النكسة — وهي التسمية العربية لحرب يونيو 1967 المعروفة دولياً بـ«حرب الأيام الستة» (Six-Day War) — واحدةٌ من أشد المنعطفات التاريخية وطأةً وأبعدها أثراً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي والمنطقة العربية برمّتها؛ فقد شهدت في ستة أيام متتابعة بين الخامس والعاشر من يونيو 1967 الهزيمةَ العسكرية السريعة والمدوية لثلاث جيوش عربية كبرى: المصري والأردني والسوري، مع إسهام عراقي ومحدود، أمام القوات الإسرائيلية.
[1]
جاءت الهزيمة مُفاجِئةً بحجمها وسرعتها حتى لمن توقّع حرباً؛ ففي ساعات الصباح الأولى من الخامس من يونيو دمّرت الطائرات الإسرائيلية في عمليتها «موكيد» (التركيز) نحو 90% من سلاح الجو المصري وهو لا يزال راسياً على مدارج مطاراته، مُشكِّلةً بذلك القرار العسكري الحاسم الذي حدّد مآلات الحرب قبل أن تبدأ المعارك البرية. أُفضي الاستفراد الجوي الإسرائيلي المطلق إلى انهيار منظومة الدفاع البرية المصرية في سيناء في ثلاثة أيام، وإلى خسارة الأردن الضفة الغربية والقدس الشرقية في يومَين، وإلى سقوط هضبة الجولان السورية في يومَين آخرَين. حصدت إسرائيل في نهاية الحرب أراضيَ تبلغ ثلاثة أضعاف مساحتها الأصلية: سيناء وقطاع غزة من مصر، والضفة الغربية والقدس الشرقية من الأردن، وهضبة الجولان من سوريا، في حين لقي ما يزيد على 20,000 عربي حتفهم مقابل أقل من 700 إسرائيلي. لم تكن النكسة هزيمةً عسكرية فحسب، بل كانت زلزالاً هوياتياً وثقافياً وسياسياً عنيفاً هزّ الوجدان القومي العربي في عمقه، وأطاح برواية الانتصار الوشيك التي رسّخها خطاب الناصرية وزملاؤها، وأسّس لاحتلال إسرائيلي لا يزال يُحدّد شكل الصراع حتى يومنا هذا.
[2]
| النكسة — حرب الأيام الستة (يونيو 1967) | |
| التسمية العربية | النكسة / حرب يونيو 1967 / حرب الأيام الستة |
| التسمية الدولية | Six-Day War / Third Arab-Israeli War |
| التسمية الإسرائيلية | מלחמת ששת הימים — ميلحيمت شيشيت هيّاميم |
| الفترة الزمنية | 5 – 10 يونيو 1967 (ستة أيام) |
| الموقع الجغرافي | سيناء، غزة، الضفة الغربية، القدس الشرقية، هضبة الجولان |
| الأطراف المتحاربة | |
| الجانب العربي | مصر، الأردن، سوريا (مع إسهام عراقي) |
| الجانب الإسرائيلي | دولة إسرائيل — جيش الدفاع الإسرائيلي (IDF) وسلاح الجو (IAF) |
| القادة الرئيسيون | |
| إسرائيل | ليفي أشكول (رئيس الوزراء)، موشيه ديان (وزير الدفاع)، يتسحاق رابين (رئيس الأركان)، موردخاي هود (قائد سلاح الجو) |
| مصر | جمال عبد الناصر (الرئيس)، عبد الحكيم عامر (القائد الأعلى للقوات المسلحة) |
| الأردن | الملك الحسين بن طلال |
| سوريا | نور الدين الأتاسي (الرئيس)، حافظ الأسد (وزير الدفاع) |
| الخسائر البشرية | |
| الضحايا المصريون | أكثر من 11,000 قتيل |
| الضحايا الأردنيون | نحو 6,000 قتيل |
| الضحايا السوريون | نحو 1,000 قتيل |
| الضحايا الإسرائيليون | نحو 700 قتيل |
| النازحون الفلسطينيون | نحو 430,000 – 500,000 شخص (موجة التهجير الثانية — النكسة) |
| الأراضي المحتلة | |
| من مصر | سيناء (60,000 كم²) + قطاع غزة (360 كم²) |
| من الأردن | الضفة الغربية (5,800 كم²) + القدس الشرقية (6 كم²) |
| من سوريا | هضبة الجولان (1,300 كم²) |
| الوثائق الدولية | |
| قرار مجلس الأمن 242 | 22 نوفمبر 1967 — يطالب بانسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة |
| إعلان الخرطوم | 1 سبتمبر 1967 — «اللاءات الثلاث»: لا سلام، لا مفاوضات، لا اعتراف |
الخلفية التاريخية
التوترات المتراكمة والمناخ الإقليمي في منتصف الستينيات
لم تبدأ حرب 1967 في يونيو من ذلك العام، بل كانت ثمرةً متأخرة لتراكم متشعّب من التوترات الحدودية والاستراتيجية والأيديولوجية التي تصاعدت طوال عقد الستينيات. كانت البيئة الإقليمية مشحونةً بعدة عناصر متشابكة: المنظمة الفلسطينية المحررة التي أُسِّست عام 1964 وباتت تشنّ عمليات فدائية عبر الحدود الأردنية والسورية؛ واشتداد حدة التوترات السورية الإسرائيلية حول مياه نهر الأردن ومناطق المزارعين في المنطقة المنزوعة السلاح؛ والتنافس الإيديولوجي الحاد بين الأنظمة العربية (مصر الناصرية وسوريا البعثية والأردن الملكي) الذي كان يدفع كلاً منها إلى استعراض حدة أكبر من الآخر في مواجهة إسرائيل. في نوفمبر 1966، نفّذ الجيش الإسرائيلي ضربةً انتقاميةً كبرى على قرية السموع جنوبي الضفة الغربية خلّفت ثمانية عشر قتيلاً وأربعةً وخمسين جريحاً، وفي أبريل 1967 اندلعت مواجهة جوية ضارية بين سوريا وإسرائيل أُسقطت فيها ست طائرات ميغ سورية فوق الأراضي السورية.
[1]
كان الاتحاد السوفيتي طرفاً فاعلاً في تصعيد الأزمة؛ إذ أبلغت أجهزة استخباراته مصر في مايو 1967 بأن إسرائيل تحشد عشرة إلى ثلاثة عشر لواءً على حدودها الشمالية مع سوريا استعداداً لغزو وشيك — وهو تقرير ثبت لاحقاً أنه كان مزوّراً أو مغلوطاً — غير أنه كان الفتيل الذي أشعل سلسلة القرارات المصرية المتصاعدة التي أفضت إلى الحرب.
[3]
القرارات المصرية وإغلاق مضيق تيران
ردّ الرئيس عبد الناصر على المعلومات السوفيتية بسلسلة قرارات متصاعدة التصعيد يعدّها المؤرخون من أكثر قرارات السياسة الخارجية التزامنية إشكاليةً في تاريخ المنطقة. في الرابع عشر من مايو 1967، أمر ناصر بنقل قوات مصرية ضخمة إلى سيناء في عرض موكب استعراضي علني في شوارع القاهرة، حاشداً ما يزيد على 100,000 جندي و1,000 دبابة في شبه الجزيرة التي كانت تفصل قوات الطرفين. في الثامن عشر من مايو، طالب ناصر الأمينَ العام للأمم المتحدة أوثانت بسحب قوات الطوارئ الدولية (UNEF) التي كانت مرابطةً في سيناء منذ 1957 بعد العدوان الثلاثي، واستجاب أوثانت للطلب بسرعة لافتة أثارت جدلاً أممياً واسعاً. وفي الثاني والعشرين من مايو، أعلن ناصر إغلاق مضيق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية، وهو الإجراء الذي كانت إسرائيل أعلنت صراحةً عام 1957 أنها ستعتبره مبرراً لاندلاع الحرب. وقّع ناصر ميثاق دفاع مشترك مع الأردن في الثلاثين من مايو، ليكتمل الطوق العسكري العربي الرسمي حول إسرائيل قبل أيام من اندلاع القتال.
[3]
دارت في الأوساط الأكاديمية نقاشات مستمرة حول طبيعة النوايا المصرية الحقيقية: هل كان ناصر يعتزم الهجوم فعلاً، أم كان يمارس لعبة الحافة لانتزاع مكاسب سياسية في مواجهة خصومه العرب ولإسرائيل قبل أن تفضي المفاوضات الدولية إلى حلٍّ ما؟ المؤرخ مايكل أورين في كتابه «ستة أيام من الحرب» يميل إلى أن ناصر كان يفتقر إلى خطة هجوم محددة لكنه أوجد ديناميكية لا مخرج منها، في حين يرى أفي شلايم أن إسرائيل استغلت الأزمة لتحقيق أهداف استراتيجية أعمق من مجرد رفع الحصار.
العمليات العسكرية
عملية موكيد — التركيز: ضربة الطيران الأعظم
في الساعة السابعة وخمس وأربعين دقيقةً من صباح الخامس من يونيو 1967، انطلق أسطول من مقاتلات إسرائيلية يبلغ تعداده مئةً وستةً وتسعين طائرة قاذفة وهجومية، مُشكِّلاً ما يُقارب تسعين بالمئة من كامل سلاح الجو الإسرائيلي، في تحرّك جوي مُحكَم هو الأدق والأسرع الذي شهدته الحروب منذ الحرب العالمية الثانية. حلّقت الطائرات على ارتفاعات منخفضة للغاية — أحياناً لا تتجاوز خمسة عشر متراً — كي تتفادى الرادارات المصرية، واتجهت غرباً نحو البحر المتوسط ثم انقضّت على مصر من الشمال في توقيت اختِير بعناية شديدة: الساعة الثامنة مصرياً، في منتصف الفترة التي تنتهي فيها دورية طائرات الإنذار المبكر المصرية في الفجر وقبل استئناف دوريات الصباح، وفي الوقت الذي كان الضباط المصريون يتناولون إفطارهم. ضربت أمواج المقاتلات الإسرائيلية ثمانية عشر مطاراً عسكرياً مصرياً في وقت واحد تقريباً؛ ودمّرت في الموجة الأولى وحدها مئةً وسبعةً وثمانين طائرة مصرية على مدارج المطارات قبل أن تحلّق، ثم أضافت الموجة الثانية في نحو الساعة التاسعة والنصف مئةً وسبع طائرات أخرى.
[4]
بحلول الظهر كان الجيش الإسرائيلي قد دمّر بصورة فعلية سلاحَي الجو المصري والأردني، وضرب قواعد الطيران السوري والعراقي. خسرت مصر في ذلك اليوم ما يزيد على 300 طائرة، والأردن 29، وسوريا 61، والعراق 10، في مقابل خسارة إسرائيل تسعة عشر طائرة فحسب. كانت هذه الضربة الاستباقية هي اللحظة التي حُسمت فيها الحرب قبل أن تبدأ معاركها البرية؛ إذ فقد الجيش العربي تغطيته الجوية كلياً، ودخلت دباباته ومدفعيته الثقيلة ميدان المعركة البرية تحت سماء إسرائيلية مفتوحة بلا حماية.
الجبهة المصرية وسقوط سيناء
مع التدمير شبه الكامل لسلاح الجو المصري، انطلقت الوحدات المدرعة الإسرائيلية في اليوم الأول ذاته على ثلاثة محاور رئيسية عبر صحراء سيناء. فقدت القوات المصرية وضعت دفاعات مُعمَّقة في سيناء، غير أنها انهارت بسرعة أمام التفوق الجوي الإسرائيلي المطلق الذي حوّل كل تحرك لرتل المدرعات المصرية إلى هدف سهل من الجو. أصدر الفريق عبد الحكيم عامر — قائد القوات المسلحة المصرية — في الساعة الثالثة من بعد ظهر اليوم الأول أوامر مثيرة للجدل بالانسحاب الفوري لكامل القوات المصرية في سيناء، وهو قرار يرى فيه كثير من المحللين الخطأ العسكري الأعظم في تاريخ الصراع؛ إذ حوّل الانسحاب المنظّم النسبي إلى فوضى تقاطرت فيها الوحدات المصرية المنسحبة في ممرات سيناء الضيقة تحت قصف جوي متواصل وكمائن مدرعة. بحلول اليوم الثالث من يونيو، كانت القوات الإسرائيلية تطلّ على قناة السويس، وكان الجيش الثالث الميداني المصري في موقف إجلاء ميؤوس منه.
[1]
الجبهة الأردنية وسقوط القدس الشرقية
رغم التحذيرات الإسرائيلية التي وصلت إلى الملك الحسين عبر قنوات سرية بعدم الانجرار إلى الحرب، أقحم الملكُ الأردنَ في المعركة في الساعة العاشرة من صباح الخامس من يونيو إثر استقباله معلومات مصرية مزوّرة تدّعي تحقيق انتصارات كبرى على الجبهة المصرية. فتحت قواته النار على القدس الغربية وأجزاء من تل أبيب، وشرعت في التقدم نحو مواقع إسرائيلية. ردّت إسرائيل بعمليات برية سريعة وضربات جوية دمّرت الجزء الأكبر من سلاح الجو الأردني في ساعات؛ ثم تحرّكت وحدات إسرائيلية نحو القدس الشرقية والضفة الغربية في معارك تبادل ناريّة حادة. في السابع من يونيو، اقتحمت وحدات سلاح المظليين الإسرائيلي الحارة القديمة في القدس عبر باب الأسباط، وأعلن الجنرال موشيه ديان واقفاً على أعتاب حائط البراق جملته الشهيرة «عُدنا إلى أقدس أماكننا ولن نغادرها أبداً». في الثامن من يونيو، قبل الأردن وقف إطلاق النار، وكانت الضفة الغربية بأسرها — بما فيها القدس الشرقية وبيت لحم والخليل ونابلس ورام الله وأريحا وطولكرم وجنين — قد وقعت تحت السيطرة الإسرائيلية. لقي في المعارك الأردنية نحو 6,000 جندي أردني حتفهم وخسر الجيش الأردني نحو مئتَي دبابة.
[1]
الجبهة السورية وسقوط الجولان
انتظرت إسرائيل حتى اليوم التاسع من يونيو — بعد أن تيقّنت من تأمين الجبهتَين المصرية والأردنية تماماً — لتفتح جبهتها مع سوريا. كانت هضبة الجولان قلعةً طبيعية شاهقة تحكم الإشراف على الجليل الإسرائيلي وكانت الجيوش السورية المتمركزة عليها تقصف المستوطنات الإسرائيلية في السهول المنخفضة منذ سنوات. شنّ الجيش الإسرائيلي هجوماً مدرعاً وعمليات مظلية مركّبة تسلّقت المنحدرات الصخرية في مواجهة دفاعات سورية محصّنة، وسقطت قمة الجولان في أيدي القوات الإسرائيلية بعد معارك دامية. وافقت سوريا على وقف إطلاق النار في العاشر من يونيو، وبحلول ذلك الوقت كانت تضحيات الجانب السوري قد بلغت نحو ألف قتيل، وفي الوقت ذاته كان حافظ الأسد — وزير الدفاع السوري آنذاك — يُذيع نبأ انسحاب القوات السورية من القنيطرة عبر الراديو السوري قبل ساعات من انسحابها الفعلي، مما أحدث فوضى وقد يكون سرّع الانهيار السوري.
[1]
نكسة الفلسطينيين — التهجير الثاني
خلف الحرب العسكرية حرب إنسانية صامتة لا تقل ثقلاً؛ فقد دفع الفلسطينيون ثمناً مضاعفاً: جزءٌ كبير منهم كان لاجئاً أصلاً من النكبة الأولى عام 1948، ويعيش في مخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة، فوجد نفسه في موجة تهجير ثانية. يُقدّر المؤرخون أن ما بين 250,000 و500,000 فلسطيني هُجِّروا إبان حرب 1967 من الضفة الغربية وغزة إلى الأردن، مما جعلهم لاجئين للمرة الثانية في حياتهم. وثّقت الأمم المتحدة هذه الموجة وعرّفتها بـ«نكسة التهجير» (Naksa) تمييزاً لها عن النكبة الأولى.
[2]
على أرض الواقع، تركت إسرائيل بعض الفلسطينيين في أماكنهم في المناطق المحتلة، وباتت تحكم مباشرةً على نحو مليون فلسطيني في الضفة الغربية وغزة وقطاع الجولان، مُضافين إلى السكان العرب الذين كانوا يعيشون داخل حدود 1948. كانت هذه اللحظة نقطة التحوّل التي أوجدت واقع الاحتلال المباشر الممتد الذي يُعدّ اليوم أحد أطول حالات الاحتلال العسكري في العصر الحديث.
الصدمة العربية وردود الأفعال
خطاب الاستقالة وعودة ناصر
مثّل التاسع من يونيو 1967 واحداً من أشد أيام التاريخ العربي الحديث وطأةً على الوجدان الجمعي؛ ففي مساء ذلك اليوم ألقى الرئيس عبد الناصر خطابه الذي تصدّعت فيه روايةُ الانتصار الوشيك التي عاش عليها العرب عقداً كاملاً. قال ناصر بصوت متهدّج: «قرّرت التخلي كلياً ونهائياً عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي»، معترفاً بالهزيمة ومُحمِّلاً نفسه المسؤولية. قبل أن يُتمّ خطابه، كانت ملايين المصريين والعرب تنزل إلى الشوارع في كل عاصمة عربية من بغداد إلى الدار البيضاء؛ رجالٌ ونساء وأطفال يبكون في الشوارع، يتضرعون لناصر ألّا يتخلى عن السلطة. في القاهرة تدفّق مئات الآلاف نحو منزله في المنشية الباكر رافضين الاستقالة، وفي يومَين من الاحتجاجات العفوية غير المسبوقة بجموعها وعاطفتها، أعلن ناصر التراجع عن استقالته مستجيباً لـ«إرادة الشعب».
[5]
كان المشهد إعلاناً غير مقصود عن عمق الإفلاس السياسي الذي عرّته الهزيمة؛ فالرجل الذي أوصل العرب إلى الكارثة كان يحظى بتأييد شعبي أعمق بعدها مما قبلها، وهو تناقض يُعبّر عن أزمة جوهرية في العلاقة بين الحاكم والمحكوم في السياسة العربية.
قمة الخرطوم وإعلان اللاءات الثلاث
في الفترة بين التاسع والعشرين من أغسطس والأول من سبتمبر 1967، التأمت في الخرطوم قمة عربية جمعت قادة ثلاثة عشر دولة لبحث الموقف بعد الهزيمة وتحديد سياسة الدول العربية إزاء إسرائيل. صدر عنها إعلان الخرطوم الشهير الذي ضمّن «اللاءات الثلاث» الشهيرة: لا سلام مع إسرائيل، لا مفاوضات مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل — إضافةً إلى التمسك بحقوق الشعب الفلسطيني. سادت في أوساط المعلّقين الغربيين والإسرائيليين تفسيرات هذا الإعلان بوصفه إعلاناً عن الإصرار على الحرب ورفض أي تسوية، غير أن قراءات أكاديمية أدق تشير إلى أن التفسير لم يكن بهذه الحدّية؛ فقد أشارت وثائق الخرطوم إلى أن المقصود هو رفض الاعتراف بسيادة إسرائيل على الأراضي المحتلة وليس بالضرورة رفض كل تسوية على الإطلاق، وهو ما تبيّن لاحقاً حين قبل كلٌّ من مصر والأردن قرار مجلس الأمن 242 خلال أسابيع من القمة ذاتها.
[6]
قرار مجلس الأمن 242 والإطار الدبلوماسي
في الثاني والعشرين من نوفمبر 1967، أصدر مجلس الأمن الدولي بالإجماع قراره رقم 242 الذي صاغه السفير البريطاني اللورد كارادون في صياغة بالغة الدقة والغموض في آنٍ معاً. نصّ القرار على مبدأَين رئيسيَّين: «عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة» وضرورة «انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتُلّت في النزاع الأخير» مع الاعتراف بحق كل دولة في الإقليم في العيش بسلام داخل حدود آمنة ومعترف بها. الصياغة الإنجليزية لكلمة «territories» دون أداة التعريف «the» أثارت جدلاً لا يزال قائماً: هل يعني القرار الانسحاب من كل الأراضي المحتلة أم من بعضها؟ تمسّك العرب والفلسطينيون والسوفيت بأن القرار يستلزم الانسحاب الكامل من جميع الأراضي المحتلة عام 1967، فيما تمسّكت إسرائيل والولايات المتحدة بأن الصياغة تترك هامشاً لتعديلات حدودية. هذا الغموض القانوني المقصود منح القرار حياةً دبلوماسية مديدة لكنه أفقده قوته الإلزامية في الوقت ذاته، ولا يزال القرار 242 المرجعَ القانوني الدولي الأساسي لأي مسعى دبلوماسي لحل الصراع.
[7]
الاحتلال وبدايات الاستيطان
مع نهاية الحرب العسكرية بدأت مرحلة مختلفة من الصراع أثبتت أنها الأعمق أثراً والأطول أمداً: إدارة الاحتلال وبناء المستوطنات. في مجلس الوزراء الإسرائيلي بعد الحرب مباشرةً، دارت نقاشات جوهرية حول ما ينبغي فعله بالأراضي المحتلة؛ كان تياران رئيسيان يتجاذبان: تيار «حركة الأرض الكاملة» الذي رأى في هذه الأراضي «يهودا والسامرة» جزءاً لا يتجزأ من الوطن التاريخي، وتيار براغماتي أراد استخدامها ورقةَ ضغط لانتزاع الاعتراف العربي بإسرائيل وتسوية شاملة. انتصر التيار الأول تدريجياً؛ إذ بدأت المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والجولان في الظهور منذ عام 1967، وبحلول نهاية العقد كانت الحكومة الإسرائيلية تدعم سياسة الاستيطان بصورة متزايدة وإن كانت تُقدّمها أحياناً بذرائع أمنية وليس دينيةً أيديولوجية. يرى المؤرخ أفي شلايم في كتابه المرجعي «الجدار الحديدي» أن قرار التوسع الاستيطاني في الأراضي المحتلة كان الاختيار الأكثر تأثيراً في مسيرة الصراع على المدى البعيد، وأنه حوّل إمكانية التسوية القائمة على «الأرض مقابل السلام» إلى حقل ألغام متزايد التعقيد كلما تعمّق الاستيطان.
[8]
النكسة في الوجدان العربي والثقافي
لا يُقاس أثر النكسة بالأرقام العسكرية والمساحات الجغرافية وحدها، بل بما أحدثته من شرخ في الوجدان الثقافي والفكري العربي لا مثيل له في القرن العشرين. كان الأدب والشعر والنقد العربي في الأيام والأشهر التي تلت الهزيمة مرآةً لمحنة روحية حقيقية؛ ففي قصيدته الصاعقة «خبز وحشيش وقمر» كان الشاعر السوري نزار قباني قد استشعر قبل الحرب بقليل علّة أعمق من العسكر والسياسة، غير أنه بعدها أصدر قصيدته التاريخية «هوامش على دفتر النكسة» التي صبّ فيها سخطه على الأنظمة العربية بلغة ثورية جارحة:
«خسرنا الحرب لا مستغرب في ذلك. تُخاض الحروب بالرجال لا بالعُقَر والخدم. خسرنا الحرب لأن القمح المُخزَّن في مخازننا مسوَّس، وأن الأشجار لا تُثمر، وأن الرياح ليست في جهتنا.»
— نزار قباني، هوامش على دفتر النكسة، 1967
كان المفكر الفلسطيني الكبير إدوارد سعيد يرى أن النكسة أوجدت جيلاً عربياً مُصطدماً بأوهامه لأول مرة، مجبراً على مواجهة التناقض الحاد بين خطابه القومي الرنّان وواقع الهزيمة الموثوق بأرقامه. كما تعرّض الفكر القومي العربي الناصري لأولى ضرباته الأيديولوجية الداخلية الكبرى؛ وبدأ يصعد بديلٌ في الوجدان الشعبي هو الإسلام السياسي بوصفه إجابةً بديلة على سؤال الهزيمة، وإن لم تتضح كثافة هذا البديل إلّا في العقود اللاحقة. أما الفلسطينيون تحديداً، فقد شكّلت النكسة للجيل الذي عاش تحت الاحتلال الجديد نقطةً لولادة الهوية الوطنية الفلسطينية المستقلة بمعناها الحديث؛ إذ بعد عام 1967 انتزع الفلسطينيون قيادة كفاحهم بيدهم عبر حركات فدائية مستقلة، وأصبحت منظمة التحرير الفلسطينية بعد معركة الكرامة في مارس 1968 حركةً ذات ثقل سياسي وشعبي واسع متجاوزاً الوصاية العربية.
الإرث الاستراتيجي والأثر البعيد المدى
يقف باحثو العلاقات الدولية والتاريخ الاستراتيجي أمام حرب 1967 بوصفها من النماذج الأعمق تعليماً في تاريخ الحروب الحديثة والسياسة الإقليمية. على الصعيد العسكري، أثبتت عملية «موكيد» أن الضربة الجوية الاستباقية المتقنة تستطيع حسم مسار الحرب في ساعات، وباتت تُدرَّس في الأكاديميات العسكرية عالمياً نموذجاً في توظيف التفوق الجوي. غير أن الأثر الاستراتيجي الأبعد للنكسة يكمن في التحولات غير العسكرية التي أطلقتها: فالاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وغزة والجولان أنتج معادلةً جديدة يصعب التراجع عنها، إذ بات الاحتلال وما رسّخه من استيطان يُضيّق هامش أي تسوية متخيَّلة. أفضت الحرب كذلك إلى تحولات في بنية الحركة الفلسطينية وفي علاقة الأردن ومصر وسوريا بالقضية الفلسطينية، ودفعت مصر ست سنوات لاحقة نحو حرب الاستنزاف ثم حرب أكتوبر 1973 في مسعى لاسترداد ما فقدته. ولا يزال إرث النكسة حاضراً في قلب كل نقاش عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: فالأراضي التي احتُلّت في يونيو 1967 هي بالضبط ما تدور حوله كل مفاوضات السلام منذ مؤتمر مدريد 1991 وأوسلو 1993 وكامب ديفيد 2000 وطابا 2001، ولم يتوصّل أيٌّ منها حتى الآن إلى تسوية شاملة.
[9]