🔍
اضغط Esc للإغلاق • Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية أدوية أعراض طبية أمراض شائعة أمراض نادرة التاريخ الجغرافيا القارات تخصصات طبية
الرئيسية / التاريخ / حرب أكتوبر 1973
التاريخ

حرب أكتوبر 1973

👁 1 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 15/6/2026 ✏️ 15/6/2026
100%

حرب أكتوبر 1973 — المعروفة عربياً بـ«حرب رمضان» أو «حرب العبور» أو «حرب التحرير»، وإسرائيلياً بـ«حرب يوم الغفران» (מלחמת יום הכיפורים)، ودولياً بـ«حرب يوم كيبور» (Yom Kippur War) أو «الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة» — هي النزاع المسلح الذي اندلع في السادس من أكتوبر 1973 حين شنّت مصر وسوريا هجوماً مباغتاً منسّقاً على إسرائيل على جبهتَين متزامنتَين: الجبهة الجنوبية على طول قناة السويس في شبه جزيرة سيناء، والجبهة الشمالية في هضبة الجولان المحتلة.
[1]
اختار القادة العرب بدقة متناهية توقيتَ الهجوم؛ فالسادس من أكتوبر 1973 وافق يومَ الغفران اليهودي الأقدس، وهو اليوم الوحيد في السنة الذي تتوقف فيه الإذاعة والتلفزيون الإسرائيليان ويُغلَق كل شيء وتخلو الشوارع من المرور، كما صادف في العام ذاته العاشر من رمضان المبارك، مما أضفى على الهجوم طابعاً روحياً لا يُغفَل. تمكّنت القوات المصرية في الساعات الأولى من اختراق خط بارليف الحصين — منظومة التحصينات الإسرائيلية الضخمة على الضفة الشرقية للقناة التي وُصفت بأنها خط ماجينو الشرق الأوسط — وعبور القناة في إنجاز عسكري لم يتوقعه المخططون الإسرائيليون.
[2]
استمرت الحرب قرابة ثلاثة أسابيع حتى صدور قرار مجلس الأمن رقم 338 في الثاني والعشرين من أكتوبر ووقف إطلاق النار الفعلي في الخامس والعشرين منه. شكّل مسار الحرب منعطفاً استراتيجياً بالغ الأثر: رغم أن إسرائيل تعافت عسكرياً واستطاعت لفّ الجيش الثالث المصري وتطويقه غرب القناة بعد اختراق حصين أريئيل شارون، فإن الأسبوع الأول من المعارك أحدث ما لم تُحدثه ست حروب سابقة — سقط سحر الجيش الإسرائيلي الذي يُهزم في ستة أيام من الغرور. وعلى الصعيد الاستراتيجي الأشمل، فتحت الحرب أبواب الدبلوماسية ومهّدت لسلام مصر الإسرائيلي ولاتفاقيات كامب ديفيد 1978 ومعاهدة 1979، كما أطلقت أول توظيف ناجح للسلاح النفطي العربي عبر حظار النفط الذي أربك الاقتصادات الغربية وأعاد رسم خريطة التوازنات الطاقوية الدولية للعقود القادمة.
[3]

حرب أكتوبر 1973
التسمية العربية حرب أكتوبر / حرب رمضان / حرب العبور / حرب التحرير
التسمية الدولية Yom Kippur War / Fourth Arab-Israeli War / Ramadan War
التسمية الإسرائيلية מלחמת יום הכיפורים — حرب يوم الغفران
الفترة الزمنية 6 – 25 أكتوبر 1973
مناطق المعارك سيناء وقناة السويس (الجبهة الجنوبية) + هضبة الجولان (الجبهة الشمالية)
الأطراف المتحاربة
الجانب العربي مصر وسوريا (أساسيتان) + العراق والأردن والمغرب والسعودية وكوبا (مشاركة محدودة)
الجانب الإسرائيلي دولة إسرائيل — جيش الدفاع الإسرائيلي (IDF) مدعوماً بجسر جوي أمريكي
القادة الرئيسيون
مصر أنور السادات (الرئيس)، المشير أحمد إسماعيل (وزير الحرب)، الفريق سعد الدين الشاذلي (رئيس الأركان)
سوريا حافظ الأسد (الرئيس ووزير الدفاع)، الفريق يوسف شكور (رئيس الأركان)
إسرائيل غولدا مائير (رئيسة الوزراء)، موشيه ديان (وزير الدفاع)، الجنرال ديفيد أليعازار (رئيس الأركان)، اللواء أريئيل شارون (قائد الاختراق الغربي)
الخسائر البشرية
الضحايا المصريون نحو 8,000 – 15,000 قتيل
الضحايا السوريون نحو 3,500 قتيل
الضحايا الإسرائيليون 2,656 قتيلاً + 7,250 جريحاً
الأسلحة والمعدات
الدبابات العربية المشاركة نحو 4,500 دبابة (مصر + سوريا + العراق + الأردن)
الدبابات الإسرائيلية نحو 1,700 دبابة
صواريخ سام المصرية SA-6 Gainful + SA-7 — أسقطت 109 طائرة إسرائيلية
الوثائق الدولية
قرار مجلس الأمن 338 22 أكتوبر 1973 — وقف إطلاق النار الفوري وتطبيق قرار 242
اتفاق الكيلو 101 11 نوفمبر 1973 — أول اتفاق مباشر مصري إسرائيلي
اتفاقية فك الاشتباك 18 يناير 1974 (مصر – إسرائيل) / 31 مايو 1974 (سوريا – إسرائيل)
النتائج الاستراتيجية
النتيجة العسكرية الفورية وقف إطلاق النار مع تطويق الجيش الثالث المصري غرب القناة
النتيجة الدبلوماسية البعيدة اتفاقيات كامب ديفيد 1978 — معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية 1979
السلاح النفطي حظر نفطي عربي أكتوبر 1973 – مارس 1974 — رفع سعر البرميل من 3 إلى 12 دولاراً
COSMALORE · الموسوعة العربية

الخلفية التاريخية

السادات يرسم استراتيجية جديدة

لفهم حرب أكتوبر في عمقها لا بدّ من استيعاب العقل الاستراتيجي الاستثنائي الذي أداره أنور السادات منذ توليه الرئاسة المصرية في أكتوبر 1970 خلفاً لعبد الناصر. ورث السادات مصرَ منهكةً من حرب الاستنزاف (1967–1970) التي كلّفت مئات الملايين وخسارة بشرية لم تسترد سيناء، فضلاً عن اعتماد شبه كامل على السلاح السوفيتي الذي لم يُترجَم تفوقاً عسكرياً في معارك 1967. كانت رؤية السادات مغايرة جوهرياً لرؤية سلفه: لم يكن يسعى إلى الانتصار العسكري الشامل الذي يُعيد الأراضي بقوة السلاح المجردة فحسب، بل إلى «انتصار سياسي» يُحرك الجمود الدولي ويُعيد الملف المصري إلى قلب اهتمام القوى الكبرى. قال السادات في ما روي عنه بعد الحرب: «كنت أعلم أننا لا نستطيع تحرير سيناء كلها بالحرب وحدها، لكنني كنت أعلم أن الحرب هي الطريق الوحيد إلى السلام». في عام 1972، اتخذ السادات قراراً صاعقاً أذهل العالم بطرد أكثر من خمسة عشر ألف خبير ومستشار عسكري سوفيتي من مصر، وهو ما فُسِّر في الغرب وإسرائيل على أنه ضعف وتخلٍّ عن المشروع الحربي، غير أنه كان في حقيقته رسالةً مزدوجة: أولاً إلى موسكو بأن القاهرة لن تكون أداةً في يد الكرملين، وثانياً إلى واشنطن بأن الباب مفتوح للعلاقات إذا ضغطت على إسرائيل.
[4]

«المفهوم» الإسرائيلي وإخفاق الاستخبارات

كانت الاستخبارات الإسرائيلية تعمل في الفترة التي سبقت الحرب وفق إطار فكري صارم عُرف بـ«المفهوم» (HaKontzeptzia)؛ وهو أن مصر لن تشنّ حرباً على إسرائيل قبل امتلاكها قاذفات بعيدة المدى تستطيع ضرب المدن الإسرائيلية العمق، وصواريخ أرض-جو تحيّد التفوق الجوي الإسرائيلي. بنت أمان (الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية) كل تحليلاتها على هذا الافتراض المُسبَق، فأسقطت كل مؤشر تحذيري مخالف له. كان الملك الحسين قد أبلغ رئيسة الوزراء غولدا مائير في لقاء سري في عمّان قبل ساعات من الهجوم بأن الحرب وشيكة، لكن التقييم الإسرائيلي الرسمي ظلّ يرى أن احتمال الحرب ضئيل. وحتى حين استقبلت رئيسة الوزراء في الرابع من الساعات الأولى من فجر يوم السادس من أكتوبر تقريراً استخباراتياً فائق الموثوقية أبلغها أن الحرب ستبدأ ذلك اليوم بعد الظهر — وكان المصدر أشرف مروان صهر الرئيس الراحل ناصر العميل المزدوج الأشهر في تاريخ المنطقة — رفضت توجيه الضربة الاستباقية خشية تحميل إسرائيل مسؤولية إشعال الحرب.
[5]

التخطيط العربي وبنية التنسيق السري

في المقابل، كان التخطيط للهجوم العربي قد انطلق منذ أواخر عام 1972 ووصل إلى مستوى عالٍ من الإحكام لم تشهده حملة عسكرية عربية منذ عقود. التقى السادات والأسد مرات عديدة في إطار تنسيق ثنائي أُحيط بسرية فائقة، وتقرّر أن يكون الهجوم في يوم الغفران اليهودي الذي يعني حكماً انخفاضاً حاداً في يقظة القوات وحجم الحضور العسكري في المواقع. وُضع خطة الهجوم المصرية التفصيلية تحت اسم «عملية بدر» إحياءً لذكرى معركة بدر الكبرى في صدر الإسلام، ووصلت درجة التفصيل إلى حدّ تحديد مواضع كل وحدة وتسلسل الأوامر في كل مرحلة. تضمّنت خطة الاختراق حلاً عبقرياً للعقبة التقنية الأصعب: كانت الحواجز الرملية لخط بارليف ترتفع حتى سبعة وعشرين متراً ولا يمكن عبورها بالتقليدي، فأوحت فكرة مضخّات المياه عالية الضغط بحلٍّ غير مسبوق — ضخ المياه بقوة هائلة لإذابة الجدران الرملية وفتح ممرات في أقل من ست ساعات بدلاً من يومين. أُجريت تدريبات سرية مكثفة لسنوات على نماذج طبق الأصل عن خط بارليف، وزُوِّدت الوحدات الهجومية بصواريخ ساجر الموجّهة بالأسلاك المضادة للدروع وصواريخ RPG-7 لمواجهة الهجمات المدرعة الإسرائيلية المرتقبة.
[6]

اليوم الأول — الاختراق المزدوج

عبور القناة وتحطيم خط بارليف

في الساعة الثانية من بعد ظهر السادس من أكتوبر 1973، اشتعل الهواء فجأة على طول قناة السويس؛ فتحت ألفا مدفع مصري نيراناً كثيفة متواصلة دامت ثلاثةً وخمسين دقيقة على مواضع خط بارليف وتجمّعات الدروع الإسرائيلية ومراكز القيادة، وانطلقت في الوقت ذاته مئتان واثنتان وعشرون طائرة مقاتلة مصرية لقصف المطارات والمستودعات الإسرائيلية. ثم توقف المدفعية فجأةً، وبدأت الموجة البشرية الأولى عبور القناة في قوارب مطاطية صغيرة وسط الدخان وضباب المعركة. في غضون ساعتَين فقط، كان 23,500 جندي مصري قد عبروا إلى الضفة الشرقية عبر خمسة رؤوس جسور متزامنة.
[7]
جاءت خسائر مصر في اليوم الأول أقل بكثير مما توقّعه حتى المتفائلون: 280 قتيلاً فحسب من الجانب المصري مقابل 950 قتيلاً إسرائيلياً، وعشرون دبابة مصرية مدمّرة مقابل ما بين أربعمائة وخمسمائة دبابة إسرائيلية. كانت قوات الحماية الإسرائيلية على الخط تبلغ نحو ثمانية آلاف رجل وثلاثمائة دبابة — أي ضعف ما تحتاجه لصدّ الهجوم وفق الحسابات الرياضية العسكرية الإسرائيلية — غير أن الانهمار المدفعي الكثيف والإشباع الشامل لمنظومات الدفاع الجوي أخلّ بكل معادلة.

الجبهة الشمالية وفالق الجولان

في الوقت ذاته تماماً على الجبهة الشمالية، تحرّكت ثلاث فرق مشاة سورية نحو خط وقف إطلاق النار المعروف بـ«الخط البنفسجي» في هضبة الجولان، مدعومةً بما يزيد على 1,400 دبابة من طرازَي T-54 وT-62. في أقل من ساعتَين من بدء الهجوم، أحكمت سوريا قبضتها على «عين إسرائيل» — نقطة الإسراف الاستراتيجية الإسرائيلية على قمة جبل الشيخ بارتفاع ألفَي متر — وهي المنشأة التي كانت بثّ استخباراتياً وإلكترونياً إسرائيلياً مستمراً على السوريين طوال سنوات. تقدّمت الدبابات السورية بعمق داخل الجولان في مواجهة فرقة إسرائيلية من مئةٍ وثمانٍ وثمانين دبابة فحسب تصارعت تصارعاً يائساً لوقف موجة مدرعة بهذا الثقل. شهدت الليلة الأولى والثانية معارك دبابات ليلية عنيفة في منطقة «وادي الدموع» بالقرب من قنيطرة، حيث أطفأت الدبابات الإسرائيلية محركاتها على جوانب الطرق وانتظرت الدبابات السورية المتقدّمة دون أضواء، فانطلقت نيرانها بالتصادم المباشر في مذبحة مدرعة أودت بالجانب الأكبر من الفرقة السورية المتقدّمة.
[1]

تطور المعارك وتحوّلات الميدان

فشل الهجوم المضاد الإسرائيلي الأول وأسباطيل الصواريخ

في الثامن من أكتوبر، أطلق رئيس الأركان الإسرائيلي ديفيد أليعازار الهجوم المضاد الكبير بثلاث فرق مدرعة نحو تجمّعات القوات المصرية على الضفة الشرقية للقناة، متوقّعاً تكرار سيناريو 1967 حيث يكفي التفوق المدرع الإسرائيلي وحده لتحطيم الخطوط العربية. ما لم يتوقّعه أليعازار هو أن مصر وضعت ستراتيجية مضادة للدروع لم تعرفها الحروب السابقة: جاء كل جندي مصر عبر القناة حاملاً صاروخ ساجر المضاد للدروع الموجَّه بالأسلاك أو قاذفة RPG-7، وكان كل فرد تقريباً مدرَّباً على استخدامه. تدفّقت الدبابات الإسرائيلية نحو المواضع المصرية في تشكيلات مفتوحة دون إسناد مشاة كافٍ، فاستقبلتها وابلاً من الصواريخ الموجّهة أسقطت منها في يوم واحد ما بين مئة وخمسين وروايات تشير إلى مئتَين وخمسين دبابة.
[8]
وعلى صعيد الجو، التقى سلاح الجو الإسرائيلي بمفاجأة مدمّرة بالقدر ذاته؛ فمنظومة الصواريخ أرض-جو السوفيتية SA-6 التي نشرتها مصر وسوريا كانت تعمل على ترددات جديدة لم يملك لها سلاح الجو الإسرائيلي جهاز تشويش مضاداً، وانطلقت هذه الصواريخ بكثافة هائلة تحت مظلة صواريخ SA-2 وSA-3، فأسقطت في الأيام الأولى وحدها نحو تسعٍ وعشرين طائرة إسرائيلية كان كثير منها من أحدث طرازات فانتوم وسكاي هوك. انهار التفوق الجوي الإسرائيلي المسلَّم به، وبات قادة الجبهة الجنوبية يقاتلون دون حماية جوية كافية للمرة الأولى في تاريخ إسرائيل.

الجبهة الشمالية — الهجوم المضاد على دمشق

على النقيض من الجبهة الجنوبية، جاء الانتعاش الإسرائيلي في الشمال أسرع وأكثر حسماً. في العاشر من أكتوبر، كانت إسرائيل قد حشدت احتياطياتها بالكامل على الجبهة السورية واستعادت معظم الأراضي التي خسرتها، ثم انقلبت إلى الهجوم عابرةً خط وقف إطلاق النار باتجاه الأراضي السورية ذاتها وتقدّمت حتى صارت في العشرين من أكتوبر على بُعد أربعين كيلومتراً من دمشق. أرغم ذلك سوريا على استدعاء مدرعات عراقية وأردنية وصلت للقتال على الجبهة، غير أن التنسيق المتأخر وافتقار القادة إلى الخبرة المشتركة قلّلا من فاعليتها. في الثاني والعشرين من أكتوبر قبلت سوريا وقف إطلاق النار الأممي، وكانت الجبهة الشمالية قد استقرّت على وضع يصبّ في مصلحة إسرائيل.
[2]

عملية قلب الأمور — اختراق شارون وتطويق الجيش الثالث

في الخامس عشر من أكتوبر، أطلق الجيش الإسرائيلي «عملية أبيري ليف» (القلوب الجريئة) على الجبهة الجنوبية، وكانت نقلةً تكتيكية بالغة الجرأة والمخاطرة: بدلاً من مهاجمة المواضع المصرية الراسخة المحمية بمظلة الصواريخ، طعن اللواء أريئيل شارون بفرقته المدرعة (الفرقة 143) في الثغرة بين الجيش الثاني المصري شمالاً والجيش الثالث جنوباً على ضفة البحيرة المرة الكبرى. أدارت المعارك الليلية الضارية في منطقة «المزرعة الصينية» يومَين من الاشتباك الدموي المتقطّع، ثم عبرت قوات شارون قناة السويس غرباً في الثلاثة عشر من أكتوبر مستخدمةً جسراً عائماً. كان الوصول إلى الضفة الغربية — أي الجانب المصري من القناة — فتحاً استراتيجياً ذا أثر مضاعف: أولاً أسقط الشبكة الكاملة لصواريخ SA-6 التي كانت تحمي المسافة على مسير اثنين وخمسين كيلومتراً بين الجيشَين الثاني والثالث، مما أعاد لسلاح الجو الإسرائيلي حريته في الجنوب. ثانياً لفّ الجيش الثالث المصري من الجنوب الغربي وقطع خطوط إمداده.
[9]
بحلول الرابع والعشرين من أكتوبر — وهو يوم وقف إطلاق النار الثاني — كان الجيش الثالث المصري (نحو عشرين ألف جندي وأربعمائة دبابة) محاصراً كلياً غرب القناة، وكانت القوات الإسرائيلية تقف على بُعد أقل من مئة كيلومتر من القاهرة.

التدخل الدولي وشبح الحرب النووية

لم تكن حرب أكتوبر معركةً إقليمية محدودة الأثر؛ فقد أوصلت توتراتها منظومة الحرب الباردة إلى حافة مواجهة مباشرة بين القطبَين بصورة لم تحدث منذ أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962. حين تبيّن أن الحرب تسير نحو هزيمة عربية جديدة، شرع الاتحاد السوفيتي في جسر جوي ضخم لإعادة تسليح مصر وسوريا، فردّت الولايات المتحدة بجسرها الجوي الخاص «عملية نيكل غراس» التي نقلت للجيش الإسرائيلي في غضون أيام مئات الطائرات والدبابات وعشرات آلاف الأطنان من الذخيرة. حين أُحكم تطويق الجيش الثالث المصري وخشيت موسكو من إذلال كامل لحليفها، أرسل ليونيد بريجنيف رسالةً مباشرة إلى الرئيس نيكسون في الرابع والعشرين من أكتوبر يُهدّد فيها بإيفاد قوات سوفيتية منفردة لحماية مصر. استجابت الولايات المتحدة بإعلان تحذير نووي (DEFCON 3) — أعلى مستوى استنفار نووي أمريكي منذ أزمة الصواريخ الكوبية — ثم تراجع السوفيت عن تهديدهم.
[10]

السلاح النفطي والحظار العربي

في السابع عشر من أكتوبر 1973، بعد أحد عشر يوماً من بدء الحرب، اجتمع وزراء نفط الدول العربية الأعضاء في أوبك في الكويت وأعلنوا قراراً غيّر التوازنات الاقتصادية الدولية للعقد التالي: حظر فوري لصادرات النفط إلى الولايات المتحدة والدول الداعمة لإسرائيل، مع خفض إنتاج بنسبة خمسة بالمئة شهرياً حتى تنسحب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة. كان الملك فيصل بن عبدالعزيز — الذي طالما قاوم توظيف النفط ورقةً سياسية — قد أبلغ الرئيس نيكسون قبل الحرب صراحةً أن استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل سيُجبره على تحريك الورقة النفطية.
[11]
كانت التداعيات مذهلة بحجمها: قفز سعر البرميل من دولارَين ونصف إلى أحد عشر دولاراً وخمسة وستين سنتاً بنهاية ديسمبر 1973، وتشكّلت طوابير السيارات أمام محطات الوقود في الولايات المتحدة وأوروبا، وانخفض الناتج القومي الأمريكي بما يعادل عشرة إلى عشرين مليار دولار وفقد نصف مليون أمريكي وظائفهم في ستة أشهر. اضطرت دول أوروبا الغربية التي تعتمد على النفط العربي لخمسة وأربعين بالمئة من احتياجاتها إلى إعلان مواقف متباينة عن واشنطن في الصراع العربي الإسرائيلي لأول مرة بصورة علنية، وبات السلاح النفطي العربي حقيقةً استراتيجيةً جيوسياسية لا مجرد تهديد نظري. رُفع الحظر في التاسع عشر من مارس 1974 إثر وساطات هنري كيسينجر الدبلوماسية وما أفضت إليه من اتفاقيات فك الاشتباك.
[12]

وقف إطلاق النار واتفاقيات فك الاشتباك

صدر قرار مجلس الأمن رقم 338 في الثاني والعشرين من أكتوبر 1973 مطالباً بوقف فوري لإطلاق النار وتطبيق قرار 242 وفتح مفاوضات مباشرة بين الأطراف المعنية. قبلت مصر وإسرائيل القرار، لكن المعارك استمرت حتى الخامس والعشرين من أكتوبر حين أُعلن وقف إطلاق النار الثاني. في الحادي عشر من نوفمبر، التقى ممثلو الجيشَين المصري والإسرائيلي في الكيلو 101 على الطريق بين القاهرة والإسماعيلية — وهو أول لقاء مباشر بين ضباط الجانبَين في تاريخ الحروب العربية الإسرائيلية — وتوصّلا إلى اتفاق هشّ لتبادل الأسرى وتمكين الأمم المتحدة من توصيل الإمدادات للجيش الثالث المطوَّق. أعاد هنري كيسينجر وزير الخارجية الأمريكي — مستغلاً اللحظة لإعادة تموضع النفوذ الأمريكي في المنطقة على حساب موسكو — رسم مشهد الحل؛ فأجرى مكوكياته الشهيرة «دبلوماسية الخطوة خطوة» بين القاهرة وتل أبيب ودمشق، وأفضت إلى اتفاقية فك الاشتباك المصري الإسرائيلي في الثامن عشر من يناير 1974 التي انسحبت بموجبها إسرائيل شرقاً، ومنحت مصر شريطاً رمزياً من سيناء، ونُشرت بينهما قوة أممية. تلتها اتفاقية فك الاشتباك السوري الإسرائيلي في الحادي والثلاثين من مايو 1974.
[1]

قراءة النتائج — من انتصر؟

تُعدّ نتائج حرب أكتوبر من أكثر المسائل جدلاً في التأريخ الحديث للصراع العربي الإسرائيلي، إذ يرفض كثير من المحللين الصياغة الثنائية «انتصر / هُزم» لأن كلاً من الأطراف يستطيع بوجه من الوجوه المطالبة بانتصاره. على صعيد الواقعة العسكرية الخاصة: إسرائيل استعادت زمام المبادرة وطوّقت الجيش الثالث المصري بحلول وقف إطلاق النار، وتقدّمت عمقاً في الأراضي السورية تجاوزاً لخطوط 1967. لكن الميزان لم يكن صافياً: خسرت إسرائيل في أسبوع واحد ما يعادل خسائر ثلاث سنوات من حرب الاستنزاف، وتهشّمت صورة جيشها الأسطوري الذي بدا لا يُقهر. على صعيد السياسة الدولية، حقّق السادات ما أراده بالضبط: أُعيد الملف المصري إلى القمة الأممية، وبات كيسينجر يزور القاهرة بدلاً من تجاهلها، وانطلقت العجلة الدبلوماسية التي أفضت إلى كامب ديفيد 1978 وعودة سيناء كاملةً إلى السيادة المصرية في 1982.
[13]

«أخبرتهم أنني لن أمنحهم ما طلبوه — لكنني أعطيتهم ما احتاجوا إليه حقاً. لقد جلستُ مع أعدائي في زنزانة واحدة ستة أعوام، فعرفت الفرق بين الكلمات والأفعال.»
— أنور السادات، في إشارة إلى مفاوضاته بعد الحرب، من كتاب «البحث عن الذات» — 1977

الأثر على إسرائيل — لجنة أغرانات وما بعدها

كانت إسرائيل الدولةَ الأكثر تضرراً في بُعدها الاجتماعي والنفسي الداخلي من الحرب، رغم أنها خرجت منها بمكاسب ميدانية. شكّلت حكومة غولدا مائير لجنة تحقيق رسمية بقيادة رئيس المحكمة العليا شيمون أغرانات للتحقيق في إخفاق الاستخبارات وقرارات القيادة. خلصت لجنة أغرانات في تقريرها الصادر في أبريل 1974 إلى قصور واسع في تقييم المخابرات العسكرية وإخفاق قيادة الجبهة الجنوبية في اليوم الأول، وأوصت بإقالة رئيس الاستخبارات العسكرية وعدد من كبار الضباط. تحت وطأة الرأي العام وتوالي الانتقادات، استقالت رئيسة الوزراء غولدا مائير في أبريل 1974 عقب أقل من شهر على نشر التقرير الأول للجنة، وفي عام نفسه أُجبر موشيه ديان على التخلي عن حقيبة الدفاع. جاء خلفاء مائير ودياان يحملون في عروقهم درس الحرب المرير: لا يمكن الاستمرار في قبول الجمود الاستراتيجي والاعتماد الأعمى على المنعة والردع.
[14]
على مستوى العقيدة العسكرية، أعاد الجيش الإسرائيلي تنظيم نفسه جذرياً: استوعب الدرس المؤلم في العلاقة بين الدروع والمشاة والجو والصواريخ، وأنشأ وحدات مشاة ميكانيكية لمرافقة الدبابات بدلاً من الاعتماد الأعمى على المدرعات المستقلة، واستثمر في تطوير تقنيات التشويش والحرب الإلكترونية لمواجهة منظومات الصواريخ السوفيتية. كانت هذه الدروس حاضرة بقوة في التصميم الدفاعي الإسرائيلي لعقود.

الطريق إلى كامب ديفيد والإرث الدبلوماسي

أفضت حرب أكتوبر في نهاية المطاف إلى أهم حدث دبلوماسي في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي: زيارة الرئيس أنور السادات للقدس في التاسع عشر من نوفمبر 1977، حيث خاطب الكنيست الإسرائيلي مطالباً بالسلام الشامل. جاءت الزيارة مذهلةً في جرأتها وصادمةً في عالم عربي لم يعتَد على رؤية رئيس عربي يمشي في عاصمة الدولة التي حارب ضدها أربع مرات. في سبتمبر 1978، جمع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن في كامب ديفيد لثلاثة عشر يوماً من المفاوضات المعزولة أسفرت عن اتفاقيتَي كامب ديفيد التاريخيتَين في السابع عشر من سبتمبر 1978. توّجت اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية الموقّعة في الثالث والعشرين من مارس 1979 مسار السنوات الست الماضية، وبموجبها انسحبت إسرائيل تدريجياً من سيناء كلها وأعادتها لمصر في الثامن عشر من مارس 1982، وأُغلق فصل من فصول الحرب بين البلدَين.
[15]
لكنّ السلام المصري الإسرائيلي جاء بثمن باهظ على الصعيد العربي؛ فأدّت اتفاقيات كامب ديفيد إلى عزل مصر في العالم العربي وطرد جامعة الدول العربية مقرّها من القاهرة إلى تونس، واغتيل السادات نفسه على يد تنظيم الجهاد الإسلامي في السادس من أكتوبر 1981 — في ذكرى الحرب ذاتها — ثمناً لما وصفه المغتالون بالتفريط في القضية الفلسطينية. وتبقى المعضلة التي أفرزتها حرب أكتوبر ماثلةً حتى اليوم: السلام مع مصر أعطى إسرائيل أماناً استراتيجياً لم تعرفه من قبل، لكن القضية الفلسطينية التي كانت ينبغي أن تكون جوهر أي تسوية شاملة ظلّت معلّقةً دون حل، وسيظل هذا التعليق يُغذّي دورات الصراع في المنطقة لعقود.

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
الدولة العثمانية
إمبراطورية إسلامية حكمت ستة قرون
الحضارة الفارسية
حضارة إيرانية قديمة متعددة الأسرات
إبادة الأمريكيين الأصليين
إبادة ممنهجة طالت شعوب أمريكا الأصلية
الإبادة الأرمنية
إبادة الأرمن في الدولة العثمانية 1915
🔍