتٌ من القتل الجماعي والإبادة الممنهجة ارتكبتها وحدات من الجيش العثماني وتشكيلات الحميدية الكردية المسلحة. تُقدِّر معظم المصادر الأكاديمية والمستقلة عدد الضحايا الأرمن بين ستمائة ألف ومليون وخمسمائة ألف شخص، وعقد الباحثون إجماعاً واسعاً على توصيف ما جرى إبادةً جماعية وفق تعريفات القانون الدولي، فيما يرفض الموقف التركي الرسمي هذا التوصيف حتى اليوم في جدل تاريخي وسياسي لم يُحسم. كما طالت الموجة العنف مجتمعاتِ السريان والكلدان الأصيلة وبعض المجتمعات اليونانية في الأناضول، ويُعدّ هذا الفصل من أشد جرائح الحرب العالمية الأولى حضوراً في الذاكرة الإنسانية.

الحرب البحرية

مواجهة الأساطيل الكبرى — يوتلاند

بقي الأسطول الألماني محبوساً في موانئ بحر الشمال طوال معظم الحرب تحت رقابة الأسطول البريطاني الأكبر؛ كانت بريطانيا تفرض حصاراً بحرياً شاملاً على ألمانيا يخنق وارداتها من الغذاء والمواد الخام. في مايو–يونيو 1916، اندلعت معركة يوتلاند — الوحيدة الكبرى بين الأسطولَين — في أعماق بحر الشمال؛ خسر فيها البريطانيون أكثر السفن (أربع عشرة سفينة وستة آلاف ومثمانمئة بحار) في مقابل خسارة ألمانيا إحدى عشرة سفينة وألفَي بحار. غير أن النتيجة الاستراتيجية انتهت للبريطانيين لأن الأسطول الألماني أُرغم على الانسحاب إلى مياهه الداخلية ولم يخرج مجدداً لتحدي الحصار البريطاني. شنّ الألمان في المقابل حرباً غواصاتية لا هوادة فيها: أعلنوا في فبراير 1917 الحرب الغواصاتية اللامحدودة مُغرقَين أي سفينة تقترب من بريطانيا، وفي ذروة عام 1917 وصلت معدلات إغراق السفن إلى مستويات فُسِّرت بأن بريطانيا لن تصمد في الحرب أكثر من بضعة أشهر.

أمريكا تدخل الحرب

الحياد الأمريكي وتآكله

رفض الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون في بداية الحرب أي تدخل مؤكداً «الحياد في الفكر والفعل» وصارخاً بشعار «نحن في منأى عن هذا». غير أن سلسلة أحداث أخلّت بالحياد تدريجياً: أولاً غرق الباخرة البريطانية «لوسيتانيا» في مايو 1915 إثر إغراقها من غواصة ألمانية وراح فيها مئة وثمانية وعشرون أمريكياً من أصل ألف ومئتَين وتسعة عشر ضحية، أفضى إلى صدمة شعبية عميقة واحتجاجات دبلوماسية. ثانياً: الحرب الغواصاتية اللامحدودة عام 1917 التي طالت السفن الأمريكية أيضاً. ثالثاً: اعتراض البريطانيين في يناير 1917 على «برقية زيمرمان» السرية التي يعرض فيها وزير الخارجية الألماني على المكسيك دعماً ألمانياً لاسترداد أراضٍ خسرتها للولايات المتحدة في الحرب الأمريكية المكسيكية (تكساس وأريزونا ونيومكسيكو) إذا قاطعت الأمريكيين في حربهم. في السادس من أبريل 1917، أعلن الكونغرس الأمريكي الحرب على ألمانيا، وبدأت القوات الأمريكية (AEF) بقيادة الجنرال جون «بلاك جاك» بيرشينغ التدفق إلى أوروبا بمعدل عشرة آلاف جندي في الأسبوع ثم مئتَي ألف في الشهر في ذروة 1918.
[3]

عام 1917 — تحولات جوهرية

شكّل عام 1917 نقطة محورية تعاكست فيها الأحداث تعاكساً حاداً: ففي شرق أوروبا انهارت روسيا بثورتَيها المتعاقبتَين وأخرجتها من الحرب، مُعطيةً ألمانيا ميزة التفرغ للجبهة الغربية؛ وفي غرب أوروبا دخلت الولايات المتحدة الحرب مُعوِّضةً بشرياً ومادياً ما خسره الحلفاء شرقاً. في فرنسا، أشعل الفشل الذريع للهجوم الربيعي (الهجوم النيفيللي — Nivelle Offensive أبريل 1917) عصياناً جماعياً غير مسبوق في الجيش الفرنسي: رفضت أكثر من خمسة وأربعين فرقة تنفيذ الهجمات وامتنع جنودها عن الزحف نحو الموت في هجمات واضح أنها لن تُحدث اختراقاً. تدارك الجنرال بيتان الأزمة بمقاربة غير اعتيادية: استمع للمظالم وحسّن ظروف الإجازات وألغى الهجمات الانتحارية وأعدم الحد الأدنى من المتمردين لإعادة الانضباط دون القسوة المدمّرة التي كانت ستشعل المزيد من العصيان. في بريطانيا، كانت معركة باشاندايل (Passchendaele أو المعركة الثالثة ليبر) من أغسطس إلى نوفمبر 1917 في الوحل البلجيكي الذي تحوّلت فيه المدافع الثقيلة إلى مستنقع أودى بأربعمائة وسبعة وثمانين ألف ضحية من الجانبَين مقابل مكاسب طالما لم تتجاوز ثمانية كيلومترات.

الهجوم الربيعي الألماني وهزيمة ألمانيا

مقامرة لودندورف الأخيرة

حين وقّعت روسيا الهدنة مع ألمانيا أواخر 1917 وانتهت الجبهة الشرقية، أُتيح للجنرال إيريك لودندورف — العقل العسكري الفعلي للقيادة الألمانية — نقل خمسين فرقةً إضافية من الشرق إلى الغرب في فرصة ذهبية: استريحة الوقت قبل أن تتدفق القوات الأمريكية بأعداد كاسرة. في الحادي والعشرين من مارس 1918، انطلق «الهجوم الربيعي الألماني» (Kaiserschlacht — معركة الإمبراطور) بأسلوب جديد غير مسبوق: وحدات «ستورمتروبين» (Sturmtruppen — قوات الصدمة) خبيرة في التسلل الليلي تنزل بعبوات ناسفة وبنادق رشاشة خفيفة على الثغرات الضعيفة في الخطوط الحليفة، تعطّل الاتصالات وتزرع الفوضى في العمق وتمنع التعزيز. في الأيام الأولى اختُرقت الجبهة البريطانية بعمق أثبت ما لم يُثبَت في أربع سنوات أن الجبهة الغربية قابلة للاختراق. لكن التمدد الألماني الأسرع من خطوط الإمداد أفقد الهجوم زخمه الأصلي، وبحلول يونيو 1918 توقّف التقدم. ردّ الحلفاء في الثامن من أغسطس — «اليوم الأسود للجيش الألماني» وفق تعبير لودندورف نفسه — بهجوم أميان المدرّع الذي وظّف بمهارة نادرة الدبابات الجديدة والطائرات والمشاة في تنسيق غيّر مجرى الحرب. انطلق «الهجوم المائة يوم» (Hundred Days Offensive) يدحر الجيش الألماني شرقاً في وتيرة لم تعرفها الجبهة الغربية في أربع سنوات.

انهيار التحالف المركزي والهدنة

تساقطت دول التحالف المركزي في الخريف 1918 كأحجار الدومينو: وقّعت بلغاريا الهدنة في التاسع والعشرين من سبتمبر، والإمبراطورية العثمانية في الثلاثين من أكتوبر (هدنة مودروس)، والنمسا المجر في الرابع من نوفمبر. في ألمانيا تكشّف الانهيار في موجات متتالية: تمرّد بحري في كيل (أكتوبر 1918) حين رفض البحارة الإبحار في مهمة انتحارية، ثم ثورات في هامبورغ وبريمن، وإعلان الجمهورية في التاسع من نوفمبر وتنازل القيصر فيلهلم الثاني عن العرش. في الحادي عشر من نوفمبر 1918 الساعة الحادية عشرة صباحاً — «الساعة الحادية عشرة من اليوم الحادي عشر من الشهر الحادي عشر» — أُوقفت المدافع في الجبهة الغربية في صمت غريب وصف المؤرخون أثره على الجنود بالذهول المختلط بعدم التصديق. وفي مكان ما من خنادق غرب فلاندر، لحق جندي مجهول برصاصة أخيرة في الدقيقة الأخيرة قبيل الهدنة — كان القادة يعلمون بموعد وقف النار لكن المعارك استمرت حتى آخر ثانية — في ما وصفه الصحفي جوزيف دارفاك بـ«جريمة الحادي عشر من نوفمبر».

الثورة الروسية — الحرب تُسقط الأقدم من الأنظمة

كانت الحرب العالمية الأولى الحضانة التي أنجبت أعظم ثورات القرن العشرين. دخلت روسيا الحرب إمبراطوريةً حكم فيها القيصر نيقولا الثاني بسلطة مطلقة تقترب من الثيوقراطية، وكان مجتمعها الزراعي المتخلف يرزح تحت ثقل أربعة أسباب للانهيار: التخلف الصناعي الذي لم يُمكّن الجيش من التسليح الكافي، والبيروقراطية الفاسدة التي عجزت عن تنظيم الإمداد، والخسائر الهائلة التي راحت بها روسيا أكثر من مليون ونصف قتيل وما يزيد على ستة ملايين جريح وأسير، وأزمة الغذاء والتضخم في المدن الكبرى. في فبراير 1917، اندلعت انتفاضة عمالية في بتروغراد (سانت بطرسبورغ) رفضت فيها الوحدات المجنّدة من الفلاحين إطلاق النار على المتظاهرين وانضمت إليهم. في السابع عشر من مارس، تنازل القيصر نيقولا الثاني عن العرش لتقوم حكومة مؤقتة ليبرالية أرادت مواصلة الحرب. في أكتوبر 1917، أسقل لينين والبلاشفة الحكومةَ المؤقتة بانقلاب مسلح وأعلنوا إنهاء الحرب مع ألمانيا «بلا تعويضات ولا ضمّ» وفق شعارهم — فكانت معاهدة بريست-ليتوفسك في مارس 1918 التي أعطت ألمانيا منطقة واسعة من روسيا الغربية وأوكرانيا وفنلندا ودول البلطيق مقابل السلام. أطلقت الحرب روسيا نحو التجربة الشيوعية التي حكمت ربع أرض الكرة لثلاثة أرباع قرن.

الحرب على الجبهة الداخلية

المرأة والاقتصاد ومعنى «الحرب الشاملة»

أرست الحرب العالمية الأولى مفهوم «الحرب الشاملة» (Total War) الذي يعني أن الحرب تستوعب كل موارد الدولة البشرية والاقتصادية والفكرية لا الجيشَ فحسب. ولأول مرة في تاريخ الحروب الكبرى، دخلت المرأة دخولاً واسعاً في سوق العمل الصناعي والخدماتي: في بريطانيا فحسب، ارتفع عدد النساء العاملات في المصانع من نحو مئتَي ألف عام 1914 إلى ما يزيد على مليون عام 1918، يديرن الآلات ويعملن في المستشفيات الميدانية والاتصالات والنقل وإدارة الزراعة. غيّر ذلك الوعيَ الاجتماعي بدور المرأة تغييراً لا رجعة فيه أسهم في الموجة الأولى لحق التصويت (انتخابية المرأة) في عشر دول في سنوات الحرب وما تلاها مباشرة. على الصعيد الاقتصادي، تضمّنت «الحرب الشاملة» نزع ملكية الصناعات الخاصة وتوجيهها للإنتاج الحربي، وتجنيد العمال، وفرض الرقابة على الغذاء والوقود والنقل. وقّعت الدول أرقاماً قياسية من الاستدانة: بلغت التكلفة الإجمالية للحرب ما يزيد على مئتي مليار دولار بمقاييس ذلك الوقت، مما أفضى إلى تضخم ما بعد الحرب ومشكلات ديون سياسية عارمة. كذلك شملت الحرب تكميماً شاملاً للصحافة والرأي العام — قانون التجسس الأمريكي لعام 1917 أجاز سجن كل من ينتقد الحرب — وضخّت الدول بروباغاندا لتحفيز المجندين وشيطنة العدو وإبقاء الروح المعنوية في المدن.

الإنفلونزا الإسبانية — وباء فوق حرب

في مارس 1918، أبلغت منشأة عسكرية في مدينة هاتشنسون بولاية كانساس الأمريكية عن أولى حالات المرض الغريب الذي سُمِّي لاحقاً «الإنفلونزا الإسبانية» — تسميةٌ مُضلِّلة لأن إسبانيا المحايدة في الحرب كانت الدولة الوحيدة التي أخبرت صحافتها الحرة عنه دون رقابة، في حين أخفت الدول المتحاربة الأرقام لعدم إضعاف الروح المعنوية. انتقل الوباء من المنشآت العسكرية الأمريكية إلى أوروبا مع القوات الأمريكية التي تدفّقت عام 1918. كانت هذه الإنفلونزا بخاصية قاتلة غير مألوفة: استهدفت الشباب الأصحّاء في ذروة قوتهم الجسدية — الفئة من العشرين إلى الأربعين — على عكس أنماط الإنفلونزا المعتادة التي تفتك بالأطفال والمسنّين. يُقدَّر ما راح في موجاتها الثلاث (1918–1919) بما يتراوح بين عشرين وخمسين مليون ضحية — أكثر مما أودت به الحرب ذاتها — في أعنف وباء في التاريخ المعاصر يزيد على وباء الطاعون الأسود نسبياً. أصاب الوباء المفاوض الأمريكي الرئيس ويلسون نفسه في مؤتمر باريس للسلام عام 1919 إثناء مفاوضاته الحاسمة مما يرى بعض المؤرخين أنه أضعف قدرته التفاوضية في نقاط المعاهدة.
[11]

معاهدة فرساي ونظام ما بعد الحرب

مؤتمر باريس للسلام — الكبار الأربعة

في الثامن من يناير 1918 — قبل انتهاء الحرب — أعلن الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون «نقاطه الأربع عشرة» أمام الكونغرس، مشروعاً طموحاً لنظام دولي جديد يقوم على: حرية البحار والتجارة، نزع السلاح التدريجي، تقرير المصير للشعوب، إعادة رسم حدود أوروبا على أسس قومية، إنشاء هيئة دولية لحفظ السلام (الذي سيُصبح عصبة الأمم). قبلت ألمانيا الهدنة جزئياً مستندةً إلى وعد ضمني بأن السلام سيُبنى على أساس مبادئ ويلسون. في يناير 1919، انعقد مؤتمر باريس للسلام بمشاركة سبعة وعشرين دولة — دون ألمانيا ودول التحالف المركزي المهزومة ودون روسيا البلشفية. يسيطر على القرارات «الكبار الأربعة»: ويلسون (أمريكا)، لويد جورج (بريطانيا)، كليمنصو (فرنسا)، أورلاندو (إيطاليا). كان كل من هؤلاء يحمل ضغوطاً شعبية داخلية وأجندات متعارضة: ويلسون يريد سلماً بلا انتقام ومؤسسة دولية كضمانة؛ كليمنصو يريد تحطيم ألمانيا ومنعها إلى الأبد من تهديد فرنسا التي فقدت مليوناً وأربعمائة ألف قتيل؛ لويد جورج يقف بين رغبة الانتقام الشعبي البريطاني وتحذير الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز من أن الشروط القاسية ستُنتج كارثة لاحقة.
[12]

معاهدة فرساي — بذرة حرب قادمة

في الثامن والعشرين من يونيو 1919 — في الذكرى الخامسة الدقيقة لاغتيال سراييفو — وُقِّعت معاهدة فرساي في قاعة المرايا الشهيرة بقصر فرساي؛ تلك القاعة التي شهدت إعلان الإمبراطورية الألمانية عام 1871 في الإهانة الأكثر مقصوديةً في السياسة الأوروبية الحديثة. حمّلت المعاهدة ألمانيا مسؤولية الحرب كاملةً بموجب البند 231 «الشهير بشرط الذنب الحربي»، وألزمتها بتعويضات بلغت في التقدير النهائي مئة وثلاثة وثلاثين مليار مارك ذهبي، وجرّدتها من أسطولها الحربي وسلاح جوّها وحصرت جيشها بمئة ألف رجل، وانتزعت منها الألزاس واللورين وعلسوفن الشمالية وأجزاء من بولندا وتشيكوسلوفاكيا وتحت لإداريين دوليين المستعمرات الألمانية كلها وإقليم السار لخمسة عشر عاماً. أسلم الاقتصادي الإنجليزي جون مينارد كينز إثر مغادرته المؤتمر تقريراً استشرافياً ثبت دقته المأساوية: «العواقب الاقتصادية للسلام» (1919) الذي تنبّأ بأن هذه الشروط القاسية ستُدمّر الاقتصاد الألماني وتُولّد سخطاً شعبياً خطيراً يُمهّد لصعود قوى استبدادية. قال ويلسون لمعاونيه وهو يُوقِّع المعاهدة: «سنمنح المنتصرين ما لا يريده المنتصرون». في العقد التالي، استخدم هتلر بند الذنب الحربي والتعويضات المجحفة وخرائط التقطيع الإقليمي ذريعةً لكل مطلب وكل تهديد في طريقه الصاعد.
[3]

الخرائط الجديدة — أوروبا والشرق الأوسط يُعادان تشكيلهما

إلى جانب فرساي، وقّعت الحلفاء معاهدات سلام متعددة مع دول التحالف المركزي رسمت الخرائط السياسية الجديدة: معاهدة سان-جيرمان (1919) مع النمسا التي أكدت حلّ الإمبراطورية النمساوية المجرية وأنشأت دولاً جديدة أو وسّعت قائمةً (تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا وبولندا والمجر). معاهدة تريانون (1920) التي فقدت فيها المجر ثلثَي مساحتها وأكثر من نصف سكانها. معاهدة سيفر (1920) التي مزّقت الإمبراطورية العثمانية — وهي التي ألهبت حرب الاستقلال التركية. أما الشرق الأوسط، فقد أُعيد تشكيله وفق اتفاقية سايكس-بيكو (1916) التي جعلت سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، والعراق وفلسطين والأردن تحت الانتداب البريطاني، رامِيةً بالوعود العربية في سلة المهملات الدبلوماسية. وإعلان بلفور (1917) أضاف التعقيد الوجودي الأعمق: الوعد بوطن قومي لليهود في فلسطين التي كان تسعة وعشرون من كل ثلاثين من سكانها عرباً — تناقضٌ لا يزال الشرق الأوسط يعيش في جحيمه.

الأدب والفن — الحرب في مرآة الروح البشرية

لم تُنتِج أي حرب في التاريخ من الأدب والشعر والفن ما أنجبته الحرب العالمية الأولى؛ إذ كانت المأساة بحجم يُعجز القادرَين على الصمت والتعبير معاً. الشعر البريطاني ذو الإطار الميداني المباشر تفرّد بقيمته: ويلفرد أوون الذي يُعدّ أعظم شعراء الحرب كتب في خندق المارن وأُرسلت قصيدته «Dulce et Decorum Est» قبل ثلاثة أسابيع من موته في نوفمبر 1918، وفيها وصف موت جندي يغرق في الغاز: «لو رأيت كيف يرميه في العربة / ثم مشيت خلف شيء نصفه ابتُلع / يلطخ الطين الدامي / وجهاً كوجه شيطان يتغرغر في الجحيم»؛ ورفض فيها بصورة ساخرة شعاراً لاتينياً «حلوٌ وشريف أن تموت في سبيل وطنك». الروائي الألماني إريك ماريا ريمارك كتب «لا جديد في الغرب» (Im Westen nichts Neues — 1929) في صوت جندي ألماني شاب يصف كيف شيءٌ انكسر في داخل جيله لن يلتئم؛ بِيعت من الكتاب ملايين النسخ في أشهر قليلة وأُحرقت علناً في ألمانيا النازية عام 1933. هنري باربوس في فرنسا كتب «النار» (Le Feu — 1916) من داخل الخنادق. في الفن التشكيلي، رصد الرسام الألماني أوتو ديكس مشاهد الجبهة الغربية في لوحات يشعر ناظرها بالوجع والعجب معاً من أن يكون الإنسان فعل ذلك بالإنسان. تحوّل الأدب العظيم الذي أنجبته الحرب إلى شهادة على المعاناة لم تُذعِن لتسطيح الحرب إلى مجد أو بطولة.

الإرث التاريخي والأثر الحضاري

ما غيّرته الحرب في عالم السياسة

ترتيب العالم السياسي الذي أنجبته الحرب العالمية الأولى لم يكن مجرد تغيير في الخرائط، بل كان تحولاً عميقاً في بنية النظام الدولي ذاتها. سقوط الإمبراطوريات الأربع الكبرى — العثمانية والنمساوية المجرية والروسية والألمانية — أنهى نمط الإمبراطوريات متعددة القوميات وفتح الطريق لنظام الدول القومية الذي يحكم العالم حتى اليوم، وإن أورث معه مشكلة الأقليات الوطنية داخل هذه الدول الجديدة التي أضرمت كثيراً من نزاعات القرن العشرين. عصبة الأمم التي أسّسها ويلسون كانت أول مؤسسة أمن جماعي دولية في التاريخ، غير أن رفض الكونغرس الأمريكي مصادقتها حرمها من قوتها الرئيسية وأضعف قدرتها على ردع العدوان الذي سيجيء. وكانت تضاريس ما بعد الحرب في الشرق الأوسط — الانتدابات وإعلان بلفور وتقسيم سايكس-بيكو والوعود المتناقضة — الأرضية الجيوسياسية التي أنشأت أزمة متجددة لم تجد حلاً حتى اليوم.

ما غيّرته في الوعي الإنساني

الأثر الحضاري العميق للحرب العالمية الأولى يتجاوز الجغرافيا والسياسة إلى الوعي الإنساني ذاته. قبل 1914، كان الرأي العام الأوروبي يؤمن — في معظمه — بالتقدم الحتمي للحضارة وبمحدودية الحروب التي أنهتها أوروبا في مائة عام (ما بعد نابليون) باتفاقيات الهدنة قبل أن تبلغ حدّ الإبادة. أثبتت الحرب أن التقنية بلا حكمة أخلاقية تُنتج إبادة منظّمة لا تقدّماً، وأن الكلام عن «العدو بربري» لا يُغني حين تُرسل شبيبة الأمة كلها إلى الموت في خندق وحل، وأن الأنظمة السياسية التي ادّعت الحداثة كانت تحكم بعقلية الإمبراطور القروسطي. وُلد من هذه الصدمة ما يصفه المؤرخ أريك هوبزباوم بـ«أزمة الضمير الليبرالي الأوروبي» التي تجلّت في الأدب الحداثي (إليوت وبروست وجويس)، وفي الفلسفة الوجودية (إذ أسلم الخندق الجندي وحيداً أمام أسئلة الوجود والموت)، وفي الأزمة الدينية التي اهتزّ فيها إيمان الأجيال الشابة حين رأت الكنيسة في كل طرف متحارب تُباركه وتشجّعه.
[10]

الحرب العالمية الأولى وبذرة الثانية

لا يستقيم فهم الحرب العالمية الثانية دون فهم الأولى؛ فالثانية في معظمها كانت التداعية الكبرى لما أنتجته الأولى. كتب جون مينارد كينز في 1919: «تُولَد السياسيات السيئة كارثاتها في الغد». فرسالية ومعاهداتها جعلت من ألمانيا قوةً تمّ إذلالها دون تدميرها — وهو أخطر المواضع في السياسة؛ إذ الذل يُولّد الغضب والغضب يبحث عمّن يستثمره. كان على هتلر حين وصل للسلطة عام 1933 أن يُعلن برنامجه — إلغاء التعويضات ورفض نزع التسليح واسترداد الأراضي المفقودة — فوجد الشعب الألماني المُذَلّ يستقبل هذا البرنامج بحماس انتخابي لم يُعرف لأي حزب قبله. وفي المنطقة العربية، خلّف تعامل الحلفاء مع الوعود العربية وإعلان بلفور الأرضية لنزاعات الشرق الأوسط المستمرة التي لا تزال تُشكّل معادلات سياسية حتى يوم الناس هذا. تبقى الحرب العالمية الأولى بما زرعته من مشكلات غير محلولة وبذور نزاعات غير منتهية أحد أثقل الإرثات التاريخية في تاريخ الإنسانية.

«لقد وضعنا للشباب على يد مُضطرب سلاحاً لم يستطع أجدادنا على يد راسخة تحمّله. لقد فتحنا أبواباً لم نعرف ما وراءها ثم تعجّبنا مما انبثق منها.»
— ويليام بولر يتس، الشاعر الأيرلندي، في تأمّلات ما بعد الحرب — 1919

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
الدولة العثمانية
إمبراطورية إسلامية حكمت ستة قرون
الحضارة الفارسية
حضارة إيرانية قديمة متعددة الأسرات
إبادة الأمريكيين الأصليين
إبادة ممنهجة طالت شعوب أمريكا الأصلية
الإبادة الأرمنية
إبادة الأرمن في الدولة العثمانية 1915
🔍