الإمبراطوريةُ الماراثيةُ (بالماراثية: मराठा साम्राज्य — ماراثا سامراجيا)، المعروفة أيضاً بـ”كونفيدرالية الماراثا”، كانت دولةً هندوسيةً كبرى نشأت في شبه القارة الهندية خلال القرن السابع عشر الميلادي، وتُعدّ الكيانَ السياسي الأقوى والأوسع الذي خلف الإمبراطورية المغولية في الهيمنة على شبه القارة الهندية خلال القرن الثامن عشر. أسّسها المحارب الأسطوري الهندوسي شيفاجي بهونسلي المُلقَّب بـ”تشاتراباتي” (Chhatrapati — سيد المظلة الإمبراطورية) عام 1674م إثر تتويجه رسمياً في قلعة رايغاد، في خضمّ انحلال الإمبراطورية المغولية وتناحر سلطنات الديكان المسلمة. وقد امتدت في ذروتها لتسيطر على ما يزيد على مليوني ونصف المليون كيلومتر مربع — أي ما يُعادل ثُلث شبه القارة الهندية بأسرها.[1]
نشأت الإمبراطورية الماراثية في سياقٍ تاريخيٍّ بالغ الخصوصية؛ فقد كانت الهند في القرن السابع عشر تئنّ تحت ثقل الهيمنة المغولية التي امتدت منذ بداية القرن السادس عشر، وكانت شعوب منطقة الديكان (الهضبة الجنوبية) تعاني الازدواجية الصعبة بين سلطنات مسلمة متنافسة كسلطنة بيجابور وسلطنة أحمدنغر وسلطنة غولكوندا من جهة، والمركز المغولي الشمالي المُهيمن من جهةٍ ثانية. في هذا الفراغ القيادي وعلى هذه الأرض الملتهبة، اشتعلت شعلة حركةٍ هندوسية قومية أسّس لها الشعراء الصوفيون والمصلحون الدينيون — كتوكارام وراماداس وإكناث — قبل أن يجمعها شيفاجي في مشروعٍ سياسيٍّ وعسكريٍّ واحدٍ سمّاه “هيندافي سواراجيا” (الحكم الذاتي الهندي).[2]
شهد القرن الثامن عشر توسعاً ماراثياً مذهلاً في عصر البيشوا (رئيس الوزراء)؛ إذ غدا البيشوا هو الحاكم الفعلي للإمبراطورية فيما احتفظ تشاتراباتي بسيادةٍ رمزية-دينية. وتحت قيادة باجي راو الأول (1720-1740م) الذي يُصنّفه كثيرٌ من المؤرخين أعظمَ جنرالٍ في تاريخ الإمبراطورية الماراثية، امتدت قوات الماراثا من الديكان شمالاً حتى دلهي وأتاك ولاهور، وغرباً حتى السند، وشرقاً حتى البنغال. وبلغت الإمبراطورية ذروتها عام 1758م حين وصلت قواتها إلى أتاك على نهر السند (في باكستان الحالية)، وكادت تُحكم سيطرتها الكاملة على شبه القارة الهندية بأسرها.[3]
غير أن معركة بانيبات الثالثة الكارثية في الرابع عشر من يناير 1761م أمام الأفغاني أحمد شاه دراني أوقفت هذا المدّ وحطّمت عصب الإمبراطورية، ومهّدت الطريق للحروب الأنغلو-ماراثية الثلاث التي أنهت في آخرها استقلالَ الإمبراطورية وألحقتها بالتاج البريطاني عام 1818م. بيد أن الإرث الماراثي لا يزال حاضراً في المخيّلة التاريخية والهويّاتية لشعب ماهاراشترا وفي الوعي الوطني الهندي الأشمل، إذ يُمثّل شيفاجي رمزاً جامعاً لفكرة المقاومة والكرامة والحكم العادل في شبه القارة الهندية.
| الإمبراطورية الماراثية | |
| الاسم الرسمي | ماراثا سامراجيا (Maratha Samrajya) / كونفيدرالية الماراثا |
| العواصم | رايغاد (عهد شيفاجي) — ساتارا — بونا/بونه (عصر البيشوا) |
| اللغة الرسمية | الماراثية (رسمية) — السنسكريتية (طقوس) |
| الديانة | الهندوسية |
| التأسيس والزوال | |
| تاريخ التأسيس | 6 يونيو 1674م — تتويج شيفاجي في قلعة رايغاد |
| نهاية الإمبراطورية | 1818م — الحرب الأنغلو-ماراثية الثالثة |
| المدة | نحو 144 سنة |
| المؤسس وكبار الحكام | |
| المؤسس | تشاتراباتي شيفاجي مهاراج (19 فبراير 1630 – 3 أبريل 1680م) |
| لقب الحاكم | تشاتراباتي (سيد المظلة الإمبراطورية) |
| أبرز البيشوا | باجي راو الأول (1720-1740م) — بالاجي باجي راو (1740-1761م) |
| أعظم القادة | باجي راو الأول — ماهادجي سينديا — ماداو راو الأول |
| الجغرافيا والسكان | |
| أقصى مساحة | ~2,500,000 كم² (ثُلث شبه القارة الهندية) [4] |
| السكان في الذروة | ~130-160 مليون نسمة |
| الامتداد الجغرافي | من أتاك (باكستان) شمالاً إلى تانجافور جنوباً، من كاتياوار غرباً حتى البنغال شرقاً |
| النظام الإداري والعسكري | |
| مجلس الوزراء | أشتا براذان (مجلس الوزراء الثمانية) |
| النظام الضريبي | الشاوث (25%) — السارديشموكهي (10% إضافية) |
| الأسلوب الحربي | غانيمي كاوا (حرب العصابات) |
| البحرية | الماراثا أبو البحرية الهندية — نحو 400 سفينة حربية |
| الكونفيدراليات الكبرى | |
| بيشوا (بونه) | الحاكم الفعلي للإمبراطورية (البيت بهات) |
| غايكواد (بارودا) | حاكم غوجارات |
| هولكار (إندور) | حاكم مالوا وسط الهند |
| سينديا/شيندي (غواليور) | حاكم شمال الهند |
| بهونسلي (ناغبور) | حاكم بيرار وشرق الهند |
| الخلف والسابق | |
| الكيان السابق | سلطنة بيجابور / الإمبراطورية المغولية |
| الكيان اللاحق | الراج البريطاني (بعد 1818م) |
١. الهند قبيل صعود الماراثا: مشهد الفوضى والانتظار
لاستيعاب نشوء الإمبراطورية الماراثية في أبعادها الصحيحة، ينبغي استجلاء المشهد التاريخي الهندي في القرن السابع عشر الذي وفّر لها شروط الميلاد والنمو؛ فمنذ تأسيس الإمبراطورية المغولية على يد بابر عام 1526م، هيمنت أسرة المغول على الشمال الهندي وتمددت تدريجياً نحو الجنوب. وقد بلغت هذه الهيمنة قمتها في عهد الإمبراطور أورنغزيب (1658-1707م) الذي أسرف في السياسات التشددية المذهبية، وفرض جزية الذمة على الهندوس ودمّر معابدهم في مناطق عدة، مما أذكى موجةً واسعة من المقاومة الثقافية والسياسية.
في الجنوب، كانت هضبة الديكان تتوزع بين ثلاث سلطناتٍ مسلمة: سلطنة بيجابور (سلطنة عادل شاهية) وسلطنة أحمدنغر ثم سلطنة غولكوندا الذهبية. وكان المحاربون الماراثا المتكلّمون باللغة الماراثية يخدمون في جيوش هذه السلطنات كوحداتٍ مرتزقة، محتفظين بهويّتهم الثقافية المتماسكة وشعورٍ عميقٍ بالانتماء إلى أرض الديكان وتراثها الهندوسي الموروث. كما أسهمت حركة البهاكتي (Bhakti) الصوفية-الهندوسية إسهاماً كبيراً في بثّ الوحدة الروحية والاجتماعية بين الماراثا؛ فالشاعر الصوفي تشاكا بادا وراماداس ومعاصروهم من علماء الدين كانوا يُحرّكون الوجدان الماراثي نحو الكرامة والمقاومة بلغةٍ روحية تلامس عمق الهوية الجمعية.[5]
كان والد شيفاجي، شاهجي بهونسلي، أحد أبرز قادة الماراثا العسكريين الذين خدموا في بلاطات السلطنات المتعاقبة؛ شارك في تأسيس إمارةٍ شبه مستقلة في بنغالور جنوب الهند، وكان يحمل في نفسه طموح الاستقلال الماراثي وإن تعذّر عليه تحقيقه. فنشأ شيفاجي الصغير على يدَي أمّه الإلهامية جيجاباي — امرأةٍ استثنائية البصيرة والعزم أدارت شؤون الأسرة وربّت ابنها على قيم الشجاعة والعدل والوطنية — في قلعة شيفنيري التي وُلد فيها، ثم في محيط قلعة بونه تحت وصاية المستشار دادوجي كوندديف الذي علّمه فنون الإدارة والقتال.
٢. شيفاجي مهاراج: ميلاد الأسطورة ونشأة المحارب
وُلد تشاتراباتي شيفاجي مهاراج في التاسع عشر من فبراير 1630م في قلعة شيفنيري القريبة من جونار، في إقليم ماهاراشترا الحديثة. كان ميلاده في تلك القلعة المنيعة على الجبال الصعبة رمزاً استباقياً لشخصيته: فالجبال والقلاع والأرض الوعرة ستكون طوال حياته ملاذه الاستراتيجي وسلاحه الأكثر إتقاناً في مواجهة الجيوش الأكثر منه عدداً وعتاداً. نشأ يتيم الأب في سنواتٍ مبكرة من حياته، وتولّت أمّه جيجاباي تربيته وتشكيل ضميره القتالي والأخلاقي على حدٍّ سواء؛ كانت تروي له ملاحم المحاربين الهندوس وبطولاتهم، وتُشعل في روحه نار الحلم بـ”هيندافي سواراجيا” (سيادة الهند بيد أهلها).[6]
في سنٍّ مبكرة جمع شيفاجي حوله نواةً من الشباب المتحمس من منطقة مافال — الشباب الجبليين المتمرّسين على التضاريس الوعرة والحياة القاسية — وربطهم بولاءٍ شخصيٍّ مطلقٍ له قبل أن يتحول إلى ولاءٍ لمشروعه الوطني الكبير. وفي عام 1646م — وهو في السادسة عشرة من عمره — أقدم على خطوته الأولى الشجاعة: استولى على قلعة تورنا من سلطنة بيجابور دون قتالٍ يُذكر، إذ أقنع حامية القلعة الصغيرة بتسليمها بالحجة والمال. ثم توالت القلاع تسقط في يده الواحدة تلو الأخرى: قلعة تشاكان وقلعة كوندانا وقلعة سينهاغاد وسواها. وقد أدرك شيفاجي مبكراً أن الفتح العسكري بلا قلاعٍ حصينة كالبنيان بلا أساس، فكرّس جزءاً كبيراً من جهوده على مدى حياته لبناء شبكةٍ من أكثر من ثلاثمئة وسبعين قلعةً في أرجاء الديكان، تمتد من الساحل الغربي إلى داخل الهضبة، تشكّل معاً شبكةً دفاعيةً متكاملة لا يستطيع أي عدوٍّ اختراقها بسهولة.
تألّق شيفاجي في لحظةٍ فارقةٍ جسّدت عبقريته الاستراتيجية: عام 1659م أوفد سلطان بيجابور أفضل خان — وهو جنرالٌ ضخم الجثة شهير بقوته البدنية — على رأس جيشٍ يُقدَّر بأكثر من عشرة آلاف مقاتل للقضاء على شيفاجي نهائياً. التقيا في لقاءٍ دبلوماسيٍّ ظاهره الحوار وباطنه الاغتيال؛ فقد أقدم أفضل خان على طعن شيفاجي بخنجرٍ مخبّأٍ في موعدٍ محدد، لكن شيفاجي المُحمِّي جسده بدرعٍ خفيةٍ صدّ الطعنة وقتل أفضل خان بمخلبٍ حديديٍّ (“واغنَكهِه”) كان قد أخفاه في قبضته. وكانت إشارةً لجنوده الكامنين في الغابة المحيطة ليشنّوا هجوماً مباغتاً أبادوا فيه جيش بيجابور في معركة براتابغاد الخالدة. أعلت هذه الواقعة من أسطورة شيفاجي وأضافت إلى شخصيته هالةً من الذكاء والشجاعة والقدرة على قلب المعادلات المستحيلة.[7]
٣. مواجهة المغول: الإمبراطورية العظمى تتعثّر أمام المحارب الجبلي
كانت المواجهة مع الإمبراطورية المغولية حتمية بمجرد أن تجاوز نفوذ شيفاجي نطاق المناوشات الإقليمية مع سلطنات الديكان الأضعف. فحين أرسل الإمبراطور المغولي أورنغزيب في عام 1660م وزيره الخبير شايستا خان على رأس جيشٍ مغولي ضخمٍ لاجتثاث التمرد الماراثي من جذوره، بدا الأمر وكأنه مسألة وقتٍ لا أكثر. استمر الحصار المغولي على بونه ومحيطها سنواتٍ، وفي أبريل 1663م نفّذ شيفاجي عمليةً جريئةً في عمق العدو ليلاً: تسلّل هو وعشرون مقاتلاً فقط إلى داخل قصر شايستا خان في بونه وشنّوا هجوماً مفاجئاً في القلب، وأُصيب القائد المغولي بجراحٍ وقُطع أصابعه، وفرّ مُذعوراً بأمانه ولم يعد أبداً إلى الديكان.[8]
ثم جاء عام 1664م بواحدةٍ من أجرأ عملياته الاقتصادية: هاجم شيفاجي ميناء سورات — أغنى موانئ المغول على الساحل الغربي وبوابتهم الرئيسية للتجارة مع العالم الإسلامي والأوروبي — ونهبه نهباً كاملاً استمر ثلاثة أيام، مستولياً على ثروةٍ ضخمةٍ موّل بها توسعاته العسكرية ولاحق الإهانة بإهانةٍ ثانية لسمعة المغول أمام العالم. وكرّر الكرّة مرةً أخرى عام 1670م في هجومٍ مماثلٍ على السورات أنتزع منها ثروةً مضاعفة.
دفع المغول في رد فعلهم بجنرالهم الأشهر المهاراجا جايا سينغ على رأس جيشٍ ضخمٍ في عام 1665م، وبعد حملةٍ عسكريةٍ شاملةٍ اضطر شيفاجي إلى التوقيع على معاهدة بوراندار التي تنازل بموجبها عن ثلاثٍ وعشرين قلعةً للمغول وقبل رسمياً بالتبعية الاسمية للإمبراطور. ثم دُعي إلى قصر أورنغزيب في أغرا عام 1666م، لكنه أُهين في الاستقبال الرسمي — إذ أُوقف في صفٍّ مع صغار أمراء المغول — فثار واحتُجز في البلاط. وفي واحدةٍ من أجرأ عمليات التهريب في تاريخ الهند، أُخرج شيفاجي وابنه سامبهاجي في صناديق الحلويات المُرسَلة كصدقةٍ يومية للفقراء، وعبرا سبعمئة ميلٍ في أراضي العدو متنكرَّين في زيٍّ مختلف حتى عادا سالمَين إلى الديكان. وأعادت هذه الهروب الأسطوري تأجيج روح المقاومة الماراثية من جديد.[9]
٤. التتويج عام 1674م: إعلان الدولة المستقلة
في السادس من يونيو 1674م، شهدت قلعة رايغاد المنيعة المُطلّة على سواحل الكونكان حدثاً تاريخياً فارقاً: تُوِّج شيفاجي رسمياً “تشاتراباتي” — لقبٌ سنسكريتيٌّ يعني حرفياً “سيد المظلة” ورمزٌ للسيادة الملكية المطلقة — في احتفاليةٍ دينيةٍ وسياسيةٍ جمعت كبار الكهنة الهندوس وزعماء القبائل وممثلي الشعب من كل أنحاء الديكان. وكان من الضروري استدعاء عالم الدين الهندوسي غاغابهات من بينارس لإضفاء الشرعية الدينية الكاملة على مراسم التتويج، إذ كانت بعض الأوساط الهندوسية المحافظة تُشكّك في ادعاء شيفاجي بالانتساب إلى الطبقة الكشاترية (المحاربين الملكيين) ضرورةً لشرعية الحكم.[10]
كان التتويج أبعد من أن يكون مجرد احتفالٍ دينيٍّ أو مناسبةٍ بروتوكولية؛ فهو كان إعلاناً سياسياً جريئاً يُثبّت وجود دولةٍ هندوسية مستقلة سيّدةٍ في مواجهة الهيمنتَين المغولية والسلطانية المسلمة، ويُؤسّس لمفهوم “هيندافي سواراجيا” (الحكم الذاتي الهندي) الذي طالما حلم به شيفاجي وسعى إليه. ولم يكن الأمر ادعاءً بالهيمنة الهندوسية على سائر الأديان — إذ كان شيفاجي ذاته يحكم بعدلٍ بين رعاياه من المسلمين والمسيحيين واليهود ويُعيّن أفراداً من كل الأديان والطوائف في جيشه وإدارته — بل كان إعلاناً بحق الشعب الهندي في حكم نفسه بنفسه.
٥. الإدارة والمؤسسات: نموذجٌ حديث في الحكم
أسّس شيفاجي منظومةً إداريةً متطورة لمملكته أثارت إعجاب المؤرخين المعاصرين الهنود والأوروبيين على حدٍّ سواء؛ فعلى رأس الجهاز الإداري أنشأ مجلس “أشتا براذان” (Ashta Pradhan) المؤلّف من ثمانية وزراء متخصصين يتولى كلٌّ منهم حقيبةً وزاريةً محددة: البيشوا (رئيس الوزراء) والأماتيا (وزير المالية) والسابنيس (وزير التوثيق) والداباجي (وزير الشؤون المنزلية) والسيكنافيس (السكرتير العام) والساراي نوباث (قائد البحرية) والبانديترو (المستشار القضائي والدستوري) والسومانت (وزير الشؤون الخارجية والبروتوكول).[11]
قسّم شيفاجي مملكته إداريةً إلى مقاطعاتٍ (“برانت”) يرأسها مديرون إقليميون ثم إلى تقسيماتٍ أصغر. وميّز بين السلطة العسكرية والمدنية ومنع قادة الجيش من تولّي مناصب مدنية حاكمة تفادياً لازدواج السلطة والفساد. أدخل نظاماً ضريبياً يعتمد على المساحة الفعلية للأرض المزروعة لا على التقديرات التقليدية، وقلّص الضرائب في سنوات الجفاف وقدّم مساعداتٍ للفلاحين المتضررين — وهي ممارساتٌ لم تألفها الهند في ذلك العهد. وحرص على استقلالية القضاء وأسّس محاكم قضائية مستقلة عن التأثير العسكري والسياسي.
كان من أبرز سمات حكم شيفاجي التسامح الديني الحقيقي لا الاسمي: فرغم كون الإمبراطورية في جوهرها هندوسية الهوية، إلا أنه أصدر أوامره الصريحة بحماية المساجد والكنائس والبيَع اليهودية وعدم التعرض للمصلين في الأراضي المفتوحة، وعيّن مسلمين في مواقع حساسة في جيشه وإدارته، وكان كبير أدميراله البحري “سيدي مسعود” مسلماً. وقد وصف الكاتب الإنجليزي ماتياس سيشنز عبد القادر، أحد الموظفين المسلمين في بلاط شيفاجي، مملكته بأنها “مثالٌ نادرٌ في التسامح بين الأديان لم يكن شائعاً في عصره.”
٦. حرب العصابات الماراثية: غانيمي كاوا
ابتكر شيفاجي — أو بالأدق طوّر وأتقن — فناً حربياً أحدث ثورةً في مفهوم القتال في شبه القارة الهندية: حرب العصابات المعروفة بالماراثية بـ”غانيمي كاوا” (Ganimi Kava)، أي “حكمة الغنيمة الحربية”. وكانت جوهرُ هذه الاستراتيجية تقوم على ضربات سريعة خاطفة بقوةٍ صغيرة متحركة تستغل معرفتها العميقة بالتضاريس الجبلية لتُباغت العدو في نقطة ضعفٍ محسوبة ثم تنسحب قبل أن يستعيد تماسكه، تاركةً الجيوش الضخمة تطارد خصماً لا يُمسك كالريح الجبلية.[12]
كانت الغابات المطيرة والجبال الشاهقة والممرات الضيقة في ماهاراشترا الغربية ملجأ الماراثا الطبيعي وسلاحهم الاستراتيجي الأمضى؛ فالجندي الماراثي الذي نشأ على هذه التضاريس كان يُجيد التسلل والكمين والانسحاب فيها بسرعةٍ يعجز عنها الجنود المغول أو السلطانيون القادمون من السهول المفتوحة. وقد أكمل شيفاجي هذه الميزة الطبيعية بشبكةٍ استخباراتيةٍ متطورةٍ يقودها رئيس استخباراته الأسطوري “باهيرجي نايك”، تتخلل كل مراكز القوى المحيطة وتُرسل المعلومات الدقيقة عن تحركات الأعداء وتحصيناتهم ونقاط ضعفهم. كان يقال في تلك الحقبة أن “عيوناً ألف في أرجاء الديكان تعمل لحساب شيفاجي.”
٧. البحرية الماراثية: أبو البحرية الهندية
يتميز شيفاجي عن أقرانه من بناة الإمبراطوريات البرية في الهند بإدراكه المبكر للبعد البحري في الاستراتيجية الوطنية؛ فقد أسّس أسطولاً حربياً على الساحل الغربي الكونكاني يُعدّ في الواقع النواة الأولى للبحرية الهندية الوطنية، لذا يحمل اليوم رسمياً لقب “أبو البحرية الهندية.” قدّر بعض المؤرخين أن الأسطول الماراثي بلغ في فترات ذروته أكثر من أربعمئة سفينة حربية متفاوتة الأحجام. وبنى سلسلةً من القلاع البحرية المتخصصة على طول الشريط الساحلي — أبرزها قلعة سينذودورغ الحصينة المبنية على جزيرةٍ صغيرة قبالة الساحل — لتكون قواعدَ تشغيليةً للأسطول ومراكز دفاعٍ عن الساحل ضد قراصنة المحيط الهندي والسفن الأوروبية والسيدية (سيدي يعقوب وحلفاؤه المسلمون البحريون).[13]
واجهت البحرية الماراثية في مرحلةٍ من مراحلها تحدياً بحرياً جسيماً من القوة البحرية السيدية الموالية للمغول، ومن السفن البرتغالية والإنجليزية التي كانت تُهيمن على تجارة الساحل الغربي. وقد ابتكر شيفاجي استراتيجيةً بحريةً مختلفة عما ألفه المعاصرون: يُركّز على البوارج الصغيرة السريعة (الغوراب والغالباتا) القادرة على المناورة في المياه الضحلة القريبة من الشاطئ والمداخل الجبلية، بدلاً من التنافس مع السفن الأوروبية الضخمة في مياهٍ مفتوحة — وهي استراتيجيةٌ تعكس نفس مبدأ “غانيمي كاوا” البري مطبَّقاً على البيئة البحرية.
٨. وفاة شيفاجي وخلافاته الأولى
في الثالث من أبريل 1680م، فارق تشاتراباتي شيفاجي مهاراج الحياةَ في قلعة رايغاد وهو في الخمسين من عمره، تاركاً وراءه مملكةً راسخةً وجيشاً محترفاً ومنظومةً إداريةً متكاملة، لكنه ترك أيضاً إشكالية الخلافة معلّقةً بين أبنائه المتنافسين. خلفه ابنه البكر سامبهاجي (1680-1689م) الذي اتصف بالشجاعة العسكرية لكنه كان مثيراً للجدل شخصياً في علاقاته ببلاطه. واصل سامبهاجي الصمود أمام الحصار المغولي الضخم الذي قاده أورنغزيب بنفسه ضد الديكان، لكنه وقع في الأسر عام 1689م وأُعدم بطريقةٍ مأساويةٍ أمام الإمبراطور المغولي الذي أراد به رسالةً رادعة، فكانت هذه الشهادة على العكس وقوداً للمقاومة الماراثية. وخلفه أخوه راجارام ثم زوجته الإلهامية تاراباي التي قادت المقاومة بصلابةٍ استثنائية طوال سنوات الحصار المغولي الكبير.
وبعد وفاة أورنغزيب عام 1707م — وكان قد أهدر سنواته الأخيرة الستةَ والعشرين في حروبٍ استنزافية مُضنية ضد الماراثا دون حسمٍ حقيقي — أُفرج عن شاهو بن سامبهاجي الذي كان محتجزاً في البلاط المغولي منذ طفولته. وعاد شاهو إلى الديكان حاملاً وثيقةً تمنحه السلطة على المناطق الماراثية، فأشعل أزمة خلافةٍ داخلية مع عمّته تاراباي التي كانت تحكم بالوصاية على ابنها. وانتهت الأزمة بسيطرة شاهو، وتعيينه عام 1713م باجي فيشواناث وزيراً أول (“بيشوا”) — وهو القرار الذي سيُغيّر طبيعة الإمبراطورية جذرياً.[14]
٩. عصر البيشوا: ذروة الإمبراطورية الماراثية
حوّل تعيين بالاجي فيشواناث بيشواً عام 1713م طبيعةَ الإمبراطورية الماراثية تحويلاً جذرياً؛ فقد أُضعف منصب تشاتراباتي (الإمبراطور الشرعي من أسرة بهونسلي في ساتارا) تدريجياً وتحوّل إلى سلطةٍ رمزية-دينية، فيما أمسك البيشوا (رئيس الوزراء من أسرة بهات البراهمية) بكل مقاليد السلطة الفعلية. ومنذ ذلك الحين، صارت الإمبراطورية الماراثية في حقيقتها إمبراطورية بيشوا تتخذ من بونه (Poona) عاصمةً فعلية.
بلغت الإمبراطورية ذروتها العسكرية والسياسية في عهد البيشوا الأعظم باجي راو الأول (1720-1740م)؛ فهذا الرجل الذي لم يتجاوز الثانية والعشرين حين تولّى منصب البيشوا يُعدّ بإجماع المؤرخين أعظم جنرالٍ أنجبته الإمبراطورية الماراثية على الإطلاق، وكان يُردّد مقولته الشهيرة: “إن أردنا أن نُعلي شجرة هيندافي سواراجيا، علينا أن نضرب الجذع لا الأغصان.” وبخلاف أسلافه الذين آثروا الديكان مسرحاً لنزاعاتهم، حوّل باجي راو وجهة الإمبراطورية شمالاً نحو قلب الهند في خطوةٍ جريئةٍ غيّرت مسار التاريخ.[15]
يُقال إن باجي راو الأول خاض أكثر من أربعين معركةً كبرى في عشرين سنةٍ من حكمه ولم يُهزم في أيٍّ منها؛ وشملت انتصاراته الكبرى: معركة باليد (1728م) ضد نظام حيدر آباد الذي حُسمت بتحركٍ مصطنَعٍ خادع أحكم فيه الطوق على جيش النظام الكبير ثم طلب منه الاستسلام، ومعركة دلهي عام 1737م حين وصلت طلائعه حتى أسوار العاصمة المغولية وأوقف إمبراطور دلهي عاجزاً عن ردّه، ومعركة بوبال (1737م) التي حسم فيها صراع الهيمنة مع تحالفٍ مغولي-أفغاني-ناظمي. وعند وفاته عام 1740م كانت الإمبراطورية الماراثية قد غدت القوة الأولى في شبه القارة الهندية بلا منافس.
توسّعت الإمبراطورية في عهد ابنه بالاجي باجي راو (نانا صاحب) توسعاً يفوق طاقتها على الإدارة الرشيدة؛ ففي عام 1756م وصلت قواتها إلى أتاك على نهر السند في أقصى شمال غرب الهند، وفي 1758م استولت على لاهور والبنجاب وبسطت سيطرتها على مناطق خضعت قروناً للهيمنة الأفغانية والمغولية. لكن هذا التمدد المتسارع الذي لم تواكبه قدرةٌ إداريةٌ مناسبة كان يشقّ الطريق لكارثةٍ قادمة لا تعلمها قيادة الإمبراطورية.
١٠. معركة بانيبات الثالثة 1761م: نقطة الانكسار الكبرى
في الرابع عشر من يناير 1761م، وقعت على أرض بانيبات القريبة من دلهي — نفس الأرض التي حسمت فيها معركتان تاريخيتان مصيرَ الهند قبلها — معركةٌ ثالثةٌ ستُعدّ من أشد المعارك دراماتيكيةً وتأثيراً في تاريخ الهند. وكانت الإمبراطورية الماراثية قد أرسلت جيشها الكبير بقيادة الجنرال الأعلى سادشيف راو بهاو على رأس ما يُقدَّر بمئةٍ وعشرين ألف مقاتلٍ بين جندي وتابع ومرافق، في مهمة لدعم الإمبراطور المغولي ضد الغزاة الأفغان بقيادة أحمد شاه دراني (دور اني) مؤسس الإمبراطورية الدرانية في أفغانستان.
كانت هناك قرارات خاطئة متتابعة مهّدت لهذه الكارثة: رفض الراجبوت والحكام الهندوس الآخرون مساندة الماراثا بحجج تاريخية مُشتكَى منها، وفشلت الإمبراطورية في توفير إمداداتٍ كافية لجيشها، ونجح الأفغان في تطويق الجيش الماراثي ومنع وصول الأرزاق عنه لأشهرٍ عدة قبل المعركة. وحين وقعت المعركة الفاصلة، كان الجيش الماراثي منهكاً جائعاً يفتقر إلى تنسيقٍ فعّال بين أجنحته المختلفة. استُخدم المدفعية الأفغانية بتفوقٍ مدمّر، وسقط القائد الأعلى سادشيف راو بهاو في المعركة، وانهار الجيش الماراثي انهياراً شاملاً. قُدِّرت الخسائر الماراثية بأكثر من ثمانيين ألف قتيلٍ بين مقاتلٍ ومرافق، وكان من بينهم نجل البيشوا بالاجي باجي راو البكر “فيشواس راو”. ومات البيشوا نفسه بعدها بأشهرٍ قليلة من الحزن والصدمة — وفق ما روته المصادر الماراثية المعاصرة.[16]
“لم تكن هناك أسرةٌ في ماهاراشترا لا تفقد ابناً أو أباً أو أخاً في بانيبات.”
— المؤرخ الماراثي كاشيراج بانديت، معاصرٌ لمعركة بانيبات، ح. 1762م
على الرغم من هذه الكارثة، أثبتت الإمبراطورية الماراثية مرونةً مدهشة؛ إذ تولّى البيشوا الشاب ماداو راو الأول (1761-1772م) مقاليد الحكم في السادسة عشرة من عمره وأطلق مرحلةً من “الإحياء الماراثي” أعاد فيها تنظيم الجيش واستعادة الأراضي المفقودة في شمال الهند وإعادة تأسيس هيبة الإمبراطورية. ووصل الماراثا إلى دلهي مرةً أخرى عام 1771م. غير أن الوفاة المبكرة لماداو راو بمرض السل عام 1772م في السابعة والعشرين من عمره كانت ضربةً لم تتعافَ منها الإمبراطورية، ودخلت بعدها في دوامةٍ من الصراعات الداخلية والتدخل البريطاني.
١١. الحروب الأنغلو-ماراثية الثلاث: الصراع مع البريطانيين
أخذت شركة الهند الشرقية البريطانية تمدّ نفوذها في شبه القارة الهندية بصبرٍ استراتيجيٍّ محسوب، متسلّلةً إلى الإمبراطورية الماراثية عبر الانقسامات الداخلية وتقديم نفسها وسيطاً في النزاعات الداخلية. وقد خيضت ثلاث حروبٍ كبرى بين الإمبراطورية الماراثية والبريطانيين في فترةٍ تمتد من 1775 حتى 1818م.
الحرب الأنغلو-ماراثية الأولى (1775-1782م): اندلعت حين تدخّل البريطانيون لدعم المطالب المتنازَع عليها للبيشوا راغوناث راو (راغوبا)، وانتهت بمعاهدة سالباي (1782م) التي استعادت فيها الإمبراطورية الماراثية جُلَّ ما فقدته، وحُسبت عموماً نصراً ماراثياً دبلوماسياً. [17]
الحرب الأنغلو-ماراثية الثانية (1803-1805م): اندلعت حين وقّع البيشوا باجي راو الثاني معاهدة باسين المُذلّة (1802م) مع البريطانيين طالباً حمايتهم في مواجهة الزعماء الماراثيين المنافسين (سينديا وهولكار). قاد البريطانيون حملتهم بمهارةٍ عسكرية لافتة بقيادة آرثر ويلزلي (الدوق ولينغتون المستقبلي قاهر نابليون) الذي هزم قوات سينديا وبهونسلي في سلسلةٍ من المعارك الفاصلة، وأُجبرت الدويلات الماراثية الكبرى على قبول تحالفاتٍ تبعيةٍ مع البريطانيين أفقدتها جزءاً كبيراً من استقلالها الفعلي.
الحرب الأنغلو-ماراثية الثالثة (1817-1818م): كانت المحاولة الأخيرة لاسترداد الاستقلال؛ حين قرّر البيشوا باجي راو الثاني والزعماء الماراثيون الكبار خوض مواجهةٍ نهائيةٍ مع البريطانيين. لكن غياب التنسيق بين قوات الكونفيدرالية المختلفة وتفوق الإمدادات والتكتيك البريطاني أفضيا إلى هزيمةٍ حاسمة؛ سقطت بونه في أيدي البريطانيين، وأُلغي منصب البيشوا، ونُفي باجي راو الثاني إلى بيثور في شمال الهند، وامتُصّت معظم أراضي الإمبراطورية الماراثية في الراج البريطاني المتمدد. وبذلك أُسدل الستار رسمياً على مئةٍ وأربعٍ وأربعين سنةً من التاريخ الماراثي الكبير.[18]
١٢. الإرث الحضاري والتاريخي للإمبراطورية الماراثية
لا يزال إرث الإمبراطورية الماراثية حاضراً بقوةٍ في الهند المعاصرة؛ فشيفاجي مهاراج بات رمزاً هوياتياً عابراً للحدود الإقليمية لدى ملايين الهنود، وصورته تتصدر البرلمان الهندي ومقارّ الحكومة الكثيرة. وتستمد ماهاراشترا الحديثة — أكبر اقتصاداتٍ الولايات الهندية ومقرّ مومباي عاصمة الاقتصاد — جزءاً من هويتها الثقافية والسياسية من الموروث الماراثي الزاهر. والأسطول البحري الهندي الحديث يعتزّ بانتسابه روحياً إلى البحرية التي أسّسها شيفاجي. وتُعلَّم ملحمة شيفاجي الحربية في أكاديميات عسكريةٍ حديثةٍ كنموذجٍ للحرب غير النظامية والتكيّف الاستراتيجي.
ويُحتجّ بتجربة الإمبراطورية الماراثية في النقاشات الأكاديمية حول الحوكمة الكونفيدرالية في الهند؛ فنظام الكونفيدرالية الذي طوّره البيشوا — حين أعطى زعماء الماراثا الكبار استقلاليةً واسعة ضمن إطارٍ يعلوه البيشوا والتشاتراباتي رمزياً — كان نموذجاً مبتكراً في الحكم الفيدرالي سبق مفاهيم الفيدرالية الأوروبية الحديثة زمنياً وإن لم تُكتب له الاستمرارية. كما يُستحضر هذا النموذج في نقاشاتٍ حول العلاقة بين المركز والأطراف في الهند الديمقراطية الحديثة.
وتظل دراسة الإمبراطورية الماراثية مجالاً أكاديمياً حياً في الجامعات الهندية والعالمية؛ وخاصةً دراسة سبب إخفاقها في مواجهة التمدد البريطاني رغم تفوقها العددي وعمقها الجغرافي. ويُحدّد المؤرخون في هذا السياق عوامل هيكليةً دقيقة: فالكونفيدرالية الماراثية كانت تجمع قوةً عسكريةً فائقة مع ضعفٍ مؤسسيٍّ بنيوي في التنسيق السياسي المركزي، وكانت تفتقر إلى مؤسساتٍ دولتيةٍ متجذّرة قادرة على الاستمرار والتكيّف أمام تحدياتٍ جيوسياسية استثنائية. في المقابل، كانت شركة الهند الشرقية البريطانية تملك تمويلاً ضخماً ودبلوماسيةً محترفة وقدرةً على الاستفادة من كل انقسامٍ داخلي ماراثي بمهارةٍ بالغة — وهي مزيجٌ استراتيجيٌّ تعذّر على الإمبراطورية الماراثية في مراحل انحلالها التصدي له بكفاءة.