الدولة القرمطية دولة إسماعيلية شيعية نشأت في شرق الجزيرة العربية أواخر القرن التاسع الميلادي، وشكّلت لأكثر من قرن ونصف قوة سياسية وعسكرية واجتماعية استثنائية هزّت أركان الخلافة العباسية وأربكت الدولة الفاطمية الناشئة على حد سواء[1]. تعود جذورها إلى الدعوة الإسماعيلية التي انشقت عن التيار الرئيسي للتشيع الإمامي بعد وفاة الإمام جعفر الصادق، وحملت اسمها من الداعية حمدان قرمط الذي قاد الحركة في جنوب العراق في النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي[1]. استقر القرامطة في نهاية المطاف في إقليم البحرين التاريخي (هجر والأحساء وقطيف في شرق الجزيرة العربية الحالية)، حيث أسّس أبو سعيد الجنّابي دولة مستقلة سنة 899م اتخذت من هجر ثم الأحساء عاصمة لها[2]. تميزت هذه الدولة بنظام حكم جماعي قائم على مجلس من الزعماء بدلاً من الملكية الوراثية الصرفة، وبنظام اقتصادي واجتماعي فريد أثار جدلاً واسعاً بين المؤرخين حول طبيعته، بين من رآه تجربة مساواتية مبكرة ومن اعتبره أداة سيطرة طائفية صارمة[3]. بلغت الدولة أوج قوتها في عهد أبي طاهر سليمان الجنّابي الذي قاد غزوات متكررة على العراق وبلغ ذروة الصدام مع العالم الإسلامي حين اقتحم مكة المكرمة سنة 930م ونقل الحجر الأسود إلى عاصمته[1]. ودخلت الدولة بعد ذلك في مرحلة صراع متقلب مع كل من العباسيين والفاطميين، إلى أن أصابها الضعف الداخلي والتفكك القبلي في أواخر القرن العاشر، فسقطت نهائياً سنة 1077م على يد عبد الله بن علي العيوني الذي أسّس الإمارة العيونية خلفاً لها[2].
| نظرة عامة | |
| الاسم الكامل | الدولة القرمطية (دولة القرامطة) |
| العاصمة | هجر، ثم الأحساء (هفوف) |
| اللغة | العربية |
| الديانة | الإسماعيلية القرمطية (الشيعة السبعية) |
| نظام الحكم | حكم جماعي عبر مجلس زعماء |
| العملة | الدينار الذهبي المحلي |
| التأسيس والزوال | |
| التأسيس | 899م / 286هـ |
| المؤسس | أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنّابي |
| سقوط الدولة | 1077م / 470هـ |
| القوة الوارثة | الإمارة العيونية |
| أبرز القادة | |
| حمدان قرمط | الداعي المؤسس للحركة، أواخر القرن التاسع |
| أبو سعيد الجنّابي | 899 – 914م |
| أبو طاهر سليمان الجنّابي | 914 – 944م |
| الحسن الأعصم | قائد عسكري بارز، توفي 977م |
| أحداث محورية | |
| ثورة العراق والشام | 903 – 906م |
| نهب مكة وأخذ الحجر الأسود | 930م / 317هـ |
| إعادة الحجر الأسود | 952م / 339هـ |
النشأة والجذور الإسماعيلية
ترجع أصول الحركة القرمطية إلى الانشقاق الكبير الذي وقع داخل صفوف الشيعة الإسماعيلية عقب وفاة الإمام جعفر الصادق سنة 148هـ/765م، حين اختلف أتباعه حول من يخلفه في الإمامة. تمسّك فريق منهم بأن الإمامة انتقلت إلى إسماعيل بن جعفر ثم إلى ابنه محمد بن إسماعيل، معتبرين إياه الإمام المكتوم الذي سيعود بوصفه المهدي المنتظر، بينما اتجه فريق آخر لاحقاً لتأييد دعوة عبيد الله المهدي الذي أسّس الخلافة الفاطمية في شمال إفريقيا سنة 909م[1]. القرامطة تحديداً هم الفرع الذي رفض الاعتراف بشرعية عبيد الله المهدي وادعائه الإمامة، وظلوا متمسكين بانتظار عودة محمد بن إسماعيل نفسه، الأمر الذي جعلهم خصماً عقائدياً للدولة الفاطمية بقدر ما كانوا خصماً سياسياً للخلافة العباسية السنّية[1].
اعتمدت الدعوة الإسماعيلية في مراحلها الأولى على شبكة من الدعاة (الدعاة، مفردها الداعي) الذين كانوا يتحركون سراً بين الأمصار الإسلامية، ناشرين تعاليم باطنية تمزج بين التأويل الرمزي للنصوص الدينية وبين وعود بالعدالة الاجتماعية لفئات مهمّشة من الفلاحين والعمال والموالي. وقد وجدت هذه الدعوة أرضاً خصبة في جنوب العراق، حيث تراكمت مظالم اقتصادية واجتماعية عميقة خلّفتها عقود من الاضطراب السياسي وثورة الزنج التي سبقتها بعقود قليلة، فكانت البيئة مهيأة لظهور حركة تجمع بين البعد الديني والبعد الاحتجاجي[4].
حمدان قرمط والدعوة الأولى
يُعدّ حمدان بن الأشعث، المعروف بـ«قرمط»، الشخصية المؤسسة التي حملت الحركة اسمها؛ إذ تولى قيادة الدعوة الإسماعيلية في منطقة الكوفة وجنوب العراق في النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي، وبنى حوله شبكة تنظيمية محكمة من الدعاة والأتباع امتدت تأثيراتها لاحقاً إلى البحرين واليمن وبلاد الشام وخراسان[1]. لا تُجمع المصادر التاريخية على أصل تسمية «قرمط»، فبعضها يردّها إلى لقبٍ شخصي لحمدان نفسه، وبعضها الآخر يربطها بأصول لغوية أو اجتماعية مختلفة، إلا أن الاسم استقر في المصادر العربية اللاحقة بوصفه الاسم الجامع للحركة بأسرها وليس لشخص حمدان وحده.
مثّلت شبكة حمدان قرمط النواة التنظيمية التي انبثقت منها لاحقاً فروع الحركة في مناطق متعددة من العالم الإسلامي، إذ أوفد دعاة إلى اليمن والبحرين، وكان من أبرز هؤلاء الداعية أبو سعيد الجنّابي الذي سيصبح لاحقاً مؤسس الدولة القرمطية في شرق الجزيرة العربية. وقد اتسمت هذه المرحلة التأسيسية بطابع سرّي صارم، حيث كانت الدعوة تُنقل عبر درجات متتالية من التلقين لا يصل فيها المريد إلى المعرفة الكاملة إلا بعد اجتيازه مراحل من الثقة والاختبار، وهو ما أعطى الحركة طابعاً باطنياً غامضاً في نظر خصومها من الفقهاء والمؤرخين السنّة.
ثورة العراق والشام (903-906م)
شهدت السنوات الأولى من القرن العاشر الميلادي موجة من الاضطرابات المسلحة التي قادها أتباع الدعوة القرمطية في جنوب العراق وبادية الشام، واتخذت طابعاً ثورياً صريحاً استهدف زعزعة سلطة الخلافة العباسية في هذه الأقاليم. اندلعت الثورة سنة 903م تحت قيادة زعماء محليين استغلوا حالة الاحتقان الاجتماعي بين القبائل والفلاحين، وتمكنوا من تحقيق انتصارات عسكرية متفرقة على القوات العباسية قبل أن تُخمد الحركة تدريجياً بحلول سنة 906م بعد حملات عسكرية عباسية مكثفة[1].
مثّلت هذه الثورة أول اختبار حقيقي لقدرة الدعوة القرمطية على تحويل شبكتها السرية إلى قوة عسكرية منظمة قادرة على تحدي سلطة مركزية كبرى. ورغم إخماد الحركة في العراق والشام، فإن هذه التجربة زوّدت القيادات القرمطية بخبرة عسكرية وتنظيمية استثمرتها لاحقاً بشكل أكثر نجاعة في شرق الجزيرة العربية، حيث كانت الظروف الجغرافية والسياسية أكثر ملاءمة لبناء كيان سياسي مستقر بعيداً عن مركز الثقل العسكري للخلافة العباسية في بغداد.
تأسيس الدولة في هجر والأحساء
في سنة 899م/286هـ، أسّس أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنّابي دولة قرمطية مستقلة في إقليم البحرين التاريخي، الذي كان يضم آنذاك مناطق هجر والأحساء والقطيف وأوال (البحرين الحالية)، متخذاً من مدينة هجر عاصمة أولى قبل أن تنتقل العاصمة لاحقاً إلى الأحساء[2]. استفاد أبو سعيد من موقع الإقليم الهامشي نسبياً عن مراكز السلطة العباسية المباشرة، ومن استيائه القبلي من الإدارة المركزية، ليبني كياناً سياسياً متماسكاً استمر أكثر من مئة وسبعين عاماً، متحدياً بذلك محاولات الخلافة العباسية المتكررة لإخضاعه.
لم تكن الدولة القرمطية الوليدة مجرد إمارة قبلية عابرة، بل تحولت بسرعة إلى كيان ذي بنية إدارية ودينية مستقرة، جمع بين الزعامة الدينية الروحية للأسرة الجنّابية الحاكمة وبين نظام حكم جماعي شارك فيه ممثلون عن القبائل والجماعات المكوّنة للمجتمع القرمطي. وقد أتاح هذا المزيج من الشرعية الدينية والتوافق القبلي للدولة أن تحافظ على تماسكها الداخلي لعقود طويلة، رغم الحروب الخارجية المتواصلة التي خاضتها ضد جيرانها.
أبو سعيد الجنّابي ونظام الحكم الجماعي
حكم أبو سعيد الجنّابي الدولة الوليدة من سنة 899م حتى اغتياله سنة 914م، وخلال هذه الفترة أرسى القواعد الأساسية للنظام السياسي والاجتماعي الذي ميّز الدولة القرمطية عن سائر الدول الإسلامية المعاصرة لها. فبدلاً من نظام الملكية الوراثية المطلقة السائد في الخلافتين العباسية والفاطمية، اعتمد القرامطة نظام حكم يقوم على مجلس من كبار الزعماء والوجهاء يشارك في اتخاذ القرارات الكبرى، وإن ظلت الزعامة الروحية والعسكرية العليا محصورة في نسل أبي سعيد وأسرته[3].
وصف بعض الباحثين المعاصرين هذا النظام بأنه أقرب إلى صيغة «جمهورية» مبكرة منه إلى الملكية التقليدية، مستندين إلى أن المواطنين القرامطة كانوا يختارون طوعاً الانضمام إلى المجتمع القرمطي واعتناق أيديولوجيته، وأن القيادة العليا لم تكن تملك سلطة مطلقة غير مقيدة، بل كانت تتقاسم القرار مع ممثلين عن مختلف الجماعات والقبائل المكوّنة للدولة[5]. غير أن هذا التوصيف يظل موضع نقاش أكاديمي، إذ يشير مؤرخون آخرون إلى أن السلطة الفعلية بقيت في يد الأسرة الحاكمة وحاشيتها الدينية، وأن طابع «المشاركة» كان محدوداً بحدود الجماعة القرمطية المؤمنة بالعقيدة الإسماعيلية دون سواها.
كانت الدولة القرمطية في البحرين أقرب في سماتها إلى الجمهورية منها إلى أي شكل آخر من أشكال الحكم؛ فمواطنوها اختاروا طوعاً الانتماء إليها والتمسك بأيديولوجيتها، ولم يكن قادتها يحتكرون السلطة المطلقة في أيديهم.
— دراسة أكاديمية عن التجربة القرمطية، جامعة كاليفورنيا الحكومية، 2015
أبو طاهر سليمان الجنّابي وذروة التوسع
بعد اغتيال أبي سعيد سنة 914م، تولى ابنه أبو طاهر سليمان الجنّابي القيادة، وشهدت الدولة في عهده أوج قوتها العسكرية وأكثر مراحلها استفزازاً للعالم الإسلامي المحيط بها. قاد أبو طاهر حملات متكررة على العراق، فداهم البصرة سنة 923م والكوفة سنة 927م، ووصلت طلائع جيوشه إلى مشارف بغداد نفسها، ما أرغم الخلافة العباسية على دفع إتاوات سنوية له لوقف غاراته المتكررة على قوافل الحجيج وأقاليم العراق الجنوبية[1].
اتخذت هذه الحملات طابعاً دينياً حاداً في مرحلة معينة، إذ اقتنع أبو طاهر سنة 928م بأن المهدي المنتظر قد ظهر في شخص شاب فارسي يُدعى أبا الفضل الأصفهاني، فقاد جيشه بدافع هذه القناعة العقائدية نحو أخطر عملياته العسكرية على الإطلاق: اجتياح مكة المكرمة في موسم الحج.
نهب مكة وأخذ الحجر الأسود (930م)
في الحادي عشر من يناير 930م/8 ذي الحجة 317هـ، اقتحمت قوات أبي طاهر سليمان مدينة مكة المكرمة في ذروة موسم الحج، بعد أن دخلها جنوده بذريعة أداء مناسك الحج، ثم انقلبوا على الحجاج فقتلوا أعداداً كبيرة منهم ونهبوا المدينة لعدة أيام[1]. لم تسلم الكعبة المشرفة نفسها من هذا الاعتداء، إذ جرى انتزاع الحجر الأسود من مكانه ونقله إلى الأحساء، في حادثة اعتُبرت من أشد الصدمات التي تعرض لها العالم الإسلامي في تاريخه الوسيط، وأدانتها الخلافتان العباسية والفاطمية على حد سواء رغم عدائهما المتبادل[2].
ظل الحجر الأسود في حوزة القرامطة نحو اثنين وعشرين عاماً، رغم محاولات الخلافة العباسية المتكررة لاستعادته عبر التفاوض والفدية. وفي سنة 952م/339هـ، أُعيد الحجر الأسود أخيراً إلى مكة، حيث وُضع في المسجد الجامع بالكوفة قبل إعادته إلى موضعه الأصلي في الكعبة، في خطوة فُسّرت آنذاك بأنها محاولة قرمطية لتخفيف العزلة السياسية التي فرضتها هذه الحادثة على دولتهم داخل العالم الإسلامي.
النظام الاجتماعي والاقتصادي
تميزت الدولة القرمطية بنظام اقتصادي واجتماعي استرعى انتباه الرحالة والمؤرخين المعاصرين لها. فقد وصف الرحالة الفارسي ناصر خسرو، الذي زار إقليم الأحساء سنة 1051م، مجتمعاً زراعياً مزدهراً تقوم عليه أملاك واسعة من البساتين والحقول، يعمل فيها عدد كبير من العمال والعبيد المستقدمين من شرق إفريقيا، بينما كان سكان الإقليم من القرامطة معفيين من الضرائب المباشرة، وكان بإمكان المعسرين الحصول على قروض دون فوائد ريثما تستقر أحوالهم[6].
وقد شكّل هذا النظام، بما فيه من إعفاءات ضريبية وقروض بلا ربا وضمانات اجتماعية لأفراد الجماعة القرمطية، أساساً لاستمرار سردية «التجربة اليوتوبية» التي ألصقها بعض الباحثين المعاصرين بالدولة القرمطية، رغم أن هذه الامتيازات كانت في جوهرها محصورة بمن ينتمون إلى الجماعة الدينية القرمطية نفسها، بينما اعتمد الاقتصاد الزراعي للدولة إلى حد بعيد على عمالة رقيق مستقدمة من خارجها، وهو ما يعقّد أي توصيف مبسّط لطبيعة هذا النظام الاجتماعي بوصفه مساواتياً بإطلاق.
العلاقات مع الخلافتين العباسية والفاطمية
اتسمت علاقة الدولة القرمطية بجيرانها الكبار بتعقيد شديد، إذ كانت في حالة عداء دائم تقريباً مع الخلافة العباسية التي مثّلت الخصم السياسي والديني المباشر لها، بينما لم تكن علاقتها بالخلافة الفاطمية أقل توتراً رغم الانتماء الإسماعيلي المشترك، ذلك أن القرامطة رفضوا الاعتراف بشرعية الأئمة الفاطميين ونظروا إليهم بوصفهم خصوماً عقائديين لا حلفاء طبيعيين[1].
بلغ هذا العداء ذروته العسكرية في عهد القائد الحسن الأعصم، الذي قاد الجيوش القرمطية في حملات متكررة على بلاد الشام في العقد الأخير من القرن العاشر، فاستولى على دمشق سنة 968م، ثم واصل مواجهاته مع القوات الفاطمية التي كانت قد استكملت لتوها فتح مصر. وقد أدت هذه المواجهات المتكررة إلى استنزاف طويل الأمد لموارد الدولة القرمطية العسكرية والبشرية، ومهّدت الطريق لمرحلة الضعف التي ستعقب وفاة الحسن الأعصم سنة 977م.
الانحدار والتفكك الداخلي
عقب وفاة القائد الحسن الأعصم سنة 977م/367هـ، دخلت الدولة القرمطية في مرحلة تراجع تدريجي متسارع، إذ فقدت جزءاً كبيراً من قوتها العسكرية الرادعة، وتفاقمت الانقسامات الداخلية بين مختلف مراكز القوى القبلية والدينية داخل المجتمع القرمطي[2]. تعرضت أطراف الدولة لضربات متكررة من قوى محلية منافسة، إذ سجّلت المصادر هزيمة القرامطة في الأحساء والقطيف على يد زعيم قبلي من بني المنتفق سنة 988م، وهو ما أدى إلى فقدان جزء من ثرواتهم ونفوذهم المباشر.
واستمر هذا التراجع طوال القرن الحادي عشر الميلادي، إذ فقدت الدولة القرمطية السيطرة تدريجياً على أوال (البحرين) وقطيف لصالح زعامات محلية متمردة، حتى لم يبق لها في نهاية المطاف سوى الأحساء نفسها كمعقل أخير تحصنت فيه، بعد أن كانت تسيطر قبل عقود قليلة على رقعة جغرافية شاسعة امتدت تأثيراتها من العراق إلى الشام واليمن.
سقوط الدولة وقيام الإمارة العيونية
مثّل ظهور عبد الله بن علي العيوني، زعيم قبيلة بني مرة من عبد القيس، نقطة التحول الحاسمة في مصير الدولة القرمطية؛ إذ ثار على الحكم القرمطي في الأحساء سنة 1070م/462هـ مستنداً إلى دعم قبلي محلي واسع وإلى تحالف مع الخلافة العباسية والسلاجقة الذين أرسلوا له تعزيزات عسكرية تركمانية[2]. استمر حصار عبد الله بن علي للأحساء نحو سبع سنوات متواصلة، حتى تمكن أخيراً من الاستيلاء عليها سنة 1076م/469هـ.
وفي السنة التالية، 1077م/470هـ، وضع عبد الله بن علي العيوني حداً نهائياً لوجود الدولة القرمطية في شرق الجزيرة العربية، مؤسساً الإمارة العيونية التي حكمت الإقليم من بعده لعقود طويلة[2]. بهذا السقوط، طويت صفحة ما يقارب مئة وثمانين عاماً من الحكم القرمطي المستقل، لكن أثر هذه التجربة السياسية والدينية بقي حاضراً في الذاكرة التاريخية للمنطقة والعالم الإسلامي، سواء بوصفها فصلاً مأساوياً من الاضطراب والعنف، أو بوصفها تجربة سياسية واجتماعية استثنائية تستحق الدراسة المتأنية بمعزل عن الأحكام المسبقة.
الإرث التاريخي وتقييمات المؤرخين
يظل تقييم الدولة القرمطية موضع خلاف واسع بين المؤرخين حتى اليوم، إذ تباينت الروايات التاريخية حولها تبعاً لمواقف كاتبيها العقائدية والسياسية. فقد صوّرتها المصادر السنّية التقليدية غالباً بوصفها حركة انشقاقية عنيفة ومارقة عن جماعة المسلمين، مستشهدة بحادثة نهب مكة وأخذ الحجر الأسود بوصفها الدليل الأبرز على هذا التوصيف[1]. في المقابل، اتجه بعض الباحثين المعاصرين في تاريخ الحركات الاجتماعية إلى قراءة التجربة القرمطية من زاوية مختلفة، بوصفها محاولة مبكرة لبناء نظام حكم أكثر مشاركة، وتوزيعاً أكثر عدلاً للثروة، في سياق عالم إسلامي وسيط سادته أنظمة ملكية مطلقة صارمة[5].
وبين هذين التوصيفين المتناقضين، يبقى الثابت تاريخياً أن الدولة القرمطية شكّلت لأكثر من قرن ونصف تحدياً عسكرياً وسياسياً وعقائدياً حقيقياً لأكبر قوتين إسلاميتين في عصرها، العباسية والفاطمية، وأنها طورت نظام حكم وإدارة اقتصادية متمايزاً بشكل واضح عن الأنماط السياسية السائدة آنذاك، وهو ما يجعل دراستها اليوم ذات أهمية خاصة لفهم تنوع التجارب السياسية والاجتماعية في التاريخ الإسلامي الوسيط، بعيداً عن الاختزال في أحادية سردية بعينها.