الإمبراطوريةُ المغوليةُ (بالمغولية: Их Монгол Улс — يِكِه مونغول أولوس، أي “دولة المغول العظيمة”)، هي أضخمُ إمبراطوريةٍ بريةٍ متصلةٍ الأطراف في تاريخ البشرية على الإطلاق، أسّسها تيموجين بن يِسُوكَي عام 1206م بعد أن جمعَ تحت لوائه قبائلَ السهوب الآسيوية المتناحرة وأُعلن “جنكيز خان” — أي الحاكم الكوني — في اجتماع الخورولتاي الكبير على ضفاف نهر أونون. وعلى مدى عقودٍ من الفتوحات المتلاحقة والزحف الذي لم يعرف وقفةً طويلة، امتدت الإمبراطورية في ذروتها من المحيط الهادئ شرقاً حتى نهر الدانوب وشواطئ الخليج الفارسي غرباً، ومن سيبيريا الجليدية شمالاً حتى التبت والعراق جنوباً، لتغطّي مساحةً تبلغ نحو 33 مليون كيلومتر مربع، أي ما يُعادل نحو 16 بالمئة من مجموع مساحة اليابسة في الأرض.[1]
لم تكن الإمبراطورية المغولية مجرد كيانٍ سياسيٍّ عملاق؛ بل كانت ظاهرةً حضاريةً عالميةً متعددة الأبعاد عصفت بالخريطة السياسية لأوراسيا من أساسها، وأنهت ممالك وحضاراتٍ عريقة — من بينها الخلافة العباسية ودولة الخوارزميين ومملكة جين في الصين — بينما أفسحت في الوقت ذاته الطريقَ لعصرٍ من الترابط التجاري والثقافي غير المسبوق عُرف بـ”باكس مونغوليكا” (السلام المغولي). وتُقدِّر الدراسات الحديثة أن الحروب المغولية التوسعية حصدت أرواح ما بين 30 و40 مليون إنسان، أي ما يُعادل بحسب بعض التقديرات نحو 10% من مجموع سكان العالم في القرن الثالث عشر.[2]
شكّلت الإمبراطورية المغولية في هيكلها وطبيعتها نموذجاً استثنائياً للحكم؛ فهي نشأت من رحم مجتمعاتٍ بدويةٍ رحّالة لا كتابة رسميةً لها، ولا مدنٌ تعتمد عليها، ولا جيوشٌ نظاميةٌ بالمعنى الكلاسيكي — ثم انتهت إلى إدارة أكبر كتلةٍ أرضيةٍ سياسيةٍ متصلة عرفها الإنسان في التاريخ. وقد أدار المغول شعوباً تتجاوز مئة مليون نسمةٍ من عشراتٍ من الأعراق والأديان واللغات، وذلك بنظامٍ هجين يمزج بين الكاريزما الشخصية للخان وبين قانون الياسا الصارم وبين مرونةٍ إداريةٍ لافتة تسمح لكل مقاطعةٍ بالاحتفاظ بكثيرٍ من نظمها الداخلية شريطة الولاء والجزية.[3]
شهد القرن الرابع عشر انقساماً تدريجياً للإمبراطورية إلى أربعة خاناتٍ كبرى متنافسة: أسرة يوان المغولية في الصين، والخانية الإيلخانية في بلاد فارس والعراق، والقبيلة الذهبية في روسيا وسهول بونتوس-قزوين، وخانية شاغاتاي في آسيا الوسطى. وقد انحدرت هذه الخانات تدريجياً أمام ضربات الطاعون الدبلي (الموت الأسود) الذي أجرت عبر طرق التجارة المغولية، وأمام الصراعات الداخلية وموجات النهوض الوطني في الشعوب الخاضعة، حتى أسدل سقوط أسرة يوان أمام المينغ الصينيين عام 1368م الستارَ الرسمي على الإمبراطورية المغولية الموحدة. بيد أن إرثها ظل حياً في الدول التي نبتت من جذورها وفي التحولات الجيوسياسية والثقافية التي زرعتها عميقاً في التربة الأوراسية.
| الإمبراطورية المغولية | |
| الاسم الرسمي | يِكِه مونغول أولوس (Yeke Mongol Ulus) — دولة المغول العظيمة |
| العاصمة الأولى | قراقوروم (Karakorum) — في منغوليا الحديثة |
| لغات الإمبراطورية | المغولية (رسمية)، الصينية، الفارسية، التركية |
| الديانات | الشامانية (أصيلة) — البوذية — الإسلام — المسيحية النسطورية |
| التأسيس والانهيار | |
| تأسيس الإمبراطورية | 1206م — كورولتاي ضفاف نهر أونون |
| سقوط الإمبراطورية الموحدة | 1260-1294م (انقسام إلى خانات) |
| نهاية آخر الخانات | 1480م (القبيلة الذهبية / روسيا) |
| المؤسس وكبار الحكام | |
| المؤسس | جنكيز خان (تيموجين) — ح. 1162 – 25 أغسطس 1227م |
| لقب الحاكم الأعلى | خاقان (Khagan) — خان الخانات |
| خلفاء جنكيز | أوكتاي (1229-1241) — كيوك (1246-1248) — مونكه (1251-1259) |
| أعظم الحكام بعد التأسيس | قوبلاي خان (1260-1294م) — هولاكو خان (1256-1265م) |
| الجغرافيا والسكان | |
| أقصى مساحة | ~33,000,000 كم² (الإجمالي بما فيها المتقطع) [4] |
| المساحة البرية المتصلة | ~24,000,000 كم² — الأكبر في التاريخ |
| السكان في الذروة | أكثر من 100 مليون نسمة |
| الامتداد الجغرافي | من المحيط الهادئ إلى نهر الدانوب (غرب أوروبا) |
| النظام العسكري والإداري | |
| القانون الأساسي | الياسا الكبرى (Yassa) — قانون جنكيز خان |
| نظام البريد | اليام (Yam) — شبكة البريد السريع |
| التنظيم العسكري | نظام العشرات-مئات-آلاف (العشري) |
| الكتابة الرسمية | الخط الأويغوري المعدَّل (اعتُمد 1204م) |
| الخانات الأربع اللاحقة | |
| أسرة يوان (الصين) | 1271-1368م — قوبلاي خان |
| الخانية الإيلخانية (فارس) | 1256-1335م — هولاكو خان |
| القبيلة الذهبية (روسيا) | 1242-1480م — باتو خان |
| خانية شاغاتاي (وسط آسيا) | 1226-1363م — شاغاتاي خان |
| المصادر التاريخية الرئيسية | |
| السجل السري للمغول | يوان تشاو بيشي — أقدم مصدرٍ مغولي (ح. 1240م) |
| جامع التواريخ | رشيد الدين فضل الله الهمداني (ت. 1318م) |
| مسافر أوروبي | ماركو بولو — زار بلاط قوبلاي خان (1271-1295م) |
١. السهوب الآسيوية: مهد المغول وعالمهم القاسي
قبل أن يتحدث المرء عن الإمبراطورية المغولية وعبقريتها التوسعية، لا بدّ من استيعاب الوسط الجغرافي والاجتماعي الذي أنجبها؛ فسهوب آسيا الوسطى وشرقها — ذلك البحر العشبي الممتد آلاف الكيلومترات من المناطق المنغولية شرقاً حتى هضاب بونتوس غرباً — كانت موطناً لعشراتٍ من القبائل الرحّالة التي قامت حياتها على تربية الخيل والماشية وصيد الطرائد والغارات المتبادلة. لم تكن هذه الحياة هشّةً أو بدائية بالمعنى الحرفي؛ بل كانت متطورةً في منظومتها البيئية الخاصة بها: فالمغولي كان يمتطي الخيل قبل أن يتعلم المشي، ويُتقن رمي القوس من على صهوة جوادٍ يعدو بأقصى سرعته، ويصبر على البرد القارس والجوع والتعب بمقدرةٍ أسطورية.
كانت القبائل المغولية تعيش في حالةٍ مزمنة من التنافس والاقتتال؛ الكيريت والنايمان والتتار والميركيت وغيرها عشرات القبائل كانت تتحالف وتتصادم وتُبيد بعضها في دوراتٍ لا تنتهي. وكان نظامها الاجتماعي قائماً على الولاء للزعيم القبلي (“خان”) لا لمفهوم “الشعب” أو “الوطن”؛ مما كان يجعل الهزيمة العسكرية مساويةً أحياناً للإبادة، وكان الانتماء قابلاً للتغيير بتغير القوة والتحالف. في هذا الوسط القسري المتذرذر نشأ تيموجين بن يسوكي البورجيجيني الذي سيعيد رسم خريطة العالم.
تنتمي القبيلة البورجيجينية — التي ينحدر منها جنكيز خان — إلى مجموعةٍ من القبائل المغولية التي كانت تمتهن الرعي والصيد في منطقة شرق منغوليا، وكانت تمتلك تقاليد حربية موروثة عريقة. وكان جدّ جنكيز الأكبر “قابول خان” قد اتّحد مرحلياً بعضَ القبائل المغولية في مواجهة أسرة جين الصينية في مطلع القرن الثاني عشر، قبل أن يتفكك هذا الحلف ويعود كل شيء إلى اقتتال القبائل المعتاد. وكان والد جنكيز “يسوكي” زعيماً متوسط القوة لقبيلته، حتى اغتالته قبيلة التتار المنافسة بالسمّ حين كان ابنه تيموجين في التاسعة من عمره — وهو الحادث الذي سيترك في نفسه أثراً طاغياً يُشكّل شخصيته وأساليبه السياسية إلى الأبد.
٢. تيموجين: من اليتيم المُبعَد إلى جنكيز خان
وُلد تيموجين حوالي عام 1162م — وإن تباينت الروايات في تحديد السنة بدقة بين 1155 و1167م — في منطقة دِلوون بولداق قرب نهر أونون بشمال منغوليا الحديثة. وتروي “السجل السري للمغول” (Yuan Chao Bi Shi)، أقدم مصدرٍ تاريخيٍّ مغوليٍّ وُضع بعد وفاته بوقتٍ قصير، أنه وُلد وفي قبضته جلطةٌ دمويةٌ على شكل كبد، وهي في الموروث الشعبي المغولي علامةٌ على القدر العظيم والبأس الاستثنائي.[5]
حين اغتُيل أبوه يسوكي بالسمّ، تخلّى معظم رجال القبيلة عن الأسرة الصغيرة التي باتت بلا حامٍ ولا معيل في السهوب القاسية، وظلّت الأم هوئيلون مع أبنائها الصغار تعيش على جمع الثمار البرية والجذور وصيد القوارض. وفي هذا الظلام التشرّدي نضج تيموجين الصغير متعلّماً درسين جوهريَّين لن ينساهما: أن الولاء لا يُشترى بالدم والنسب بل بالقوة والعطاء، وأن البقاء في عالم السهوب يستلزم بناء تحالفاتٍ وانتزاع الوفاء قبل أن يُنتزع منك. وقد أُسر في شبابه فترةً من قِبَل قبيلة تايشيوت وأُلبس قلاداً خشبياً كالعبيد، لكنه أفلح في الفرار والانضمام إلى أنصارٍ قلائل بدأ بهم تجميع قوته.
كانت زيجته من “بورتيه” ابنة زعيم قبيلة كونغيرات خطوةً سياسيةً محورية؛ فالتحالف مع الكونغيرات فتح أمامه أبواب علاقاتٍ قبلية أوسع، غير أن اختطاف بورتيه من قِبَل قبيلة الميركيت بُعيد زواجهما أشعل في تيموجين نيران الحماس القتالي وعجّل في بناء تحالفاته العسكرية. فتّح تيموجين قنوات التواصل مع تحالفَين قويَّين: “توغريل” زعيم الكيريت الذي كان حليفاً قديماً لأبيه، و”جاموقا” صديقه في الطفولة، وانتزع بقواتهم المتحدة استعادة بورتيه ودكّ حصون الميركيت.[6]
على مدى عقدَين من الصراعات القبلية المتصاعدة (1185-1206م) تقريباً، مضى تيموجين يستوعب القبائل المهزومة — خلافاً لعادة الإبادة السائدة — مُسقطاً قادتها ومُدمجاً مقاتليها في بنيته القبلية بشرط الولاء المطلق له شخصياً لا للنسب. كما أبطل الألقاب الأرستقراطية الموروثة وأسّس لمبدأ الجدارة والكفاءة معياراً للترقي العسكري، فاستقطب بذلك المقاتلين الأكفاء من شتى القبائل بصرف النظر عن أصولهم. وبعد إلحاق الهزيمة بتوغريل الكيريتي ثم القضاء على جاموقا آخر منافسيه الكبار عام 1205م، أصبح تيموجين السيد المطلق لكل السهوب المغولية.
٣. كورولتاي 1206م: لحظة ميلاد الإمبراطورية
في عام 1206م، استدعى تيموجين مجلساً قبلياً عاماً (“كورولتاي”) على ضفاف نهر أونون، حضره زعماء القبائل المغولية المتحدة وأعيانها وقادتها، وأُعلن فيه تيموجين “جنكيز خان” — الذي يُترجَم بمعنى “الحاكم الكوني” أو “الأمير السيد العظيم” — وهو اللقب الذي حمل في ثناياه أيديولوجيا السيادة المطلقة على كل البشر تحت قبة السماء. كان هذا الحدث نقطة انطلاق “الدولة المغولية الكبرى” (يِكِه مونغول أولوس) التي ستُعدُّ لاحقاً بدايةً رسميةً للإمبراطورية المغولية.[7]
أعلن جنكيز خان في الكورولتاي جملةً من الإصلاحات الجذرية التي أعادت هيكلة المجتمع المغولي من قاعدته: فألغى النظام القبلي التقليدي وحلّ محله التنظيم العسكري العشري — وحدات من عشرة مقاتلين تتجمع في مئةٍ ثم ألفٍ ثم عشرة آلاف تُسمّى التومان — وعيّن القادة بحسب الكفاءة المُثبَتة في المعارك لا بحسب الانتماء القبلي أو الحسب العائلي. وأسّس الحرس الإمبراطوري الشخصي (“كيشيك”) المؤلف من عشرة آلاف محارب مختار من أبناء الزعماء والنبلاء ممن يُعطَون رهائنَ لضمان ولاء عائلاتهم. وأعلن تبنّي الخط الأويغوري الذي اقتبسه من الكتّاب الأسرى من قبيلة النايمان لكتابة اللغة المغولية وتوثيق سجلات الدولة وقوانينها.
أتمّ جنكيز في الوقت ذاته سنّ قانون “الياسا الكبرى” (Yeke Yasa) الذي مثّل النظام القانوني الأساسي للإمبراطورية؛ وكان هذا القانون المنقول شفهياً ثم المدوَّن يشمل أحكاماً تطال كل أوجه الحياة: من تحريم سرقة الماشية ومعاقبة الخيانة بالإعدام، إلى ضمان حرية الدين لجميع الرعايا، ومنع الكنائس والمساجد والمعابد من الضرائب، وفرض الضيافة الإلزامية للرُّسل والتجار الذين يحملون وثائق المرور الإمبراطورية (“بايزة”).[8]
٤. الآلة العسكرية المغولية: علم الحرب على ظهور الخيل
أحدثت الجيوش المغولية ثورةً عسكريةً حقيقية في فن إدارة الحروب؛ فهي لم تكن تفوق أعداءها عدداً في أغلب معاركها — بل كثيراً ما كانت أقل عدداً من جيوش المدن المحاصَرة — غير أنها كانت تتفوق عليها في السرعة والتنسيق والذكاء الاستراتيجي والانضباط الحديدي. كان الجندي المغولي الاعتيادي يمتلك ثلاثة خيولٍ على الأقل، ويتبادل الركوب عليها لتجنّب الإجهاد والحفاظ على سرعة الزحف، مما منح الجيوش المغولية قدرةً على قطع مئةٍ وخمسين كيلومتراً في اليوم الواحد — سرعةٌ أذهلت معاصريهم وجعلت الانسحاب أمامهم ضرباً من المستحيل في أغلب الأحيان.
طوّر المغول إلى مستوىً فائقٍ تقنية القوس المركّب (Composite Bow) المصنوع من طبقاتٍ من الخشب والعظم والعقب، وكان مداه يبلغ ثلاثمئة متر وقادراً على اختراق الدروع المتوسطة. وكان المغولي يُطلق النار بدقةٍ مذهلة وهو يعدو على جواده أو يُدير ظهره في التقهقر المفتعل — وهو ما يُعرف بـ”ضربة البارثيين”، وقد رفعه المغول إلى حدّ الإتقان الأسطوري. وكان التقهقر المُتظاهَر به تكتيكاً ثابتاً في خزانتهم الحربية: يُوهمون العدو بالانسحاب ليستدرجوه خارج مواقعه المحصّنة، ثم يلتفّون بسرعةٍ خاطفة محاصرين إياه من أجنحته ومؤخرته.
في حصار المدن، كان المغول يتعلّمون بسرعةٍ استثنائية من المهندسين والحرفيين الذين يأسرونهم؛ فاستوعبوا علوم المنجنيق والتابوت والنفط المشتعل والحرب بالنار من الصينيين والفرس والمسلمين وعلماء الحرب في آسيا الوسطى. وبحلول أواسط القرن الثالث عشر، كانت لدى الجيش المغولي وحداتٌ هندسيةٌ متخصصة من كل تلك الحضارات تُدير آلاتٍ حصاريةً متطورة بات يتعذّر على أي مدينةٍ الصمود طويلاً أمامها. وكانوا يُوظّفون سلاح الإرهاب النفسي توظيفاً استراتيجياً: يُرسلون رسلاً قبل القتال بعروض الاستسلام مع وصفٍ دقيقٍ للمصير الذي ينتظر من يرفض، فكانت مدينةٌ تستسلم دون قتالٍ تُعامَل بمرونةٍ نسبية، بينما المدينة التي تقاوم تواجه مصيراً مرعباً.[9]
٥. الفتوحات الكبرى: من الصين إلى بحر قزوين
انطلقت حملات الفتح المغولي بعد عام 1206م في موجاتٍ متعاقبة تكاد لا تلتقط أنفاسها؛ فبدأ جنكيز بضرب مملكة شي شيا (تانغوت) في شمال غرب الصين عام 1209م، وانتزع منها اعتراف التبعية بعد حصارٍ مُضنٍ. ثم توجّه شمالاً بضربةٍ فادحة نحو امبراطورية جين الجورشنية (الصين الشمالية)، التي كانت تبدو شبه منيعةٍ بعشراتٍ من المدن المسوّرة وجيشٍ ضخم، لكن المغول أسقطوا الأحكام الواحدة تلو الأخرى، وفي عام 1215م سقطت بكين (تشونغدو) ودخل جنكيز المدينة العظيمة التي احترقت لأسابيع وفق الروايات، ولم يتمكّن المغول من استكمال احتلال كل الأراضي الجينية إلا في عهد خلفائه.[10]
وفي الغرب، أشعلت كارثةٌ دبلوماسيةٌ فتيلَ أعنف حملة على الإطلاق؛ فحين أرسل جنكيز قافلةً تجاريةً ضخمة مع سفارةٍ رسمية إلى سلطنة الخوارزم يطلب فتح أبواب التجارة، أمر الوالي الخوارزمي بإعدام أفراد القافلة وقطع رؤوس الرسل. كانت هذه الإهانة بمثابة حكم الإعدام على الدولة الخوارزمية بأسرها؛ إذ انطلق جنكيز في عام 1219م على رأس ما يتراوح بين مئةٍ وخمسين ومئتَي ألف مقاتل — وهو رقمٌ هائل لذلك العصر — ليمحو دولة الخوارزميين التي كانت تضم أزهر حواضر الحضارة الإسلامية. سقطت سمرقند وبخارى وهراة ومرو وغيرها الواحدةَ تلو الأخرى في مشاهد حصارٍ ودمارٍ وصفها الرحّالة والمؤرخون المعاصرون بعبارات الذعر والكارثة المطلقة، وهرب السلطان محمد الثاني الخوارزمي مُطارَداً حتى مات على جزيرةٍ في بحر قزوين.[11]
فيما كان جنكيز خان يشتبك شخصياً في المشرق، أرسل قائديه الأكفأَين — “جِبِه” و”سوبوتاي” — في حملةٍ استكشافية عميقة اخترقت القوقاز وأوكرانيا ووصلت حتى أطراف سهول بولندا، فحطّمت جيوش القبائل الكوبتشاكية والتحالف الأمير الروسي في معركة نهر قالقا عام 1223م، ثم عادت. وكانت هذه الحملة الاستطلاعية الضاربة مقدمةً لاجتياحٍ مغولي أشمل على روسيا سيتحقق بعد سنواتٍ قليلة في عهد باتو خان.
توفي جنكيز خان في الخامس والعشرين من أغسطس 1227م أثناء حملته ضد مملكة شي شيا التي كانت تمرّدت على العهد، ولا يزال سبب وفاته ومكان قبره غامضَين؛ فوفق أوامره المُعلَنة، دُفن في مكانٍ مجهولٍ بلا علامات وبلا شواهد — وقد اضطُلع بذلك بإخفاء الموكب الجنائزي في سرية تامة — وقيل إن من شاهدوا موضع الدفن أُعدموا لضمان بقاء السر. ولا يزال قبر جنكيز خان من أعظم الألغاز الأثرية التي تبحث عنها البعثات الدولية في منغوليا حتى اليوم دون أن تتوصل إليه.
٦. عهد الخلفاء: أوكتاي خان وتوسعٌ لا يعرف حدوداً
خلفاً لجنكيز خان في عام 1229م الابنُ الثالث أوكتاي خان بعد كورولتاي جديد عيّنه خاقاناً — إذ كان جنكيز قد أوصى به خليفةً وفق قراءة بعض المؤرخين — وتابع التوسع بطاقةٍ هجوميةٍ لم تَخبُ. ففي الشرق، أكمل أوكتاي استئصال أسرة جين الصينية بسقوط عاصمتها كايفينغ عام 1234م، واستكمل التهام شمالي الصين بأسره. وفي الغرب، بعث بجيشٍ هائل بقيادة حفيد جنكيز “باتو خان” وخبرة الجنرال الأسطوري “سوبوتاي”، الذي كان قد اكتشف نقاط ضعف المشهد الروسي-الأوروبي في حملته السابقة.
بين عامَي 1237 و1242م، انتشرت الجيوش المغولية في روسيا وأوروبا الشرقية انتشاراً يُصعب تصوّره؛ فسقطت كييف عاصمة روسيا الكبرى عام 1240م وأُحرقت حتى لم يبق منها إلا أحياءٌ متفرقة. وتابع المغول غزوهم حتى بولندا وهنغاريا، ففي معركة ليغنيتز (1241م) في بولندا دكّوا تحالفاً من الفرسان البولنديين والتيوتونيين والألمان دكّاً مروّعاً، وفي المرحلة ذاتها سحقوا الجيش الهنغاري الكبير في معركة موهي. وبات الطريق إلى قلب أوروبا الغربية مفتوحاً نظرياً أمامهم — ثم جاء نبأ وفاة الخاقان أوكتاي في ديسمبر 1241م ليُوجب العودة لتسوية أمر الخلافة، فانسحب المغول من أوروبا دون أن يتوغلوا في عمق ألمانيا وفرنسا ما قد يعيد كتابة تاريخ أوروبا كلياً.[12]
٧. سقوط بغداد 1258م: نهاية الخلافة العباسية
يُعدّ الحصار المغولي لبغداد عام 1258م من أشد الصدمات الحضارية التي مرّت على العالم الإسلامي في تاريخه القديم والوسيط؛ إذ كانت بغداد منذ تأسيسها عام 762م — وعبر خمسة قرونٍ متصلة — عاصمةَ الخلافة العباسية ومركز الثقل الحضاري والعلمي والاقتصادي لعالم الإسلام الأوسع، ومقرّ “بيت الحكمة” الذي أسهم في ترجمة علوم اليونان والفرس والهند وتطويرها وإنتاج موروثٍ علميٍّ إنسانيٍّ لا يُقدَّر. وكانت تضم في ذروتها مليوناً من السكان فأكثر.
توجّه هولاكو خان، حفيد جنكيز ومؤسس الخانية الإيلخانية، نحو المنطقة الإسلامية منذ 1256م، فأبدّ أولاً قلعة ألموت معقل الإسماعيلية النزارية (“الحشاشين”) وأتلف مكتبتها التي وُصفت بأنها “لا تُقدَّر قيمةً”. ثم أرسل إلى الخليفة العباسي المستعصم بالله — السابع والثلاثين من سلسلة الخلافة — يطالبه بالاعتراف بالسيادة المغولية، فردّ المستعصم برسالةٍ متحدّيةٍ غير مُدرِك لحجم الكارثة المُقبلة عليه. وفي مطلع عام 1258م، زحف جيشٌ مغوليٌّ يُقدَّر بأكثر من مئةٍ وثلاثين ألف مقاتلٍ — يضم مساعدين من الأرمن والجورجيين والصينيين والفرس الإيرانيين — على بغداد وطوّقها من كل الجهات.[13]
استمر الحصار أسبوعاً واحداً فحسب قبل أن تسقط دفاعات المدينة في العاشر من فبراير 1258م، وكان ما تلا ذلك من مجزرةٍ واسعة وحرق وتدمير مصدرَ جدلٍ تاريخيٍّ واسع؛ فالمصادر الإسلامية تحدثت عن مئةٍ وخمسين ألف قتيل أو ثلاثمئة ألف أو أكثر، فيما تحدث المصادر المغولية عن أرقامٍ أدنى. وقُتل الخليفة المستعصم — وإن اختلفت الروايات في طريقة الإعدام — وقد دُرج جسده في لُبَدٍ من الصوف وعُدي عليه بالخيل وفق إحدى أبرز الروايات. كما ذكر المؤرخون أن مخطوطات بيت الحكمة أُلقيت في نهر دجلة حتى اسودّ الماء بمدادها وصار جسراً من أوراق الكتب.[14]
غير أن سلطة التاريخ الأكاديمي الحديث دفعت نحو قراءةٍ أكثر دقةً وتركيباً لأثر سقوط بغداد؛ فالباحث دونالد ليتل وغيره أشاروا إلى أن بيت الحكمة كان قد فقد كثيراً من بريقه ووظيفته المركزية قبل 1258م بعقود، وأن كثيراً من العلماء وكنوز الكتب نجت أو نُقلت إلى مناطق أخرى. والأكيد أن الخانية الإيلخانية التي أسسها هولاكو صارت بعد عقودٍ قليلةٍ راعيةً للعلوم والفنون الفارسية-الإسلامية، واعتنق خانها غازان الإسلام عام 1295م ورعى مشاريع علميةً كبرى أبرزها الموسوعة التاريخية الكبرى التي أشرف عليها وزيره الأكبر رشيد الدين الهمداني.
٨. معركة عين جالوت 1260م: أول هزيمةٍ مغوليةٍ كبرى
حين تابع المغول تقدمهم نحو بلاد الشام بعد سقوط بغداد، سقطت حلب ودمشق في يدهم عام 1260م، ووصلت طلائعهم حتى غزة وتهدّدت مصر الفاطمية — ثم الأيوبية — ثم المملوكية بالمصير ذاته. لكن المملوكَين الكبيرَين سيف الدين قطز وبيبرس أدركا أن المواجهة الحاسمة لا مناص منها، فحشدا قواتهما وساروا نحو الشمال. وفي الثالث من سبتمبر 1260م، التقى الجيشان في سهل عين جالوت بفلسطين في معركةٍ وصفها المؤرخون بأنها من أكثر المعارك أثراً في التاريخ الإنساني.
أوهم بيبرس المغولَ بالتقهقر المفتعل — مستعيراً تكتيكهم الشهير ضدهم — ثم انقضّ عليهم من جوانبٍ متعددة في اللحظة المحسوبة بدقة. وفرّ قائد المغول “كِتبُوقا” ثم أُسر وأُعدم، وهُزم الجيش المغولي هزيمةً تامة لم يألف مثلها منذ تأسيس الإمبراطورية. كانت عين جالوت بمثابة جواب الإنسانية على سؤالٍ لم يكن لدى كثيرين ثقةٌ في معرفة إجابته: “هل للمغول حدٌّ لا يتجاوزونه؟” وقد أثبتت المعركة أن للآلة الحربية المغولية حدودها القصوى.[15]
٩. باكس مونغوليكا: السلام المغولي وإحياء طريق الحرير
رغم الدمار الذي خلّفه الزحف المغولي، فإن الفترة الممتدة تقريباً بين 1250 و1350م شهدت ما بات يُعرف في الأدبيات التاريخية بـ”باكس مونغوليكا” أو “السلام المغولي”؛ وهي حقبةٌ تمتعت فيها الأقاليم الخاضعة للسيادة المغولية بقدرٍ غير مسبوق من الاستقرار النسبي وأمن الطرق التجارية، مما جعل الانتقال بين شرق آسيا وأوروبا مرّاً بآسيا الوسطى أكثر أماناً وانتظاماً وسهولةً مما كان عليه في أي عصرٍ سابق.[16]
كان العمود الفقري لهذا النظام التجاري نظامُ اليام (Yam)؛ وهو شبكةٌ متطورةٌ من محطات البريد المتسلسلة التي تتوزع على مسافاتٍ منتظمة عبر الأراضي المغولية، مزوّدةٍ بخيولٍ طازجةٍ دائماً وعتادٍ وغذاء. مكّنت هذه الشبكة الرسلَ الإمبراطوريين من قطع مسافة ثلاثمئة كيلومتر يومياً، وأتاحت للتجار الحاملين للبايزة (صحيفة الأمان الإمبراطورية) التنقلَ بضمانٍ رسميٍّ من قِبَل الدولة. وقد رصد المسافر البندقي ماركو بولو هذا النظام وصفاً مفصّلاً في رحلته الشهيرة التي قضى فيها سبعة عشر عاماً في خدمة قوبلاي خان.
أتاحت هذه البيئة نقلَ موجاتٍ متتاليةٍ من المعرفة والتقنية بين حضارات كانت مُنقطعةً في ما بينها قبلاً: نقلت إلى أوروبا معارف الورق والبوصلة والبارود والمطبعة من الصين، وحملت إلى الصين تقنياتٍ خاصة بصناعة المنجنيق المُطوَّر من المسلمين والبيزنطيين. وتكشف الدراسات التاريخية أن المعرفة الطبية الإسلامية-اليونانية ترجّحت إلى أوروبا الغربية عبر هذه الشبكة، وأن الأعداد العربية-الهندية توطّنت في أوروبا تعزيزاً من خلال هذه القنوات التجارية.
غير أن الوجه الآخر المأساوي لهذه الشبكة كان نشر الطاعون الدبلي (“الموت الأسود”) بسرعةٍ غير مسبوقة عبر القارة الأوراسية؛ إذ يرى كثيرٌ من الباحثين أن سهولة التنقل التي أوجدتها الشبكة المغولية أسهمت في انتشار الوباء من آسيا الوسطى نحو الشرق الأوسط ثم أوروبا، حيث حصد في الغرب الأوروبي وحده ما بين ثلاثةٍ وخمسين بالمئة تبعاً للمنطقة والفترة.
١٠. قوبلاي خان وأسرة يوان: المغول يحكمون الصين
كان قوبلاي خان (1215-1294م)، حفيد جنكيز وابن تولوي، الشخصيةَ المغولية الأبرز في الجيل الثالث من الحكام؛ فهو من أكمل فتح الصين بإسقاط أسرة سونغ الجنوبية عام 1276م بعد سنواتٍ من الحرب المضنية في المناطق النهرية والأراضي الرطبة التي لا يألفها المقاتلون المغول الفرسان. وأعلن قوبلاي عام 1271م تسمية خانيته رسمياً بـ”أسرة يوان” (Yuan Dynasty) بدلاً من الاسم المغولي، في إشارةٍ إلى استيعابه لمعايير الشرعية الصينية التقليدية. وغدا بذلك المغول أول شعبٍ من خارج الصين يحكمون أراضيها بأسرها — من الشمال إلى الجنوب — في تاريخ الحضارة الصينية الذي يتجاوز ألفَي عام.[17]
أسّس قوبلاي خان عاصمتَه الصيفية في خانبالوق (بكين الحديثة) وهيّأ بلاطاً باهراً يجمع العلماء والفنانين والتجار من كل الدنيا؛ كان من بينهم ماركو بولو الذي خدم قوبلاي سبعة عشر عاماً وكتب وصفاً مذهلاً لبلاطه وبلاده أثار دهشة أوروبا وفتح شهيتها على الشرق. وفي الوقت الذي نجح فيه قوبلاي داخل الصين، فشل في توسّعه البحري خارجها: فقد أُرسل أسطولان ضخمان لغزو اليابان عامَي 1274م و1281م، فأتلفتهما عواصفُ بحريةٌ قوية أسمّاها اليابانيون “كاميكازي” (الريح الإلهية)، وأُلحقت الهزيمة بمحاولات التوسع نحو فيتنام وجاوا وميانمار أيضاً، مثيرةً شكوكاً جدية حول قابلية النموذج الحربي المغولي للتصدير خارج السهوب والأراضي القارية.
١١. الخانات الأربع: تفتت الوحدة المغولية
بدأ التشقق في جسد الإمبراطورية منذ وفاة مونكه خان عام 1259م دون خليفةٍ مُعيَّن، مما أشعل “حرب تولويد” الأهلية بين أخوَيه قوبلاي وأريق بوكه. وحين انتصر قوبلاي وأحكم سيطرته، اتضح أن مراكز القوى الأخرى في الإمبراطورية لم تعد ترى في طاعة خاقان واحدٍ ضرورةً حتمية. وتبلورت الخانات الأربع الكبرى المتنافسة:
أولاً — أسرة يوان (الصين): الأقوى والأوسع، مركزها بكين، أسسها قوبلاي عام 1271م وأدارت الصين وجزءاً من منغوليا. وكانت تعترف نظرياً بتفوقها على سائر الخانات وإن لم يُحوَّل هذا الاعتراف إلى واقعٍ فعلي. سقطت أمام ثورة أسرة مينغ الصينية عام 1368م.
ثانياً — الخانية الإيلخانية (فارس والعراق): أسسها هولاكو خان حوالي 1256م وضمّت إيران والعراق وأجزاء من تركيا والقفقاس. شهدت تحولاً دينياً مهماً حين اعتنق الخان غازان الإسلام عام 1295م، ورعت في أيام رشيد الدين الهمداني إنتاجاً علمياً وثقافياً رفيعاً. انهارت عام 1335م بسبب الصراعات الداخلية والكوارث الطبيعية.
ثالثاً — القبيلة الذهبية (روسيا والسهول الغربية): أسسها باتو خان وتضم روسيا وأوكرانيا وكازاخستان الحديثة وأجزاء من رومانيا وبلغاريا. اعتنقت الإسلام في عهد الخان بَركة وتحولت إلى قوةٍ إسلامية رائدة. استمرت أطول الخانات عمراً وأثبتها، وانتهت رسمياً بانتصار الأمير الروسي إيفان الثالث عام 1480م.[18]
رابعاً — خانية شاغاتاي (آسيا الوسطى): أسسها شاغاتاي ابن جنكيز وضمت تركستان وما وراء النهرين ومعظم أفغانستان. ظلّت الأكثر تمسكاً بالموروث الرعوي المغولي وأبطأها في الانصهار في حضارات المنطقة المحيطة. تفككت عام 1363م إثر صراعاتٍ داخلية بين أجنحة المتنافسين.
١٢. الانهيار والأسباب العميقة للتفكك
تتضافر في تفسير انهيار الإمبراطورية المغولية عواملُ عدةٌ بالغة التعقيد والتشابك؛ فعلى الصعيد الداخلي، افتقرت الإمبراطورية إلى قانونٍ واضحٍ للخلافة يحدد سلفاً من يخلف الخاقان، مما جعل كل وفاةٍ للخاقان حدثاً يفتح باب الاقتتال الداخلي المُستنزِف على مصراعيه. وكانت عادة تقسيم الأراضي بين أبناء الخاقان الراحل — تكريساً للتقليد المغولي القبلي — تُفضي حتماً إلى تفتيتٍ تراكميٍّ لبنية الإمبراطورية الواحدة إلى كياناتٍ منفصلة.
وعلى صعيد الاستيعاب الثقافي، كان المغول في كل منطقةٍ يستوعبهم المجتمع المحلي بدلاً من أن يستوعبوه: فمغول الصين تحولوا بسرعةٍ إلى حكام بيروقراطيين على النمط الصيني، ومغول فارس اعتنقوا الإسلام وتكلموا الفارسية ورعوا فنونها، ومغول روسيا اختلطوا بالشعوب التركية القبتشاقية. وهكذا، بعد جيلَين أو ثلاثة، لم يعد المغول وحدةً هوياتيةً متماسكة يشكّل الانتساب إليها قوةً استراتيجية.
أما العامل الحاسم الذي أسرع الانهيار فكان الطاعون الدبلي؛ إذ يرى المؤرخون المعاصرون أن المرض انتشر من بؤرٍ في السهوب الآسيوية عبر شبكات التجارة المغولية، وضرب الخانات المغولية ذاتها بلا رحمة. ففي الأربعينيات من القرن الرابع عشر كانت مدن الخانية الإيلخانية وسواها تُحصد شعوبها حصداً. وقد أضعف الطاعون القاعدة السكانية والضريبية والعسكرية للخانات، فسهّل ثورات الشعوب الخاضعة عليها: ثورة المينغ في الصين عام 1368م، ونهوض روسيا الأميرية في القرن الخامس عشر.[19]
١٣. الإرث الحضاري: ما تركته الإمبراطورية للتاريخ
يمتد إرث الإمبراطورية المغولية بعيداً خارج نطاق الدماء والدمار الذي طالما حتجب الرؤية الواضحة لأثرها الحضاري الأعمق. فعلى صعيد التاريخ السياسي، شكّلت الإمبراطورية الوسط المباشر الذي نشأت فيه الدولة الروسية الموحدة؛ فإدارة المغول لروسيا — بنظامها الضريبي والبريدي المركزي — علّمت الأمراء الروس نموذجاً في الحكم المركزي الصارم كانت الأرضية المشتعلة التي قامت عليها دولة موسكو الموحدة لاحقاً. كما أن سقوط بغداد أعاد رسم الخريطة الدينية والسياسية للإسلام، إذ دفع مركز الثقل الإسلامي نحو القاهرة في مرحلة المماليك، ونحو إسطنبول في مرحلة العثمانيين.
وعلى صعيد التلاقح الحضاري، يُجمع المؤرخون على أن الحقبة المغولية كانت من أكثر العصور خصوبةً في نقل المعارف والتقنيات بين الحضارات؛ فطريق الحرير في أزهى عصوره المغولية حمل الورق والبارود والبوصلة والنودلز من الصين إلى الغرب، وحمل الهندسة المعمارية الإسلامية وعلوم الفلك والرياضيات والطب إلى الصين ومنغوليا. وقد استلهم الفيلسوف الإيطالي بوكاتشيو وغيره من شخصيات ماركو بولو الرحلاتية مادةً تخيلاتٍ ألهبت الفضول الأوروبي نحو آسيا.
وتبقى في ذاكرة التاريخ الإنساني مفارقةٌ خالدة تُلخّص الإمبراطورية المغولية في كل تعقيداتها: أن الشعب الذي قدّم لأوروبا الغرب الرعوانيَّ المُدمِّر كان هو نفسه الشعب الذي مهّد الطريق نحو عصر الاكتشافات الجغرافية والتبادل الحضاري الكبير الذي ستبنى عليه الحداثة الأوروبية. وكان جنكيز خان ذاته يعي أن ما يبنيه لن يدوم إلا بوحدة أبنائه، إذ قال وهو على فراش المرض:
“أتركُ لكم أعظم إمبراطوريةٍ في العالم، لكن الحفاظ عليها رهينٌ ببقائكم متحدين. إن تسلّل الخلاف إليكم، فستضيع كلها لا محالة.”
— جنكيز خان، منقولاً عن السجل السري للمغول وتاريخ رشيد الدين الهمداني، ح. 1227م
وقد صدق حدسُه؛ فالإمبراطورية المغولية انتهت فعلاً بالخلاف. بيد أن ما زرعته من بذور الترابط الأوراسي والتحديث الإداري وتلاقي الحضارات لم يُمتُ مع وفاتها، بل أثمر في أشكالٍ لا تحصى في حياة الشعوب التي طالها مدّها وجزرها.